Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تنصرف كلمة/ مفهوم الجيل إلى الحقبة التي ظهر فيها الشبان كتيار سياسي ثقافي في حياة الجزائريين مطلع القرن العشرين خلال حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر. و الشبان كما تُظْهرهم مواقفهم، آرائهم و كتباتهم في صلتهم بالوضع الجزائري المتخلف، و في علاقتهم بالوجود الفرنسي يمثلون فعلا جيلا متميزا في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية باعتبارهم مؤسسين لثقافة سياسية جديدة تنحو إلى التخلص من الحالة الاستعمارية و تعمل على وضع المعالم السياسية و الفكرية للخروج من وهْدَة التَّخَلف الحضاري و التاريخي المتوارث عن قرون التراجع الإسلامي و العربي، فضلا على الدور السلبي للاستعمار الفرنسي. و الشبان، كما يبدون في  الدراسات و البحوث العلمية، يمثلون جيلا وَعَى العالم في صلته بالسياسة باعتبارها شأنا عاما، يعني الفرنسيين كما يعني المسلمين الجزائريين، ومن ثم فيمكن للأهالي أن يصبحوا مواطنين تخاطبهم القوانين الوضعية التي تصدر عن سلطة الدولة إذا ما اندرجوا في النشاط السياسي العام، و امتلكوا ناصية المدنية الجديدة كما تقضي بذلك القوانين الفرنسية نفسها. فجيل الشبان هو الجيل الذي استطاع أن يستخلص من الوجود الفرنسي ما يوحي أو يؤشر على إمكانية تجاوز الوجه الاستعماري فيه ومن ثم نشدان الحياة المدنية الحديثة عندما تعني الدولة و مؤسساتها.

و هكذا، فان الإشكالية التي رسمها الرعيل الأول من الوطنيين الجزائريين تبدو كَمَعْلَم مضيء، في تاريخ الجزائر الحديث المناهض للإستعمار عبر الفكر السياسي والثقافة المدنية، و السعي إلى امتلاك الحداثة في كل تجلياتها و مظاهرها و أبعادها. فالإشكالية التي تَصَدّى لها الشبان الجزائريون هي المسألة الأهلية التي كانت تنطوي على الحق في المواطنة مع الاحتفاظ بنظام الأحوال الشخصية الإسلامي. و بتعبير آخر، البحث أو التطلع إلى وضع المواطن المسلم الحديث. و هذا هو المَعْلَم البارز في الثقافة السياسية الجزائرية الحديثة. و الإشكالية كما صاغها الشبان باعتبارهم الجيل المؤسس لا تلغي بحال بعض الجهود الفردية في المسألة الأهلية كما ظهرت مثلا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر , إلا أن الفضل الكبير يعود إلى الشبان في تأطير  و بلورة الوعي السياسي حول المسألة الأهلية ضَدََّا على الحقيقة الاستعمارية. و هذا ما يبرزهم كجيل بالمعنى الحديث للمصطلح / المفهوم، كما حاول أن يتعامل معه المفكر و عالم الاجتماع كارل مانهايم Karl Mannheim، في مُؤَلَّفه الرَّائد "مشكلة الأجيال"[1]، الصادر عام 1928، أي بالمعنى الذي يشير إلى هذا الجيل الذي تفاعل مع قضيته المركزية إلى  حد التماهي معها، و صارت تُعْرَف به أو يُعْرَف بها.

ففي رأي الشبان الجزائريين، أن المسلم الجزائري  يحتفظ بجملة من الملامح والخصائص التي تصُونه عن التّيه عن العقيدة مثلا، كما يمتلك مفاهيم يدرك بها معاني السعادة  و النفع العام و التمييز بين الحق و الباطل، لكنه في ذات الوقت يريد، كما يرى دائما الشبان، أن يمتلك أشياءً جديدة من وحي الحداثة السياسية والثقافة المدنية من أجل أن يرتقي على غرار الفرنسيين إلى مصاف المواطن في الدولة الحديثة. و المواطنة، كما يدركها الشبان لا تلغي الإسلام عقيدة و شريعة أيضا و هو من هذه الناحية يمثل حلقة التواصل في حياة الإنسان الجزائري الحديث. و من هنا انجاز الشبان عندما يضَعُون العلامة الفَاِرَقة (المَعْلَم) بينهم كجيل وبين ما تم في السابق، أي الإصرار على حق المواطنة بكل ما تعني الكلمة و ما تنطوي عليه من دلالات سياسية، مدنية و اجتماعية و ثقافية. و لا نضيف جديدا، إذا قلنا أن القضايا الكبرى التي تعامل معها جيل الشبان هي التي تواصلت معها الحركات والتيارات و الشخصيات الجزائرية التي جاءت بعدهم عقب الحرب العالمية الأولى إلى غاية 1954، و لو ببعض التفاوت في صياغة المعاني للمطالب السياسية والاجتماعية و الاقتصادية. و عليه، فان فكرة الجيل، التي تعني عند كارل مانهايم التواصل أيضا و ليس بالضرورة الانقطاع الثوري أو الراديكالي[2]، تجد تعبيرها أيضا عند الشبان الجزائريين عندما تعني التلاحق الذي يضيف فيه الثاني إلى الأول، ويعتمد فيه الثاني بالضرورة على الأول، و من ثم يفتح مجال البحث التاريخي العلمي للبحث عن خصائص الأجيال و نوعية الإضافات التي تلاحقت عبر الحقب و المراحل، خاصة الوقوف على النسق الفكري لكل جيل.

استعاض كارل مانهايم  فكرة الجيل بدلا من فكرة أو مفهوم الجماعة التي كانت متداولة بشكل واسع في البحوث و الدراسات الاجتماعية في وقته (عشرينيات القرن العشرين)، لأن مفهوم الجيل يشير في رأيه إلى الوضعية العامة التي عاصرها الأشخاص و أثرت فيهم و تفاعلوا معها، حتى صاروا يمثلون "ظاهرة اجتماعية"، بكل ما تحمل من زخم التاريخ و دينامية الفكر و الثقافة. و بهذا المعنى، فالبحث عن فكرة الجيل تُوَضِّح أكثر الموضوع و تساعد على قابلية فهمه. فجيل الشبان الجزائريين جيل ينتمي أفراده إلى جملة من القواسم و الخصائص و التطلعات المشتركة من السهولة أن نحددها عبر البحث و المعالجة التاريخية  و من ثم نقف على الوضعية الاجتماعية التي تشير إليهم كجيل/مَعْلم. في معنى الوضعية الاجتماعية كتب مانهايم :" الوضعية تشمل الأفراد في حقل من الإمكانات المحددة و تساعد على ظهور طريقة خاصة في التفكير و في  خوض التجارب و كذلك طريقة خاصة في أسلوب التدخل في سيرورة التاريخ"[3].

و الشبان، لمَّا يُنْظَر إليهم كجيل مؤسس للوعي السياسي الجزائري الجديد هم عناصر جديدة[4] لما يَحْمِلون و يَحْلَمُون بمشروع دولة جزائرية خلافا على ما كان سائدا لدى "جيل" المقاومة الجزائرية المسلحة خلال القرن التاسع عشر حيث سادت أكثر فكرة القبيلة و العشيرة. فالوعي السياسي عند الشبان الجزائريين  هو قوة دينامية، يتطلع إلى التغيير الذي يقطع مع التخلف بتجديد الرؤية إلى الإسلام و التمكن من آليات التحول و التَّبَدّل كما توفرها مؤسسات الدولة الحديثة، و اللغة الفرنسية. واليوم، و نحن نقف على آخر تاريخ الجزائر المعاصر، فإننا ننظر من خلال البحث التاريخي على الأقل إلى أن ذاكرة الجزائر السياسية تبدأ مع الشبان الجزائريين، وأن هذه الذاكرة بالذات تحفل بالعديد من الصور والمعاني لم تُسْتَخلص بالكامل، بل بقيت تستحث الباحث للعودة إلى هذا الجيل الذي همّشه الفعل السياسي لـ "جيل" بعد الاستقلال. ولأنه جيل الشبان، فان ذاكرته خصبة و حيوية يسهل التقاط مشاهدها و صورها و الأفكار التي لازمته و من ثم صنعت مستقبل الجزائر.

في المسألة الأهلية

مثَّلَت المسألة الأهلية عند الشّبان الجزائريين[5]، الإشكالية السياسية و الاجتماعية التي أسست وعيهم بضرورة تلازم المواطن المسلم في الدولة المدنية الفرنسية الحديثة. فالمسألة الأهلية، كما نَظَر إليها الشّبان، في أول عهدهم بالنشاط السياسي والاجتماعي قضية استدعت واجب البحث عن المركز الاجتماعي للإنسان الجزائري في صلته بأهم الحقوق و الحريات العامة في الزمن الحديث، وفق ما تطور إليه الفكر السياسي الغربي. فقد سبقت الإشارة، أن الاستعمار هو وجه أيضا من وجوه الحداثة، و لم يستطع أن يغطي عن جوانب الحريات و الحقوق و المؤسسات والمفاهيم الجديد التي تساعد على التطور و التقدم، على أساس أن جميع الأفكار الجديدة تندرج ضمن المسعى الحضاري و التاريخي العام الذي يصعب حرمان بقية العالم من الاستفادة من تداعياته الإيجابية، بداية من عصر محمد علي، بالنسبة للعالم العربي و ليس انتهاءً بظهور حركة الشبان في الجزائر، التي آلت على نفسها تعديل مسار الفكر السياسي الحديث نحو تعميمه على السكان الأهالي في الجزائر بالمعنى الذي يلغي الوجه الاستعماري عنه.

ولئن كان الاستعمار في الجزائر قائما على الفعل الذي ينتظر ردا فعليا، فان  أهم إشكالية استوعبت هذا التفاعل الجدلي  هي المسألة الأهلية التي فرضت نفسها على السلطة الاستعمارية، كما فرضت نفسها على النخبة الجزائرية، و من ثم استوفت منذ البداية الدينامية الفَعَّالة في حياة الجزائريين في صلتهم بالوجود الفرنسي. و لعل هذا الإحكام الوثيق لهذه الإشكالية في حياة الجزائريين و الفرنسيين هي التي جعلتها تستمر إلى غاية الحرب التحررية 1954، لأنها عَبَّرَت عن الحالة الاستعمارية من جهة الفرنسيين، كما عبرت عن حالة رفض الاستعمار من جهة الجزائريين المسلمين. فقد ساهمت النخبة المتعلمة في محاولة حل معضلة المسألة الأهلية وواصلت الحركة الوطنية  الإصلاحية ،بعد الحرب العالمية الأولى، نضَاليْهما السياسي والاجتماعي من  أجل الظفر بإصلاحات تحد من الفجوة التي لا تني تتفاقم بين السكان في الجزائر، بينما حاولت الإدارة الفرنسية سواء الحكومة العامة في الجزائر أو السلطة العليا في المتروبول في باريس تقديم إصلاحات، في سياق المسألة الأهلية، لكن من الوجهة التي لا يؤدي فيها الإصلاح إلى إعادة النظر أو زعزعة الوجود الفرنسي في الجزائر، لأن السلطة الفرنسية في باريس قد عمدت إلى بسط نظام الانديجينا بداية من عام 1880/1881، حيث سخّرت مجموعة السلطات التقديرية الواسعة إلى إدارة الحكومة العامة و مؤسساتها في الجزائر أو أدوات السيطرة، كما يسميها روبير آجرون  و المتمثلة في الإدارة، العدالة، الشرطة، و المالية العامة[6].

فالمسألة الأهلية، كما تفاعل معها الشبان الجزائريون عكست في كتاباتهم وآراءهم و مواقفهم جوانب الظلم و الحيف و اللامساوة التي انطوى عليها المشروع الاستعماري، و صار قابلا للتشريح و التحليل و كشف مظاهر الفساد فيه، سواء في التعليم، القضاء، الملكية الفلاحية، قانون الغابات أو التمثيل السياسي .

في هذا الفصل من حركة الشبان، نحاول أن نعالج المسألة الأهلية، كما تعرّض إليها الشبان الجزائريون، و بالتالي كما اخْتَزَلَت وجودهم و حَدَّدَت طبيعتهم ووضْعَهُم ضمن قوانين الدولة الفرنسية. و التحليل العلمي، يُظْهر في نهاية المطاف، أن المسألة الأهلية طرحها الشبان و خاضوا مقاومة سياسية و اجتماعية من أجلها ضمن نظام الوعي بقيمة الدولة و مؤسساتها في سبيل البحث عن المعادل الموضوعي للإنسان الجزائري المسلم الذي يتوافق و يتماشى مع المؤسسة العامة في جميع تجلياتها و مقتضياتها. فجميع المطالب الإصلاحية التي تقدمت بها النخبة المتعلمة كانت ترمي إلى تجاوز الوضع الشاذ و الحالة الاستثنائية و التشريعات المنافية لروح العدالة و مبادئ الجمهورية.

كانت النخبة المتعلمة على قناعة تامة بإمكانية مساعدة الإدارة الفرنسية في مشروعها الرامي إلى تمدين الأهالي و خدمة مؤسسات الدولة الفرنسية، لا بل الدفاع عن حياضها كما حدث فعلا طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما شارك المسلمون الجزائريون في حرب القِرْم Crémée، و المكسيك، و ضد بروسيا، و تونكين Tonkin.. ثم لاحقا في الحروب التي خاضتها فرنسا في النصف الأول من القرن العشرين... أما في مجال التسيير الإداري و القضائي و الخدماتي، فان الشبان كانوا ينظرون إلى أنفسهم كأفضل من يستطيع تقديم الخدمات العامة إلى الجزائريين، كما تقتضيها المدنية الحديثة لأنهم ضالعون في شؤون الأهالي علاوة على إلمامهم الكافي بالفكر و السلوك الحضاري الفرنسي. و من هذه الناحية، أي خدمة الأهالي المسلمين، يستطيع الشاب المسلم المُتَعَلم أن يتجاوز المَطَبّ الذي عرقل  المشروع الفرنسي في الجزائر. فقد كان هذا المشروع دائما محفوفا بسوء الفهم و القصد المُبَيّت ومحاكمة نوايا الناطقين باسم الأهالي.

لم تكن إشادة الشبان الجزائريين بالحضارة الأوروبية[7]، و من قبلهم بعض الأهالي الذين تمكنوا من التعليم الفرنسي[8]، من منطلق الاستلاب و لا الإغتراب، لأنهم كانوا دائما على وعي تام بأهم ليسوا فرنسيين على وجه مطلق.. بل فعلوا ذلك، أي الإشادة بالثقافة الأوروبية و الفكر الحديث بدافع أيضا من قيمة الحضارة و العلم والمعرفة التي لازمت كل الديانات و الحضارات السابقة. فقد أشادوا بالدور الرائع للحضارة الإسلامية و وقفوا على شواهد من القرآن الكريم و السنة النبوية و جهود المسلمين في مجال العلم و العمران و الحكم. في هذا المعنى كتب السيد ميلفوا Millevoye، مقالا أثار كثيرا من اللغط و السِّجَال و النقاش أيضا، جاء فيه: "لا يمكننا إطلاقا استعباد و إذلال العرب المسلمين الذين يعتزُّون بماضيهم، يعربون دوما عن تعلقهم بالتقاليد و يحدوهم إيمانا راسخا. و أنه من الخطورة بمكان الاعتقاد بأننا سوف نرغمهم على تبني حضارتنا المتفوقة، لأن حضارتهم ضاربة في جذورها و في تاريخها أيضا"[9]. و عليه، فان لحظة النخبة المتعلمة مع الثقافة الفرنسية و هي تطرح المسألة الأهلية تعد درجة جديدة من الوعي الذي يتواصل مع إشكالية الإسلام الحديث الذي يبحث عن الحل المناسب له هو أيضا. و بتعبير صريح أن المسألة الأهلية كما طرحها الشبان انطوت بوعي أو بدونه على وجهين متلازمين: مقاومة الوجه الاستعماري في المدنية الفرنسية و الاجتهاد في حل إشكالية الإسلام الحديث في البحث عن تجاوز التخلف الحضاري العام.

عموما، فقد اقتصرت علاقة الإدارة الاستعمارية من خلال الأعوان و الموظفين والحكام، بالإسلام الجزائري على تنظيم و ضبط البعثات إلى الحج، الترخيص ببناء المساجد و الزوايا و مراقبتها، ومنح الرخص أو الامتناع للحفلات العائلية، التضييق على علاقة المسلمين مع البلدان العربية و الإسلامية. و تبقى في النهاية، كما يرى آجرون، أن الحياة الدينية العميقة للسكان المسلمين بعيدة عن اهتمامات السلطة الاستعمارية، و قلما تدركها في مقوماتها  و حيويتها  و مطالبها. و لعل هذا هو الذي جعل الشبان الجزائريين يسارعون إلى المطالبة بالتكفل بحياة الأهالي لأن الإدارة الفرنسية، كما يبدو من خلال سياستها حيال المسلمين، لا تستطيع و لا ترغب في التخصص في الحياة الإسلامية الجزائرية. و قريب من هذا المعنى كتب السيد دونون Donon، حول أهمية أن يتولى المسلمون شؤونهم :" إن مصير  شمال أفريقيا معلق على ما يريده السكان الأصليون، و ليس ما نريده نحن, فالجيل الراهن من المتطورين و المستنيرين يضعون مثلهم الأعلى في ارتياد المدنية الفرنسية"[10].

تمثيل المسلمين في المجالس المنتخبة

كانت النخبة الجزائرية تدرك تماما مسألة تمثيل الأهالي المسلمين في المجالس المنتخبة و الهيئات التنفيذية و القضائية، و تعتبرها الأساس الذي يجب أن ترد إليه جميع شؤون الدولة و المجتمع. فليس هناك بديلا عن التمثيل في المجالس المنتخبة التي تسيّر الشؤون العامة، و تُبَرِّر بصورة شرعية مؤسسات الدولة تبعا لذلك. لكن المسألة، لم تكن تتوفر على كامل الحجية اللازمة على اعتبار أن التمثيل يتم على قاعدة اللامساوة المطلقة التي تحفظ للأقلية الأوروبية جميع الصلاحيات والامتيازات، و يَصُون  لها كافة الحقوق و الحريات على حساب الأغلبية المسلمة التي لا تجد في هذه المجالس إلا القدر الزهيد من الحقوق المدنية  بلا غطاء سياسي أو قانوني أو حتى عملي، و لعل السبب في ذلك أن التمثيل العادل كان دائما مقترنا لدى السلطة الاستعمارية بزوال الوجود الفرنسي ذاته. فالأسلوب الديمقراطي لإدارة الشأن العام لا يساعد السلطة الفرنسية على إمكانية استمرارها في الجزائر، فضلا على أنه يفضي إلى اكتساح الأهالي لجميع المجالس المنتخبة بناءً على " قانون العدد".

في دراسته الرائدة حول المسألة الأهلية  و تمثيل المسلمين في الهيئات المنتخبة[11]، يرى السيد بن علي فكّار (دكتور في القانون)، و هو أيضا من الذين جمعوا ما بين الثقافة الفرنسية و العربية، أن مسألة إدارة و تسيير الجزائريين تحفها جملة من التصوّرات الخاطئة و المُسَبَّقة. فرغم مرور قرابة ثمانية عقود على الوجود الفرنسي إلا أن رؤية الفرنسيين إلى المسلمين لازالت تلازمها الرؤية الدونية التي ترمي الأهالي في خانة العاجزين و غير مؤهلين للانضباط في أطر سياسية، قانونية، و إدارية. و هذا  بعيدٌ تماما عن الواقع الذي يشير إلى  أن الوضع تطور لصالح المسلمين و خاصة النخبة  التي صارت تساير العصر الذي تعيش فيه و على نفس النمط الفرنسي وتتطلع إلى ما هو أفضل، و أن حالتها النفسية و العقلية والمعنوية منسجمة تماما مع الحداثة في كل تجلياتها و مستوياتها. و لعل أبرز مثال على ذلك الأستاذ بن علي فكَّار نفسه الذي كان يدَرِّس مادة العربية في المعهد العالي للتجارة في مدينة ليون.

فقد تمادت الإدارة الفرنسية و معها التيار الاستعماري في الجزائر، كما يرى دائما السيد بن علي فكار، في اعتبار الفرد الأهلي الجزائري غير مؤهل للتعاطي مع المؤسسات العامة ناهيك عن تسييرها  بسبب، كما تردد السلطة الاستعمارية، الجهل خاصة جهله للغة الفرنسية  و بكل ما يتعلق بالقانون العام، هذا من ناحية، أما من جانب آخر فان التَّزَمُّت الديني المستحكم في ذهنية وسلوك المسلم لا يرَشِّحه إطلاقا لتمثيل المواطنين في الهيئات المنتخبة. و الحقيقة، كما يرى السيد بن علي فكار، قد تكون هذه الاعتبارات صحيحة منذ عقود خلت، لكن اليوم الأمر مختلف ولعل الواضح فيه هو وجود نخبة مسلمة تستطيع التعامل و التفاعل مع قيم المدنية والحضارية و تستطيع أيضا التمثيل و تسيير الشأن العام. ثم يضيف، توضيحا لصلة المسلم بالإدارة و السياسة، أن هذا العجز الظاهر مرده إلى القوانين المجحفة في حق الأهالي المسلمين التي لا تساعدهم عبر التربية و التدريب و التعليم إلى الوصول إلى مباشرة المسؤوليات و إتقان صياغة البيانات و بلورة خطاب بمصالح المسلمين في علاقتهم بالفرنسيين. و من جملة الأمور التي يحرم منها المسلم الجزائري تطبيق إجراءات الترشح بنفس النمط المطبق على الفرنسيين إن في الجزائر أو في فرنسا. فالمسلم من هذه الناحية بقي لا يعرف كيف يدافع عن مصالح أقرانه و مصالحهم بسبب جهله لأسلوب الدفاع و الجدل و المناقشات و إبداء الرأي  الرد علي تدخلات الآخرين من ذوي المصالح المخالفة و المعارضة  له. فلا زال المسلم لا يتقن بعد تقنية البرهنة و التدليل و لعبة التكتل من أجل تمرير المشاريع لصالح المسلمين. لكن، رغم كل هذا القصر المسجل إلا أن النخبة المسلمة تعاند عن حق و قدرة أيضا في سبيل الحصول على مزيد من الحقوق السياسية، و من ثم الانخراط الواسع في المشاركة في الدفاع عن مصالح الأهالي التي لا تحظ بالتمثيل المطلوب، و لعل المفارقة التي كشفت البون الواسع بين تمثيل الفرنسيين في الهيئات المنتخبة و بين تمثيل الأهالي المسلمين في نفس الهيئات قياسا على عدد سكان كل فئة منهم في المجتمع، هي التي جعلت النخبة تنبري  لها في  محاولة لتخطيها عبر العمل السياسي.

التمثيل على المستوى الهيئات المنتخبة، خاصة في البرلمان، يعد الإجراء السياسي الذي يمكّن التواصل بين المتروبول و الجزائر. و قد حرص الشبان الجزائريون على إيلاء مسألة التمثيل النصيب الأوفر في حركتهم و نضالهم العام. وللتذكير، نقول، أن دستور 4 نوفمبر 1848، منح مستعمرة الجزائر أمكانية التمثيل في البرلمان الفرنسي (المتروبول)، بناءً على سياسة الاندماج  التي أقرها... بلا جدوى !؟ لأن التمثيل كان قاصرا على المعمرين فقط، و كان يشملهم التشريع الفرنسي باعتبارهم امتداد ديموغرافي للشعب الفرنسي، و من ثم فهم ينضوون تحت الدولة الفرنسية و مؤسساتها الرسمية. أمّا دستور 14 فيفري1852، فقد أوقف العمل بالتمثيل في البرلمان الفرنسي بعد ما غيرت السلطة  سياستها حيال الجزائر بالعودة إلى الحكم السيادي،  إلى أن جاء دستور 24 فيفري1875، الذي نص على  تمثيل شخصين عن كل عمالة من العملات الثلاث الموجودة في الجزائر، بمعنى تمثيل 6 أشخاص في غرفة النواب و 3 أشخاص في مجلس الشيوخ.

أما في جانب الأهالي، فيمكن أن نذكر التمثيل على مستوى البلديات، حيث تنص المادة الرابعة من مرسوم 7 أفريل 1884على  :"المستشارون الذين تم انتخابهم من طرف الأهالي المسلمين  يحضرون جلسات المجلس البلدي مثلهم مثل المستشارين المنتخبين من طرف المواطنين الفرنسيين. إلا أنه، تطبيقا للمادة 11 من قانون 2 أوت 1875، فإنهم (الأهالي المسلمين) لا يقومون بتعيين  المندوبين إلى انتخابات مجلس الشيوخ إلا بعد حصولهم على المواطنة الفرنسية". و غني عن البيان، أن هذا التمثيل ضعيف جدا لمستعمرة الجزائر حتى بالنسبة للفرنسيين أنفسهم، أما تمثيل الأهالي داخل الكيان الجزائري فهو معدوم تماما، و لا يحفل بمجود مصالح الجزائريين، لا بل لا يرغب أن تكون هناك مصالح يقف وراءها أهالي لتعزيزها بالوسائل والإمكانات الشرعية و القانونية. أما في ما يتعلق بشروط التمثيل في المجالس البلدية ذات الصلاحيات التامة، فلا يبدأ التمثيل إلا عندما يصل عدد سكان المسلمين المائة فيمثلهم عضو، ثم عضوين إذا بلغ عدد السكان ألف، ثم كلما زاد العدد عن الألف يضاف عضو جديد، و هكذا دواليك، مع العلم أن الرقم لا يصل إطلاقا إلى أكثر من ستة أعضاء مستشارين. أما الشروط المستحقة في المترشّح لكي  يكون عضوا مستشارا في البلديات ذات الصلاحيات التامة ،وفق مرسوم 7 أفريل 1884:- أن يكون عمره 25 سنة كاملة.- الإقامة لمدة سنتين متتاليتين في نفس البلدية.- أن تتوفر فيه واحدة من الحالات التالية : ملكية لأرض فلاحية أو مزارع، موظف لدى الدولة سواء في العمالة أو في البلدية، عضو اللفيف الشّرفي، حاصل على الوسام الشرفي أو وسام الاستحقاقmédaille commémorative  رخّصت به الحكومة العامة، حاصل على علاوة المعاش pension de retraite. (المادة 2). و هكذا، في ما عدا ملاك الأراضي وأعوان الدولة.. فان باقي المهن و النشاطات الصناعية و التجارية  لا يحق لأصحابها الترشح للتمثيل إلى منصب الاستشارية في الهيئات البلدية والعمالة في الجزائر. و في جميع الأحوال فإن عدد الأهالي الممثلين في المجالس المنتخبة لا يتعدى ¼ العدد، مما يعطي الانطباع دائما بأن الأهالي لا يستطيعون التأثير في سير المداولات نحو حماية حقوقهم و مصالحهم إلا برضاء الأعضاء الفرنسيين.

التمرس على إجراءات و قواعد التمثيل في المجالس و الهيئات المنتخبة يعبر في حالة الأهالي عن تربية سياسية و مدنية، تمكنهم من امتلاك ناصية الثقافة اللازمة لإدارة مؤسسات الدولة. و لعل هذا ما توضحه هذه الفقرات من المقال لأحد الفرنسيين استشهد به السيد لويس خوجة (جزائري مسلم /قاضي شرعي) و فرنسي بالتبني:" إن توجيه الأهالي على درب التربية السياسية، يمثل خطرا بالغا  على مستقبل المستعمرة، أما في الوقت الراهن فمعناه وضع نظام التمثيل النيابي موضع الرهان الذي سيكتسح الصوت الأوروبي. في حالة ما إذا ارتكبت السلطة هذا الخطأ السياسي، فانه لا يوجد ما يبرر حرمان الأهالي من التمثيل النيابي، و معنى ذلك أنهم سوف يصوتون لإجلاء الأوروبيين عن الجزائريين باعتبارهم (الأهالي) مسلمين"[12]. الحقيقة، أن الشبان الجزائريين يدركون أيضا خلافا لما ورد في  كلام الكاتب الصحفي، أن التمثيل في المجالس المنتخبة يتطلب استيفاء شروط العضوية فيها، أي أنه يراعي جانب الاستحقاق و الاستئهال، لا يغامرون بطلب التمثيل الشامل و الكامل  لكل الأهالي، بقدر ما يرومون رفع الظلم الفادح و التناقض الذي يفضي إلى الدمار العام. و من جملة الشروط التي يضعها الشبان المتعلمون المتأهبون إلى الإنخراط في العمل السياسي : حصول المترشّح على شهادة تعليم عام، و إلمامه بقدر مقبول باللغة الفرنسية تثبت قدرته على النقاش و الجدل و الحوار في الهيئات المنتخبة لأن التحلي بهذه القاعدة التكوينية يساعده على الدفاع عن حقوق و حريات و مصالح الجزائريين بما يحفظ الجزائر ككيان سياسي، و هذا ما عبّر عنه القاضي الشرعي لويس خوجة:" رأيي، أن عجز و ضعف مستشاري البلديات من الأهالي يتمثل خاصة ليس في عدم كفاءتهم في الموضوعات التي يطرقونها، و لا في قلة نسبتهم في هذه المجالس 3/1 من عدد الأوروبيين، بقدر ما يتمثل هذا العجز، في جهلهم للغة الفرنسية"[13]. ويضيف السيد لويس خوجة في تقريره إلى السلطات العليا في باريس : "دعوة الإنسان الأهالي إلى أن يأخذ مكانه في المناقشات البرلمانية، ويبدي مداخلاته في قضايا الدولة يعبر فعلا عن القيمة الاعتبارية التي يمكن أن تظهرها الأمة الفرنسية حيال الأهالي. و هي أفضل طريقة من أجل ربط صلتهم بها للوصول إلى حالة الاندماج و الاستيعاب فيها"[14].

تطلعت النخبة الجزائرية إلى التمثيل في المجالس المنتخبة العليا إن في باريس في البرلمان و مجلس الشيوخ أو في الجزائر في المجلس الأعلى للحكومة العامة بالقدر الذي يرفع الظلم عن الأهالي في علاقتهم بالتشريعات الفرنسية .فقد وقفت النخبة على حقيقة أن القوانين الفرنسية كما تصدر في باريس تساعد أكثر على زيادة الفجوة بين السكان الجزائريين من مسلمين و فرنسيين لأن هذه القوانين لا تتوجه إليهم على قدر المساواة، بل التجربة التاريخية أكدت، خاصة بعد صدور مرسوم 10 سبتمبر 1874، الذي ينظم تمثيل الأهالي في المجالس البلدية، أن الاتجاه العام ينحو إلى تكريس المواطنة الفرنسية بتأبيد الحالة الأهلية عبر  القوانين الاستثنائية، و غياب التمثيل الأهلي في الهيئات التشريعية العليا. و صار الشبان على وعي تام،  بأن التشريعات الفرنسية الموجهة إلى الجزائر تساعد على تخلّف الأهَالي و تَقَدُّم الفرنسي و الأجنبي، بمعنى أن التقدم يتم طردا مع التخلف، الأمر الذي ينذر، كما يرى الشبان، بعواقب وخيمة.

و حتى ندرك، على مستوى البحث العلمي، قيمة و أهمية خطاب السياسي والاجتماعي للنخبة المتعلمة، يجب أن لا نفصله إطلاقا عن صراعها مع الكولون، دعاة الاستقلال الذاتي و الانفراد بالمستعمرة الجزائرية. فقد قاوم الشبان و ناهضوا غلاة الاستعمار من المُرَابين و التُّجار وأصحاب الأراضي و الامتيازات في الجزائر، من منطلق الفكر السياسي الحديث الذي يحرص على مبادئ الإنصاف و المساواة والحرية التي تليق بأسس الحكم الجمهوري و مؤسساته العامة التي تراعي الشرعية والحق. و في هذا المعنى يقول أحد الشبان، السيد صالح فاسي:" يمكننا أن نُصٍَّرح، وبدون مبالغة، أن جميع  الأهالي يحرصون على أن يكونوا تحت سلطة فرنسا وحدها"[15]. و السلطة أو السيادة عند النخبة المتحضِّرة، تأخذ دائما معناها النبيل، الذي لا تدنسه السياسة الاستعمارية، و لا يكفون عن الإشادة  بفرنسا بحرفها الكبير والعريض و انجازاتها الرائعة على مستوى الحضارة الإنسانية التي قُيِّضَ للعالم العربي أن يستفيد منها.

القضاء و القانون.. في المجال العام

في مجال القضاء و القانون تظهر أكثر التناقضات و المفارقات التي تصدر عن السلطة الاستعمارية، عندما تُشَرّع لسكان الجزائر. وللحد من السريان الفعلي والعادي لقوانين الدولة  و مؤسساتها، تعمد السلطة التشريعية إلى إلحاق تشريعات استثنائية ترمي إلى تضييق القانون في مدلوله الايجابي التلقائي الذي يتجاوب مع الإنسان ومحيطه الاجتماعي، مهما كانت هويته. و من هنا، فمدونة الانديجينا، بما تحمل من تشريعات و إجراءات استثنائية هي مجموعة المراسيم واللوائح التي تحد من تلقائية قوانين المؤسسات العمومية التي تصدرها الدولة بمعناها الجمهوري[16]. وقد حرص الجزائريون بداية من الشبان إلى غاية اندلاع الثورة التحريرية على محاولة كسر الاستثناء و المطالبة بما هو عادي من القوانين أو القانون العادي المشترك بين السكان، الذي يساعد على تضييق الفجوة في ما بينهم. لكن، الوجه الاستعماري  عادة ما يظهر مرافقا للقانون الوضعي  ليشذ عن الروح المنصفة الملازمة للقانون في مدلوله النبيل كما عرفه الشبان في المدارس اللائكية العامة. و هكذا، فالقوانين الاستثنائية تعد وسيلة تشريعية لتأبيد التفرقة العنصرية وتَرْسِيم  وجود عنصرين مختلفين في الجزائر : عنصر مواطن فرنسي و آخر أهلي جزائري لا يستفيد أبدا من مزايا القانون العام.

و المتابعة الدقيقة للتشريعات التي تصدرها السلطة الفرنسية حيال الأهالي المسلمين تظهر حرصا شديدا على عدم منح الحقوق و الحريات إلا لمن يستحقها وفق القوانين السارية، لكن في الغالب، لا يشعر المتحصل عليها أنه مواطن عادي في الدولة و المجتمع بل تَبْقَى جملة من الحواجز النفسية و الاجتماعية و الثقافية تحول دون الانخراط الطبيعي في الجو العام و الحياة العامة و كأن الجنسية "مزية" تكرمت بها عليه السلطات العمومية و ليس حقا، و يحيل الأمر برمته إلى قيم الحضارة والمدنية والرغبة الجادة في استيعاب المسلم في فضاء الدولة العام. فالنظام السياسي الذي يخضع له الأهالي المسلمون هو  نظام إقطاعي، كما جاء في عنوان كتاب السيد صالح فاسي:"ضد النظام الإقطاعي في الجزائر". و مصدر المفارقة أن هذا النظام يقوم إلى جانب نظام جمهوري يخضع له الفرنسيون[17].

في موضوع تعرض القضاء إلى الأحوال الشخصية، كما كان يطرحها الشبان، تستدعي الطرف الجزائري المسلم من أجل التطبيق الأسلم و الأمثل. فالأصل أن الموضوع يعني بصورة حصرية الجزائريين لأنه يتعلق بالدين الإسلامي الذي احتوى على تشريعات تتعلق بالأسرة، من زواج و طلاق و ميراث و تربية أطفال و علاقات أسرية و اجتماعية و تجارية. لكن، المفارقة، أن الطرف الذي يتعرض إلى هذه المسائل الناشئة بين المسلمين الجزائريين هو القاضي الفرنسي ذاته (juge de paix)، بينما المنطقي، كما يرى الشبان، يجب أن يعزى الأمر إلى قاضي مسلم. فمع تزايد عدد المتعلمين في صفوف الأهالي، و تحسن مستواهم المدني، يجب أن تُعْهَد إليهم تبعا إلى ذلك قضاياهم في إطار المؤسسة العامة. فالقضاء ضمن المجال العام يزيل بطبيعة الحال الأفكار المسبقة و الجهل بالموضوع و التصورات الخاطئة حول الشريعة الإسلامية، و الوصول، من ثم إلى تطبيق القانون بمعناه الحق العام، حتى على الأهالي، الشرط اللازب لشرعية الدولة ذاتها.

استدعى موضوع القضاء الإسلامي (الوصف الإسلامي يعود إلى طبيعة المتقاضيين، أي الأطراف المتنازعة) ضرورة إصلاح العدالة بِرُمَّتها برسم تحسين ظروف التقاضي بين المسلمين أو بينهم و بين الأوروبيين، كأفضل سبيل للخروج من المأزق الذي آل إليه تطبيق القانون الفرنسي في الجزائر. وعليه، فان القاضي الشرعي و الوكيل الشرعي و المترجم الشرعي، فضلا على اختصاصه بالشريعة الإسلامية، كان دائما يتطلع أيضا إلى تمرير المسائل عبر قنوات المؤسسة العامة، بما كان يتحلّى به من ثقافة الدولة. فقد ألمُّوا بالشريعة الإسلامية بطرف و بطرف آخر بالقانون الوضعي، لكن تبقى مسألة الاجتهاد في كيفية التوفيق بين الشريعة و القانون، أو بين الإسلام و المدنية مؤجلة إلى من هم أكثر كفاءة و خبرة، عبر تراكم التعليم العالي للأجيال اللاحقة.

في مسألة الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، كان مطروحا السؤال التالي كيف السبيل إلى تقنين الشريعة الإسلامية، ليس برمتها، و لكن في الأمور التي تتعلق مثلا بنظام الأحوال الشخصية. فقد كانت الفئة المتنورة من الجزائريين و بعض المٌنْصِفِيين[18] من الفرنسيين يرون فعلا أن الوضع في الجزائر يحتاج إلى تقنين أو تدوين أحكام الشريعة الإسلامية لحل التعارض بين القوانين الوضعية و الشريعة الإسلامية كما يِرِد دائما في بعض تقارير الإدارة الاستعمارية. لا بل أن مسألة تقنين الشريعة الإسلامية طرحت نهاية القرن التاسع عشر من قبل الدكتور الفرنسي بيرون Perron العارف بشؤون الإسلام في الجزائر، و كان رأيه :" إن إعادة إصلاح و صياغة القانون المدني هو عمل على جانب كبير من الأهمية في حياة المسلمين.. فيجب إدخال تعديلات على الشريعة الإسلامية و تصحيح بعض الجوانب فيها من قبل السكان المسلمين الذين نسعى إلى تنويرهم و تمدينهم، لأن قانونا مغلقا أو شريعة جامدة يعبر عن مأزق و فقدان الصّواب "[19]. عموما، كانت الشريعة الإسلامية و تاريخ الإسلام ونصوصه الكلامية و الفقهية هي المرجع العلمي عند العلماء و القضاة و الأئمة المسلمين في قضايا الحكم بين المسلمين، لكن لم يكن بوسع الشبان من رجال القانون و القضاء أن يجتهدوا الاجتهاد الكبير في بحث التسوية بين الشريعة و القانون رغم إيمانهم العلمي و المدني بإمكانية ذلك، لو وفرت الإدارة إمكانية دراسة و معالجة المسألة ضمن أطر المؤسسات التشريعية و القضائية و التنفيذية. و الغالب أن التفكير في تقنين الشريعة عادة ما كان يتم في سياق التَّصَدي للقوانين الاستثنائية التي لا توفر الوقت و لا الرؤية أو المنهج الضروري للشبان من أجل حل معضلة الشريعة والقانون. و بتعبير آخر، لم تطرح مسألة تجديد النظر إلى الشريعة الإسلامية من داخلها فقط، بل في مواجهة التشريع المدني الفرنسي الحديث، أو كيف التوفيق بينه و بين الشريعة الإسلامية . فبالنسبة لشيوخ الإسلام و أئمته الذين كانت الإدارة العام تستأنس بآرائهم، كانوا دائما يعربون عن تحفظاتهم حيال أي تعديل في وضع الرجل أو المرأة المنصوص عليه في الشريعة الإسلامية، و يكتفون بالإحالة إلى رسالة أبي زيد القراواني، و الشيخ خليل، و المذاهب الفقهية التقليدية. و الذي كان غائبا بالفعل هو الاجتهاد الإسلامي الذي يكفل القدرة على صياغة القوانين الإسلامية الجديدة من وحي المقاربة بين القوانين الوضعية و الشريعة الإسلامية، أي أن يتم الاجتهاد على صعيد المُسْلم المُتَخَصص في القانون الوضعي و الشريعة الإسلامية.

والرأي بصورة عامة لدى الشبان هو تغليب فكرة القانون الحديث[20] في التعامل مع قضايا المجتمع الإسلامي كأفضل سبيل إلى تسوية الخلافات و النِّزَاعات نظرا لإجرائية الأحكام القانونية الوضعية و سهولة التقاضي بها أمام المحاكم و هي تعبّر أكثر عن روح المواطنة الحديثة عندما يستطيع الفرد المسلم أن يستخلص حقوقه من هذه المحاكم، إذا كانت ملتزمة بالحياد المطلوب بطبيعة الحال. 

عَرَض الشبان الجزائريون مسألة القضاء الإسلامي، بما انطوت عليه من تطبيق الشريعة و القوانين الوضعية، في مقابل ما كان يعرضه شيوخ الطرق و الزوايا و علماء الدين التقليديين. فقد كان رائد الشبان البحث المتواصل عن كيفية الموائمة بين الفقه المالكي مثلا والتشريعات الفرنسية المتلاحقة، أي أن دورهم في الغالب توفيقي بين الفقه الإسلامي و القانون. الأمر الذي لم يكن كذلك  لدى الشيوخ التقليديين، الذين كانوا أشد ما يحرصون عليه هو تطبيق الشريعة وفق الفقه الإسلامي التراثي، دونما اعتبار لمسألة القانون و العدالة  و القضاء في تقنياتها و مفاهيمها الحديثة، و لم تكن  لهم أصلا الرغبة في الوصول إلى مؤسسات الدولة الفرنسية، في المناصب التي سخّرت لهم في ما يعرف بالإسلام الجزائري، الحريص على استتباب الوضع القائم. فالفقه الذي التزموا به، في الغالب لم يكن يتطلب المرور عبر المؤسسة العامة. و عليه، فالشبان من ناحية القضاء و تطبيق القانون تقدموا أكثر من خطوة نحو الحياة المدنية الحديثة، بحكم ثقافتهم الفرنسية و العربية، و إلمامهم بالعلوم و الفنون و الآداب.

جرت الإشارة  إلى أن مجموعة القوانين أو الإجراءات التي تتخذ في حق الأهالي أطلق عليها الشبان بالقوانين القمعية، ترمي إلى اضطهادهم، و من ثم حرمانهم من التعاطي العادي مع الحق العام في مدلوله النبيل[21]. فقد كان موضوع  هذه الإجراءات الاستثنائية هو معاقبة المجرمين و المخالفين  لأوامر و قرارات إدارية، تتدخل فيها الإدارة و كأنها جهاز قضائي، أو بالأحرى تتدخل في شأن لا يخصها. فالإدارة، كما هو معروف تنتمي إلى السلطة التنفيذية، بينما القضاء هو تابع للسلطة القضائية. ولعل هذا التداخل، في حالة الأهالي بين التنفيذي و القضائي هو الذي فَاقَمَ الوضع العام في الجزائر، و عبّر عن فساد عام تقوم به الدولة، على عكس مهمتها الأصلية والموضوعية : إزالة الفروقات و التناقضات و احترام  صلاحيات كل سلطة من السلطات الثلاث. و من هنا، فان الشبان آلوا على أنفسهم، منذ البداية على محاربة قانون الانديجينا "الأهالي" كشرط ضروري، لتسوية العلاقة بين السلطة/الدولة وبين رعاياها. فالأصل، كما يرى الشبان أن القضاء/ العدالة يرمي إلى حماية الأفراد مهما كانت أصولهم. إلا أن القوانين الاستثنائية فهي تحدد العقوبات سلفا مع نوع الأعمال التي توصف بالجريمة ليس ضمن فكرة العدالة و مؤسسة الدولة، بل حماية لعنصر سكاني آخر هم الأوروبيين الذين صارت وضعيتهم القانونية ممتازة مرتين، مرة عندما يستفيدون من الحق العام، و مرة أخرى عندما تسخر لهم السلطة الاستعمارية ترسانة أخرى من القوانين الاستثنائية لحماية أموالهم و مشاريعهم الاقتصادية و التجارية و المالية و الزراعية[22].

تقرن العدالة، في رأي الشبان، بالإنصاف و المساواة، و هي بالتالي مقوّم جوهري للدولة و استمرارها، و يمكن أن تصاب بعجز، كما هو قائم في الحالة الجزائرية، إذا ما طالها الفساد، لأن ما يشد مؤسسات الدولة هي فكرة البحث المتواصل عن  الوجه الأكمل و الأفضل للعدالة و الحق. و العدالة، كمؤسسة و جهاز قضائي و كمفهوم فلسفي تعني عند الشبان الشيء الكثير بناء على ما تعلموه في المدارس و المعاهد والجامعات، و أن هاجسهم الكبير هو مواصلة البحث عن سبل ردم الفجوات في تطبيق العدالة على السكان في الجزائر. فالعدالة هي مفهوم من المفاهيم التي وردت في شعارات الثورة الفرنسية مثل الحرية، الأخوة و المساواة، بعد الانتصار على النظام الفرنسي السابق أو القديم. و عليه، فان العدالة جاءت لدعم القانون و الحق بالقدر الذي يساعد الشعب على التنمية و التطور. و على حد تعبير السيد فاسي :" إن القانون الجنائي لا يتضمن أي تعسف، لكن عليه فقط أن ينسجم مع درجة التطوّر الذي وصل إليه الشعب الذي يراد تطبيقه عليه"[23]. كان الشبان على يقين تام أنه   لو طبّقت القوانين الفرنسية على الحالة الجزائرية  بشكل منصف و عادل لساعد ذلك على تقدم الإنسان الأهلي و لتَغَيَّر مركزه القانوني و الاجتماعي لصالح مزيد من المواطنة، على أساس أن هذه القوانين مستخلصة من مجتمع فرنسي متطور، يمتلك وعيا راقيا بفكرة القانون. فالقانون، في تجربة النخبة المتعلمة هو مجموعة من القواعد العامة وضعت ليسير عليها المجتمع في إطار من الدولة الحديثة.

لا شك أن القوانين الاستثنائية التي كان يطالب الشبان الجزائريون بضرورة رفضها و إلغائها انطوت على البعد السياسي، كما هو واضح مما تقدم. فهي قوانين  ترمي في الأساس حرمان السكان المسلمين من امتيازات المؤسسات العامة الحديثة واستئثار الفرنسيين و الأجانب بها. و بتعبير أوضح، أن السياسة الاستعمارية ترمي إلى حرمان الأهالي من إمكانية التقاضي العادي، و تعطيل سريان القوانين بشكل طبيعي يساعد على الترقية الاجتماعية و تحسين المركز القانوني. وعليه، فان التداخل بين القضائي و السياسي في الوضع الأهالي واضح و بيّن، على خلاف العدالة في المتروبول التي يصونها مبدأ الفصل بين السلطات: التشريعية، التنفيذية، القضائية. أما الوجه الآخر للتصادم  بين المجالات في  تطبيق العدالة على الوضع الجزائري هو استمرار السياق العسكري و النزعة الاحتلالية، رغم أن المرحلة، كما تزعم السلطات العليا في باريس، هي مرحلة تهدئة و أمن و سلام، أي الخروج من المقتضيات العسكرية إلى الحياة المدنية العادية. في ظل المرحلة العسكرية، مرحلة القرن التاسع عشر، كانت القوانين و التدابير مستوحاة من مبدأ السيادة، لكن مرحلة القرن العشرين، يختلف الأمر كما يرى الشبان، ليس بسبب وجود نوعية جديدة من الرجال المسلمين المتأهبين إلى العمل في المؤسسات العامة  و يطالبون بتطبيق قوانين الجمهورية، بل أيضا بسبب حاجة فرنسا إلى توسيع قاعدة المواطنة حماية لنفسها من التهديدات الخارجية و اعتبارات الأمن الدولي في منطقة المتوسط.

بين الاندماج و المواطنة

أحد مقتضيات الاندماج، كما طَرَحَها التشريعات الفرنسية هي الحصول على الجنسية الفرنسية، التي تعد بدورها مقدمة للتَّمَتع بحق المواطنة عندما تعني الحقوق و الحريات العامة المقررة في الدستور و قوانين البلد. لكن المسألة، كما يراها الشبان، أن التجنس، أي طلب الجنسية الفرنسية، لا يعني في المطلق الاندماج في البوتقة الفرنسية بالقدر الذي يمحي جميع الأصول و الملامح الشخصية، لأن هذا مستحيل ولهم أكثر من شاهد يقوم على دحضه. لا بل أن السياسة الاندماجية، كما قررتها السلطات الفرنسية، لا ترمي في الأصل و في النهاية، إلى محاولة الانصهار و الاندماج بسبب سياسة التشريعات التي تصدر إلى  نوعين من السكان، و أنها تشذ عن الخصوصيات و الاختلافات، لأن من طبيعة الدولة قدرتها على استيعاب وليس "اندماج" ألوان و أجناس و أقوام متى حصل أفرادها قدرا معتبرا من ثقافة الدولة وصاروا بإمكانهم تقديم الخدمة العامة. و دليل الشبان الجزائريين في هذه المسألة، الحالة التي هم عليها، ففيهم من حصل على الجنسية الفرنسية و مُتَزَوِّج من امرأة فرنسية، لكنه لم يتنكر إلى الدين و لا إلى تقاليد مجتمعه، لا بل صار أكثر من يطالب بها، بعد ما تقدم خطوة إلى المجال العام.

في تجربة أحد المتعلمين الجزائريين ممن تخرجوا من المدرسة الفرنسية العامة، ما يقدم الدليل على حرص النخبة على الدين و الشخصية الجزائرية المسلمة. فقد تقدم السيد لويس خوجة، هكذا تبنى اسمه بعد أن صار قاضيا شرعيا و حصل على الجنسية الفرنسية، إلى السلطات الفرنسية، و بالتحديد إلى مجلس الشيوخ الفرنسي في باريس، عام 1891، بتقرير/ دراسة حول المسألة الأهلية، يدحض فيه كل الطروحات  التي ترى عدم إمكانية إدراج المسلم الجزائري في حظيرة الدولة الفرنسية الحديثة، و يقول :"لو أنكم استشرتم  القاضي، لقدم لكم الجواب الشافي التالي :مَن مِن غير  القضاة المسلمين يستطيع أن يفصل في الخلافات و قضايا المسلمين ؟ فنحن الذين نعرف لغتهم (المسلمين الجزائريين)، و نعرف تقاليدهم و أعرافهم، نحن الذين ندرك عاداتهم و طريقة فض النزاعات أي القضاء و الفقه الإسلامي، و من ثم فنحن أجدر من يتولى هذا الأمر. أريد أن أعطي، و أنا على ثقة كبيرة بفرنسا التي تبنيتها، رهانا، بأن أتولى خدمة أقراني من المسلمين من أجل ترقيتهم و سعادتهم، نظير التربية و التعليم التي تلقيتهما منها"[24].

و هكذا، كما ورد في هذه الفقرة، فان الحصول على الجنسية الفرنسية هو تكليف بمهمة لخدمة الأهالي المسلمين، بعد ما توفر شرط الوظيفة العمومية، سواء في المجالس البلدية أو المجالس القضائية.. فالجنسية هي من هذه الناحية تعني تحسين الوضع، أي المركز القانوني و السياسي و خاصة لإولائك الذين لا زالت القوانين الجمهورية تعاملهم في نطاق الاستثناء و ليس الأصل و العادي. على هذا النحو، كان الشبان و المتعلمون ينظرون إلى  مسألة التَّجَنّس  و ما رافقها من سجال حول الاندماج، المحافظة على نظام الأحوال الشخصية، المواطنة... فقد التبست مسألة الجنسية بسبب لتشريعات الاستعمارية، من ذلك، كما يرى الشبان، أن مرسوم كريمييهCrémieux  لعام 1870، منح الجنسية الفرنسية إلى اليهود، الذين كانوا أهالي مثلهم مثل المسلمين، كما جاء ذلك في القرار- المشيخي لعام 1865، لكن المرسوم الجديد يفتح الدائرة عن اليهود لكي يدخلوا  إلى المجال الفرنسي العام، فيما بقي المسلمون محاصرين في دائرة القوانين الاستثنائية، أي بتعبير أقرب إلى الواقع، إحداث قطيعة أخرى بين المسلمين و اليهود، حيث تدحرج المسلمون إلى درجة أقل، في الوقت الذي لا يعني إطلاقا  بداية التقارب بين اليهود و المسيحيين الفرنسيين، لأن  العنصرية تستمر في  مطاردة اليهود إلى غاية الحرب العالمية الثانية و يتم وقف العمل بمرسوم كريمييه تحت نظام فيشي[25]. فاليهود، كأقلية سكانية في الجزائر، وجدوا أنفسهم في مركز قانوني يِؤهلهم إلى  المعاملة القانونية العامة من دون مقابل حقيقي، على غرار ما فعل المسلمون، خاصة الانخراط في الجندية الفرنسية، والدفاع عن حياض الدولة الفرنسية في أكثر من مناسبة. و مرّة أخرى، تضيف حادثة كريمييه، مفارقة إلى ركام من التناقضات و المفارقات التي شحذت وعي المتعلمين من أجل بلورة خطاب سياسي واضح يحتل المجال العام و لا يغادره إطلاقا لتمسكه بقيمة مؤسسات الدولة و اجرائيتها.

طرح موضوع التجنس أيضا بين النخبة و العوام. فبالنسبة للمتعلمين، الموظفين في مختلف الإدارت البلدية و المركزية، القضاة الشرعيين، المثقفين... فقد كانوا ينظرون إلى المسألة  ضمن مقتضيات الدولة الحديثة التي تتطلب قدرا كافيا من التعليم والتكوين، و انتشار الأمية الأبجدية و المدنية بين الأهالي هو الذي جعلهم يمتعضون من التجنس و المطالبة بحق المواطنة الفرنسية، لا بل لم تكن أصلا تشعر أن الأمر يعنيها. على خلاف النخبة، فقد أدركت الأمر من تخرجها من مدارس و معاهد التعليم و التكوين، أن المواطنة شرط التقدم و الترقية في السّلم الاجتماعي و السياسي و المهني، و في سلّم القيم المدنية و الحضارية. إن الجنسية الفرنسية، كما هي مستقرة في وعي الأهالي العوام تعني التخلي عن الدين الإسلامي، و أن صاحب الجنسية الفرنسية يُقْرَن بالرجل المسيحي أو الرومي... كل هذا يجري التعبير أو الإفصاح عنه بصورة سلبية، أي بدون أبداء مواقف أو تقديم حيثيات أو حجج تدلل على هذا الرفض، لأن الرفض على هذا النحو، يعبر أيضا عن عدم الانخراط في مؤسسات الدولة و المجتمع، و من ثم ،البقاء ضمن منطق العشيرة و القبيلة .بينما الشبان و من هم على منوالهم من التعليم و التكوين، فهم يطلبون المواطنة الفرنسية، بناءً على استحقاق يشرفهم، و أن الشعب الأهلي سوف يحوز، أو يجب أن يجوز عليها، حال وصوله إلى مستوى من التعليم و التربية السياسية و المهنية .و في هذا المعنى يقول السيد لويس خوجة:" هكذا ،و بالرغم من هذه الفكرة الخاطئة، أعتقد، أنه يجب أن نحترم في الوقت الراهن تَوَجُّس المسلمين من الجنسية، و أن يترك لهم الحرية الكافية لطلب الانتساب إلى المواطن الفرنسي  في المستقبل. يجب انتظار ذلك اليوم الذي يستطيع فيه الأهالي التمييز بين الشخصية المدنية و الشخصية الدينية، أي ذلك اليوم الذي يفهم فيه الأهالي المسلمون :أن يكون الإنسان فرنسيا لا يعني أنه مسيحي بالضرورة، كما نقول أن العربي يعني أنه مسلما"[26].

وَعَى الشبان الجزائريون، ثمرة التعليم المدني الفرنسي، فكرة المواطنة و الجنسية من خلال مؤسسات الدولة الفرنسية التي تقيم فصلا ما بين الشخصية الدينية والشخصية المدنية. فهم، على خلاف شيوخ و قادة الزوايا و عموم الأهالي، الذين لا يدركون من جنسية المسلم إلا الجنسية الدينية. فالحقيقة الجديدة التي اقتنع بها الشبان، وهذا ما ساهم في تحديدهم بالمتمدنين و المتحضرين، هي الشخصية المدنية(السياسية) التي يجب أن يتحلى بها المسلم  لأنها المقتضى الذي يربط الإنسان بقيم و مبادئ الدولة الحديثة التي لا تتنكر للدين، بل تحث على ضرورة البحث  فيه من خلال المؤسسات العامة. لا يوجد في كتاب الله ما يحرّم التعليم أو الانتماء إلى دولة أوروبية.و ما يحتاج إليه الأهالي هو التعليم  من أجل تجاوز هذه التصورات المسبقة الرابضة في عمق وجدانهم، أو كما يرى السيد لويس خوجة:"إذا أردتم فعلا استيعاب الإنسان العربي يجب أن تعلِّموه، و تقرِّبوه من مدارسكم، يجب أن تلقنوه التمييز بين الاسم الفرنسي الذي يعني الشعب و بين الاسم الكاثوليكي الذي هو انتمى إلى دين. كما يجب التوضيح، أنه بإمكان الواحد منا أن يكون فرنسيا و في ذات الوقت مسلما حريصا على إسلامه"[27].

الحقيقة، أن مسألة المواطنة و متعلقاتها استدرجت النخبة إلى الحديث أيضا عن التخلف العربي و الإسلامي، فالمسألة هي الصورة أو الوجه الآخر لنفس العملة. فقد انْشَدَّ الشبان إلى طلب المواطنة من أجل الخروج من التخلف الذي ران على المجتمع الجزائر طوال قرون من الزمن. و اعتبروا أن مظاهر طرق الصوفية و الزوايا، والمرابطية كلها بقايا العهد البائد الذي لم يعد يتماشى مع العصر الحديث، و أن استمرار هذه البني هو استمرار لعائق كبير يحول دون إدراج المسلمين في الحياة المدنية الحديثة التي تساعدهم على تجديد الدين و إصلاحه. و يضيف في هذا المعنى أيضا السيد لويس خوجة :" أن هؤلاء، زعماء الدين، يفرضون على أتباعهم  تقاليد التقشف وشظف العيش و الزهد في الحياة  الجسدية و الأخلاقية، يطلبون منهم البر والإحسان، ويلقنوهم بعد ذلك مبدأ التضامن في مدلوله الضيق جدا. فقادة الزوايا يَسْدُون، في بداية عهدهم بقيادة المسلمين، تعاليم التعفف و التخلي عن متاع الدنيا، و سرعان ما يتحولون إلى مُقَدَّسِين، تقدم لهم القرابين و العطايا لتصبح ثروة حقيقية تتوارثها عائلة الزعيم الروحي و يقدس ثراه، و لا يتوان بعد ذلك في استغلال طيبة وسذاجة الأتباع من أجل المزيد من الثراء  مع إبقائهم في حالة من الجهل التام. وهكذا، فشيخ الزاوية، الذي يخشى أن يؤدي اقتراب المسلم الجزائري من الفرنسي  إلى التخلص عن التَّعَصب و القدرية و من ثم الفلاتان من شهوات و رغبات الشيخ، فيعمد إلى تلقينه عداء وكراهية الفرنسي و يحاول أن يقنعه بأن  ذلك  ما أوصى به نبي الإسلام"[28].

و هكذا، فقد كان الشبان الجزائريون على وعي تام بأنهم يرغبون في الحصول على الجنسية المدنية الجديدة التي تمكنهم من ارتياد الوظائف العامة. فقد فهموا أن فكرة الحق العام كما يفهمها الفرنسيون تماما، و هنا يتوقف وجه الشبه، بينما يختلفون عنهم من حيث إدراك الحقوق و الوجبات في سياق آخر هو سياق المجتمع المسلم التي يتطلب ضرورة وجود الدولة بمؤسساتها و مرافقها العامة من أجل تخطي التخلف العام، و لعل أول ما يجب الإقدام عليه هو إلغاء مجموعة القوانين الاستثنائية التي بقيت تتصدر مطالب كافة تشكيلات الحركة الوطني إلى غاية 1954. و هذا المطلب كما يرى الشبان كفيل بمحو الفروقات القانونية و المدنية بين المسلمين و الفرنسيين و لا يفضي بحال إلى محو الخصائص و الملامح القاعدية لشخصية المجتمع المسلم  القائمة على التاريخ و الدين و المزاج الخاص. و يوضح السيد فاسي مسألة القوانين الاستثنائية، ويعتبرها فاسدة، لا تتماشى إطلاقا مع روح الدولة في الجزائر:" يثير نظام الحكم الاستثنائي و اللامساوة احتجاجات شرعية، ليس فقط في وسط المعنيين به (الأهالي المسلمين )، بل في الأوساط الفرنسية ذاتها[29]، التي قدّرت بحق أن الإجراءات الصارمة و الردعية لا يمكن أن تبرر إلا في الحالات الضرورية. فالجزائر التي مر على احتلالها وقت طويل و صارت منطقة آمنة، و لم يعد الأهالي يطرحون مسألة السيادة الفرنسية موضع السؤال. لا بل، فقد أبدوا تعلقهم المخلص بها، في كل مرة عنّت المناسبة. ومع ذلك، فنظام الانديجينا  الذي يعبر عن دونية المركز و وضع الأهالي لا يزال  قائما وهو السبب في السخط العارم للسكان المسلمين في الجزائر"[30].

إن الدولة كمؤسسات و مرافق و خدمات هي للشعب كله لأنه مخاطب بقوانين مجردة تفيد في الأصل و الغاية جميع الشَّعب على اختلاف أصوله و لغاته و ديانته و أعراقه... فالدولة وجدت، كما تتصور النخبة الوطنية الأولى في الجزائر، من أجل مساواة الكل أمام القانون و المعنى الواحد للحق، أي خضوعهم للحق العام، و كل محاولة للتنكر  هو خروج عن ماهية و صلب حقيقة الدولة التي صارت في العصر الحديث آخر تنظيم سياسي متطور تجاوز بنية القبيلة و العشيرة و الولاء الجهوي  وأي سلطة لا تستند إلى الشعب و الدستور. و عليه، فان التحليل العلمي و الدراسة الموضوعية لجيل الشبان الجزائريين تكشف من جملة ما تكشف تصدِّيهم لكل ما هو شاذ عن مقتضيات الدولة الحديثة التي تعبر عن الأمة عبر مؤسسات ممثلة و ذات مصداقية، و العودة من ثم إلى التعامل العادي القائم على روح العدالة و الإنصاف ومساواة الجميع أمام القانون، أي العودة إلى القاعدة العامة في الحياة العامة. و في هذا المعنى، يضيف السيد فاسي :" في الحق العام، جميع المواطنين يخضعون إلى قوانين واحدة، لهم نفس الحقوق و عليهم نفس الواجبات، و لا يمكن أن يحاسبوا ويعاقبوا إلا في الوقائع المعاقب عليها فعلا و  محددة بوضوح في إطار شرعي، وأخيرا، يخضعون إلى نفس القضاء و يستنفدون من نفس الضمانات. لكن، و هذا ما يؤسف له، أن هذه المبادئ الأساسية للقانون العام ليست معروفة في حالة الأهالي "[31].

  الهوامش

[1] Mannheim, Karl, le problème des générations, trad.de l’allemand, Gérard Manger et Nia Perivolavopolon, Paris, Nathan, 1990

[2] في هذا المعنى، كتب كارل مانهايم عن مشكلة الأجيال، هي في الأساس :" نقطة الارتكاز لمفهوم خَطَِّي للتقدم(...) و عليه، فان تلاحق الأجيال يظهر كحقيقة تُمَحْور و تواصل هذا الخيط الممتد، أكثر مما يعني انقطاعه ".Ibid., p.33

[3] Ibid., p.50

[4] الشبان الجزائريون هم بالفعل فئة اجتماعية جديدة، يمتلكون إمكانات جديدة رشَّحَتهم إلى طرح قضية جزائرية مركزية استمرت تلازم وعي الحركة الوطنية الجزائرية طوال وجودها في القرن العشرين . و حول علاقة مفهوم الجيل الذي له القدرة على اجتراح  أطروحة جديدة و من ثم استمرار عرضها بالتوضيح و الوعي طوال جيل كامل، كتب كارل مانهايم :" إن إعادة التجربة التاريخية انطلاقا من إمكانات حيوية جديدة ثم بناء مصير جديد انطلاقا أيضا من مجموعة من التجارب  ثم بعد ذلك السعي إلى محاولة تشكيل الهياكل الجديدة المرتقبة، كلها تمثل إمكانات  لا يتم تحقيقها إلا من قبل أفراد جدد حقا".Ibid.

[5] عمليا، يقدر عدد من يصدق عليهم وصف الشبان الجزائريين، أي أولائك الذين لهم دراية كاملة أو نوع من الدراية بالحياة الفرنسية في الجزائر حوالي 1000 إلى 1200 شخصا موزعون بين أعوان الإدارة و القضاء و العمل الحرفي و بعض المهن الصناعية و الحرة. بينما عدد الشبان الذين سجلوا حضورهم  في الحياة العامة، فعددهم  قليل و يقدر ما بين 30 إلى 40 شخصا و هم الذين تحصلوا على تعليم عام (المدارس الابتدائية، المعاهد، التعليم المزدوج الفرنسي العربي les Médersas  سمح لهم بالانفتاح على القضايا الكبرى للمجتمع الجزائري في صلته بالمؤسسات الفرنسية، و حاولوا أن يدلوا  بدلوهم بإظهار الموقف، أو الرأي أو الكتابة في الصحف والاتصال بالمسئولين .و الغالب في هؤلاء  شخصيتهم المستقلة و لو نوع من الاستقلال . و يذكر آجرون عددا منهم، دكاترة في القانون: طالب عبد السلام، بن علي فكار، الشريف بن حبيلس،  محامين : كرّاد خليفة، تامزالي صالح، مختار حاج سعيد، علي شكَّال، أطباء :موسى، تامزالي، بريهمات، زرّوق، بن سالم ،مدرسين : بوليفة، صوالح، بهلول، برانتي، فتَّاح، و المهندس قايد حمود... أنظر Ch.R.Ageron, les algériens musulmans et la France, op.cit.p.1048.

[6] حول إرساء نظام الانديجينا، يمكن العودة إلى آجرون،ibid., pp.165-168. و في موضوع أدوات السيطرة، نفس المرجع ص.ص.129-256.

[7] امتلك الشبان  ثقافة فرنسية رشَّحتهم للخوض في المسألة الجزائرية، أي الدفاع عن المجتمع الجزائري المسلم في ملامحه و قسماته الأساسية أو ما يعرف بالمقومات. جاء في نشرية الجمعية الرّاشيدية :" أننا نريد للسكان المسلمين الذي يعيشون  في ظل الفقر و الإهمال، أن يتلقوا منافع و خيرات هذه الدنيا التي تحررهم من الضيق والحرمان و تسمح للعقل أن ينفتح منذ الصغر على النشاط  الذي يظهر الجرأة و الجسارة و تتمكن الكرامة من امتلاك وعيها بقيمتها الحقيقية".Bulletin « Rachidia »,1910 . و في جريدة الراية نقرأ ما يلي:" في النوادي و ليس في غيرها،  يستطيع عقل الشاب الجزائري المسلم أن يزدهر و ينفتح و من ثم أن يَظْهر جنس عربي يستأهل فضل الحضارة الفرنسية".L’Etendard de Bône, 10 déc. 1910  و من جهته كتب السيد فكار بن علي في نفس الموضوع الذي يشيد بالمكانة الفرنسية في العالم الإسلامي:" إننا في الأوساط الجزائرية، مسرورين جدا، عندما نلاحظ تزايد مكانة فرنسا في العالم الإسلامي. فالنفوذ الفرنسي صار واضحا تماما، في ذات الوقت الذي تنهار فيه قوة أخرى (الإمبراطورية العثمانية) التي اغتصبت لمدة طويلة دور حماية المسلمين. فالسهولة التي تستعيد فيه فرنسا نفوذها لهو دليل قوي على أن نفوذ خصمها كان سطحيا و يفتقر إلى الجدية. إن موقف فرنسا و مكانتها يغوص في جذور عميقة و يتعلق خاصة بالإعتبارات الفكرية و الأخلاقية".Benali Fekkar, la représentation des Musulmans Algériens, revue du Monde Musulman, Paris, 1909, p.4

[8]  أنظر علي سبيل المثال كتاب الدكتور مرسلي، T.Morsly, contribution à la question indigène en Algérie, Constantine, 1894.  و المسألة الأهلية كما نعرض لها في هذا الفصل، أي كمسألة /إشكالية الشبان الجزائريين تقاسمها معهم أيضا بعض الفرنسيين الذين كان يعنيهم الوضع الفرنسي في الجزائر أيضا. ففي مطلع القرن العشرين ظهرت مجموعة من الدراسات حول المسألة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر أهمها:E. Douté, l’Islam algérien en 1900, Alger, 1900 ; E. Mercier, la question indigène en Algérie au commencement du vingtième siècle, Paris, 1901.

[9] Rachidi, 19 av.1912.

[10] Donon, J., la France islamique ,13 déc.1913.

[11] Fekkar, Benali, La représentation des Musulmans Algériens, op. cit., pp.5-6.

[12] Khodja, Louis, La question indigène, Vienne, imprimerie L. Girard, 1891, p.54.

[13] Ibid., p.58.

[14] Ibid., p.56.

[15] Faci, S., l’Algérie sous l’égide de la France, contre la féodalité algérienne, préf. Maurice Viollette, impressions régionales, Toulouse, 1936, p.5

[16]يرى بعض الشبان، أن منظومة التشريع الفرنسي تزداد فسادا مع  تطور  وعي النخبة و اتساعها، فمنهم من طالب في برامجه الإصلاحية بتطبيق مرسوم 10 سبتمبر 1886، الذي يخضع قضايا الأهالي و أحوالهم إلى القانون الفرنسي .كما أن نفس المرسوم يتضمن  معنى إلغاء معاهدة الاستسلام  في الجانب المتعلق بالفصل بين الفرنسيين و الجزائريين، أو هكذا كان يفهم رجال القانون و القضاء حتى من الفرنسيين أنفسهم.

[17] من هذه الحالات المتناقضة في التشريع الفرنسي  و أثره السلبي في حياة الجزائريين فرنسيين و مسلمين، أن الأهالي يدفعون ضرائب الخدمات و المرافق العامة و كأنهم مواطنين فعلا، تترتب عليهم مقايضة صفة المواطنة بدفع واجب الخدمة العمومية مثل : المواصلات، الطرق، المدارس، المساجد  و كل ما يتعلق بالمنشآت العامة كالمستشفى و العيادة، الآبار، مراعي المواشي، مخازن المياه لسقاية القطيع الحيواني .فمنذ صدور القرار الوزاري 30 جويلية 1885، و الأهالي يدفعون نضير كل هذه المرافق العامة التي تعبر عن حق المواطنة المحرومين منها !فإذا كانت الحياة السياسية في نكف الدولة الحديثة تتسع لتطبيق قاعدة الغُنْم بالغُرْم، فان الإنسان المسلم لا يستفيد من هذه الامتيازات و المصالح و مع ذلك يدفع ضرائب وهمية جزافية تعيده إلى عصر الإقطاع لأن أغلبية السكان الأهالي يعيشون في الأرياف، المدَاشر و المناطق السهبية الرعوية و الصحراوية  . و علاوة على هذا النوع من الضرائب يستمر الفرد المسلم بالتزامه بدفع الضرائب التي تعزى إلى صفته المسلمة، أي تلك التي أقرَّها الشَّرع و الفقه و العرف، مثل :الزكاة(على القطيع الحيواني و منتوج الأرض)، الحكر، اللازمة( في بلاد القبائل على النخيل في الصحراء و الزيتون في المناطق الجبلية)، العُشُور(ضرائب على الحبوب).و هذه الصورة، عبر عنها الفقيه الفرنسي لارشير : المواطنون هم نبلاء و سادة أشراف، بينما الأهالي هم دهماء و عبيد".Larcher, op.cit., t.2, p.340

[18]  أنظر مثلا الدراسة/ التقرير في مجال تدوين و تقنين الشريعة الإسلامية  للسيد مارسيل موراند ،المختص في قضايا الإسلام و المسلمين، الذي احتوى على 781 مادة قانونية .Marcel Morand ,projet de code musulman algérien, Alger, 1916 .أنظر أيضا كتابه الآخر : مساهمة في دراسة الإصلاحات المتعلقة بالأوضاع السياسية، الاقتصادية للأهالي الجزائريين ،contribution à l’étude des réformes concernant la situation politique et économique des indigènes algériens, Alger, 1917 .و لنفس الغرض  تبنت مجلة الإسلام la Revue de l’Islam تدوين الشريعة الإسلامية كمخرج لتوحيد القوانين الصادرة عن سلطة الدولة . و قد كان السياق يشجع على ذلك لأن  الحاكم العام في الجزائر السيد جونارJonart  كان يعتقد هو أيضا أن الحل يمر بتقنين الشريعة الإسلامية :"إن مسألة  التقنين الرسمي للشريعة الإسلامية  و الأعراف تفرض نفسها و يمكنها أن تتم دونما مس بعقائد و تقاليد الأهالي "، ورد ذلك في :Ch.R.Ageron, les algériens musulmans, t.2, p.698

[19]  أنظر ترجمة بيرون لكتاب ...( ميزان الشريعة)"Balance de la Loi Musulmane, Alger ,1898, p. XXII,. و له كتاب آخر مهم دائما في الإسلام و مؤسساته،Islamisme, son institution, son influence ,son avenir, Paris,1898

[20]  على خلاف ما ذهب إليه المؤرخ روبير آجرون، من أن المسلمين اختاروا  بتلقائية و عزم التصدي للعدالة الفرنسية  و المحاكم القضائية و محاولات تقنين الشريعة، و فضلوا البقاء أوفياء إلى عقيدتهم و شريعتهم Ageron, les  algériens musulmans, p.706.      

[21] في هذا المعنى، يقول السيد فاسي:" يحاكم الفرنسيون و الأوروبيون في الجزائر من قبل  محاكم الحق العام ويستفيدون من كل الضمانات الملازمة  و المتوقعة  من القانون الفرنسي. بينما يخضع الأهالي لنظام جنائي استثنائي، و يحرمون من كل الضمانات الأساسية. فهذا الوضع يكرس  حالة من  لامساواة فضيعة في العدالة".Faci, op.cit., p.229

[22]   هذا ما أجمله الرجل السياسي المعروف ستزيغ  J.T.Steeg في تقريره إلى السلطات العليا في باريس :" من الناحية القضائية، يخضع الأهالي إلى محاكمات مرهقة في مجال الحق العام، و إلى نظام قضائي خاص قمعي، وفضلا على ذلك، فان الأهالي معرضون إلى مخالفات من نوع خاص تتعلق بالإدارة وحدها. فهذه الأخيرة تستطيع أن تطبق عليهم غرامات مالية، الحبس و الحجز الإداري سواء أكانت عقوبة أساسية، أو عقوبة ثانوية، حتى في حالة تبرئة ساحة المتهم".J.T.Steeg, journal officiel ,31 janv.1919 .ولنوضح أكثر، نذكر مجموعة العقوبات التي تطبق على الأهالي المسلمين، و ما يطبق على الفرنسيين لنقف على الفرق الذي يضاعف من التناقضات الاجتماعية و القانونية، ومن ثم الوضع العام في الجزائر :- الجناية التي يرتكبها "الأهلي القاصر"، الذي لم يبلغ سن الرشد، تطبق عليها عقوبة المواطن الفرنسي الراشد.أقل ما يقال في هذا لحكم أنه عنصري.- في الجرائم التي يرتكبها الأهلي المسلم، عادة ما يصدر الحكم بشأنها محملا بخلفيات دونية من قبل هيئة الحكم (jury)، التي تتعاطف مع زميلهم الضحية، و يصدر الحكم معززا بمساندة تلقائية تفرض أقصى العقوبات. فالهيئة القضائية هي طرف أساسي في القضايا الجنائية التي ترفع إليها ضد الطرف المسلم و قاضيا عليه.-ناهيك أن جميع الحقوق السياسية تقريبا مصادرة و لا يجري العمل بها :حرية الصحافة، الحق في الاجتماع، إنشاء الجمعيات، حرية التنقل و السفر ...- في الإقليم الصحراوي أو ما يعرف الإقليم  العسكري، يخضع العرب  المسلمون إلى أحكام ضباط المكاتب العربية، و لا يوجد إطلاقا نظام الحق العام. فالشرطة الإدارية هي التي تتولى إنزال العقوبات على المسلمين، على أساس من الزجر و الردع. جرائم الجنح مثلا، ينظر فيها أمام اللجان التأديبية، بينما جرائم الجنايات فينظر فيها أمام المجالس الحربية، و تطبق عليها أحكام قانون العدالة العسكرية.-أخيرا، و ليس آخرها، يمكن للحاكم العام، ممثل  و رجل إداري، أن يلحق العقوبة بالأهالي سواء كأفراد أو جماعات، و هي عقوبات لا نظير لها في القانون الفرنسي كما يرى ذلك الفقيه الفرنسي لارشير، مثل الحبسl’internement ، الغرامة الجماعيةl’amende collective pour les douars et les tributs، المصادرة séquestration ... يعلق الفقيه لارشير على طبيعة هذه العقوبات "أن الخاصية المشتركة لهذه العقوبات أنها متأتية من حقبة الحرب التي مددت  لمدة طويلة بين العشائر المتحاربة و المتخاصمة في التل و في بلاد القبائل: وهذا ما يفسر حقيقة الطابع الاستثنائي  للمؤسسة القضائية التي تنطق بها".Larcher, traité élémentaire de la législation algrienne,t.2,p.216

[23] S.Faci, op.cit., p.33

[24] Louis Khoudja, la question indigène, p.3, 4.

[25] حول  وضع اليهود في شمال أفريقيا و في الجزائر على وجه الخصوص، يمكن العودة إلى الدراسة الموثقة التي صدرت مؤخرا للباحث ميشال أبيطول،  Michel Abitbol, les Juifs d’Afrique du Nord sous Vichy, Rivenneuve Editions, Paris,2008

[26] Khoudja, L., op.cit., p.6

[27] Ibid., p.8.

[28] Ibid.,p.11,12

[29] نعم، كان هناك اتجاه في صفوف بعض الفرنسيين، حاول أن ينأى بنفسه عن الخط الاستعماري لما يمثله من خطر في المستقبل .و قد اقترب الشبان من شخصيات هذا التوجه و صارت لهم علاقات زمالة و مواقف. و فلسفة هذا الاتجاه في صفوف الفرنسيين يمثله هذا البيان الذي أصدروه عام 1912. و جاء في هذا البيان ما يلي:" أيها الزملاء، تحظى المسألة الاستعمارية باهتمامات متزايدة كل يوم، سواء في البلد أو في البرلمان. إن المستعمرات الفرنسية التي لم تكن في السابق آهلة بالسكان و لا تقطنها إلا شرذمة من السكان المتنافرين، صارت اليوم إمبراطورية مترامية، ذات معالم محددة و وحدة إقليمية واضحة. و باستثناء المغرب الأقصى الذي يجتاز لتوه المرحلة الأولى للإستعمار، فان باقي المستعمرات  تنعم بأمن و رفاهية، لم يشهد لها مثيل في السابق. لقد آن الأوان لكي ننجز إصلاحات إدارية و إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل السياسية و الاجتماعية التي لم تطرق إلى حد الآن بشكل  جاد. و من الواجب أن نقدم المزيد من التطور و الرقي للأهالي المسلمين في المستعمرات، و ندعوهم إلى التعاون  على أساس  من الثقة المتبادلة و حيوية أكثر, و نقربهم إلى انجازاتنا الحضارية بعيدا عن كل اعتبارات الجنس و المعتقد و التقاليد، مع الاحترام الكامل لحق السيادة في المتروبول، و لا يلحق أي ضرر بمصالح المستوطنين الذي كانوا بحق، مع الجيش الفرنسي المؤسسين لفرنسا الجديدة. وهكذا، تكون فرنسا قد حققت مهمتها الحضارية ووسعت من قوتها، و جعلنا، نحن الموقعين على هذا البيان، نسعى إلى إنشاء "مجموعة دراسة القضايا الأهلية". نوجه هذا النداء إلى كل البرلمانيين على اختلاف أحزابهم، الذين يؤمنون بأن شرف و مصلحة فرنسا يمران عبر تحسين  الوضع الاجتماعي للشعوب التي تعيش تحت لوائنا. و قد وقع على هذا البيان :Georges Leygues, Félix Chauteaups, Albin Rozet ,Abel Ferry, Messimy, Paul Bluysen, Pierre Goujon, Gheusi , Noulins, Millevoye, Escudier, Duclaux-Monteuil ,de Ville Bois-Mareuil. Le Rachidi, déc.1912 

[30] Faci, S., op.cit., pp.219-220.

[31] Ibid., p.219.