Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

لقد سعى كل فريق من جانب المحافظين ومن جانب التحديثيين كذلك إلى الإفصاح عن قناعاته والدعوة لها؛ وهي في نظرهم تضمن البقاء للمجتمع وتصون قوته. فتوتر الفكر وثار الجدل بين مجموعة من الأزواج المتقابلة في المفاهيم، منها مثلا: القطعية والتقارب، النقل والعقل، التقيد والتحرر، الملكية والجمهورية، التقليد والتجديد،  الخلافة والوطنية "الاندماج في العالم العثماني ومحاولة فك الارتباط منه"، القوة الروحية والقوة المادية. وفي الوقت الذي كانت تمثل فيه الأطراف الأولى للأزواج الأصول والقواعد التي ورثها الفكر الإسلامي المحافظ حينئذ ودرج عليها، مثلت الأطراف الثانية لهذه الأزواج الفكر المغاربي المتفتح والواقع تحت تأثير فلسفة الثورة الفرنسية، وأسست للثقافة المضادة أو المعارضة في الخطاب الإصلاحي بالمغرب العربي.

وإذا كان الاتجاه المحافظ قد برر مواقفه عن طريق تقديم نصوص شرعية وفتاوى التراث، فإن الاتجاه التحديثي عاد هو الآخر أيضا إلى هذه المصادر وحاول التوفيق بين مقاصدها، وبين ما تذهب إليه القيم الأوربية وفلسفة التنوير، واجتهد لإزالة التعارض والاختلاف الظاهر بينهما.

تمايز النخبة وانقسامها:

لم تشكل النخبة المغاربية قبل القرن التاسع عشر ميلادي كتلة واحدة، موحدة ومتجانسة في الثقافة كما في المواقف، وإنما كان الانقسام قائما بين صفوفها وقد توارثته في طبيعته وفي أسسه بين فقهاء مسالمين ومتصوفة ثائرين. وتكرس هذا الانقسام خلال القرن التاسع عشر وانضافت إليه عناصر جديدة أطرته وميزته، وذلك عندما انتقل صدى الثورة الفرنسية الكبرى إلى منطقة المغرب العربي، وانتقل إليها أيضا الاستعمار، فلقيت فلسفة التنوير استحسانا واستقبالا متحمسا من طرف البعض، وتحفظا وهجوما من طرف البعض الآخر.

إن من كان محافظا ومتحفظا عن هذه الثقافة الجديدة، ومن كان متفاعلا معها ومبشرا بها، لم يكن لهما الخيار في تحديد نوع الجهة التي ينتميان إليها. وإنما الظروف التي أحاطت بالجميع، والعلاقات التي نشأت بين الأفراد العفوية منها والمقصودة هي التي وضعت التصنيف وتحكمت في آليته.

فكان المحافظ يقبل التنازل عن موقفه الفكري والسياسي الأول (رفض فرنسا الثورة ورفض فرنسا الاستعمار في آن واحد = الموقف العام)، ويتحول إلى داعية وطني  متنور (قبول فرنسا الثورة ورفض فرنسا الاستعمار = حمدان خوجة بالجزائر)، عندما تتطور الملابسات على نحو معين. وكان يقبل كذلك العنصر المتفاعل، مراجعة مواقفه الفكرية والسياسية الاندفاعية (قبول الثورة وقبول فرنسا الاستعمار في آن واحد= دعاة الاتحاد مع فرنسا)، والعودة بها إلى الاعتدال (قبول فرنسا الثورة ورفض فرنسا الاستعمار = محمد بن عثمان السنوسي بتونس) بعد تلقي الانتقادات واتضاح الصورة. ومن هذين القسمين اتحد قسم ثالث وتكون لديه وعي فكري وسياسي.

وكان لا يقبل أحيانا أخرى المحافظ أن يتنازل إطلاقا (الثورة على الاستعمار)، ولا المتفاعل يقبل أن يتراجع هو الآخر إطلاقا (مساندة الاستعمار)، ويستقل كل طرف بقسمه وبموقعه في قراءة الواقع واستشراف المستقبل. كما حدث أيضا أن رفض المحافظ التنازل عن ثقافته ولكنه قبل احتلال الآخر له (رفض فرنسا الثورة وقبول فرنسا الاستعمار= موقف بعض الزوايا والطرق الصوفية).

لقد كانت العلاقة بين هذه الأقسام سيئة على العموم، حيث تبادل الخصوم التهم فيما بينهم وساد القذف والتعيير. فالذين رفضوا فرنسا في ثورتها وفي استعمارها اعتبروا أنفسهم حماة الدين والوطن، واعتبرهم غيرهم جهالا مضللين، والذين قبلوا فرنسا في ثورتها وفي استعمارها ظنوا أنفسهم هم السباقون والمنقذون الحقيقيون، ونعتهم الجميع بالخونة المرتدين والمتنصرين.

والذين تقبلوا الاستعمار ولم يتفاعلوا مع فلسفة الثورة الفرنسية رفضا لها أو جهلا بها أصلا، اعتبروا فرنسا أمرا واقعا وقدرا محتوما سيزول، فلا داعي للفتنة، فكانوا في عين غيرهم مستسلمين ومتقاعسين عن الجهاد. أما من تشرب الثقافة الإسلامية واطلع على الفكر التنويري ووعى سياسة الدول الأوربية التوسعية وناهض الاستعمار، فإنه تطلع إلى دولة مستقلة وإلى مجتمع متحضر يملك القوة الاقتصادية والعسكرية، ويملك الحرية السياسية والفكرية. غير أن هذا القسم من النخبة كان في نظر معاصريه متميعا أو مثاليا مُسوفا، ووُصفت مهمته بالمهمة الصعبة والمتأخرة.

لم تلغ كل هذه الانقسامات والانتقادات والاعتراضات ولم تمنع كذلك قيام علاقات الصداقة والاحترام وتبادل رسائل الاستفسار والاهتمام بين أفراد مجموعات النخبة المغاربية، وهذا رغم اختلاف نوع المجموعة، أو تباعد أماكن الإقامة داخل القطر الواحد وما بين الأقطار المغاربية قاطبة[1]. وكانت هذه الاتصالات غالبا ما تخفف من حدة الاختلاف وسوء التفاهم وتقلص من هوة الانقسام الفكري والسياسي والقطري. حيث كان السياسي المتنور والمفاوض يتصل بالعسكري المحافظ والثائر في قضايا كثيرة، والعكس حدث كذلك، ومثال هذا بالجزائر رسالة حمدان خوجة إلى أحمد باي قسنطينة ورسالة الأمير عبد القادر إلى حمدان[2]. ولم تكن  القطيعة نهائية ولا المشاعر عدائية بين من كان يعادي الاستعمار ومن كان مساندا له أو موظفا لدى إدارته؛ وهو ما تميزت به العلاقة بين أفراد النخبة التونسية (بيرم، خير الدين، السنوسي، الحشائشي).

هذا، وبغض النظر عن الزيارات التي كان يؤديها البعض، وعلى مستوى دوائر مختلفة في المناسبات الدينية والسياسة كالحج والسفارة وفي الرحلات العلمية والاستطلاعية والإستشفائية، حيث كان الزائر يُؤثر ويتأثر. ومنه عادت نتيجة الزيارات التي تمت في دائرة العالم الإسلامي لصالح القسم المحافظ، أما الزيارات التي تمت في دائرة العالم الأوربي فعادت نتيجتها لصالح القسم المُتفتح والمعجب بالمنظومة الغربية، وكان الانتقال يتم من القسم الأول إلى القسم الثاني؛ أي من محافظ إلى متنور وليس العكس.

إن تأكيد صفة الانتماء إلى قسم ما، وتجديد الوفاء له، كان  التعبير عنهما من طرف عناصر النخبة المغاربية يتم من خلال المواقف السياسية والقضايا الفكرية، ومن خلال المشاركة في السلطة أو مقاطعتها، كطلب الوظيفة وقبولها، أو رفض المنصب ومتطلباته، وكذلك كشفت وأكدت علاقات الصداقة الثنائية على نوع هذا الانتماء، وهذا من مثل الصداقة التي جمعت بين حسونة الدغيس الطرابلسي وحمدان خوجة الجزائري[3].

ويعتبر الانتماء إلى الدين الإسلامي هو القاسم المشترك الذي  التفت حوله كل الأقسام؛ لأنه لم يقدم أي أحد على تغيير دينه إلى دين آخر، ولم يجرؤ على مهاجمة الإسلام أو الانتقاص منه حتى من كان من أشد المخلصين للاستعمار. والذين طرحوا العلمانية من خلال مضمونها لا من خلال عنوانها لم يتورطوا هم أيضا[4]، بل دافعوا عن تمسك الشعب المسلم بدينه وطالبوا باحترام هذا الدين.

إن أحمد ولد قاضي هو النموذج الذي يصلح أن نقدمه من النخبة الجزائرية، عن من كان يرى من المغاربة أن الانقسام والتشرذم لا مبرر له في جميع الحالات. لأنه لا تعارض في نظر ولد قاضي بين ما تدعو إليه الثورة الفرنسية والإسلام الذي نتمسك به، ولا تناقض بين الدفاع عن مصالح الوطن وعن حقوق الشعب، والولاء للدولة الفرنسية وقبولها في منطقة المغرب العربي. فالتعايش ممكن بين هذه الأزواج المتقابلة ومطلوب في تقدير ولد قاضي، الذي جاء في رحلته ما يلي: « ثلاث كلمات: ليبرطي، اقاليطي، فرطرنيطي، اعني الحرية والأخوة والمساواة... كلمات يحق أن تكتب بماء الذهب، ويا ليت الناس تعرف قدرها ويعلم ما ضمته من معاني. وحقيق أن الخير مجموع بها إن عمل بها. فلما استفسرناها وتأملناها ازدادت قلوبنا تعلقا بمحبة الدولة الفرنسوية... نحمد الله تعالى على دولة من الله بها علينا، ونجتهد بواسطتها في إنحاء الأسباب التي سنعود بها لسيرة أوائلنا... وليس للعرب ما يروعهم وتفر منه أنفسهم غير أمر الديانة... إنما الأديان طرف والأعمال زاد المسافر بها... المرجو حسن التفاتة نحو العرب من رجال الدولة... لا ينسونا في رفع المضرة علينا... اليوم حل بالعرب مضرات يشكون منها... أفلا تكون مصالح العرب... تستحق النظر أكثر من مصالح الأوروباويين ... »[5].

ولم يختف هذا الانقسام النخبوي مع نهاية القرن التاسع عشر، رغم التكرار الذي طبع المشهد الفكري والسياسي والعسكري، ورغم تعدد ألوان الرفض والقبول للآخر. وبرز هذا التفكك أكثر خلال القرن العشرين وأخذ أبعادا أخرى بعد نشأة الحركة الوطنية وتباين وجهات نظرها عند مناقشة المسألة الوطنية.

. 1. الضاغط التاريخي والحضاري

تنوعت ثقافة النخبة بمغرب القرن التاسع عشر، ولم تحافظ على وحدتها المرجعية وتجانسها الابستيمولوجي الذي ورثته من القرون الماضية، وذلك عندما أدخلت عليها مواضيع جديدة مست بما كان يعتبر حقيقة مقدسة ومطلقة. وخضع من سيظل نوعا محافظا ومن سيصبح نوعا متنورا متفتحا لظروف معينة، واندرج الجميع ضمن دوافع وأسباب عامة وخاصة، فكان لا يمكن أن تصنع منهم هذه الظروف والدوافع والأسباب إلا ما صنعت.حيث تمسك البعض بالموروث المألوف والسائد، وتحمس البعض الآخر للمستحدث المستغرب والغائب، وهو الأمر الذي طرح إشكالا في الخطاب الإصلاحي المغاربي للقرنين التاسع عشر والعشرين.

لا أحد يستطيع أن ينكر أو يستبعد تأثير مواقف وثقافة الشرق الإسلامي في مواقف وثقافة الغرب الإسلامي، فعلاقة التأثير والتأثر بينهما هي تاريخية ومنطقية لارتباطهما سياسيا ودينيا. وليس أدل على ذلك من انقسام نخبة العالم الإسلامي ككل في القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر ميلادي إزاء أحداث الثورة الفرنسية وفلسفتها التنويرية، إلى محافظين متحفظين وإلى متفاعلين متحمسين. ومنه يمكننا القول وبلا شك، بأن المغاربة تأثروا في مواقفهم بما كان يجرى في المشرق العربي وعلى مستوى مركز الدولة العثمانية، ولم يكن ذلك بإعادة إنتاج نوع الخطاب، وإنما بالتفاعل مع ذلك النوع والإحساس بالإجماع القائم حوله، فالإنتاج كان محليا في الأصل نظرا لتوفر ظروف مشابهة مثل الاعتداءات الأوروبية على بلدان المغرب العربي أو انتقال المغاربة إلى أوربا.

وما يعزز وجهة نظرنا هذه؛ هو تشابه التصريحات وتعاطي نفس المواقف في أوقات واحدة ومتقاربة كما في فترات زمنية متباعدة، والإتيان على ذكر أسماء الشخصيات وإحاطتها بعبارات القدح والاشمئزاز عند البعض، وبعبارات المدح والتأييد عند البعض الآخر.  فالدعاء الذي رفعه ابن سحنون الراشدي[6] عام 1207هـ /1793م في خاتمة حديثه عن الثورة الفرنسية «... والله المسؤول أن يبقى بينهم كيدهم ويشغلهم بأنفسهم آمين.»[7]؛  هو نفسه الدعاء الذي رفعه من قبل عام 1792م أحمد أفندي  الكاتب الخاص للسلطان سليم الثالث (1789-1807م) عندما قال: «اللهم اجعل ثورة فرنسا تصيب مثل مرض الزهري (La syphilis) بقية أعداء الإمبراطورية، وتُلقي بهم في صراع طويل فيما بينهم ... »[8].

ولغة التسفيه التي عبر بها ابن العنابي عام 1826م «... في غنى عنه... »[9] والناصري السلاوي عام 1881م « ... الحرية ... هي من وضع الزنادقة قطعا »[10] عن موقفهما من فلسفة الثورة الفرنسية وتجلياتها (الفكر، الحرية)؛ هي نفسها اللغة التي اختارها قبلهما التيار المحافظ في الدولة العثمانية منذ نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر عندما طُرح موضوع الثورة الفرنسية للنقاش. حيث قال عاطف أفندي وكان يومئذ رئيس الكتاب في ديوان السلطان سليم الثالث: « إن جان جاك روسو وغيره من مشاهير الزنادقة والدهريين قد قاموا بتأليف الكتب الإلحادية المفسدة في سب الأنبياء وأبطال الأديان وذم الملوك والأشراف... ثم حرضوا على الإلحاد ونبذ الدين والشرع والمذاهب، وبذلك مهدوا لانقلاب سكان فرنسا إلى هيئة البهائم ... »[11]. وهو ما قال به كذلك الكاتب أحمد أفندي، والمؤرخان عاصم أفندي وأحمد سليم أفندي، وخالد أفندي سفير الدولة في فرنسا (1803-1806م)[12].

ومما يؤكد لنا استمرار تأثير التيار المحافظ العثماني على النخبة المغاربية ما ذكره حمدان خوجة (1773-1845م) في "إتحاف المنصفين ..."من أن أحد أعضاء هذا التيار وهو الحاج خليل أفندي قد قدم من إسطنبول عام 1245هـ/ 1829-1830م إلى الجزائر وروج للأفكار المتزمتة الساقطة « وأطال لسانه، بما لا نلوث به رسالتنا ... وتخبط في ذلك جهلة الناس وأهل الفضول في الجزائر ... »[13]. لقد انتقد حمدان هذا التيار وتوجهاته، لأنه كان يناصر التيار النخبوي المتحمس للإصلاحات على النمط الأوربي، والذي كان من أبرز دعاته الأوائل السفير أو بكر راتب أفندي الذي زار أوربا عام 1792م وعام 1793م، وسفير السلطان سليم الثالث إلى لندن محمود رئيف الذي كتب كتابا باللغة الفرنسية سماه: "جدول التنظيمات الجديدة في الدولة العثمانية"، والكاتب سيد مصطفى صاحب كتاب "نقد حالة الفن العسكري والهندسة والعلوم في القسطنطينية" الذي طبع في إسطنبول عام 1802م باللغة الفرنسية أيضا.

لم يكن التيار المحافظ العثماني هو وحده فقط صاحب التأثير في ثقافة المنطقة المغاربية، فالتيار التجديدي كان له هو الآخر نصيبه من ذلك. وهذا ما كشفه لنا على سبيل المثال خير الدين باشا التونسي (1822-1890م) عندما أشاد بجهود المصلح المتفتح أحمد عارف حكمة بك (1786-1859م) الذي كان شيخ الإسلام للمذهب الحنفي بالآستانة، وكذلك أخبر ابن الضياف (1802-1874م) بأنه اتصل به لما زار عاصمة الخلافة وتناقش معه[14]. إن العمل الجليل الذي قام به المجدد أحمد عارف حكمة بك في نظر خير الدين، هو أنه قبل المهمة التي أسندتها إليه الدولة العثمانية وتوجه إلى مناطق الثورات وبين أن: « التنظيمات  ليست خارجة  عن  المنهج الشرعي، وما هي إلا ضبط للسياسات الشرعية التي كانت أهملت...»[15]، وتعتبر شهادة الأستاذ إبراهيم الريا حي (1767- 1850م)[16] للشيخ عارف بالكفاءة وموافقته على هذا المنحنى من أقوى الأدلة على شرعية هذه الإصلاحات وأهميتها[17].

وسجل حسونة الدغيس الطرابلسي (ت. 1836م) هو الآخر من جهته إعجابه بنشاط التيار التحديثي على عهد السلطان العثماني محمود الثاني (1808-1839م)، وأعلن في رسائله إلى رجال الدولة العثمانيين عن تأييده لذلك، وعن استعداده غير المشروط للمساهمة في عمل الصحافة الفرنسية بإسطنبول. وذكر حسونة بالعمل التأسيسي الذي قام به في هذا المجال صديقه مظهر أفندي والوضعية التي آلت إليها تلك الجهود.[18]

من الأسباب العامة التي لا بد من ذكرها، لأنها كانت قابعة هي كذلك وراء تنوع النخبة المغاربية مابين أغلبية محافظة وأقلية مجددة متنورة، طبيعة المناخ الفكري لمغرب القرن التاسع عشر. لقد جثم على العقول الفكر الفقهي والصوفي الطرقي إلى الحد الذي أصبح فيه سمة العصر، وخلف هذا الفكر أوضاعا فكرية واجتماعية وسياسة متضامنة بالانتماء، فلا تتقبل ما يخالفها ولا تسمح بالانتشار لغيرها من الأوضاع التي لا تنتمي إلى جنسها. ووجه السبب في هذه النقطة هو أن عملية تفكيك تلك البنية الفكرية الجامدة لم تكن سهلة بالنسبة للتيار التحديثي، ولم تكن عملية وضع بنية جديدة بديلة عن الأولى بالممكنة. ومن خلال هذا الصراع والتجاذب استطاع الفكر التنويري خلال القرن التاسع عشر إحداث ثغرات فقط وفرض تنوع ثقافي محدود، ولم يستطع نظرا لتظافر عدة عوامل كقلة دعاة التنوير وعدم إنشائهم للمؤسسات والاستعمار أن يصبغ الحقل الثقافي بصبغته ويلغي الصبغة الأولى. ومن عدم تمكن أي أحد منهما (الفكر الفقهي والصوفي، الفكر التنويري) من استبعاد الآخر كلية والانفراد بالساحة نشأ التعايش ولو على مضض، بين محافظين يمثلون الأكثرية ومنتشرين في أجهزة الحكم، وحداثيين يمثلون الأقلية متهمين ومهمشين.

2. الأنساق الخطابية والمجتمع

كان أنصار التحديث فرادى، وأكثر قربا في بعض الحالات إلى الإدارة الاستعمارية منه إلى الشعب الذي ينتمون إليه من مثل ما حدث بالجزائر وتونس. وحتى قبل الاستعمار لم يملكوا المؤسسات القارة التي تتبنى مشاريعهم، ويتجلى هذا بوضوح في كل من ليبيا والجزائر والمغرب، أو كان بعضهم في الخارج ولا يتمتع إلا ببعض الصلات بالوطن، ومَثّل هذه الوضعية خاصة حسونة الدغيس وحمدان خوجة، وحتى من كان داخل الوطن اعتبر جاهلا أو ملحدا أو متنصرا ومثال ذلك بعثات السلطان المغربي مولاي الحسن 1873-1894م إلى أوربا[19].

وعلى نقيض وضعية هؤلاء، كان المحافظون فقهاء وصوفية يتحركون جماعيا ويؤثرون في المجتمع. فبينما تحالف الفقهاء مع السلطة السياسية لتعلقهم بطوبى الخلافة كما قال الأستاذ عبد الله العروي[20]، فضل الطرقيون وزعماء الحركات الصوفية الارتباط بالمجتمع وتوجيهه نحو الزاوية ونحو الشيخ. فمن لم يكن في المجتمع المغاربي سنوسيا[21]، كان درقاويا أو قادريا أو تجانيا أو رحمانيا، ومن لم يكن لا من هذا ولا من ذاك ، كان من آخر ثقافته من ثقافة الجميع، الثقافة التقليدية البسيطة المغلقة؛ والتي كانت تُزعج الاستعمار وتمثل مصدر خوفه.

3.التدفق الأجنبي

إن الاستعمار الفرنسي في المنطقة المغاربية، يعد هو الآخر سببا من أسبابا التنوع الثقافي وانقسام النخبة. ذلك أنه وإن كان دفع بالأفراد وبالدول إلى العزلة وإلى التشبث بالثقافة القديمة، حفاظا على الدين وعلى الاستقلال؛ وهو ما حصل بالمغرب الأقصى خاصة، إذا أصبح يعيش هذا الأخير بعد استعمار الجزائر عام 1830م وتونس عام 1881م في غيبة عما يجري من تطور علمي وفكري في أوروبا التي يتاخمها[22].

لقد أحدث هذا الاستعمار جيوبا في النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمعات التي احتلها، وهذا عندما شرع في استقطاب رموز النخبة واستمالتها إليه في كل من الجزائر وتونس. ففي الجزائر أوعز الاحتلال الفرنسي إلى مصالحه الإدارية بالتقرب من الأعيان والعلماء والاهتمام بهم، فقام مثلا مدير المكتب العربي بقسنطينة الضابط الفرنسي بواسوني (Boissonnet) وحاكم وهران الجنرال سيراس (Cérès) بما كان يجب عليهما فعله.

واختارت الإدارة الفرنسية من تشاء للوظائف الحساسة في المجتمع كالقضاء والإدارة، وأكثر من ذلك أشرفت وعلى نفقتها على رحلات منظمة باتجاه فرنسا لوفود جزائرية، من أجل المشاركة في الاحتفالات وفي المعارض الدولية. وكان من نتائج هذه السياسة أن انفتح خاصة هؤلاء الرحالة، على مظاهر الحياة الفرنسية وعلى التيارات الفكرية العصرية بدرجات متفاوتة، وهو ما صنع منهم طبقة متميزة في المجتمع ومتصالحة مع الاستعمار. ومن لم يكن متنورا بأفكاره وفي المستوى المطلوب، كان متنورا بمظاهر حياته وبتصرفاته، كما وصف بذلك الأديب الشاذلي القسنطيني[23]. ما حدث بالجزائر، تكرر بتونس بشكل أو بآخر، ومثال ذلك العلاقة التي كانت تربط القائد الفرنسي أليغرو (J. Allègro) بالشيخ محمد بن عثمان السنوسي، وما ترتب عن ذلك من تحول في سلوك الشيخ ونظرته إلى فرنسا[24].

ومما كان يشد في عضد هذه السياسة الاستعمارية، ويساهم هو الآخر كذلك في تفكيك الطابع التقليدي للنخبة، أو على الأقل لفت انتباهها وإثارة النقاش بين أعضائها حول مواضيع جديدة، هو تلك التأثيرات المتفاوتة للأجانب، المتدفقين بصفة حرة في الدول غير المستعمرة (طرابلس، المغرب)[25]، والوافدين مع الاستعمار والمتمتعين بحمايته في الدول المستعمرة (الجزائر ، تونس). ومن مثل تلك التأثيرات، الرسالة التي بعث بها جمع من الشباب التونسي المنتمي إلى عائلات أرستقراطية إلى  الأب لوازون (H. Loyson)، والمتضمنة تعابير الإعجاب بفكرة التقارب بين الديانتين الإسلامية والمسيحية التي كان يدعو لها هذا الأب، وهي الفكرة التي تحمس لها الحشائشي كذلك وناقشها العلماء في تونس[26].

4. الشحن الذاتي

هناك أسباب ودوافع خاصة تفاعلت مع الأسباب العامة التي من جنسها ووجدت فيها الحماية، وهي تعني البعض دون البعض الآخر، وتتعلق بالظروف العائلية والمحيط الأسري، وبالمصالح الخاصة وبعض المهام المؤقتة كالسفارات والبعثات باتجاه أوربا وباتجاه مركز الخلافة العثمانية.

والتأثير الأسري كواحد من هذه الأسباب الخاصة، صورته هي ما كان يتلقاه الفرد من شحنة تربوية قوية، أو ما كان يحظى به من رعاية عائلية خاصة، وبالتالي تحدد المسار العام للشخصية انطلاقا من تلك الشحنة القوية أو من خلال هذه الرعاية الخاصة. ويمكننا الوقوف على نماذج من هذه الحالات من خلال قراءة متأنية في سيرة حياة المحافظين والمجددين على حد سواء، ومن خلال ما كتبوه كذلك، فهذا حسونة الدغيس الطرابلسي مثلا كتب يقول : « لقد شجعني والدي على السفر إلى أوربا للإطلاع على حضارتها... وهو مدفوع إلى ذلك تحت تأثير وتبجح عائلته، التي ترى أنه ستُعهد إلي يوما ما مقاليد الحكم بالبلاد. »[27].

أما صورة المصالح الذاتية وعلاقتها بالتنوع النخبوي، فهي التي تحدث عنها أكثر من واحد، ولكن يعتبر خير الدين هو أهم من توقف عندها وبين شكلها،  ففي حديثه عن التنظيمات قال أن بعض من عارضها بحجة الغيرة على الدين هو في حقيقة أمره «  ممن له فائدة في التصرف بلا قيد ولا احتساب ... »، وأن هؤلاء المعارضين لما تأكدوا من تهديد هذه التشريعات الدستورية التحديثية لمصالحهم الشخصية « دسوا للعامة من قول الزور والغش ما ينفرهم منها، مثل قولهم: "هذا شرع جديد مخالف لشريعة الإسلام"»[28]. ويُعزى سبب هذه الظاهرة عند خير الدين إلى ضعف التدين أصلا لا إلى الغيرة على الدين[29]. لقد كان هناك فعلا من يدافع عن الأوضاع القائمة ويدعو إلى المحافظة عليها (السلطة القائمة، الثقافة العامة)؛ لأنها هي الأطر الوحيدة التي تضمن بقاء الامتيازات واستمرارها.

قد تبدو لنا مواقف المحافظين من مختلف القضايا تطرفا وغيرة دينية زائدة وانتهازية ووصولية، وقد تبدو لنا كذلك مواقف المجددين استسلاما وانهزامية مفرطة وانبهارا غير متوازن، ولكن علينا  أن لا نتطرف. فالمواقف الأولى لعبت دورا هاما في المحافظة على الدين وعلى الدولة بمغرب القرن التاسع عشر، والمواقف الثانية عبرت بقوة عن حاجة المجتمع المغاربي إلى التطور والتجديد والانطلاق. 

 الهوامش

[1] ومثال ذلك رسالة الأمير عبد القادر إلى علماء فاس، راجع: محمد بن الأمير عبد القادر الأمير الجزائري، تحفة الزائر في تاريخ الجزائر والأمير عبد القادر، جزآن، تعليق ممدوح حقي، ط.2، بيروت، دار اليقظة العربية، 1964، ص.ص. 316-330.

[2] أحمد باي، مذكرات، ترجمة وتعليق محمد العربي الزبيري، ط2، الجزائر، ش.و.ن.ت.،1981م، ص.ص.33-37.

التميمي، عبد الجليل، بحوث ووثائق في التاريخ المغربي، تونس، الجزائر، ليبيا، من 1816م إلى 1871، ط1، الدار التونسية للنشر،1972، ص.ص.217-228.

[3]  للتعرف أكثر على هذه الصداقة انظر:

 - المصدر نفسه، ص.ص. 138- 142.

 - المصراتي، علي مصطفى مؤرخون من ليبيا، مؤلفاتهم، ومناهجهم، عرض ودراسة، ط1، طرابلس، الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، 1977، ص.ص.145-150.

[4] لم تطرح العلمانية صراحة و بالمفهوم الذي جاءت به الثورة الفرنسية (فصل الدين عن الدولة)، وإنما طرح ضمنيا معنى إبعاد الحياة عن المفاهيم الإسلامية المهيمنة و التقاليد السياسية الموروثة.

[5] ولد قاضي، أحمد، "الرحلة القادية في مدح فرنسا وتبصير أهل البادية"، جريدة المبشر، ع.1973، 21 ديسمبر 1878، ص.2 وما بعدها.

[6] هو أحمد بن محمد بن سحنون الراشدي، توفي بعد عام 1796م، فقيه وأديب ومؤرخ، تولى الكتابة لدى محمد الكبير باي الغرب الجزائري، من المدافعين عن الدولة العثمانية،  انتهى من كتابه المسمى:  " الثغر الجماني في ابتسام الثغر الوهراني" في أفريل 1793م/5 رمضان 1207هـ، لذلك لم يذكر أحداث الثورة الفرنسية التي وقعت بعد هذا التاريخ، من مؤلفاته الأخرى "عقود المحاسن".

[7] أحمد بن محمد بن سحنون الراشدي، الثغر الجماني في ابتسام الثغر الوهراني، تحقيق المهدي البوعبدلي، قسنطينة، مطبعة البعث، 1973، ص.226.

انظر تحليل هذه النقطة في:

بوغفالة، ودان، الثورة الفرنسية في الاسطوغرافيا المغاربية، دراسة تاريخية تحليلية في نماذج من كتابات القرن 13هـ/19م، ط1، سيدي بلعباس، مطبعة الرشاد، 2004م، ص.76.

[8] Lewis, Bernard, Comment l'Islam à découvert l'Europe, traduction d'Annick Pélissier, Paris, La découverte, 1984, p. 44.

[9] هو محمد بن محمود ابن العنابي (1775-1851)، تولى القضاء الحنفي بالجزائر وولاه محمد علي الفتوى الحنفية بالإسكندرية، سافر إلى دول المغرب والمشرق العربيين وإلى اسطنبول، يسميه الأستاذ أبو القاسم سعد الله برائد التجديد في العالم الإسلامي، وكتابه "السعي المحمود ..." ألفه بالقاهرة عام 1826.

محمد بن محمود ابن العنابي، السعي المحمود في نظام الجنود، تحقيق محمد بن عبد الكريم الجزائري، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1983، ص.ص.203-204.

[10] هو الشيخ أبو العباس أحمد بن خالد الناصري (1834-1897)، درس الفقه واللغة وتولى عدة وظائف حكومية، له عدة مؤلفات أشهرها "الاستقصا في أخبار دول المغرب الأقصى".

أبو العباس أحمد بن خالد الناصري السلاوي، الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، 9 أجزاء، تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري، الدار البيضاء، دار الكتاب، 1956، ج9، ص.114.

[11] خوري، رئيف، الفكر العربي الحديث، أثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي، ط1، بيروت، دار المكشوف، 1943، ص.95.

[12] Lewis, op. cit., pp. 50-51.

Bilici, Faruk, "La révolution Française dans l’historiographie turque (1789-1927)", in La Révolution Française et le monde arabo-musulman, Colloque international, (Tunis 9-11Novembre 1989), Alif, Tunis, 1991, pp.155-165.

- زيادة، خالد، تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا، ط1، بيروت، معهد الإنماء العربي، 1983، ص.ص. 82-84.

[13] بن عثمان خوجة، حمدان، إتحاف المنصفين والأدباء في الاحتراس عن الوباء، تقديم وتحقيق محمد بن عبد الكريم، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1968، ص.151.

[14] أحمد ابن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وعهد الأمان، 8 أجزاء، ، "دولة أحمد باي"، تحقيق أحمد عبد السلام، تونس، منشورات الجامعة التونسية، 1971، ج6 ، ص.ص.94-96.

[15] التونسي، خير الدين، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق المنصف الشنوفي، ط2، تونس، الدار التونسية للنشر، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986، ص.142.

[16] كان مفتي المالكية بتونس، وأحد أصدقاء أحمد عارف حكمة بك، أيد حركة التنظيمات وشجع البايات على قبولها.

[17] خير الدين، المصدر السابق، ص.143.

[18]  التميمي، المصدر السابق، ص.ص.321-324.

[19] جغلول، عبد القادر وآخرون، الإنتلجانسيا في المغرب العربي، ط1، بيروت، دار الحداثة و النشر و التوزيع، 1984، ص.16.

[20] العروي، عبد الله، مفهوم الدولة، ط3، بيروت، دار التنوير للطباعة و النشر ؛ الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1984، ص.105. 

[21] أي الحركة السنوسية التي أسسها محمد بن على السنوسي (1787-1859م) و انتشرت بقوة في ليبيا، وبلغت ذروة قوتها وانتشارها على عهد السيد المهدي (1859-1902م).

[22] كنون، عبد الله، أحاديث عن الأدب المغربي الحديث، ط2، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، دار الثقافة، 1978م، ص.ص.17-18.

[23]  سعد الله، أبو القاسم، القاضي الأديب الشاذلي القسنطيني، دراسة ونصوص، ط2، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1985، ص.54.

[24] لمزيد من المعلومات حول هذه القضية انظر: سعيدوني، ناصر الدين، من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي، "تراجم مؤرخين ورحالة وجغرافيين"، ط1، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1999، ص.575، وص.ص.578-580.

[25] للإطلاع على هذا الموضوع راجع:

- بلقزيز، عبد الإله، الخطاب الإصلاحي في المغرب، التكوين والمصادر (1844-1918)، ط1، بيروت، دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، 1997، ص.ص.77-79.

- الدجاني، أحمد صدفي، ليبيا قبيل الاحتلال الإيطالي أو طرابلس الغرب في آخر العهد العثماني الثاني (1882-1911م)،ط1، القاهرة، مطبعة الفنية الحديثة، 1971م، ص.301.

[26]  عن الرسالة وموقف علماء تونس، انظر:

  الحشائشي، محمد بن عثمان، الرحلة الصحراوية عبر أراضي طرابلس وبلاد التوارق، ترجمة محمد المرزوقي، ط1، تونس، الدار التونسية للنشر، 1988، ص.ص.42-45.

[27] انظر الوثيقة رقم 4 عند: التميمي: المصدر السابق، ص.305.

[28] خير الدين، المصدر السابق، ص.141.

[29] المصدر نفسه، ص 162.