Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

عرفت نسب النمو خلال العشرية الماضية من القرن الحالي ارتفاعا متزايدا كانت له آثاره الايجابية على قطاع الأشغال العمومية و السكن الذي استفاد من هذا الانتعاش. لـقد سطرت الحكومة في المرحلة الممتدة ما بين 2005- 2009 البرنامج التكميلي لدعم النمو، فضلا عن برنامجين آخرين بلغت ميزانيتهما العامة حوالي 240 مليار دولار أمريكي مما يعكس مدى أهمية الاحتياجات الوطنية المتراكمة، كما كان من المتوقع أن يذهب ما يقارب 70% من المبالغ إلى تنمية الهياكل القاعدية خصوصا في مجال  سكن و تجهيزات عمومية.

في هذا الإطار، تعتبر اليد العاملة المؤهلة من الموارد الأكثر أهمية لتجسيد المشاريع المسطرة في البرنامج الخماسي، لكن ما يلاحظ أن القطاع الأشغال العمومية لا يوظف سوى 15% من الفئة النشطة في الجزائر وفي الوقت نفسه يعيش فيه الآلاف من الشباب (خصوصا الفئة العمرية 16 – 29 سنة[1]) في حالة البطالة، و في المقابل  تشتكي العديد من مقاولات البناء خصوصا الخاصة منها من نقص كبير في تعداد اليد العاملة و ضعف في نوعية تأهيلها.

لم تكف الصحافة الوطنية الخاصة و العمومية[2] عن العودة في كل مرة للحديث عن الصعوبات التي تواجهها المؤسسات البناء والأشغال العمومية في الحصول عن العمّال المؤهلين مما أجبر العديد منها في بعض الأحيان إلى توقيف الورشات نتيجة نقص اليد العاملة، بينما نحى البعض الآخر إلى جلب اليد العاملة الأجنبية بحثا عن الكفاءة المطلوبة.

تدفع هذه المفارقة لتساؤل عن مدى التناسق بين النموذج الاقتصادي المسطر و نظام التكوين المهني الذي من المفروض أن يلبي حاجته، كما تسمح هذه المفارقة إلى طرح التساؤل حول حالة العلاقة البينية ما بين النظامين الجزئيين مهمين (التكوين المهني والتشغيل) بالنسبة لكل مشروع اقتصادي اللذان يبدوان و كأن كلا منهما يشتغل وفقا لمنطق مستقل عن الآخر.  

يمثل قطاع البناء، الأشغال العمومية و السكن[3] مجالا مهما لدراسة حالة العلاقة بين منظومتي التشغيل و التكوين، و تنطلق هذه الدراسة من مجموعة من التساؤلات الأولية تمثل الإطار العام المؤطر لإشكالية البحث، من بينها: كيف يتسنى تفسير النقص في العمّال المؤهلين في قطاع البناء و الأشغال العمومية و السكن خصوصا إذا علمنا أن قائمة الفروع المهنية و التخصّصات المقترحة من قبل الوزارة الوصية على التكوين المهني لم تكن في يوم من الأيام أكثر تنوعا مما هي عليه حاليا ؟ أين تكمن إذن مشكلة ذلك؟ هل تجلب العروض المتنوعة المقترحة في القطاع التكوين المهني والتمهين الشباب الباحث عن تكوين يضمن له الظفر بمنصب شغل؟ لماذا لم يعد قطاع البناء و الأشغال العمومية اليوم - مثل باقي القطاعات الأخرى التي توظف اليد العاملة- يجلب وافدين جدد إلى سوقي التكوين و العمل؟ هل يستقر الشباب الذين يأتون للعمل في قطاع البناء و الأشغال العمومية في مجال العمل ذاته أم يتجهون نحو قطاعات أخرى بعد أن يكتسبون تجربة مهنية أولية؟

العلاقات بين عروض وطلبات التكوين في التخصصات المهنية لقطاع البناء، الأشغال العمومية و السكن

نظرا للنقص في اليد العاملة المؤهلة و الذي يشار إليه في كل مرة، وجدت الجزائر نفسها مجبرة على إصلاح و إعادة هيكلة نظام التكوين ليتناسب مع المتطلبات المتزايدة لسوق العمل. لقد قامت البلاد منذ عدة سنوات بمجموعة من المبادرات تهدف إلى إعطاء دفع جديد للحراك الاقتصادي الوطني و تأهيل مختلف المنشآت القاعدية، لذا تزايدت بشكل جلي و سريع الحاجة لليد العاملة المؤهلة مما أدى إلى إعادة تجلي إشكالية العلاقة بين تكوين/ كفاءة و سوق العمل.

لقد قامت وزارة التكوين و التعليم المهنيين بموجة جديدة من الإصلاح لتحقيق غايتين أساسيتين: تحقيق التوازن[4]  بين العرض و الطلب على التكوين من جهة أخرى، و ضمان تكوين للشباب يسمح لهم بدخول الحياة المهنية بشكل سريع من جهة أخرى. على هذا أساس، سيصبح التمهين هو الرهان الأكبر و سيتزامن ذلك مع حالة التنوع الكبير فيما يخص التخصصات التي سيتم تدريسها و إدماجها في منظمة التكوين.

يمثل تقييم مدى نجاعة التكوين فرصة لتقييم مدى تحقق الغايتين سالفتي الذكر كما تمثل في الوقت ذاته فرصة لتقييم السياسيات العمومية سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو بالتكوين. تقدم الأدبيات في هذا المجال صنفان من التقييم يستندان على تصورين مختلفين للشغل (Béduwé، Espinasse et Vencens، 2005(. يركز التيار الأول في تقييم مدى نجاعة التكوين على موضوع "المهنة" بحيث تخضع تلك النجاعة إلى مدى التناسب بين التخصصات التي يتم تدريسها والشغل، أما التيار الثاني فيلاحظ ويدرس مدى التنوع في العلاقات بين التكوين والشغل دون أن يدرج التناسب بين التكوين و التشغيل كمعيار للنجاعة، و لا شك أن توزيع العمّال في قطاع البناء على المهن المختلفة يخضع لمنطق الكفاءة التي يتم "شراءها" من قبل المقاولة لتحويلها إلى "بناء".

يحيل تحليل العلاقة بين العرض و الطلب في سوق العمل في مجال الأشغال العمومية والبناء إلى التساؤل عن الكيفية التي يتم بها التفاوض حول الكفاءة المهنية، و من هنا يطرح التساؤل: كيف يتم تقييم التكوين المكتسب؟

يمكن أن يدفع التساؤل عن العلاقات بين العرض والطلب إلى التركيز على العناصر التي تتحكم في صياغة العرض المتعلق بالتكوين نفسه. لم يعد من المجدي النظر إلى العلاقة بين العرض و الطلب في قطاعي التكوين و التشغيل نظرة خطية، فهذه النظرة قد تم التخلي عنها لتبني مقاربة أخرى أكثر تعقيدا، تجمع هذه الأخيرة بين ثلاثة عناصر: مراكز التكوين المهني، الطالبين للتكوين و عرض التكوين في حذ ذاته. و عليه، تكون الفرضية قائمة على أساس دراسة العلاقة باعتبارها تتوقف على شروط العرض و تطوره. من هذا المنظور، يبدو أن التساؤل المجدي يربط العناصر التي تحكم بلورة العرض المتعلق بالتكوين المهني للشباب. يتدخل عدة فاعلين في صياغة الطلب على التكوين و إذا كانت المقاربة المعتمدة على الفاعلين المعنيين بالتنسيق تكاد تعرف انتشارا واسعا، إلا أننا بالمقابل قلما نجد تحاليل تتناول مواقف مختلف الفاعلين من منطلق منطق تدخلهم في حقل التكوين.

يكوّن هذا الحقل خرجين نستطيع تمييزهم بالرجوع إلى مستوياتهم و طبيعة التكوين الذي تلقوه، بحيث يتم توجيه مختلف الخبرات النظرية المكتسبة في مراكز التكوين المهني و التمهين وفقا لقائمة التخصصات المقترحة[5] بحيث يخضع اختيار تخصص التكوين أو التمهين لعاملين هما: المستوى التعليمي الذي يحدد بطبيعة الحال في الأساس المدة التي سيستغرقها التكوين، و لكن يحدد أيضا نوع التخصص، إذ كل مجال من مجلات التخصص يتطلب معارف محددة، و الاختيار المعلن من طرف طالب التكوين.

نعتقد أن خطابات الفاعلين المبحوثين في هذه الدراسة بإمكانها أن تكشف عن هذه التمثلات، و عليه فقد حفزنا الفاعلين على الحديث باستعمال تقنيتي المقابلات نصف الموجهة و الاستمارة.

 مسّ التحقيق أربع فئات من الفاعلين من ثلاثة مواقع جغرافية مختلفة (بلديات وهران، تلمسان و غليزان).

تتمثل الفئة الأولى في المقاولين أو المكلفين من قبلهم بالإشراف على ورشات البناء والأشغال العمومية. مجمل المواضيع التي أثيرت مع هذه الفئة تتمحور حول أشكال وشروط التوظيف اليد العاملة و حول علاقاتهم بالوكالات المحلية التابعة للوكالة الوطنية لتشغيل اليد العاملة[6] (ANEM)، أما العنصر الثالث الذي طرح على الفئة نفسها فتتعلق بنظرتهم و تقييمهم لتكوين اليد العاملة التي تشتغل في الورشة. حالة المقارنة بين اليد العاملة التي تكونت مباشرة في الورشة و بين نظيرتها التي تلقت تكوينها في مراكز التكوين المهني كانت من بين المحطات المهمة للتقييم علاقة التكوين بالكفاءة.

أما الفئة الثانية التي مسها التحقيق عن طريق المقابلة هم العاملون في الوكالات المحلية لتشغيل اليد العاملة، و كان الغرض من وراء التقرب من هذه الوكالات هو الوقوف على مصادر العروض الخاصة بمهن البناء و الأشغال العمومية، و معرفة تخصصات أولئك الذين أودعوا عروضهم لدى الوكالة.

امتدت الأسئلة كذلك للاستفسار عن مدى علاقة مؤسسات البناء مع وكالات التشغيل و الطلبات التي قدمها المقاولون لهذه المؤسسة فيما يرتبط باليد العاملة المبحوث عنها. تضم الفئة الثالثة مسؤولو التوجيه في خمس مراكز للتكوين و التعليم المهنيين متواجدة في الولايات الثلاث المعنية بالتحقيق. سمحت هذه المقابلات بالكشف عن المكانة التي تحتلها تخصصات البناء و الأشغال العمومية مقارنة مع الفروع الأخرى التي  تضمنها مراكز التكوين، كما سمحت في الوقت ذاته بالاقتراب ميولات الشباب لتخصصات تكوينية على حساب تخصصات أخرى.

انطلق بالتوازي مع التحقيق بالمقابلة نصف الموجهة الذي مس ثلاثة فاعلين تحقيق ميداني ثاني اعتمد على تقنية الاستمارة، شمل 336 عاملا مستجوبا (الفئة الرابعة)  في 11 ورشة، 4 منها بوهران، 4 بتلمسان و 3 بغليزان. قسمت الاستمارة التي تضمنت 28 سؤالا إلى ثلاثة أقسام، خصص منها لتحديد المعطيات سوسيو ديمغرافية و المهنية للمبحوث، بينما خصص القسم الثاني لطرح أسئلة بإمكانها أن تعطي صورة واضحة عن المسار المهني للعامل المبحوث إلى غاية التحاقه بورشة البناء المتواجد فيها لحظة إجراء التحقيق، أما القسم الثالث من الاستمارة فخصص لطرح أسئلة حول تمثلات العمّال المبحوثين للعمل في مختلف تخصصات قطاع البناء والأشغال العمومية، و لمعرفة مواقفهم من تخصصات التي تتطلب تكوينا بالضرورة والتخصصات التي لا تحتاج لذلك.

عروض التكوين المقترحة

لقد أثرت التحولات على المستوى الوطني على مختلف القطاعات في البلاد وأضحى التأقلم مع المتطلبات المستجدة ضروري ولا مفر منه و على هذا الأساس فالمجهودات التي مست مدونة فروع و  تخصصات التكوين كانت تهدف في الأساس إلى مسايرة هذا الحراك.

تضمنت مدونة التخصصات نسخة 2007 قائمة من التخصصات كانت قد عبّرت مختلف قطاعات النشاط عن الحاجة إليها، بحيث اقتضى تصميمها دراسة الحقل المهني الواسع في محاولة لسد طلبات المؤسسات. توزعت مجالات التكوين التي اقترحتها المدونة على 22 فرعا مهنيا يتضمن كل واحد منها على تخصصات معينة، و للعلم فقط، دخل 3 665 تخصصا حيز التنفيذ سنة 2005.

تتشكل الشبكة القاعدية لنظام التكوين المهني من مراكز تكوين و تمهين و تقدم تكوينا من المستوى الأول إلى المستوى الخامس. بلغ سنة 2005 عدد المتربصين في التكوين الإقامي223 758  متربصا، بينما وصل عدد الذين استفادوا من التكوين عن طريق التمهين 198 883 متربصا، في حين تابع 23 874 تكوينا من خلال الدروس المسائية، فضلا عن ذلك تمكن 20 938  متربصا من متابعة التكوين عن بعد (وزارة التكوين و التعليم المهنيين، 2005). تصنف التكوين المتعلق بالبناء و الأشغال العمومية في المستوى الأول  و الثاني، بمعنى أن التكوين هنا يهدف إلى تخريج حاملي شهادة الكفاءة المهنية، و شهادة تقني.

تجلى أهمية الدور الذي يلعبه أساتذة التكوين فيما يخص تطوير العرض الخاص المتعلق بالتكوين من خلال خطاب الفاعلين المبحوثين، فبحسب المقاولين المستجوبين لم يعد التكوين الأولي الذي يتلقاه المتربص في مهن البناء و الأشغال العمومية كاف من أجل الدخول في الحياة المهنية، كما  لم تعرف تخصصات البناء و الأشغال تغيرا كبيرا في مضامينها بشكل عام باستثناء الجوانب التكنولوجية التي استوجب الأخذ بها و إدراجها في محتوى التكوين.

لا يخفي المقاولون المستجوبون في هذه الدراسة انتقادهم لمنظومة التكوين في مهن البناء و الأشغال العمومية التي لم تستطع أن تلبي طلبات المتنوعة من اليد العاملة على اعتبار أن ما تقترحه يبقى محصورا و محدودا لدى وزارة التكوين و التعليم المهنيين. هذه الانتقادات لا تتوقف عند مستوى ما هو مقترح من عروض تكوينية بل تتعداه إلى انتقاد الأساتذة المشرفين على التكوين و الذين يصنفون بالنسبة لهذا الفاعل في خانة غير مختصين في مجال نشاط البناء الذي يعلّمونه للمتربصين، لأنهم مختصون في التكوين أكثر مما هم حرفيون متميزون يسعون لنقل كفاءاتهم الإجرائية للمتربص.

صورة المكوّن في مهن البناء و الأشغال العمومية لدى المقاولين المبحوثين قريبة من الدور البيداغوجي المدرسي منها للدور الحرفي، لذا يفترض المقاولون المستجوبون أن يكون الأساتذة المكونون على مستوى المراكز ذوو خبرة في مهن البناء و الأشغال العمومية، ممن سبق لهم العمل في مثل هذه المهن لمدة طويلة، وممن بإمكانهم نقل هذه الخبرة إلى المتربصين في المراكز.

ما يجب الإشارة إليه هو أن خطابات المقاولين غير متجانسة تماما حول هذه النقطة، فإذا كان بعض المقاولين المبحوثين يعتبرون أن مهن البناء و الأشغال العمومية هي مهن تحتاج إلى تكوين نوعي في مركز التكوين المهني فإن البعض الأخر يرى عكس ذلك تماما و يرى أن مهن البناء و الأشغال العمومية مهن لا تحتاج سوى لتكوين نوعي في الميدان، و هي بذلك لا ترى فائدة ترجى من التكوين الإقامي و من دور المكونين في ذلك.

يتوقف أيضا تزويد قطاع البناء و الأشغال العمومية باليد العاملة المؤهلة على حجم و سعة هياكل الاستقبال لمراكز التكوين و يقتضي افتتاح تخصص معين توفر ثلاثة عناصر على الأقل هي: ورشة التكوين، الأستاذ المكوّن و عدد كاف من الشباب المسجلين في التخصص البناء و الأشغال العمومية. يطرح فتح دفعة تكوين في هذا الميدان صعوبات حقيقية أمام المراكز التي شملتها الدراسة و هذا بسبب عزوف الشباب (من الفئة العمرية 16-29 سنة خصوصا) التسجيل في مثل هذه التخصصات، كما ان جملة التمثلات السلبية التي يحملها الشباب الراغب في التكوين عن المهن اليدوية تزيد من حالة النفور.

ضمن السياق نفسه، تجسد مهنة البنّاء هذا الواقع، فهي المهنة التي يعرض عنها كثيرا الشباب من بين مجموع فروع مدونة التكوين المقترحة و هذا حتى إن نجح المشرفون على المراكز في توفير مجمل الظروف المادية لفتح تخصص التكوين الخاص بالبناء. تبوء المجهودات التي تسخرها مراكز التكوين المهني بالفشل ( توفير الورشات و توفير الأساتذة) لكون الشباب ينفرون أو يقاطعون مجمل تخصصات البناء و الأشغال العمومية و البناء على وجه التحديد.

الطلب على التكوين

تتدخل عناصر عدة في تشكل الطلب عن التكوين، لذا فلا يمكننا القول أن هناك طلب (بصفة المفرد) في حقيقة الأمر بل طلبات (بصفة الجمع)، تأتي من أشخاص و / أو مؤسسات مختلفة. تعدد الطلبات على التكوين و تعدد مصادرها ينعكس مباشرة على تعدد التصورات الاجتماعية حول المهن بالاعتبار أن الطلبات التي تصدر من فاعلين مختلفين قد تكون تصوراتهم للمهن مختلفة و متناقضة، فما يُعتبر من طرف المقاول المبحوث على أنه مهنة مهمة لها تضمن التوظيف في سوق العمل لا يعتبر كذلك من طرف طالب التكوين.

تمثل الوضعيات المتناقضة التي يحتلها فاعلون (مراكز التكوين، المقاولون، طالبو التكوين) ضمن منظومة العرض و الطلب على التكوين أحدى المعوقات التي تقلص الطلب على تكوين في مجال البناء، و إذا افترضنا تناقضا بين الفاعلين المذكورين أعلاه فذلك قد يعني وجود تناقض في الانتظارات بينهم. لا يمتلك الفرد الطالب لتكوين معين تصورات لمحتوى التكوين فحسب بل يبني يصوراته حوله وفق ما  يمكن أن يجنيه منه من وراءه، لذا فعلاقة العرض بالطلب على التكوين في البناء والأشغال العمومية ليست علاقة خطية تتدخل في صياغتها مراكز التكوين المهني فقط بل هي علاقة مركبة تساهم في صياغتها المواقف السلبية و الصور الاجتماعية السلبية لمهنة بنّاء، لمساره المهني الممكن بناؤه و لقدرته على ضمان دخل مستقر يضمن قدرا من الاعتراف المهني و الاجتماعي.

بينت أعمال ) Duru-Bellat et VanZanten، 1999 ) بأن الطلب على التكوين مرتبط بالانتماءات الاجتماعية و التمثلات التي تكون في أغلب الأحيان بعيدة عن الإمكانيات الحقيقية التي توفرها فيما يخص الاندماج، و لتدارك هذه الفجوة تتكفل بعض الهياكل بتوفير المعلومات حول التكوين و الشغل في آن واحد من خلال تطوير برامج لتوجيه الشباب (حالة الوكالة الوطنية لتشغيل اليد العاملة ANEM، الوكالة المحلية لتشغيل اليد العاملة ALEM، 1 ERPEQ).

تعطي لنا قراءة سريعة في أرقام توزيع المتربصين لسنة 2005 صورة على الطلبات غير المتجانسة حول التكوين كما تعطي الفرصة أيضا لقراءة الاختيارات التي يتزايد عليها الطلب، فبينما تجاوزت نسبة التسجيل في تخصص الإعلام الآلي 22,39 % (المرتبة الأولى) سنة 2005، ولم تتجاوز نسبة المسجلين في قطاع البناء و الأشغال العمومية إلا نسبة 6,58 % في سنة نفسها.

تظهر إشكالية العلاقة غير المتكافئة بين العرض و الطلب بشكل جلي فيما يخص تخصص "البناء و الاسمنت المسلح" في ميدان تكوين تخصصات البناء و الأشغال العمومية في الولايات الثلاث، بينما يتجلى العرض مهما يقل الطلب على التكوين في هذه التخصصات.

الجدول رقم 01 . توزيع المتربصين في الولايات الثلاث المبحوثة

الولاية

التعداد الخاص بالتكوين الإقامي

التعداد الخاص بالتكوين عن طريق التمهين

المجموع

وهران

690

353

1043

غليزان

630

192

822

تلمسان

319

227

546

المصدر: وزارة التكوين و التعليم المهنيين، 2005.

فمن بين 358 متربص مبحوث في مراكز التكوين في ولايات وهران و تلمسان لا يوجد سوى 33 متربصا ممن اختاروا فرع "البناء و الاسمنت المسلح"،  ورغم ضعف هذا الرقم المسجل يجب أن نتحفظ حول هذا الرقم نظرا للانسحاب المحتمل جدا للبعض منهم خلال فترة التكوين.

الجدول رقم 02 : توزيع المتربصين حسب التخصص في ولايتين

التخصص

المسجلين في البناء و الاشغال العمومية بمراكز التكوين بتلمسان

المسجلين في البناء والاشغال العمومية بمراكز التكوين بوهران

البناء و الاسمنت المسلح

33

00

التركيب الصحي و الغـاز

45

40

الطلاء و تركيب  الزجاج

17

00

كهرباء العمارات

57

51

المصدر: تحقيق كراسك، 2009.

طبيعة الطلب على التكوين لدى الشباب تخضع لظاهرة الموضة و قد يرجع ذلك تأثير للمداخل المادية التي استطاع بعض الذين انشؤوا مؤسسات صغيرة بالاعتماد على إحدى آليات التمويل المعمول بها مثل الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب أو القرض المصغر، إلا أن هذه الموضة لا تستجيب للطلب على اليد العاملة في مجال البناء و الأشغال العمومية.

تعكس تصريحات مستشارة التوجيه البيداغوجي لدى مركز "مولاي أمحمد" بوهران هذا التوجه قائلة:

" تميزت سنة 2007 مثلا بطلبات كثيرة فيما يخص الحلاقة. تلقينا سنة 2008 العديد من الطلبات متعلقة بصنع الحلويات و تخصص الميكانيك. هذه السنة سجلنا العديد من الطلبات الخاصة بالترصيص (قنوات المياه)، بينما تقل الطلبيات على تخصصات البناء".

من خلال التصريح أدناه يظهر أن "البناء و الاسمنت المسلح" هو آخر التخصصات التي تجلب المتربصين و ذلك مهما بذلت من مجهودات من قبل المسؤولين عن قطاع التكوين المهني. التصريح التالي لمستشارة التوجيه البيداغوجي لدى مركز "مولاي امحمد" بوهران يوضح ذلك:

" المهن التي يقل عليها الطلب هي البناء، الفلاحة و البلاط. بشكل عام، المهن التي لا تتطلب بالضرورة شهادة لممارستها"،.

يتضح أن الذين يزاولون تكوينا في هذا الاختصاص لم يقوموا بذلك انطلاقا من اختيار مسبق، بل بسبب مستواهم التعليمي:

" يطلب الشباب عموما تكوينا في كهرباء العمارات، لكن يتلقون صعوبات بسبب المستوى التعليمي، فهم لا يملكون المستوى المطلوب لمزاولة ذلك، لذا يتم توجيههم إلى البناء". مستشارة التوجيه البيداغوجي لدى مركز "مولاي امحمد" بوهران.

توضح في هذه الوضعية جزء من الأسباب التي تكمن وراء المقاطعة التي يعرفها اختصاص. "البناء و الاسمنت المسلح"، ففي مركزين للتكوين المهني بوهران لم يتم تسجيل أي متربص في هذا التخصص مما جعل من إمكانية فتح هذا التخصص مستحيلا نظرا لغياب الطلب.

يعبر المسؤول البيداغوجي بمركز لتكوين المهني بعين الدفلة بتلمسان 2 عن شكل آخر للانسحاب من هذا الفرع، إذ بعد تسجيل الطلبة في تخصص "البناء و الاسمنت المسلح" و بعد مباشرة التكوين يبدأ العديد من المتربصين في الانسحاب منه.  يصرح هذا المسؤول البيداغوجي قائلا: "سجلنا 20 متربص في البناء و لكن 5 منهم فقط أنهوا تكوينهم، و في الترصيص (أشغال قنوات المياه) سجلنا 38 لكن هناك 28  متربصا واصلوا إلى غاية نهاية التكوين".

العلاقة تكوين- تشغيل في قطاع البناء و الأشغال العمومية: المنطق الفردي في تكديس الشهادات في مقابل تقييم التجربة و الكفاءة

حتى و إن تبدو العلاقة بين التكوين - الشغل مستقرة نسبيا، إلا أنها تندرج في ديناميكية تفرض إعادة تنشيط نظم التكوين و الشغل معا، وفق هذا الطرح يرى J.Vincens (2009) أن الشغل هو مجموعة مهام مسندة إلى الفرد و لا يمكن انجازها بالشكل المطلوب إلا إذا كان الفرد يمتلك الكفاءات الضرورية. يتم الربط بين وحدات التكوين و متطلبات الشغل من خلال محتوياتهما فضلا عن الكفاءات سواء المحصل عليها و المطلوبة إذ ينصب البحث هنا عن التطابق بينهما.

تنطلق الأعمال التي تناولت تحليل العلاقة بين تخصصات التكوين و تخصصات الشغل من مقاربتين مختلفتين لتوصيف الشغل. تعتمد المقاربة الأولى على "المهنة" التي يتم تلقي التكوين لمزاولتها، و تعتمد المقاربة الثانية على "الكفاءات الحقيقية" التي تم اكتسابها. بالنسبة للمقاربة الأولى يقتضي مزاولة "مهنة" معينة وفقا لهذا التوجه ممارسة نشاط تلقى فيه الشاب تكوينا محددا وتتناسب هذه النظرة عموما مع تمثلات المكونين و الأولياء. أما المقاربة الثانية فينظر للفرد على أنه حصيلة من المعارف و الكفاءات، كما تنظر للشغل على أنه وضعا إنتاجيا يتطلب مجموعة من المعارف و الكفاءات المهنية المتكاملة و الممارسات الروتينية: "يوظف أرباب العمل في منصب الشغل الذي يتطلب كفاءة أفرادا يمكنهم الدخول في عملية إنتاج ملموسة وحقيقية  بشكل سريع و بأقل تكاليف، و يعتبرون بذلك أن الأهم يكمن في مجموع الكفاءات التي يمتلكها الفرد و ليس فقط المعارف الخاصة التي تلقاها خلال التكوين" (Béduwé، Espinasse et Vincent، 2005، ص.5). الفارق بين المقاربتين يتجلى خصوصا عندما يتم تحليل حالة الترابط بين ما يتلقاه التربص من تكوين و ما تتطلبه وضعيات العمل من كفاءات عملية.

حسب J.Rose (1998) يجب أن ينظر للعلاقة بين التكوين و الشغل من كل الزوايا الممكنة، فإذا انطلاقنا في تحليلنا من الشغل نحو التكوين فإن ذلك يقتضي الأخذ بعين الاعتبار عينه من متطلبات الشغل حتى يتسنى تحديد الكفاءات التي يجب ضمان اكتسابها، أما الانطلاق في الاتجاه المعاكس أي من التكوين نحو الشغل فيتطلب التركيز على ضمان تكوين أساسي راقي يضاعف الحظوظ للحصول على شغل و يسمح بتوظيف الكفاءات التي تم تحصيلها من خلال التكوين. من هنا، وجب الحديث عن علاقات بين التكوين و الشغل في صورة الجمع و ليس صورة المفرد، إذ هي متعددة و متشعبة و تتأثر بعديد من معطيات (اقتصادية، اجتماعية، ثقافية وسياسية)، و لا يمكن الحديث عن مقاربة هذه العلاقة بشكل آلي و شامل، بمعنى أنه لا يقود تكوين في تخصص محدد بالضرورة إلى شغل مقصود نظريا من وراء هذا التكوين، و مزاولة شغل معين لا يتوقف فقط على مستوى التكوين المكتسب (فالتجربة العملية لها موقعها).

من منطق الشهادة إلى منطق المهنة

تبين نتائج التحقيق الذي أجري في بعض ورشات وهران، تلمسان و غليزان أن حاملي شهادة الكفاءة المهنية في ميدان البناء و الأشغال العمومية خصوصا maçonnerie ،ferraillage،carrelage,، coffrage، كهرباء العمارات و قنوات المياه لا تمثل سوى أقلية ضمن التعداد الكلي للعاملين في الورشات. فمن بين 336 عاملا مستجوبا عن طريق الاستمارة لا يوجد سوى 73 عاملا يمتلكون شهادة الكفاءة المهنية، و هو ما يمثل نسبة 21,73 % من الفئة المبحوثة، في حين تبلغ نسبة الذين لا يمتلكون شهادة 69,94 % من المجموع الكلي للعمّال المستجوبين. ما يلاحظ أيضا أن ورشات البناء و الأشغال العمومية تستقطب يد عاملة متحصلة على تكوين لا يتناسب تماما مع نشاطات القطاع، مثلا كأن نجد عاملا في أحدى ورشات البناء يحمل شهادة مساعد ممرض أو شهادة  ليسانس في الحقوق، أو شهادة ليسانس في الترجمة، أو شهادة تقني سام في الإعلام الآلي أو شهادة دراسات معمقة في المحاسبة و التسيير.

المخطط رقم 1 : شهادات العمّال

 

المصدر: تحقيق كراسك، 2009.

يقل امتلاك شهادات الكفاءة المهنية بشكل ملحوظ خصوصا في الفروع المهنية الخاصة بالبلاط، حديد البناء ferraillage و التغليف coffrage خصوصا، فمن بين 39 عاملا في فرع التغليف لا يوجد سوى 3 عمال  منهم متحصلون على الشهادة الكفاءة المهنية، و من مجموع 48 عاملا يشتغل بحديد البناء لا يمتلك سوى 8 منهم شهادة نفسها، في حين تنعدم تماما الشهادات لدى 25 عاملا مختصون في التغليف. الجدول أذناه يبين أن هذه التخصصات هي الأكثر فقرا فيما يخص الشهادات، بينما يرتفع نسبيا امتلاكها لدى العاملين في تخصص البناء، كهرباء العمارات و أشغال قنوات المياه.

الجدول 4 : توزيع الشهادات وفقا للتخصصات المهنية

المهنة

شهادة الكفاءة المهنية

دون شهادة

مجموع العمال في فرع النشاط

بناء

30

52

82

التغليف

03

36

39

حديد البناء

08

40

48

البلاط

00

25

25

الكهرباء

13

04

17

أشغال قنوات المياه

11

03

14

الطلاء و الزجاج

8

11

18

المصدر: تحقيق كراسك، 2009.

هذا التجلي لتوزع الشهادات وفقا للفروع المهنية على (الجدول 4)، يتناسب مع تمثلات العمّال لفروع البناء و الأشغال العمومية التي تتطلب أو لا تتطلب بالضرورة تكوينا. فمن مجموع 322 عاملا أجابوا على السؤال التالي: " حسب رأيكم، ما هو التخصص الذي تستدعي ممارسته تكوينا بالضرورة؟" 40,68 % يرون أن كل المهن البناء و الأشغال العمومية تتطلب تكوينا مسبقا. يتقاسم هذه القناعة مجموعة كبيرة من العمال سواء الذين سبق لهم أن استفادوا من تكوين أو اللذين لم يسبق لهم أن حصلوا على التكوين، لكن إذا عبر 23,91 % من العمال أن مهنة الكهربائي تحتل تستوجب تكوينا فإن هذه النسبة لم تتجاوز 9,310 % من العمال الذين يرون أن تخصص البناء يتطلب بالضرورة تكوينا مسبقا لمزاولته.

يبدو من خلال الإجابات أن هناك تراتبية واضحة في الحكم على العلاقة بين التخصصات الممارسة في ورشات البناء و الأشغال العمومية و التكوين، و التوجه الذي يمكن ملاحظته هو أن المهن التي تعتبر " تقنية " تتطلب وفقا لتصريحات العمال المبحوثين تكوينا و لهذا تأتي وفقا لذلك الكهرباء و أشغال المياه على رأس القائمة وبالمقابل لا ينظر العمّال لتخصصات البلاط و حديد البناء و التغليف على أنها مهن تشترط تكوينا لمزاولتها.

من منطق الشهادة إلى منطق الكفاءات

يجب نشير في البداية لتلك الثنائية المتعلقة بالشهادة و الكفاءة، والحاضرة دوما في أغلب الخطابات الفاعلين المبحوثين. يرى المكلفون بالتكوين أن المراكز " تمنح الشهادة و تعتبر أن المتربص قد تحصل على الكفاءات المطلوبة بعد 18 شهرا من التكوين"، لكن المشرفون المباشرون على الورشات في قطاع البناء و الأشغال العمومية يشككون في مصداقية هذه الشهادة مما يجعل التكوين و مساره و غاياته محل تساؤل. يفضل المقاولون المستجوبون اليد العاملة ذات " تجربة "، و المقصود بهم هنا العمال الذين بحوزتهم رصيد مهني تم حصول عليه عن طريق الممارسة المباشرة للمهنة في الميدان، في حين لا يمثل حاملو شهادات الكفاءة المهنية حديثي العهد التخرج اختيارا استراتيجيا في التوظيف، و هذا لا يعود لموقف مسبق تجاه مراكز التكوين بل لطبيعة الظروف المتميزة بالمنافسة التي تقتضي رفض المقاولين و المشرفين المباشرين على ورشات البناء لعب دور التمهين.

إذا كان العمل في مختلف قطاعات النشاط و مهن يمر مسبقا عبر الاعتراف بالكفاءات التي تؤكدها الشهادة الصادرة عن التكوين المهني كأحد العناصر الموضوعية التي تثبت المستوى لمهنة معينة، فالأمر لا يبدو على هذا النحو في قطاع البناء والأشغال العمومية إذا ما عدنا إلى خطابات المقاولين و المشرفين المباشرين على ورشات التكوين، فهؤلاء يرون أن هناك فجوة كبيرة بين التكوين التي تثبته الشهادة (شهادة الكفاءة المهنية) و بين الكفاءة المطلوبة لمزاولة المهنة.

المواقف السلبية من شهادة الكفاءة المهنية في العديد من تخصصات البناء والأشغال العمومية بالإمكان معرفتها بواسطة بعض المؤشرات مثل "دور الشهادة في تسريع الحصول على منصب عمل". لقد بينت الدراسة الميدانية أن شهادة الكفاءة المهنية لا تلعب دور المسهل أو المسرع في الحصول على منصب عمل في إحدى ورشات البناء، فـ 10,7 % من حاملي الشهادات و 13,4 % من الذين لا يمتلكون شهادة وجدوا عملا في مدة أقل من شهر.

لا تلعب الشهادة حسب تصريحات العمال المبحوثين أي دور في تسريع وتيرة الحصول على الشغل، كما أنها لا تلعب دورا إيجابيا في الحصول على عمل في قطاع البناء و الأشغال العمومية. المفارقة تكاد تكون جلية بين خطابات المسؤولين في مراكز التكوين المهني و خطابات المقاولين أو المشرفين على ورشات البناء، فإذا كانت كلمة "شهادة" تحضر بشكل مكثف في خطابات  المسؤولين في مراكز التكوين و تمثل رهانا أساسيا بالنسبة لهم، فهي لا تعدو أن تكون مجرد ورقة بالنسبة للمقاولين و المشرفين المباشرين على الورشات لأنها لا يمكن أن تشهد على حقيقة كفاءات طالبي العمل، وعليه لذا يبقى الميدان بالنسبة لها معيارا لقيمة الشهادة.

تقول مستشارة التوجيه بمركز "مولاي امحمد"(وهران):" نحاول أن نحسس المترشحين بأهمية هذه المهن من أجل دفعهم للتسجيل في هذه الفروع للحصول على شهادة، بينما نعلم أن بعض المقاولين لا يعيرون الشهادة أي قيمة".

تعود بنا الذاكرة عند سماع مثل هذه التصريحات، إلى الخطابات التي تواترت في قطاع التكوين المهني غداة الاستقلال، و التي كانت ترى في الشهادة التكوين المهني وسيلة  "لمجابهة الانحراف" الذي يهدد فئة الشباب، لذا أضحى ينظر لها في هذا الفضاء المؤسس على أنها وسيلة لاستدراك الشباب "ضحايا " التسرب المدرسي. لكن و مع تحرير السوق و ضرورات الاحتكام لمعايير الكفاءة و قيم التسيير في قطاع البناء والأشغال العمومية يرى المقاولون المستجوبون أن البحث عن نوعية اليد العاملة بغض النظر عن امتلاكها من عدمه للشهادة ضرورة تمليها " الحقائق الاقتصادية " أكثر مما يمليها الواجب الاجتماعي. يغلب منطق الكفاءة المهنية على منطق الشهادة في خطابات المقاولين المستجوبين. التصريح التالي لأحد المقاولين المبحوثين (مقاول 46 سنة، الكدية، تلمسان):" لا أبحث عن الشهادة، إذا استندنا على الشهادات فلن نعمل، الأهم يكمن في الذي يأتي لطلب الشغل يجب أن يتقن مهنته".

تدفعنا هذه التصريحات إلى إعادة طرح التساؤل حول مصداقية الشهادة و نوعية التكوين. يصدر الفاعلون أحكاما متناقضة  فيما يخص هذه النوعية. فللمسؤولين في قطاع التكوين رؤى مختلفة في هذه المسألة عن باقي الفاعلين (المتربصين، المقاولين أو المشرفين على ورشات البناء)، و إن كانت هي الأخرى غير متجانسة. فمثلا هناك من يرى منهم أن المتربصين يحصلون على تكوين مضمون و نوعي، أم الفئة الأخرى المبحوثة فتعتبر أن هذا التكوين لا يجعل المتربص عملي و فعّال مباشرة بعد تخرجه من مركز التكوين المهني.

لا تتوانى  مستشارة  التوجيه بمركز "مولاي امحمد" (وهران) في القول:"نعتقد أن التكوين الذي نوفره مرضي و عملي، و بإمكان حاملي الشهادات العمل بفاعلية"، ويتوافق هذا التصريح مع ما يراه المسؤول البيداغوجي بمركز "الكرمة" بوهران إذ يقول:" التكوين الذي تلقاه المتربصون و الذي حصلوا بموجبه على شهادة الكفاءة المهنية هو تكوين فعّال و عملي".

و على خلاف من ذلك، هناك من يبدي تحفظه اتجاه ذلك مثلما هو حال مسؤول التوجيه البيداغوجي بمركز "عين الدفلة" (تلمسان (2 الذي يقول:

" ليس عدلا أن نقول أننا نكوّن عاملا في أشغال المياه بأتم معنى الكلمة، هذا ليس صحيحا. فالغرض من التكوين هو تمكين المتربص من أساسيات المهنة، أي 75 % من التكوين و لكن عليه هو يتكون في الباقي من خلال العمل في الورشة".

 هذا التصريح يتوافق مع ما أدلى به أحد المشرفين في الورشات التي مسها التحقيق، إذ يقول: "لي عشرون سنة تجربة عمل في الورشات، خلال كل هذه الفترة لم تسمح الفرصة بتوظيف سوى عامل واحد قادم من التكوين المهني، كان متحصلا على شهادة الكفاءة المهنية في البناء، و لكن عمليا كان مجرد مساعد بنّاء. بدل هذا الأخير مجهودات كبيرة، و اليوم هو من أفضل البنائين الذي أعرفهم".(مشرف على ورشة، 55 سنة، الكدية، تلمسان).

تؤكد تصريحات المقاولين في غليزان هذه المواقف التي يبدو أن حولها توافق واسع: " الورشة تضمن المستوى العملي و الحقيقي للعامل بينما يوفر المركز تكوينا نظريا "مقاول، غليزان".

يحتاج المتربص دائما لفترة انتقالية من أجل استكمال تكوينه في الورشة و لكن ما يبتغيه المتربص أو المكوّن ليس هو ما يبتغيه المقاولون أو المشرفون على ورشات التكوين، فبالنسبة إليهم لا مجال لتحويل الورشة إلى فضاء للتعلّم لأنها ليست هذه هي غاية وجودها و لأن الورشة فضاء للإنتاج. الارتباط بدفاتر أعباء و مدة انجاز التي يجب احترامها قد تكون وراء رفض أو تحجج  المقاولين الانخراط في لعبة التكوين- تشغيل. يصرح أحدهم :

" نحن مراقبون من طرف مصالح تقنية و لنا آجال انجاز علينا احترامها؛ و هذا لا يسمح لنا بقبول خرجي مراكز التكوين إذا لم يكونوا عمليين"(مقاول، 39 سنة، ايمامة تلمسان).

أمام هذه الوضعية المتميزة بالمنافسة، المراقبة التقنية و واحترام آجال الانجاز كما عُبر عنها، يرفض المقاولون مبدأ الشهادة و يركزون على نوعية التكوين، لذا تتوجه أنظارهم نحو البحث عن اصطياد المتخصصين في البناء، أشغال البلاط و أشغال المياه و غيرهم من الذين بإمكانهم الدخول  في النشاط الإنتاجي دونما حاجة للمرور بمرحلة التعلّم أو التكيف مع المهنة الذي يؤخر وتيرة سير العمل.

 يصرح أحد المقاولين المبحوثين:" إذا قدم إلينا أي عامل يحمل شهادة الكفاءة المهنية، نقبله، و لكن يمر بمرحلة تجريبية، إذا نجح نبقيه في الورشة، أما إذا فشل في ذلك، ندفع له مقابل الأيام التي عملها و ينصرف. لا أبحث عن الشهادة، المهم أن الذي يأتي لطلب العمل يجب أن يتقن مهنته" (مقاول 46 سنة كدية، تلمسان).

لا تمثل هذه العقبة الوحيدة للورشة في وجه حاملي الشهادات الذين يفتقدون للتجربة، بل هناك أيضا التمثلات السلبية التي تشكلت حول كفاءات حاملي الشهادات المهنية. يرى بعض المشرفين على التوظيف في الورشات أن التكوين الذين يحصل عليه الشباب غير كاف و يعتقدون أن مراكز التكوين المهني تمنح الشهادة ولا توفر الكفاءة المطلوبة للعمل، لذا  فالورشة هي الفضاء المثالي لاكتساب المهارات وليس المركز لأنها تضمن الانتقال التدريجي من وضعيات مهنية و كفاءات معينة إلى وضعيات جديدة و يتم ذلك بمرافقة منظومة الاعتراف من طرف النظراء أو من طرف المسؤول المباشر على الورشة، فلا يمكن القبول – حسب العديد من المقاولين المبحوثين- بكفاءة بنّاء دونما مروره على منصب مساعد بناء. التصريح التالي لأحد المقاولين يوضح ذلك: 

" ما هي المدة المخصص لتكوين هؤلاء، عام؟ عام و نصف؟ هذا غير كاف. قبل أن تصبح بنّاء يجب أن تكون مساعدا له حتى تكتسب أساسيات المهنة "( مقاول، 39 سنة، ايمامة تلمسان).

من منطق الكفاءات إلى منطق الفاعلية

يصعب تحديد معنى واضح للكفاءة  نظرا لتعدد التعاريف، و يمكن العودة هنا لما يراه J-P. Laurencin و M.Sonzogni (1999)، إذ يربطانه " بنمط التنظيم الذي يراهن على التعلم الفردي و الجماعي في المؤسسة، و الذي يمثل وسيلة للتقليل من هوامش الشك المرتبطة بسير عمليات الانتاج".

تبين الدراسة الميدانية أن سوق العمل في قطاع البناء و الأشغال العمومية في الولايات الثلاث التي مسها التحقيق هي سوق للكفاءات و ليس سوقا للشهادات، إذ أن الهاجس الأكبر للمقاولين يكمن في بحث عن الفاعلية الإنتاجية و بأقل ثمن، لذا يمكن القول أن السوق الطلب على اليد العاملة في مجال البناء الأشغال العمومية هو سوق يولي أهمية لمجموع كفاءات الفرد و ليس فقط معارفه الخاصة التي اكتسبها والتي حصلها عليها من خلال الشهادة أيا كان نوعها.

يسجل على التكوين المهني في مجال البناء و الأشغال العمومية الكثير من العيوب، لاسيما تلك المتعلقة بالفجوة بين اليد العاملة المتوفرة (المشكّلة من خريجي  مراكز التكوين المهني) و تلك التي تطلبها مقاولات البناء، فالشباب الذين استفادوا من تكوين و تحصلوا على شهادة الكفاءة المهنية يأتون إلى سوق العمل و لكن يفتقدون إلى القدرات التي تسمح لهم بالاندماج في فرق العمل. تسمح هذه الفجوة بتسليط الضوء على مسؤولية التكوين الذي ينتهي عموما بتسليم شهادة الكفاءة مهما كانت النقائص، و يمكن القول أن حالة المفارقة بين "خطاب حول الشهادة" و "خطاب حول الكفاءة العملية" يكاد يكون خطاب التهم المتبادلة بين منظومتين يفترض أن تكونا متكاملتين (منظومة التكوين و منظومة التشغيل).

تقتضي التقاليد حسب تمثلات المقاولين و المسؤولين التي ترسخت في هذا القطاع و التي أصبحت تظهر كمسلمات أن يكون التكوين في مثل مهن "البناء و الاسمنت المسلح" من خلال الاحتكاك المباشر مع ذوي الخبرة في الورشة. و يجد هذا المنطق ما يبرره عمليا عندهم، فمهن البناء و الأشغال العمومية تعتمد أساسا على العمل اليدوي، و تمارس عادة خارج مراكز التكوين، و لا يمكن حصرها في تكوين نظري يختزل في تعليم مدرسي، فالورشة تتسم بتنوع المهن و تباين طلبات الانجاز، و لهذا يتطلب أن يكون التكوين مباشرة في الميدان. انطلاقا من هذه المسلمات يصبح  التشغيل في الورشة حسبهم مسألة مهارات و ليس مسألة شهادات، و لا يمكن لعمال البناء والأشغال تحصيل هذه المهارات و تطويرها إلا من خلال التأقلم مع المحيط التقني والتنظيمي، في حين يبقى تقدير لمدى الكفاءة المكتسبة مسألة داخلية للورشة، فالمهارة وفقا لما هو متداول في هذا المحيط المهني هي مدى القدرة الحقيقية على الانجاز. المفارقات تكاد تكون بينة بين مسلمات المقاولين، الأدوار المسطرة لمراكز التكوين المهني و الاختيارات على طلب التكوين في ميدان "البناء والاسمنت المسلح".

الدور التنظيمي للوكالة المحلية للتشغيل اليد العاملة محل تساؤل

قبل الخوض في التحقيق، كنا قد افترضنا بأن هذه الوكالات المحلية للتشغيل هي مؤسسات توفر المعلومات حول عروض العمل و تضمن التنسيق بين العرض و الطلب عن اليد العاملة و ذلك وفقا للنصوص المسيرة و المحددة لمهام هذا الجهاز، لكن التحقيق الميداني في إحدى الوكالات بين بعض مظاهر الخلل، فالمقابلة التي أجريت مع المسؤول على الوكالة لم تسمح  بتحصيل المعطيات المطلوبة حول عدد طالبي العمل في ميدان البناء و الأشغال العمومية. إذا كانت المعطيات غير متوفرة أنيا في هذه الوكالة فكيف بإمكانها أن تكون مساعدة على توفير المعطيات للمقاولين الراغبين في الحصول حاجتهم من اليد العاملة خصوصا إذا علمنا أن عملية الانتظار مكلفة بالنسبة للورشة، و تسمح لهم في الوقت نفسه باتخاذها عذرا لتجاوز الوكالة.

بينت تحليل مضامين خطابات المقاولين و المسؤولين المباشرين على ورشات البناء و الأشغال العمومية أن  الطلبات التي تقدموا بها للوكالة في غالب الأحيان لا تفضي  إلى توظيف عمال باقتراح من هذا الجهاز، لذا فهم يفضلون الطريقة العكسية المتمثلة في التوظيف المباشر على أبواب الورشات ثم التصريح بذلك عند وكالات التشغيل. 

يؤكد لنا أحد المقاولين ذلك قائلا:" نقدم للوكالة طلباتنا و لكن في المقابل نوظف مباشرة في الورشة و نعلم هذه الأخيرة بالعملية" (مشرف على ورشة 53 سنة، إيمامة، تلمسان).

لا يسري هذا الأمر على كافة المقاولين، فالبقية منهم توظف العمال الذين يأتون إلى الورشة دون المرور عبر الوكالة أو حتى إعلامها بذلك، و هناك من بين المقاولين من يرى أن القدوم مباشرة إلى الورشة تعبير كاف عن حاجة للعمل و هذا يعني أن العامل سيكون أكثر التزاما بشغله.

يصرح أحد المقاولين قائلا:" لم اتصل أبدا بالوكالة المحلية للتشغيل، أوظف مباشرة في الورشة. عندما يأتي شخصا برجليه إلى الورشة ، فذلك يعنب أنه بحاجة للعمل و ذلك تعبير عن التزامه "  (مقاول 46 سنة، الكدية، تلمسان).

المخطط 2 : طرق الحصول على العمل

 

المصدر: تحقيق كراسك، 2009.

تمتلك الوكالة المحلية للتشغيل الصفة القانونية التي تخول لها صلاحية تسيير اليد العاملة لكن تبقى هذه الصلاحية صورية فقط نظرا لنقص الوسائل و لاسيما الآليات الكفيلة التي تسمح لها بالتدخل الفعّال في سوق العمل.

إذا كانت نتائج التحقيق في الولايات الثلاث قد بينت بأن قطاع البناء و الأشغال العمومية لا يوظف سوى يد عاملة ضئيلة بفعل تدخل هذه الوكالات فإن ذلك هو انعكاس لصورة مهنة البناء و الأشغال العمومية التي تتقاسم معالمها ليس فقط مع مؤسسات التكوين المهني و المقاولات بل يتعدى ذلك إلى المؤسسة المكلفة بالجمع بين عروض و طلبات العمل. و إذا كان الشائع في التوظيف في هذا القطاع هو " التوجه مباشر إلى ورشات التشغيل" أو " شبكة العلاقات المختلفة" فذلك أيضا هو انعكاس للصورة السلبية لمهنة البناء، مهنة لا تضمن مسارا مهنيا متطورا، لا تضمن "شهرية" مستقرة، مهنة تحيل إلى الهشاشة الاجتماعية أكثر مما تحيل إلى غير ذلك و مهنة لا تلقى الاعتراف الاجتماعي و مهنة ظرفية لمواجهة الحاجة الظرفية.

مركز الدراسات و البحث حول المهن و الكفاءات CERPEC: مخلّفات القطيعة

أمام حالة الاختلال بين العرض و الطلب على التكوين في ميدان "البناء والاسمنت المسلح" و أمام حالة التشكيك في الكفاءة المهنية لحاملي الشهادات في هذا المجال تصبح المهام المسندة لمركز الدراسات و البحث حول المهن و الكفاءات ذات أهمية بالغة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمتابعة الإدماج المهني لخريجي مراكز التكوين في الظروف الراهنة.

من شأن التقارير التي تقدمها هذه المؤسسة أن تعكس الصعوبات التي تواجه الشباب خلال توظيفهم في مختلف الورشات، كما يمكنها أن تساعد على إعادة النظر في محتوى التكوين و إعادة تكييفه انطلاقا من المهارات التي يطلبها المقاولون مما يسمح بتلبية طلب يؤكد باستمرار عن حاجته لليد العاملة الكفؤة.

أظهر التحقيق من خلال تصريحات مسؤولين على مستوى مراكز التكوين عن وجود شبه قطيعة بين ميدان التكوين و مركز الدراسات و البحث حول المهن والكفاءات، كما بيّن التحقيق عن حاجة مراكز التكوين المهني لتقييم دفعات المتربصين المتخرجين سواء من أجل إعادة النظر في برامج التكوين، سواء من أجل تحويل تصنيف التكوين من إقامي إلى تمهيني أو من أجل معرفة مواطن الخلل وأسباب وجود الأحكام السلبية التي تمس بمصداقية شهادة الكفاءة المهنية .

يصرح المسؤول البيداغوجي بمركز الكرمة، وهران قائلا :" تحقيقات CERPEC لم تعد  موجود حاليا. لا نملك أي معلومات عن عدد الخريجين الذين اندمجوا في الحياة المهنية".

لا تسري هذه الحالة على ولاية بعينها فحسب، ففي كل المواقع عبر الولايات التي مسها البحث، تتكرر التصريحات نفسها. يؤكد مسؤول بيداغوجي في مركز تكوين بتلمسان التصريحات نفسها، إذ يقول:

" ليست لدينا أي فكرة عن اندماج الخريجين، يبعث لنا CERPEC سنويا باستمارات و لكن ليست هناك أي متابعة، فمكتب الاستقبال هو الذي يوجد في علاقة مع هذه المؤسسة  (و لكن بإمكاني أن أجيبك، لا أملك أي معلومة عن مصير المتربصين، تكمن المشكلة في أن العلاقة تنقطع بيننا و بين المتربص بعد نهاية فترة التكوين" (عين الدفلة، تلمسان 2).

تعمّق هذه القطيعة الفجوة فيما يخص التنسيق، و يصبح انسياب المعلومات بين القطاعين ناذرا أكثر فأكثر، فالاهتمام بمستقبل المتربصين و مشكالهم تجاه سوق العمل و في ورشات الشغل يسمح ليس فقط بمرافقة هؤلاء الشباب و إنما بتعديل البرامج والتخطيط لتكوين يتناسب مع متطلبات قطاع البناء و التشغيل فيما يخص اليد العاملة.

ما ينبغي الإشارة إليه من خلال سلسلة المقابلات التي أجريت مع عمّال في قطاع البناء و الأشغال العمومية هو حالة الرغبة في الخروج من ظرف العمل في قطاع نفسه خصوصا عندما تصبح إمكانية الحصول على الحقوق الاجتماعية للعمل مثل الضمان الاجتماعي غير متوفرة لفائدة كل عمّال الورشة، كما أن طبيعة العمل في القطاع نفسه التي تتأثر بالمتغيرات الطبيعية مثل الأمطار رغم توفر منظومة الضمان الاجتماعي الذي يكفل دفع الأجور في حالة التوقف، أو متغيرات الأزمات المالية التي يمكن أن تعاني منها المقاولات لا تحيل إلى إمكانية التواجد مهن البناء و الأشغال العمومية ضمن منظومة العمل النمطي التي يمثل القطاع العام نموذجا معياريا للمقارنة بالنسبة لهؤلاء العمّال.

لقد بينت الدراسة أن 75,59 % من العمال المبحوثين يفضلون العمل في القطاع العمومي، بينما يأمل 19,94 % منهم فقط العمل لحسابه الخاص، في حين لم يعبر سوى 3, 870% من العمال  المستجوبين عن رضاهم بالعمل لدى المقاولين الخواص. توحي تصريحات العمال المستجوبين أن علاقات العمل بين العمال و المقاولين هي علاقة أذاتية محكومة بالمنفعة المؤقتة و قائمة على مدى أهمية الأجر الشهري الذي يلبي احتياجات آنية للعامل في ظرف راهن، و هذه الظرفية التي تحكم العلاقة علاقات العمل هي التي تقف ضد تواجد الرغبة لدى العمال لمواصلة مشوار مهني طويل المدى و تقف عائقا أمام إمكانية تكون نموذج من المهن يجلب طالبي التكوين والشغل معا.

إن مواقف العمال من العمل عند الخواص في قطاع البناء و الأشغال العمومية  ووجود تراتبية في التفضيلات ما بين النشاط في القطاع العام و النشاط في القطاع الخاص التي يعبر في غالب الأحيان عن حالة اللاستقرار في المسارات المهنية و عن حالة استقرار مقاولات البناء نفسها هي التي تعيق تبلور صورة اجتماعية إيجابية لمهن "البناء و الاسمنت المسلح" و هي التي تعيق إعادة تثمينها.

خلاصة

أمام هذه الاختلالات بين قطاع التكوين و الشغل يجدر مساءلة السياسات العمومية، ففي الوقت الذي تثار فيه قضية بطالة الشباب (خصوصا الفئة العمرية 16-29 سنة) هناك قطاعات تشتكي من ندرة في اليد العاملة المؤهلة. يطرح المشكل بشكل خاص في قطاع البناء و الأشغال العمومية أين يتضح غياب التكامل بين التكوين و التخصصات المختلفة لهذا القطاع و يتضح غياب استراتيجية واضحة المعالم بين طالبي اليد العاملة، عارضي اليد العاملة و مؤسسات التكوين المهني، و إذا كانت بعض التخصصات في التكوين المهني تعرف إقبالا كبير من حيث الطلب عليها، فهناك على العكس من ذلك مهن أخرى لا تجلب تماما الشباب. حالة مهن البناء والأشغال العمومية التي تثير نفور الشباب بشكل عام هي حالة نموذجية تفتح المجال للبحث في الصور الاجتماعية و التمثلات التي يحملها المجتمع حول هذه المهن.

يعاب على التكوين المهني في ميدان البناء و الأشغال العمومية وجود الفجوة بين اليد العاملة المتوفرة و اليد العاملة المطلوبة من قبل المقاولات، و قد زاد من تعميق هذه الفجوة قدوم الشباب المتخرجين من مراكز التكوين و الحاملين للشهادات و الذين - حسب تصريحات المقاولين و المشرفين على الورشات-  لا يمتلكون المهارات التي تسمح لهم بالاندماج  مباشرة في العمل ضمن تخصصهم، و هذا في ظل غياب آليات المتابعة و المرافقة التي بإمكانها أن تسهل الأمر للاندماج المهني لخريجي مراكز التكوين، كما يعاب على المؤسسات الخاصة عدم وجود استقرار في النشاط يضمن جملة الحقوق الاجتماعية و المهنية التي يوفرها القطاع العام.

تتوقف بلورة سياسة عمومية ناجعة على مدى القدرة على تحصيل الكم الكافي من المعلومات المتعلقة بقطاع التكوين و قطاع الشغل، و هذا من شأنه أن يسمح بتلبية حاجيات الأفراد و المؤسسات على حد سواء، لذا فالوقوف على المهن الموجودة، طلبات المؤسسات على الكفاءات و طلبات الشباب على التكوين من شئنه أن يبين مدى التفاوت الموجودة و الحاصلة بين العناصر المؤثرة في العلاقة تكوين / تشغيل.

تحتاج مهن المرتبطة بـ"البناء و الاسمنت المسلح" إلى دراسات أخرى للوصول إلى الكشف عن تلك الصورة السلبية التي التصقت بهذه المهن خصوصا في القطاع الخاص، و قد تكون تلك الصور أحد المعوقات الاساسية التي تقف أمام جهود السياسيات العمومية للتكوين و للتشغيل. إن حالة العزوف عن ممارسة مهن المرتبطة بالبناء و الأشغال العمومية في ظل ارتفاع نسبة بطالة الشباب ( 16 – 29 سنة) هي شكل من أشكال المفارقات التي تميز حالة الفارق بين ما تطمح له السياسات العمومية للتشغيل و التكوين و ما تطمح له الفئة الطالبة للشغل، و ما تطلبه المقاولات.

 ترجمة و تصرّف: مجاهدي مصطفى و نوّار فؤاد

 الهوامش

[1] أنظر سلسلة التحقيقات على مستوى الوحدات السكنية التي أجراها الديوان الوطني للإحصاء في السنوات التالية: 2004-2005-2006-2007-2008-2009-2010.

[2] تم تكوين ملف صحفي انطلاقا من الجرائد التالية: جريدة الخبر، الشروق، le quotidien d’Oran، El Watan و قد لاحظ فريق البحث أن موضوع اليد العاملة في قطاع البناء و الأشغال العمومية أخذ حيزا معتبرا خلال السنوات 2005 إلى غاية 2009.

[3] يجدر أن نذكر بان الفرع المهني موسوم البناء، الأشغال العمومية و السكن، و لكن سيقتصر اهتمامنا بشكل خاص على التخصص الأول و هو البناء و الأشغال العمومية.

[4] مهما أن الكتابات خلال سنوات 1970 تمسكت بفرضية التوازن بين الاحتياجات و الموارد البشرية (اليد العاملة)، إلا انها تخلت عنها بعد ذلك؛ و يجب التنويه أنها دائما حاضرة في نصوص الاصلاحات و الخطابات السياسية. و حتى أن كانت تبدو مطمئنة للقادة و كأنها جواب سهل لسؤال معقد. مع العلم أنه منذ ما يقارب 20 السنة، لم يتوقف الباحثون عن الإشارة للطابع "المنعدم" للمعادلة تكوين- تشغيل و تجميع الدلائل التي تؤكد تعقد العلاقة (Tanguy, 1986). و يستعمل دون شك و لأسباب موضوعية، المسؤولون في قطاع التكوين المهني خطط تسيير تقوم ضمنيا على هذه الفرضية.

[5] Cf- . مدونة المهن " تخصصات التكوين المفترحة".

[6] تسيّر الوكالة الوطنية لتشغيل اليد العاملة بموجب المرسوم التنفيذي رقم 90- 259 المؤرخ في 8 سبتمبر 1990، وأنشأت الوكالات منذ هذا التاريخ . يعدل و يتمم هذا المرسوم الأمر الصادر يوم 17 جوان 1971 المتضمن تنظيم الديوان الوطني لليد العاملة (ONAMO) و تغيير اسم هذه المؤسسة. ترتكز الوكالة الوطنية لتشغيل اليد العاملة  التي عوضت الديوان المذكور، على 176 وكالة موزعة على التراب الوطني، 11 وكالة جهوية، 165 وكالة محليةANEM .