Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

 

مقدمة

تشترك المصنفات التاريخية والأعمال الرّوائية في الاهتمام بالزمان لكن الزمان التاريخي في كتب التاريخ زمان منقض يستعاد بالسرد لتثبيت حركته في الذاكرة البشرية وتيسير تمثله في العملية التربوية قصد الإحاطة بوقائعه والاعتبار بمجرياته. ومن طبيعة هذا الزمان أنه زمان مرجعي بكثرة ما يحيل عليه من مسميات الأمكنة والأعلام ومن تحديدات التواريخ والأعوام. وإذا كان الزمان في الأعمال القصصية القديمة والحديثة وفي مصنفات السير الدينية والشعبية زمانا يحاكي زمان الإخباريين والمؤرّخين بما ينقله من أقوال وأفعال وبما يسرده من حياة الأفراد والأبطال، فإنّ هذا الزمان الذي يبدو مرجعيا بتعدد الاحالات على الأحداث والأمكنة وبكثرة ما يرد في نصوص الروايات من تسميات وتحديدات خاصة في القصص الواقعي، ليس في الحقيقة زمانا مرجعيا صرفا يطابق الزمان التاريخي الذي يستدل على حقيقة ما جرى فيه بالشهادة الموثقة والوثيقة المدعمة.

لقد قدم المختصون في المباحث السردية تمييزات مهمة تيسر إدراك الفروق بين السرد التاريخي (Le récit historique) والسرد الروائي (Récit romanesque) فجيرار جينيت يقيم تعارضا بين السرد الحدثي (Le récit factuel) الذي يقدم فيه نظام الأحداث اعتمادا على مصادر أخرى، والسرد التخيلي (Le récit fictionnel) الذي لا يعرف فيه نظامها والذي تكون فيه الانقطاعات (Les anachronies) نتيجة لذلك غير متحددة. والناقد الفرنسي يستند إلى موقف بربارا هرنشتاين سميث ومحصلةُ أن السرد الوقائعي (الحدثي) والسرد التخيلي يتمايزان كليا (جوهريا) لا باستعمال الانقطاعات الزمانية ولا بالطريقة التي بها يظهر انهما يعلنان بها عنها[1].

والتعارض بين الزمن التخيلي والزمن التاريخي تعارض أكده بول ريكور من زاوية فلسفية لما أرجعه إلى تجاوز السارد الذي لا نماهيه بالمؤلف – الالتزام الأكبر الذي يفرض على المؤرخ : إنه الخضوع للواصلات المخصوصة باندراج الزمان العيش في الزمان الكوني[2].

وحين يعول الروائي على مواد التاريخ ويبني الحبكة القصصية في الرواية بمعطيات حادثة مرجعية وقعت، او بعناصر شخص تاريخي معروف في ثقافة من الثقافات القربية من زماننا أو الضاربة في العصور الغابرة (عصر الفراعنة في روايات نجيب محفوظ)، لايكون غرضُة في عمله الروائي تسجيل ما وقع من حادثات او تمثيل تاريخ هذا الشخص تمثيلا صادقا وحقيقيا، وإنما هو يبني نصا أدبيا لهذا لا مندوحة له من تخييل تاريخ الحادثات وأعلام التاريخ (La fictionnalisation de l’histoire générale ou individuelle  (

وهذا ما توخاه عديد الروائيين العرب بداية من جرجي زيدان السابق إلى هذا النهج في كتابة الرواية مرورا بعبد الرحمان منيف ونبيل سليمان ورضوى عاشور وجمال الغيطاني وهدى بركات وربيع جابر وممدوح عزام.

وإذا كانت لكل روائي عربي اختياراته الخاصة للمواد التاريخية بسبب الانبهار بحقبة من أحقاب التاريخ العربي الاسلامي، أو للدفاع عن حقبة ولّت، أو الرغبة في لّم شتات ما تفرق من سيرة حياة، فإن الروائي الجزائري واسيني الأعرج "تخير العودة إلى تاريخ النضال الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي وبأر هذا التاريخ بتخصيص " كتاب الأمير"[3] لسيرة حياة القائد الوطني الأمير عبد القادر الجزائري.

فماهي الوجوه الدالة على تخييل هذا التاريخ ؟ وكيف تفاعل الروائي والتاريخي في هذه الرواية ؟

1. أثر التفاعل في العنوان والنص

وسم المؤلف هذه الرواية بعنوان أصلي (كتاب الأمير) وبعنوان فرعي (مسالك أبواب الحديد) ودون خوض معمق في مسألة العنونة وفي جملة الوظائف التي يحققها عنوان الأثر نكتفي بالإشارة إلى أن هذا العنوان ينزع في الظاهر إلى الاقتراب من عنوان تأليف مخصوص بالسياسة وبطرائق الحكم في القرن السادس عشر ونعني به كتاب الأمير (1513. Le Prince) للسياسي الايطالي نيكولا ماكيافلّي (1469-1527) غير أن هذه القرابة الظاهرة في عنونة التأليفين سريعا ما تغدو تباعدا بمجرد المقارنة بين محتوى العملين:

- ثمة مشابهة ظاهرة بين عنوان هذه الرواية وعناوين المصنفات التاريخية القديمة التي يدور التأريخ فيها حول الأمراء والسلاطين.

- يتخلص عنوان هذه الرواية من الشحنة المرجعية التي تملأ المصنفات التاريخية فلا يتحدد الشخص التاريخي بالأسمية والعلمية. إن الإضافة التي ركب بها العنوان لا تحقق التعريف الذي يناط أمره بهذه الطريقة من طرائق التعريف والتخصيص في العربية.

- ينزع العنوان الفرعي لهذه الرواية إلى الإيحاء والترميز : فمسالك أبواب الحديد تسمية موحية بما تعرضت له حياة الشخصية الروائية من تقلبات بين النصر والهزيمة، ومن تنازع بين التشبث بأرض الجزائر واضطرار إلى الابتعاد عنها وقبول حالة المنفى.

 .2التفاعل داخل أقسام الرواية

قسم واسيني الأعرج روايته هذه أقساما ثلاثة على هذا النحو :

-I باب المحن الأولى

-II باب أقواس الحكمة

-III باب المسالك والمهالك

لهذه التسميات الواسمة للأقسام الكبرى للرواية بعدها القصصي وعمقها المجازي وبهما تخرج المسميات الروائية على مألوف التسميات التاريخية. إن تسمية الباب الأول (المحن الأولى) ترتبط بالتصوير القصصي لتجربة المعاناة التي واجهها الأمير عبد القادر، وتسمية الباب الثاني (باب أقواس الحكمة) تعبير فيه مجاز الاقتران بين المحسوس وغير المحسوس وتخيل الاستعارة بإضافة الأقواس إلى الحكمة. وأما تسمية الباب الثالث فلا تبعد عن منزع الإيحاء بما عاناه الأمير بعد أن أجبر على توقيف الحرب ضد المستعمر وعلى إلقاء السلاح، ونسبة الباب إلى المسالك والمهالك نسبة على المجاز لا على الحقيقة لأن الباب يكون في الأصل للبناء المسقوف أو المسيّج بينما تفتح المسالك والمهالك على مجهول المصائر وغريب النهايات .

إن مجاز التقسيمات الروائية أشد ظهورا في التقسيمات الفرعية داخل كل باب من الأبواب الثلاثة التي تضمها هذه الرواية. لقد عوّض المؤلف التسمية المألوفة في التأليف الإبداعي والنقدي (الفصل) بتسمية أخرى أقرب إلى تأمل الحادثة من تمثيلها بالتصوير والسرد : إن الوقفة التي تقسم بمقتضاها المادة القصصية في كل باب من أبواب الرواية هي من مصطلحات السرديين في تحليلهم للنص القصصي، وهي كما حددّها جينات التوقف الحاصل من جراء المرور من سرد الأحداث إلى الوصف أي الذي ينتج عنه مقطع من النص القصصي تطابقه ديمومة صفر على نطاق الحكــاية وقد ترتبط الوقفة أو التوقف بما يسمى بالوصف الذاتي[4].

وإذا استندنا إلى الجذر اللغوي لهذه الكلمة (و/ق/ف) أمكننا تقريب هذه التسمية - التقسيم من اصطلاحات الصوفيين. إن الموقف عندهم هو حالة انجذاب يكون فيها الصوفي متوجها إلى الذات الالاهية العلية ينصت إلى كلامها وَينشدُّ إلى قداستها على نحو ما نجده في كتاب المواقف والمخاطبات "لمحمد بن عبد الجبار النفري.

وأظهر ما تكون عليه مجازية العبارة في التقسيمات الواسمة لهذه الرواية ما نجده في العناوين الداخلية في كل باب: لقد أشبعت هذه العناوين إيحاء وتصويرا تغدو بهما متضمنة كلاما أقرب ما يكون إلى الشعرية.

لقد اشتقت عديد العناوين من عالم المتصوّفة ومعجم اصطلاحاتهم : إن تسميات من قبيل منزلة الابتلاء الكبير ومدارات اليقين ومواجع الشقيقين وضيق المعابر وسلطان المجاهدة ترتبط وثيق الارتباط بما يحياه الصوفي أوقات المجاهدة للترقي في الأحوال والمقامات قبل بلوغ سدرة المنتهى ومقام التجلي والكشف. وأما التسميات الأخرى التي تضع حدود هذا العمل الروائي من قبيل "مرايا الأوهام الضائعة" ومرايا المهاوي الكبرى وفتنة الأحوال الزائلة فلا يخطىء الناظر فيها ما تنطوي عليه من كلام شعري وما توشر إليه من اقتراب هذه "العتبات" الصغرى من عالم التخييل بالكلام القصصي. وإذا بحثنا في امتداد هذه التسميات داخل ردهات الرواية.وجدناها متينة التعلق بأطوار التجربة الكبرى التي خاضها الأمير عبد القادر الجزائري طيلة السنين الخمس عشرة التي أمضاها مقاوما للاستعمار الفرنسي. إن جريان المجاز في هذه المسالك الصغرى التي تتحرك داخلها مصائر الشخصيات وتتجلى فيها أحلامها طورا وانكسارات نفسها أطوارا، جريان تغاير به هذه القرائن الروائية ما تبدو عليه لغة المؤرخين من جفاف ونزوع إلى الحياد.

وإذا عمقنا النظر في تقنية التقسيم الروائي التي تخيرها المؤلف وفي هندسة بنائه لهذا النص المطول وجدنا فيه نمطا قارا مثله تصدر الأبواب الثلاثة بلفظ الأميرالية، وهذا حيز له اتصال بالديانة المسيحية وبمن يكونون قوامين على تعاليمها وعلى ما تدعو إليه من بذل وتضحية من أجل الآخرين.

إن ورود هذه التسمية – التقسيم في بداية الباب الأول، وفي بداية الباب الثاني، وفي بداية الباب الثالث وفي خاتمته أيضا، دليل على أن بناء الرواية نحا نحوًا دائريا تتصل فيه النهاية بالبداية. وهذا بناء يغاير تماما بناء النص التاريخي الذي يتدرج من الماضي البعيد إلى الماضي القريب، ومن الزمان المنقضي إلى الزمان الحالي وذلك في حركة خطية تعاقيبة وفي تسلسل لا تنقطع حلقاته. بهذا البناء الدائري وبهذه الصياغات المجازية الظاهرة في التقاسيم الكبرى للرواية وفي تقاسيمها الصغرى تتشكل الرواية أثرا فنيا له قسماته وسماته، وتغادر مسالك التأليف المعهودة لدى الاخباريين والمؤرخين فتحقق انتماءها إلى مجال الابداع الأدبي و تبرز هويتها الانشائية.

للتفاعل بين الرواية والتاريخ في "كتاب الأمير" ميسم آخر يتجسد في الحجم وهذا ميسم قار في النمط الروائي المنبني بمواد التاريخ.لقد تجاوزت صفحات هذه الرواية خمسمائة وخمسين صفة (553). وهذا الامتداد النصي له وثيق الاتصال بسيولة التاريخ وبامتداد حركته في الزمان. وإذا كان المدى الزمني الذي استغرقته أحداثها لا يتجاوز 15 سنة[5] مقارنة بأزمنة ممتدة تمسح جيلين أو أكثر من أجيال عائلة واحدة كما في "ثلاثية نجيب محفوظ" أو تغطي حقبة طويلة تشهد فيها المنطقة تحولات سريعة مثلما هو الشأن في خماسية عبد الرحمان منيف (مدن الملح)، فإن تبئير القص لهذه السنوات المعدودات ولد نصا مطولا بفضل ما توخاه المؤلف من تنقلات بين سنوات الحرب وسنوات السلم ومن تصوير لآثار الحادثات في النفسيات ومن لقاءات ومحاورات تنعقد بين أنصار الأمير عبد القادر من جهة وبينه وبين خصوم الأمس الذين صاروا له أصدقاء يكرمون وفادته ويسّهلون مغادرته إلى حيث نوى الرحيل وطلب المستقر[6]

 

يعُج كتاب الأمير بذكر التواريخ وتتعدد فيه الاحالات التي يمكن التأكد من صحتها والتثبت في حقيقتها التاريخية. لقد أحصينا عددا كثيرا من الإشارات الى تواريخ مضبوطة مقيدة بالأيام والسنوات[7].

 

لا شك في أن هذه التواريخ ترتبط بأحداث مرجعية شهدتها الفترة المحددة التي بأرتها الرواية بأساليب القص، وفي أن المؤلف تفحص عديد الوثائق لاستجلاء معالم المرحلة التي اهتم بكتابتها روائيا. وإذ كانت مسألة المطابقة بين التأريخ الروائي والتأريخ الحقيقي لما جرى من أحداث ولصنيع الشخصيات، ولما تمّ من محادثات ومحاورات، مسألة ليست ذات أهمية في النقد الروائي باعتبار الرواية عملا فنيا أساسه التخيل واصطناع العوالم الممكنة وحتى الغريبة أو المفزعة كما في الرواية الفانتاستيكية وفي الروايات البوليسية وروايات الخيال العلمي. وقاعدته المتينة الإيهام بأن ما جرى قد جرى وذلك بقوة التأليف ومتانة التركيب. فإن ما يعنينا في هذا السياق من البحث هو تصنيف التواريخ المذكورة وكيفية إيرادها داخل هذه الرواية ونوع المسار الذي اندرجت فيه هذه التواريخ وألوان الوظائف التي قامت بها.

تصنيف الاشارات التاريخية :

ترتبط التواريخ في هذه الرواية بمجالات عديدة يمكن حصرها في مايلي :

1- مجال العقيدة والديانة :تؤرخ الرواية لشخصية رجل الدين المسيحي مونسنيور ديبوش الذي افتتحت الرواية بتنفيذ وصيته واختتمت بذكر تاريخ دخوله أرض الجزائر. ففي سنة 1838 عين ديبوش أول قس للجزائر من طرف البابا عريغوار السادس عشر، وفي هذه السنة تسلم تمثال العذراء من يد مونسنيوردي كيلين أسقف باريس[8] وفي سنة 1864 نفذ جون موبي المرافق الدائم لهذا القس وصية من عدّه أباه وأخاه فنثر بقايا رفاته على مياه أرض الجزائر.

وليس افتتاح الرواية واختتامها بتاريخين أساسيين في حياة هذا الرجل سوى اقرار بعظيم ما قدمه لهذه الأرض التي تفاني في خدمة أهلها واستمات في الدفاع عن حرية أميرها عبد القادر، فلا غرو أن تتخلل الرواية قرائن قصصية وإشارات مؤرخة لسيرة حياة "ديبوش": لقد كتب في 17 جانفي 1848 رسالة موجهة إلى لويس نابليون بونابرت[9] واضطر إلى مغادرة الجزائر نحو اسبانيا هروبا من إلحاح الدائنين في استرجاع مستحقاتهم وبسبب عجزه عن تسديدها [10].

إن الرسائل المتبادلة بين هذا القس والأمير عبد القادر من قبيل الرسالة الموجهة من الأمير إلى ديبوش بتاريخ 24 صفر سنة 1265 هجرية[11] مما يؤكد منزلة هذه الشخصية ورغبة السارد في توثيق سيرتها وتمثيل مسيرتها الكبرى في زمان الرواية. 

وليس يخفى على الناظر في تواريخ هذه الشخصية كيف وظف السارد الناظم للأحداث وللعلاقات بين الشخصيات هذه الإشارات المرجعية في الإبانة عن منزلة القس المسيحي في العالم القصصي داخل هذه الرواية الممتدة وفي إبراز الوجه الوضاء لمنظومة القيم الدينية والدنيوية التي سعى طيلة حياته إلى تجسيدها في حياة الناس. إن افتتاح الرواية بمشهد الاحتفاء بالتربة المنقولة من مدينة بوردو الفرنسية وزرعها في أرض الجزائر و في أبعد وأنظف نقطة حيث لاشيء سوى الصفاء والنور والحياة الصامتة للأشياء كما في بدء الخليقة[12] افتتاح له أكثر من مغزى وهو تعبير عن أعمق قيم التسامح والبذل والتضحية وعن نبذ كل أشكال التطرف الديني والعرقي.

  1. 2. مجال النضال والصمود : يورد كتاب الأمير عددا من التواريخ الخاصة بالعلم الوطني الذي تسمت باسمه هذه الرواية. لقد أرخت بعض الرسائل التي كتبها الأمير عبد القادر بن محي الدين ومنها رسالته إلى المونسنيور ديبوش قس الجزائر وقد أرخها بـ 24 صفر من سنة 1265 هجرية[13] ورسالته إلى القبائل وأعيانها يعلمهم فيها بإجماعهم على مبايعته أميرا[14]، وضبطت تواريخ ما عقده الأمير من معاهدات ومن ذلك معاهدته مع دوميشال[15] بعد سنوات قليلة من الاحتلال ومعاهدة أخرى أبرمها مع الفرنسيين في 25 فبراير 1934[16].

ولما كان عالم الرواية مقاما على حركات الصراع بين المقاومين الجزائرين والمحتلين الفرنسيين أورد السارد عددا من التواريخ الضابطة للمعارك التي دارت بينهم وذلك من قبل تحرك قوات دو ميشال استعدادا لمباغتة المقاومين في وهران في 7 ماي 1833[17] وخروج الأمير لمحاربة الدرقاوي وولده في 22 أفريل 1835[18] وتوجه بوجو نحو آخر ميناء (ميناء رشقون) في 4 جويلية 1836 [19] وحصار مدينة عين ماضي وحرقها في 12 جانفي 1839 [20] وخروج العقون على رأس جيش جرار لدحر جيش الأمير باتجاه الجزائر[21]. وإذا كانت الرواية تورد هذه التواريخ الخاصة بالمعارك العسكرية بين هذه القوى المتحاربة فإنها تورد أيضا تواريخا تخص حياه الأمير بعد أن ألقى السلاح وظل حبيسا خمس سنوات رغم تعهده  بعدم محاربة جيش فرنسا قبل أن تأتيه زيارة لويس نابليون بونابرت إلى قصر أمبواز بقرار حريته في 16 أكتوبر 1852[22] وهذا قرار أتاح له التجول في باريس يوم 28 أكتوبر 1852[23] ومهد لتحديد رحيله إلى بروسة في دولة السلطان[24]

لا شك في أن جملة هذه التواريخ المضبوطة بالأيام والسنوات تختصر المفاصل الكبرى في مسيرة هذا المناضل الوطني و هي إذ توثق راوئيا لأبرز الأطوار المتعلقة بالتاريخ النضالي لهذه الشخصية المراجعة في الرواية. ولا إذ تغرق في إيراد التفاصيل والجزئيات التي لا يغفل عنها المؤرخون عادة. إن ما يمكن اعتباره تأريخا روائيا "في كتاب الأمير" سواء تعلق بشخصية القس ديبوش أو بشخصية الأمير عبد القادر الجزائري لا يؤول إلى إثقال النص بالمعلــومات التاريخية والاحالات المرجعية التي تروم كتابة التاريخ الفــردي أو الجماعي والإقناع بصحة هذا التاريخ. فالاشارات المبثوثة في أبواب الرواية تعدّ منطلقات يتولّد منها فعل القص والتصوير ويجري بعدها السرد حّرا طليقا من إكراهات المرجع ومن حضوره الضاغط على النص. والدليل على هذا افتتاحية الرواية : إن التاريخ المثبت فيها بصرف النظر عن صدقه التاريخي حين تغلّفه العبارة المصوّرة للسارد ويتشح خطابه بعد ذكر اليوم والسنة بألوان من جميل الكلام بالتشابيه والمجازات يصيرغائما فلا يبدو القارىء معنيا به قدر عنايته بحقيقة ما يرسمه النص من مشهد الوفاء يرتسم في حركات جون موبي وفي كلماته ومشاعره.

يتكرر الأمر ذاته في الباب الثالث وفي الوقفة الحادية عشرة "فتنة الأحوال الزائلة " ففي موضع من هذا الباب تبدأ الصفحة هذه البداية التوثيقية 16 أكتوبر 1852[25] لكن تصوير مشهد الطبيعة الخريفية والاستعدادات الخاصة باستقبال لويس نابليون في قصر امبواز زائرا للأمير عبد القادر يغطيان على التاريخ الذي يتصدر الصفحة. إن المعلنات التاريخية التي ترد في أعلى بعض الصفحات وفي بدايات بعض الأبواب والوقفات أو في غضونها سريعا ما تفسح المجال واسعا أمام الممكنات القصصية حتى لكأنّ هذه المعلنات مجرد قادح لفعل السرد والتصوير، ومجرد لافتة حاملة لأيقونة الكتابة القصصية. 

3- مجال السياسية الفرنسية : ليس إيراد التواريخ الخاصة بهذه السياسة كتابة طور من أطوار السياسة الفرنسية وإنما القصد من إيرادها تفسير مجريات الوقائع التي تتحرك بمقتضاها الحبكة القصصية في هذه الرواية. ولعل أول قرينة يذكرها السارد المنظم للبنية الحديثة هي تاريخ دخول السفن الفرنسية ميناء الجزائر بعد سنوات قليلة من الاحتلال وبداية الحرب الفعلية بنن الجزائريين والفرنسيين[26] إن هذا التاريخ السابق في الزمان مقارنة بغيره من التواريخ هو القادح الأساسي لبناء الرواية على بعض معطيات التاريخ وهو الذي يفسر مجريات الحركة القصصية الدائرة طيلة أبوابها والوقفات التي عدت في هذه الأبواب فصولا يتقسم بها مداها النصي المتسع.

يلتقط الناظر في كتاب الأمير بعض الإشارات التاريخية الخاطفة من قبيل تعيين بيجوطوماس روبيرت حاكما جديدا للجزائر خلفا للماريشال فالي يوم 22 فبراير 1841[27] و إحلال النظام الجمهوري في فرنسا في نوفمبر 1848[28] وانقلاب 2 ديسمبر سنة 1851 وما تلاه من حل نابليون الجمعية الانتخابية[29].

مجمل هذه القرائن التاريخية تمثل العلامات الهادية إلى ما سماه المؤلف في العنوان الفرعي للرواية مسالك أبواب الحديد وهذه القرائن المبثوثة في تلافيف الأثر يمر بها القارىء من حين إلى حين هي التي يتحقق بها منطق القص في الرواية. والدليل على ذلك أن وصول بيجو طاوماس روبرت إلى الجزائر، - وهو الحاكم العسكري المتشدد والمعمر المتحمس للاستيطان الفرنسي في الجزائر والمدافع القوي عن هذه السياسة القائمة على ضرورة إخضاع العرب وتسليط الحرب الشاملة - [30] سيفتح المواجهة العسكرية على مصراعيها وسيضطر الأمير عبد القادر إلى مقاومة حملات هذا الحاكم وإلى تجنب الاضرار التي ألحقتها سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها في الحرب على المقاومين الجزائريين.

لم يكن ذكر انقلاب 2 ديسمبر 1851 وحل نابليون الجمعية الانتخابية بعيدا عن منطق القص في الرواية. لقد ترتبت عنه أحداث ماكان لها أن تقع وكانت هذه الأحداث مرتبطة به ارتباط السبب بالنتيجة. وإذا كان مجىء بيجو طوماس روبرت الحاكم العسكري المتشدد إلى الجزائر حدثا سياسيا فرنسيا قوَّى المواجهة العسكرية بين المتحاربين الفرنسيين والجزائريين فآلت إلى الحرب الشاملة التي وعد بها هذا الحاكم[31] وسقطت عديد المدن الجزائرية المقاومة تحت سيطرته وخاصة تاقدامت العاصمة الرمزية للأمير، فإن انقلاب 2 ديسمبر 1851 مثل بداية منطق آخر للقص في الرّواية. لقد مثّل هذا التاريخ تحوّلا في السياسة الفرنسية تجاه الجزائر وانتقالا سريعًا من منطق المواجهة العنيفة واخضاع المجاهدين بقوة السلاح والنار إلى منطق المسالمة والمحادثات بين الطرفين.

إن القرينة التاريخية السابقة بما هي حادثة خطيرة قد مهدت لتسارع الأحداث باتجاه النهاية اتي تعتبر سعيدة في حياة الأمير والمرافقين له. وأبرز النتائج المنطقية التي تولدت من هذه الحادثة زيارة نابليون للأمير في قصر أمبواز وإعلامه بقرار حريته يوم 16 أكتوبر 1852[32]، وتنقلات الأمير عبد القادر إلى كنيسة المجدلية لملاقاة مونسنيور ديبوش[33] وزيارته لباريس واطلاعه على ذكاء "المطبعة الأميرية" وعلى قوة دار المدافع وتجواله صحبـة لـويس نابليون على متن حصانين عربيين رشيقين في الفضاء البارك الواسـع سان كلو[34]

لقد حول هذا الحدث التاريخي مسار القص من المواجهة والصدام إلى التلاقي والوئام وغدا مسار الشخصية المحورية التي تسمى الأثر الروائي باسمها شبيها بما قام به بعض المصلحين في القرن التاسع عشر لما زاروا بلدان الغرب وخاصة فرنسا واطلعوا فيها على ثمار الحضارة ومظاهر القوة الجبارة وعادوا إلى أوطانهم منبهرين بما عاينوه ساعين إلى استقدام هذه الثمار إلى أرض العروبة.

بقي أن نشير إلى أن القرينة التاريخية التي يوردها سارد هذه الرواية تختلف من موضع إلى اخر داخل النص، وإلى أن مسار القص الذي تختطه هذه القرينة لا يكون له التأثير ذاته في المتقبل. إن التاريخ الذي حددته الرواية لتعيين بيجو طوماس روبيرت حاكما عسكريا جديدا على الجزائر بصرف النظر عن إمكان التحقق منه تاريخيا بالوثيقة ولّد متخيلا قصصيا قويا سريع النسق سرعة اليــوم العاصف المتحــدد بهذا التاريخ (يوم 22 فبراير 1841 كان عاصفا)[35]. فالسرد الذي أعقب ذكر هذا التاريخ ورد متواتر الحركات والمواقف التي برزت إثر إيراد التاريخ الدقيق مشدودة بكثير من التوتر، وتصوير آثار التدمير الناتجة عن سياسة الأرض المحروقة يجىء مختصرا لا تمطيط فيه، والحورات المتبادلة بين الأمير وبعض خلفائه يغلب عليها الايجاز والصّرامة. كل هذا يصيّر القراءة انشدادا إلى عنف المتخيل الروائي الذي صورته السينما الجزائرية في فيلم "تاريخ سنوات الجمر للخضر حميني (Chronique des années de braise). وأما ذكر السارد انقلاب 2 ديسمبر 1851 وما أعقبه من وقفات فلم يتولد منه مثل ذلك المتخيل العنيف. فباستثناء اللقاء الذي تم بين نابليون بونابرت والأمير عبد القادر في قصر امبواز يوم 16 أكتوبر 1852 وما تخلله من أجواء حميمية ومن معاملات غير متوقعة بين البرنس الرئيس والأمير الذي كان شبه أسير، تسير أحداث الرّواية لاحقا على هيئة تبدو قريبة من التمثيل والتقرير ومن خطاب التسجيل الذي يعتمد في تدوين الرحلات ووصف الزيارات. قد يكون لجوء السارد إلى هذا الخطاب التسجيلي الذي تتخلله بعض إلماعات الفن الروائي محكوما بالرغبة في استكمال سيرة الأمير عبد القادر لابراز جدراته بهذا اللقب بين أتباعه وأعدائه على حدّ سواء. وقد يكون مردّ ذلك إلى وجهة نظر تبناها السارد محصّلها اقتناع بحوار الحضارات وتحاور الأديان في زمان غدا فيه التطرف الديني نزوعا لدى كثير من البشر، وتهديدا لجمال الحياة. غير أن هذا المنظور الروائي الذي جعل السارد يسترسل في متابعة زيارات الأمير داخل باريس وملاقاة نابليون بونابرت لايشفع ما بدا من إطالة غير مبررة فنيا لهذه الرواية ويقوم هذا دليلا على أن توسل التاريخ والوثيقة والأرشيف في بناء الأثر الروائي يظل محفوفا بالمخاطر إذا لم يستصف الروائي من مواد التاريخ ومتشعب أحداثه ومن سيرة أبطاله ما يكون منها أكثر توليدا للمتخيل القصصي وإحداثا للأثر المفاجىء وإفادة في بناء الحكاية المركّبة من الواقعي والمحتمل ومن الفعل المركّب الذي يجعل المصير قد تم بفضل التعرف أو التحول أو بكليهما معا على نحو ما ذكر أرسطو في كتاب "فن الشعر"[36].

4- تشابك الشخصيات وتوزعها : تشترك رواية "كتاب الأمير" لواسيني الأعرج مع الروايات التاريخية في كثرة الشخصيات وفي إيراد أسماء الأعلام وفي اختيار عنوان واسم للمرحلة التاريخية التي تغطيها الأحداث أو ضابط للعلم الذي يكون محور هذه الأحداث والمحرك الأساسي والناظر في شخصيات هذه الرواية بجدها حافلة بشخصيات كثيرة العدد متفاوتة الحضور في عالم الأحداث متضاربة المواقع والمصالح.ويمكن تصنيف شخصيات الرواية على هذا النحو:

أ- الشخصيات الفرنسية صاحبة السلطة والنفوذ

تحتل هذه الشخصيات أولى المراتب كثرة وتعدد وظائف قصصية وتنوعا في المهام السياسية والعسكرية التي أوكلت إليها، واقتدارا على تغيير مجريات الأمور ويكون مجال فعلها القصصي أرض فرنسا وأرض الجزائر بحسب المهمة التي كلفت بها.

* الحكم العسكري : تعد هذه الوظيفة أعلى المراتب العسكرية والسياسية في أرض الجزائر وقد شغل هذه الخطة السامية "الماريشال فالي" وبيجو طاوماس روبرت" وكان من دعاة الاستيطان الفرنسي في الجزائر[37] زحف على مليانة سنة 1841 و"أعطى الأمر بحرق كل المحاصيل وقلع الأشجار وتدمير كل شيء واقف والاستيلاء على رؤوس الأغنام والأبقار والأحصنة"[38].

* رجالات الجيش : يتعدد ذكر أسمائهم برتبهم العسكرية نظرا لطبيعة الصراع الدائر في عالم الرواية بين المجاهدين الجزائريين وجيش الاستعمار الفرنسي ويكون إيراد هذه الأسماء عندما تدور المعارك العسكرية بين الجانبين ويقتصر ذكرها على القادة والضباط السامين دون الجنود الذين ينفذون أوامر القيادات العسكرية[39] ويكون إيرادها كذلك في أطوار هدوء المعارك. وتختلف هذه الشخصيات التي قد تكون جامعة بين البعد التاريخي والبعد التخيلي في كيفية حضورها داخل الرواية. فالجنرال رولهيير (Rulhière) وزير الحرب يذكر مرة وحيدة على انه من المعترضين على إطلاق سراح الأمير عبد القادر[40] والجنرالات سانت آرنو (Saint Arnaut) وروكي (Roquet) وأوجين دوما (Eugene Daumas) كانوا مصاحبين للبرنس لويس نابليون لما زار قصر امبواز وأعلم الأمير بقراره القاضي بأنه حر (Je suis venu vous annoncer votre liberté)[41] والكولونيل دوبراي والكولونيل يوسف شاركا في معركة ضد جيش الأمير قرب عين طاحين[42] والكولونيل مونطوبان (Mantauban) والكولونيل مكماهون Mac-Mahon  شاركا في الحرب ضد عبد القادر وخططا للقبض عليه [43].

والماريشال "بيجو" وشانقارنيه حضرا مجلسا استثنائيا دعا إليه نابليون لمناقشة وضعية الأمير الذي ظل شبه حبيس في قصر امبواز[44] والماريشال المسن كاستولان (Castellane) الذي سلكت عبره كل فيالق افريقيا الشمالية بحسب عبارة السارد حرّك على شرف الأمير مفرزة بكاملها لتؤدي له التحــية قبل ركـوب الــبــاخـرة Le Parisien N°1 التي تقله إلى منفاه الاختياري (تركيا)[45].

لهذه الشخصيات العسكرية السامية دور بارز و حاسم زمن الحرب و دور آخر زمن السلم أو الهدنة العسكرية. و يفسر توثيق أسمائها و كتابتها في أسفل الصفحات باللغة الفرنسية مدى العناية بها بسبب ما أنجزته من أعمال غيّرت مجرى العلاقات بين المتحاربين على أرض الجزائر و أظهرت عظيم موالاتها للسلطة السياسية الحاكمة في فرنسا و بالغ تقديرها للأمير عبد القادر محاربا مستبسلا في القتال و في إعداد المعارك، و مفاوضا محنكا حازما في الوفاء بعهوده إزاء الخصوم.

ليس يخفى أن حرص الســارد على تنظيم شبكة الشخصيات العسكرية الفــرنسية و تسمية رجالات هذا السلك الذي كان حضورهم على ارض الجزائر حضورا ضاغطا بسبب طبيعة الفترة التاريخية التي رصدتها الرواية قصصيا، حرص يوهم بالنزوع إلى التوثيق التاريخي، و إلى الإكثار من الإحالات التي تقوّي حضور المرجع في الرواية. لكنّ السارد الذي توكل إليه مهام اختيار المواد القصصية و تحديد الفترات الزمنية و انتقاء الشخصيات الروائية و ترتيب منطوقاتها و ملفوظاتها، يظهر في هذه الرواية اقتصادا تظل بسببه تسميات الشخصيات العسكرية الفرنسية و ذكر أعمالها قرائن نصية عابرة لا تثقل جسد العمل الروائي و لا يكون التمثيل(la représentation) إلا خاطفا. و إذا ما توسع السارد أحيانا في الحديث عن إحدى هذه الشخصيات-على نحو ما فعل في سرده لما قام به الجنرال دوميشال في معركته ضد قبيلة غرابة- و هي من اشد القبائل وفاءا للأمير و لسيدي محي الدين، و ذلك لما احتلت قواته الخيام و أضرمت النيران في المحاصيل الزراعية و سيقت الأغنام نحو المعسكر و الحق بها الكثير من السجناء و النساء و الأطفال من اجل تبادلهم عند الضرورة[46]، فانه إنما يتوسع لتصوير قسوة المواجهة بين المتحاربين و فداحة ما يلحق بالجزائريين من تنكيل و انتقام، و لتمثيل المشاهد التي طواها الزمان و بدأت معالمها تغيم و تتراجع خلف حدود الذاكرة.

* رجال الدين المسيحيين:لا تورد رواية "كتاب الأمير" أسماء رجال الدين المسيحيين إيرادها العديد من أسماء الضباط العسكريين بمختلف رتبهم و أعمالهم الميدانية زمان المعارك و الرسمية أيام الهدنة الحربية. إن عدد رجال الدين محدود وتأثيرهم في مجريات الصراع العنيف على أرض الجزائر تأثير غير جلي إذا استثنينا ما قام به مونسنيور أنطوان ديبوش من وساطات لتخليص الأمير عبد القادر من وضع شبيه بالأسر.

يبدأ حضور هذه الشخصيات الروحية في الرواية حضورا مبكرا في تاريخ المرحلة التي ترسمت الرواية أوضاعها و صورت أوجاعها. و أول قرينة نصية لهذا الحضور هي تاريخ دخول انطون ديبوش أرض الجزائر صحبة جون موبي خادمه الذي عاشره لمدة عشرين سنة و صاحبه في كل منافيه إلى أن مات[47].

و إذا كانت هاتان الشخصيتان المسيحيتان حاضرتين في افتتاحية الرواية و في خاتمتها بضرب من الترتيب القصصي المخصوص الذي يتعارض مع الترتيب التاريخي لوقائع الحياة، و هو ترتيب خطي تتعاقب فيه الأحداث- فان بقية رجال الدين المسيحيين لا يذكرون إلا لماما و خاصة في آخر الرواية لما تقرر نقل رفات المونسنيور أنطوان ديبوش من فرنسا إلى أرض الجزائر. لقد كان القداس الجنائزي الكبير الذي تم تحضيره لتوديع الرفات مناسبة لذكر عدد من رجال الدين المسيحيين: الراهب روسي و مونسنيور بافي و سماحة الكردينال دوني و الأب سوشي و أخوات السان-فانسون دوبال و البابا غريغوار السادس عشر الذي عين ديبوش أول قس للجزائر سنة 1838[48]. إنّ إيراد هذه الشخصيات المعروفة بأسمائها وبمراتبها الدينية داخل الكنيسة يقوي البعد المرجعي للرواية و يتيح التعرف إلى الأجواء المسيحية تعرّفا تقترب به الرواية مـن التوثيق التــاريخي أو السوسيولوجي الذي يقدم معلومات تخص الأديان و المذاهب و تحدد طبيعة الممارسات الطقوسية في كل ديانة. لكن كيف يتحول مثل هذا التوثيق إلى تخييل، و الى أي مدى تنفلت الرواية من إسار هذه التحديدات المرجعية؟.

في الرواية درجات من تحويل المرجعي تخيليا و من إكساء الإحالة في النص لبوس الفن الروائي. قد يكون مشهد المرأة التي انبرت وسط الجموع الحاضرة لتوديع رفات المونسنيور ديبوش عتبة دنيا من عتبات العبور من التاريخي إلى الإنشائي. إن تصوير الحالة التي كانت عليها لما قدمت على مونسنيور ديبوش طالبة تخليص زوجها من وضعية السجين، و رغبتها في إنقاذه من موت محتوم، و احتضانها التابوت طويلا مما يضفي على الحادثة أبعادا وجدانية لا يوليها تمثيل التاريخ للوقائع الكبرى و الصغرى أهمية و اهتماما.

وأما العتبة العليا لهذا العبور من التوثيق الى التصوير ومن الإحالة إلى الإيحاء فهي بارزة في سيرة المنسنيور ديبوش وهي مبثوثة في تضاعيف الرواية. إن الوقفة السادسة الموسومة بـ "مواجع الشقيقين " في بداية الباب الثاني حافلة بتصوير روح البذل ونكران الذات التي تحلى بها هذا القس. لقد استرسل السارد العليم لمداخل هذه الشخصية والمستبطن أغوارها في تصوير هذه الروح المسيحية و أوكل إلى خادم القس وصفّيه جون موبي إيراد مآثرها : "لم يجد الوقت الكافي لتأمل وضعه المعقد من منفى إلى عزلة إلى خوف. الممولون لمشاريعه الخيرية لا يتوقفون عن متابعته لأنه استدان كثيرا لتسيير مشاريعه الخيرية كل يوم يسألون عنه كالسارق بينما كان يعرف أنه إذا لم تتدخل الدولة لمساعدته سينتهي إلى الحبس المؤكد" [49]

وتبرز الأقوال المتبادلة بين ديبوش "ومرافقه الأمين والوفي" جون موبي في أكثر من موضع داخل الرواية أوساع هذه الشخصية. فحين يستعيد هذا السارد الثاني أطوارا من سيرة البذل والعطاء والتضحية التي ميزت هذه الشخصية القصصية التي تركبت من أمشاج التاريخ وغدت شخصية متحركة بأفعالها وأقوالها المعروضة والمباشرة، إنما يستعيد عديد أطوار حياتها تجسيما قصصيا لمعطيات تاريخية قد تثبت صحتها وقد تكون موضوع تزيّد تقتضيه طبيعة القص والتمثيل الروائي لهذه الشخصية. إن استعادة كرامات القس ديبوش على لسان جون موبي بقوة التذكر من قبيل قيام ما ورد في الوقفة المذكورة آنفا مؤشرقوي على بناء الرّواية بتعدد الأصوات السردية وعلى إنشاء حوارية (Dialogisme) تسمــع فيها أصــوات تبئير الحدث الواحد انطلاقا من رؤى متوافقة أو متخالفة وهذا بناء للنص يغاير البناء التاريخي الذي يترسم الحادثة تباعا في الزمان بمنظور واحد ولا يستند إلى أي خارق يتجاوز حدود العقل والمنطق.

لقد مثلت قصة التعميد والمباركة التي استحضرها جون موبي في سياق محاورته لديبوش أنموذجا لبركات القس المسيحي من جهة ولمداخلة العجيب لما هو واقعي من جهة أخرى[50] إن التباس الحدود بين القص الحدثي الذي ينقل ما يجري حقا في عالم الناس ومألوف حياتهم والقص التخيلي الذي ينشئه المقام السردي (L’instance narrative) من قبيل قيام المرأة من حالة مرضها في اليوم الموالي لمباركة القس لها، التباس تُمْحَى بسببه الحدود بين التمثيل والتخييل وبين ما يكون من مجال الإحالة ومن عالم الإيحاء.

وإذا عدّت الأعمال التي قام بها هذا القس متوافقة مع ما تقتضيه منزلته الروحية من استعداد متواصل للعطاء والبذل فإن وصّيته بأن تعود رفاته إلى تلك التربة المقدسة وسط أبنائه في الجزائر ليرتاح بين الناس الذين منحه الله حبهم[51] تبدو وصية مثيرة للدهشة، لما تضمنته من أسمى معاني الوفاء والانشداد إلى أرض الجزائر.

والمتحصل من مقارنة سلوك رجالات الجيش بسلوك القساوسة المسيحيين أنَّ حضور المجموعة الأولى من الشخصيات خاصة حين تشتد المعارك بين المجاهدين وجيش الاستعمار الفرنسي حضور مروع للسكان وللقبائل التي تناصر الأمير عبد القادر بينما يكون حضور المجموعة الثانية حضورا مطمئنا للناس ومواسيا لهم في مصائبهم. وإذا كانت بشاعة الحروب هي المشاهد التي يحصّلها قارىء هذه الرواية وهي مشاهد يتعادل فيها المرجعي التاريخي بما هو متخيل[52] فإن مشاهد التضحية والنجدة والتخفيف من آلام الناس ومن أوجاعهم هي المشاهد التي ترتسم في الرواية كلما حضرت المجموعة الثانية من الشخصيات. قد تكون أغلب الأعمال التي قام بها مونسنيور ديبوش ومرافقه الدائم جون موبي أعمالا من طبيعة مرجعية أضافت إليها الرواية عددا من التفاصيل وأصبغت عليها التلاوين، لكن بصرف النظر عن إمكان التحقق من طبيعتها الإحالية تظل الشخصيات وأعمالهما داخل الرواية قوية التأثير في القراء بقوة البناء والإيهام بالواقعية (La vraisemblance).

ب- الرجال الوطنيون الجزائريون

يتعدد ذكر هؤلاء الرجال في إطار الصراع العنيف والاقتتال الدموي الذي طغى على عالم الرواية. وكما تورد الّرواية أسماء القادة العسكريين الفرنسيين وتحدد رتبهم وتذكر أسماء القساوسة ووظائفهم الكنسية المسيحية وبعض الطقوس الخاصة بهذه الديانة وذلك من قبيل القداس الجنائزى الكبير الذي تم تحضيره لوداع رفات المونسنيور ديبوش في آخر الرواية.يحرص السارد على إيراد الشخصيات ذات الوعي الوطني القوي ويتبسط في التعريف بمآثرهم الحربية والأخلاقية.

وإذا كانت شبكة الشخصيات العسكرية الفرنسية كثيرة الأسماء وكانت أعمالها مذكورة إجمالا أو ببعض التفصيل فإن شبكة الرجال الوطنيين الجزائريين أقل اتساعا وامتدادا لكنها أكثر إبرازًا لمآثر هؤلاء الرجال وأشد تركيزا على فعل المقاومة العسكرية وعلى أعمال الجهاد. تتفاوت أعمال هذه الشخصيات وتتمايز وظائفها لكنها تنشدُّ كلها إلى الشخصية المركزية في الرواية التي وسمت ب "الأمير" وتظل طوال الرواية دائرة في فلكها يتولد فعلها من فعل هذه الشخصية المركزية ومما ترسمه لمسار الجهاد من خطط عسكرية أو لمسار الهدنة من آفاق.

* الرجل الأحدب : تبدو وظيفته الجهادية محدودة وحتى غير موجودة لكنَّ ما حدث له مع آغا منطقة مغنية أو مع أهل المرأة المقتولة يكوّْنَ متخيلا قصصيا طريفا تتخفف به الرواية من الإحالات المرجعية الكثيرة التي تذكرها الوثائق التاريخية وتراجم السير الذاتية. إن القصص الكثيرة التي تروي عن الرجل الأحدب خادم مقام لالة مغنية وقد نقل منها سارد الرواية قصتين تجعل عالم الرواية منفتحا على التراث القصصي الشعبي الحافل بألوان التخيل خاصة بما كان عجيبا. وعجب القصتين المرويتْين في بداية الوقفة الثامنة (ضيق المعابر) في الباب الثاني يتولد من تسليم هذا المتخيل الشعبي بما حكاه الناس من قصص كثيرة. لقد فسرت القصة الأولى قطع لسان الرجل بخشية الآغا من انكشاف أسرار الأمير وقادته بعد أن تعرف عليهم الأحدب ذات ليلة قضاها الركب في مغنية فلما كان لايعرف التوقف عندما يبدأ الكلام وكان قد تسبب في أذى كثير من الناس[53] عدَّ قطع لسانه امرا مقضيا وأما القصة الثانية فتفسير قطع اللسان فيها تفسير مغاير أساسه ما نسجه الأحدب من قصص كثيرة رام بها أن تبور بنت الشيخ المعروف التي أراد الأحدب أن يتزوجها ورفض الأب تزويجه إياها بسبب فقره. وقد آلت الأمور إلى قتل الفتاة وقطع لسان الأحدب عقابا له على القصص الكاذبة التي رواها عن المرأة المقتولة[54].

تطعيم عالم الرواية بهذا اللون من القصص الذي تحفظه الذاكرة الجماعية والمخيلة الشعبية وتنويع أسباب الحادثة الواحدة أمران آيلان في هذا الحيز من الرواية إلى تغليب المحتمل وقوعه على ما وقع حقا وثبت حدوثه بالقرينة والوثيقة أو بشهادات الرّجال الذين عاشوا في زمان الحدث. 

ليس يخفى ما يقدمه هذا المتخيل الشعبي من تهوئة قصصية لرواية انشدت أغلب أحداثها وشخصياتها إلى تاريخ مرحلة عاصفة من مراحل الكفاح الجزائري المسلح ضد الجيش الاستعماري الفرنسي وما يتيحُه من انفكاك مؤقت من أسر ركام الوثائق المدونة التاريخية الخاصة بهذه المرحلة.

وإذا كان قارىء القصتين المتعلقتين بقطع لسان الرجل الأحدب يقل عجبه ورد فعله إزاء القصة الثانية إذ يحمل نهايتها الفاجعة على رواسب العقلية القبلية التي تحِمّل المرأة اوزار الرجل وتحرص على صيانة العرض والشرف فإنه يقف مشدوها أمام صنيع الرجل صباح تلك الليلة التي تعرف فيها دون قصد منه على الكثير من اسرار الأمير وخباياه ويتقوى اندهاشه مما يورده السارد على لسان الشخصية :"في الصباح كان يقبض على لسانه بخرقة احمرت من كثرة الدم قال لآغا المنطقة أنه لا يستطيع أن يصمت وأنه سيحكي للزوار كل ما سمعه عن الأمير وانه من الأحسن قص لسانه"[55].

يتولد من هذا العرض العجيب تصوير قصصي فيه عنف المتخيل الروائي. إن الطريقة التي سارع بها الآغا إلى تنفيذ هذا "العرض الغريب" تبعث على الاشمئزاز وتتجاوز حدود الاحتمال والتحمل :" لم يتساءل الآغا كثيرا. أحضر سكينا وقطع لسانه بكل برودة ثم وضع عليه الدّهن المغلى وأحرقه بنصل احمرَّ رأسه من كثرة الحرارة حتى اشتعل اللسان عندما وضع النصل على جزئه الأمامي. لم يتوقف النزيف إلا بصعوبة حتى كاد يموت لولا تربة لالة مغنية التي ظل يضعها كل صباح على ما تبقى من لسانه حتى شفي نهائيا"[56].

يقوم هذا المشهد القصصي الوجيز الذي تتلاحق فيه الأفعال بعنف وقسوة مقام اللوحات التي تتفاعل فيها الألوان والأشكال، وهو مشهد قصصي بالغ التأثير قوي الشد لحواس القارئ ومشاعره على نحو ما يكون من شأن القارئ لخماسية عبد الرحمان منيف وما فيها من تصويرصارخ لمشاهد قطع الرؤوس.

وإذا كانت شخصية الرّجل الأحدب لا فعل لها في مجريات العمل الجهادي الذي تدور عليه أحداث الرواية بل إن ماكان محتملا قيامها به قد يعطل هذا العمل ويسهل انتصار الجيش الفرنسي على قوات الأمير عبد القادر فإن إدراجها في عالم الرواية بصرف النظر عن إمكان وجودها التاريخي وعن حقيقتها المرجعية يوسّع دوائر التخيل في هذا العمل ويتيح للرواية بناء كيانها القصصي في استقلال عن وثائق التاريخ. ورغم عدم مشاركة الرّجل الأحدب في أعمال المقاومة المسلحة لجيوش فرنسا فإن ملازمته مقام لالة مغنية وعدم مغادرته المقام أبدا إلا لتنظيف القبور أو الإتيان بالحطب اليابس لتحضير الشاي للزوار[57] مما يساهم في عمل المقاومة بطريقة غير ظاهرة لأن المقامات والزوايا قد شاركت في هذا العمل ولأنها من الحيزات التي عوّل عليها الأمير في التصدي للجيش الاستعماري الفرنسي.

وإذا نظرنا في طبيعة هذه الشخصية مقارنة بطبيعة الشخصيات التي عينتها الرّواية بالأسماء والرّتب وتبسط السارد في إيراد أعمالها المأثورة، اعتبرناها شخصية هامشية لايوليها التاريخ أهمية ولا تدرجها مصنفاته في سياق نقلها لما وقع. فما يسقط ذكره في هذه المصنفات توليه الرواية أهمية فيغدو مكونا قصصيا يحتل مكانة في عالم الرواية رغم تقلص حضوره، ويعد مكونا إنشائيا يضاهي سائر المكونات القصصية في حبكة الرواية بماله من وجود حرّ لاتحكمه معطيات التاريخ الموثق ومن تأثير خاص وقوي يظل قائما في وجدان القارىء أوقاتا بعد القراءة.

* مصطفى بن التهامي : هو خليفه معسكرمن أبرز مرافقي الأمير ومن أفراد حاشيته بدأ معه الأمير تدوين سيرته[58] وكان ابن التهامي مقتنعا بأن هذه الحياة يجب أن تكتب وأن يسمعها الناس على حقيقتها. يعُدّ مصطفى بن التهامي من خلفاء الأمير وقد رافقه أزمنة الحرب وأيام السلم ومن ذلك أنه كان صحبة الأمير يوم 23 ديسمبر لما سلم نفسه للقوات الفرنسية بحضور ولي العهد الدّوق دومال[59] وانه كان مشاركا فاعلا في معركة عين البرانس وعين ماضي وكان من أنصار محاورة محمد التيجاني مقدم الزاوية التيجانية ومطالبته بالامتثال للأوامر الأميرية[60] وقد تحقق له ذلك لما استجاب محمد الصغير التيجاني لذلك ووقعت معاهدة من ست نقاط من أبرزها رفع الأمير الحصار المضروب على عين ماضي[61] وقد كان مصطفى بن التهلمي في غمرة الفرح بهذا الانجاز إذ "بفضله تفادت عين ماضي حمام الدم" [62].

* سيدي مبارك بن علال : هو خليفة مليانة أخذ مكان عمّه الحاج محي الدين الصغير الذي مات بوباء الريح الصفراء (الكوليرا) التي عمت مدينة مليانة وذلك سنة 1837 وظل مستقرا بالمدينة حتى تحللت معاهدة تافنة سنة 1839 وفقد إحدى عينيه بسبب حادث تافه. مارس ضغوطا حتى لا يتم تسليم القليعة للفرنسيين بموجب معاهدة تافنة لكنه استسلم في النهاية لضغوطات الأمير عبد القادر[63].

يعد سيدي مبارك بن علال قائدا حربيا مغوارا وكان من أضمن قادة الأمير وأصدقهم وقد أورد السارد جملة من المهام العسكرية والسياسية التي أنجزها إذ "هدد سهل المتيجة التي ظلت مدّة طويلة تحت رحمة ضرباته وهو من دمر القنوات التي تقود المياه نحو مدينة البليدة. في مضيق جبل موزايا قاوم الجيش الفرنسي بدون أن يخسر نزعته الإنسانية إذ كان وراء المفاوضات التي قادت منسنيور ديبوش إلى إطلاق سراح المساجين في ماي 1941 و هو أول خليفة وضع الأمير بين يديه كل دائرته وأشياءه الثمينة"[64].

خاض هذا القائد عديد المعارك وأبلى فيها أحسن البلاء. و لّما اشتد حصار القوات الفرنسية لجيش الأمير الذي رام استمالة سلطان المغرب بحثا عن منفذ لفك الحصار أوكل إليه الأمير ما تبقى من الدائرة نحو بني إزناسن لكن انكشاف معسكر قوات هذا الخليفة أتاح لكتائب الكولونيل طارطاس (Tartas) مهاجمة قوات سيدي مبارك المتعبة وتطويقها من الجهات الأكثر هشاشة فلم يكن أمام سيدي مبارك سوى المواجهة القاسية[65]

تبرز حنكة هذا القائد العسكري واستبساله في مواجهة العدو في الخطة التي نفذها وأساسها فتح ممر في الوسط والمبادرة بالهجوم. ويصور السارد الناقل لأطوار هذه المواجهة ما أبداه هذا القائد من بطولة : " سيدي مبارك استبدل تحته ثلاثة أحصنة عندما استعد لركوب الرابع وجد نفسه في مواجهة سيوف عسكر طارطاس وبنادقهم المحشوة بالموت كانوا واحدا مقابل أكثر من عشرة مسلحين حتى الآذان (...)... استطاع سيدي مبارك أن يتخطى الجثث التي كانت تقطع عليه الطريق ويمتطي حصانه الرابع...." [66].

لقد استرسل السارد في تصوير هذه المواجهة الشرسة بين سيدي مبارك بن علال وقوات الماريشال سيكوت وقد انتهت باطلاق البريقادير جيرار النار على هذا القائد وإصابته تماما في القلب.

إن النهاية الفاجعة لهذا الخليفة توكد إصراره الملحمي على مواجهة العدو على الاستبسال في القتال وتؤكد أيضا بشاعة التمثيل بجثته ترهيبا للسكان "فيما بعد عندما لملموا جراحهم عاينوه وعندما تأكدوا انه هو خليفة مليانة هز أحد الجنود رأسه وأرسل به إلى الجنرال لاموريسيير الذي بعثه بدوره كهدية إلى حاكم الجزائر الذي قطع به وهران ثم أمر بنصبه لمدة ثلاثة أيام على بوابة مدينة مليانة ليقنع السكان بان قائدهم قد انتهى"[67].

لاشك في أن بناء الشخصية في الرواية يعتمد أمشاجا من سيرة أعلام المقاومة والجهاد في الجزائر، ويستند إلى معلومات دونتها وثائق التاريخ أو ظلت محفوظة في صدور الشهود، لكنَّ التقديم الروائي (La présentation romanesque) لهذه الشخصية ولغيرها من الشخصيات في هذه الرواية إذ يستعيد ما تتضمنه الوثيقة المكتوبة أو الشفاهية من حقائق ومعلومات وتفصيلات يعمد إلى نوع من التفكيك وإعادة التركيب لمجمل ما أوردته الوثيقة. إن تقنية التوزيع المحسوب لما تورده المصنفات والشهادات والمذكرات والمراسلات من حقائق تاريخية تقتضي اختيارًا أمثل لما يكون ملائما للبناء الروائي. وإذا كانت هذه المراجع التي تحفل بالاشارات والتحديدات والتفصيلات تنزع أحيانا إلى تركيـم (L’accumulation) المعلـومات قصـد التمثيل الأقصى (la représentation totale) لما جرى فإن الرواية التي تستند إلى التاريخ مهما كان تعويلها على الوثيقة والأرشيف تظل وفية بالضرورة لجنسها الأدبي مقتصدة في الأخذ من التاريخ. لاشك في أن الكتابة التاريخية الحقيقية الخاصة بهذه المعركة التي خاضها سيدي مبارك تستدعي تحققا من كل المعلومات الكثيرة التي تتناقلها الوثائق، وترتيبا محكما ومفصلا لأطوارها لكنّ السارد في "كتاب الأمير" استصفى من المعلومات أجدرها بالأخذ وأقواها إيقاعا للأثر في القارىء.وقد يكون تزيّدُه في إيراد ما جرى او التقاطه الإشارات القليلة الموحية بعمق الشخصية والدالة على أوساعها وحالات توثّرها مما يحوّل المعطى التاريخي مكونا قصصيا، ويؤول إلى تجاوز التحقيق والتثبيت بحثا عن أنجع السبل إلى التسريد والتشعير. إن القارىء لمشهد المواجهة بين كتائب الكولونيل طارطاس المدحجة بالسلاح والعتاد وقوات سيدي مبارك المتعبة والمشتتة قد لايكون معنيا كثيرا بالحقيقة التاريخية لهذه الواقعة القصصية إذا بوسعه تحصيل معرفة مستفيضة بها من كتب التاريخ، لكنّ ما يشده في تقديمها روائيا هو تكثيف الوصف و تسريع الحركة العسكرية في هذا المشهد الذي تتداخل فيه الأفعال و ردود الأفعال، و هو خاصة بناء شخصية القائد العسكري الجزائري  المستبسل في مواجهة العدو. و ما تضمنه المشهد من تحول فجائي قلب مجريات الحــرب و مصائر الشخصيات[68] يبرز التفاعل بين التاريخي والروائي و حلول الأول في الثاني حلول تضايف و تساكن. و محصل الأمر في هذا التفاعل أنّ المعلومة التاريخية و الإشارة المرجعية المتوزعة بين ظاهر و باطن تبقى محدودة التأثير في فعل القــراءة و أن التخيل الروائي يشد هذا الفعل و يظل أثره قائما و التصديق به أمرا حاصلا.

*الأمير عبد القادر : تعدّ هذه الشخصية القصصية في "كتاب الأمير" أهم الشخصيات و أكثرها تأثيرا في مجريات الوقائع، و استقطابا لسائر الشخصيات. إنها المركز الذي تدور عليه كل الأحداث. الزّاوية و الفاعل الأصلي المحرك لجميع الفواعل. يتأكد انشداد الرواية إلى التاريخ عبر هذه الشخصية و تتحدد الحبكة القصصية انطلاقا من وقائع الكفاح الوطني الذي خاضه الأمير في اطار حركة التحرير الوطني الجزائري.

لهذه الشخصية عمقها المرجعي و أبعادها الإحالية التي يمكن التثبت من صحتها بالعودة إلى كتب التاريخ. لقد ارتبط اسمها بتاريخ الجزائر في بداية القرن التاسع عشر وعُدَّ الأمير عبد القادر مؤسس الدولة و الأمة الجزائرية. لكن إلى أي مدى توفّق الروائي إلى تحويل الشخص التاريخي و العلم الوطني شخصية قصصية؟ و ماهي أمشاج الترجمة الخاصة بالأمير عبد القادر التي اختارها المؤلف و أعاد ترتيبها حتى تنفصل سيرة حياة هذا الاسم العلم عن مجال التاريخ فتغدو مكونات روائية حقيقية؟

يتعين قبل الإجابة عن هذين السؤالين و عن أسئلة أخرى قريبة منهما و دائرة في مجالهما التعريف الوجيز بالأمير عبد القادر حتى نتبين كيف تمت عملية تخييل التــاريخ و كيف تحولت الوثيقة التاريخية التي تنشد تثبيت الحقيقة و إيقاع التصديق  بمحتواها. مكونا قصصيا و مادة روائية مضمّنة في حكاية الرواية، و كيف فُكِّكت روزنامة الأحداث التاريخية و أعيد بناؤها بحسب ما يقتضيه الفن الروائي. تقدم الموسوعة الكونية تعريفا مختصرا بالأمير عبد القادر نقتطف منه هذه البداية: "عبد القادر (1808-1883) بن محي الدين الحسني. و لد سنة 1808 في غاتنة في واد الحمام غرب معسكر، (الجزائر) ينتمي إلى عائلة ذات أصل شريف و كانت تدير زاوية (نوع من الدير) تابعة لفرقة القادرية. جعلت منه التربية الدينية التي تلقاها مسلما صوفيا و فقيها غير أن الظروف جعلت منه محاربا. و لما صار مقاتلا (جنديا) يدافع عن أرض الإسلام، تركت محاولته بناء دولة مستقلة أثرا مشهورا و لهذا يحتفى به اليوم باعتباره مؤسس الأمة الجزائرية. و لما بويع "سلطان العرب" من قبل بعض القبائل الوهرانية في 22 نوفمبر 1832 قوي نفوذه بانتصار حققه على عساكر الباي التركي السابق و خاض باستبسال طيلة خمس عشرة سنة الحرب المقدسة ضد الفرنسيين. و لقد ساعده هؤلاء إلى حدود 1838 في ترسيخ سلطته و سيادته على ثلثي أرض الجزائر. و اعتقد الجنرالان "دوميشال" و "بيجو" اللذان حارباه بضرورة التفاوض معه على أمل إقامة (نظام) الحماية[69]".

و حين يواصل كاتب المقال التعريف بهذا القائد الوطني يورد معلومات تخص طريقة توسيع نفوذه و تعويله على توحيد القبائل و تجنيد المحاربين و بناء عاصمة للدولة (تاغدمت) و خوضه حربا بـــداية من 1839 استمرت أربع سنــوات انهزم خلالها و استسلمت عديد القبائل للفرنسيين مما دفعه إلى اللجـــوء إلى المغرب نهاية 1843، و كيف ظل الأمير يسعى إلى استعـــادة نفوذه و يستغل بعض حركات التمرد التي قامت بها زاوية "تيبية" سنة 1845 و كيف جهَّز الجيش الفرنسي (وقوامه106.000 رجل) حربا بفيالقه الثمانية عشر المتلاحمة فطرد الأمير باتجاه المغرب الذي طرده سلطانها خشية من منافسته و لهذا فضل الأمير تسليــــم نفسه للفرنسيين في 23 ديسمبر 1847 و يذكر كاتب المقال كيف أخلت حكومة غيزو وحكومة الجمهورية الثانية بعهدها القاضي بنقله إلى الإسكندرية فجعلته سجينا في فرنسا إلى أن خلصه البرنس لويس نابليون يوم 16 أكتوبر 1852 من السجن. إن السنوات الخمس التي قضاها الأمير في فرنسا مكرها كشفت له طبيعة الحضارة والديانة المسيحيتين.

و أما المرحلة الثالثة من حياته التي قضاها في الشرق الأوسط (من 1852-1883) فهي مخصصة للدراسة و التأمل الديني و هي مستجيبة لتكونه الأول الصوفي. ألف في بروسة كتابا في الفلسفة الدينية موجها إلى المسحيين. و قد استقر في دمشق بداية من 1855 حتى وفاته و كانت له هيبة عالم روحي و كانت أقواله و تعاليمه قد دونت بعنوان Le Livre des haltes  و فيه كشف لروحه الصوفية و تتلمذ على ابن عربي و قد عبر عن رغبته في دفنه قرب ضريح هذا الصوفي.

ظل الأمير مهتما بشؤون المهاجرين (الحجاج) الذين يأتون إلى دمشق و تدخل سنة 1860 لإيقاف الحملات المعادية للمسيحيين في دمشق بواجب الدين و الإنسانية و كوفي و على صنيعه هذا بعديد الأوسمة الدينية و انضم إلى حركة المـاســونيــيــن La franc-maconnerie.

و عرض عليه نابليون الثالث أن يكون حاكم سوريا لتكون دولة عربية مستقلة لكن الأمير رفض بحجة أن مهمته قد انتهت منذ 1847 و أن الله أمره بإلقاء السلاح.

نقل جثمانه إلى الجزائر منذ الاستقلال إلى مقبرة الشهداء بالعاصمة.

- أوردنا هذه المعلومات الكثيرة لتتضح أمام القارىء الصورة الكاملة لهذا القائد الوطني الجزائري وتبينَ أبرزَ أطوار حياته داخل الجزائر وخارجها، وأهم انجازاته السياسية والعسكرية.

إن هذا التقديم الوجيز والمفصل لحياة الأمير قائدا سياسيا وقائدا عسكريا وفقيها ميالا إلى التصوف هو بمثابة المرآة العاكسة لعالم الرواية الذي انبني بسيرة حياة الشخص التاريخي وبكثير من أطوار حياته.

والناظر في حكاية الرواية وحبكتها يلاحظ أن السارد في كتاب الأمير قام بعملية الاختيار والترتيب لما بدا له مهما من أطوار الشخص التاريخي ونظم عديد الأحداث والوقائع على هيئة استوى بها النص الروائي عملا فنيا يتصل بالتاريخ وينفصل عنه أيضا.

وأول اتصال للروائي بالتاريخي تجلى في تركيز السارد على أطوار ثلاثة في حياة الأمير عبد القادر: طورِ توحيد القبائل لبناء دولة وطورِ محاربة الجيش الاستعماري وطور تسليم نفسه للفرنسيين وبقائه سجينا في قصر امبواز قبل مغادرته فرنسا إلى بروسية.وإذا كانت هذه الأطوار الثلاثة متعاقبة في منطق السرد التاريخي الذي يوفّى كل طور حقه من تقديم الأحداث وتدقيق تفاصيلها فإن إيراد الرواية لها لا ينحو هذا النحو في الترتيب الخطي للأحداث وفي تقصي التفاصيل والجزئيات التي يكتمل بها تمثيل ما جرى في حقيقة التاريخ.

والفارق الأساسي بين نص الوثيقة ونص الرواية فيما تعلق بشخصية الأمير عبد القادر يمثله ما يمكن أن نصطلح عليه لعبة المرايا العاكسة وتوظيف اللازمة الافتتاحية في كل باب من الأبواب الثلاثة للرواية.

إن التحام شخصية الأمير بشخصية مونسنيور ديبوش في الجزائر في كيفية بناء الشخصية الروائية تخالف تقديم الوثائق التاريخية لها فأول ذكر للأمير يرد على لسان هذا القس فيما يشبه الشهادة الحية في آخر قسم عنونه المؤلف بـ "الأميرالية" وأول حدث يخص هذه الشخصية المنقولة من سياق التاريخ إلى سياق الفن الروائي يصل بداية الرواية بنهايتها في ضرب من قلب التسلسل الزمني للأحداث بما أن هذه الشهادة الصادرة عن ديبوش تحيل على الطور الثالث من أطوار حياة الأمير وعلى فترة إقامته الاجبارية سجينا في قصر امبواز وعلى محاولات القس المسيحي كتابة الرسائل التي يستحث فيها لويس نابليون وبونابرت رئيس الجمهورية الفرنسية على تخليص الأمير من هذه الوضعية الشاقة. يقول ديبوش في افتتاحية الكتاب الموسوم بـ "عبد القادر في قصر امبواز" أعود للتوّ من قصر أمبواز، قضيت أياما عديدة تحت سقفه المضياف في حميمية نادرة مع ألمع سجين عرفه القصر"[70]. وانشداد القس إلى الأمير بمثل هذه الشهادة التي تتكرر في تلافيف الرواية يظهر كيفية بناء الشخصية الروائية بتسليط أضواء ساطعة تبرز ملامح الشخصية المركزية في الرواية قبل أن تشغل على ركح الرواية وفي ساحة أحداثها الحيز الأول والشاسع.

إن التوافق بين شخصيتي القس ديبوش والأمير عبد القادر يكشف جانبا خفيا من شخصية الأمير ظل محتجبا أو غير مصرح به ونعني بذلك المكون الصوفي لهذه الشخصية وهو مكون تذكره كتب التاريخ وتراجم الأعلام حين تتناول شخص الأمير وتربيته الأولى وانتماءه العائلي إلى الزاوية القادرية وحين ترصد طور إقامته في المشرق العربي وتذكر انقطاعه للحياة الروحية. وهذا التوافق الذي لا تخفى أبعاده في منظور السارد المنسق للأحداث (Le narrateur régisseur) والباني للشخصيات والواصل بين زمان عبد القادر وزمان المؤلف، توافق يؤكده تعليق الأمير صورة ليتوغرافية لمنسنيور ديبوش بالحبر الصيني الغامق .... في البهو المؤدي إلى الصالون الذي كان يستقبل فيه ضيوفه في سجن قصر امبواز "[71] وتوكده خاصة سلسلة اللقاءات والمراسلات المتبادلة بين الشخصتين[72] وحميمية الأحاديث والمناقشات بينهما حتى في أمور مصيرية حساسة تتعلق بالحرب والسلم وبأوضاع شديدة التعقيد وهذا من قبيل قول الأمير يصارح ديبوش بهواجسه ويكاشفه بمخاوفه:

"مونسنيور ؟ هل تعرف ما مقدر مسؤولية أن تجر وراءك دولتك؟ معناه أن تكون بكل بساطة حذرا ليس على جيشك ولكن على أبنائك وشرفك. وربما بسبب خطأ صغير يمكن أن تدفع بكل شيء إلى الهلاك. قوة دولتك في سرية حركتها ولكن عندما تُكتشَف ينهار كل شيء في ثانية ومن يضمن ذلك في ظل الاختراقات الكثيرة ؟ الم أكن أخاف من أعدائي بقدر خوفي من أبناء جلدتي .......وماهي الخيارات التي تركت لي في حرب أحرقت كل مدني يا منسنيور ؟ صفر إما الاستسلام في وقت مبكر أو النضال حتى النهاية وبكل الوسائل الممكنة والمتوفرة..."[73].

مثل هذا الإسرار والبوح والمكاشفة هو ما تتجاوز به الرواية جفاف النقل التاريخي لما كان جرى من أحداث، ومثل هذه اللقاءات والمحاورات هي التي ينبني بها كيان الشخصية القصصية في الرواية حية بملفوظاتها المباشرة وبعمقها الإنساني.وليس يخفى أن المقاطع التي ترد على لسان الأمير وهي مقاطع وجدانية تأملية حارة اللهجة، تضفي على النص الحيوية والحياة. ليس من العسير على من يقلب النظر في الرواية بحثا عن مراجع التأليف فيها وعن حضور القرائن التاريخية أن يجد بغيته كأن يستشف من الشاهد المذكور آنفا إحالته على الفترة الممتدة بين سنتي 1840 و1843 وقد شهدت احتلال الجيش الفرنسي لعديد المدن الجزائرية (المدية –بسكرة –توغورت –معسكر-تلمسان –سقوط الزمالة) واحتلال القرى والأرياف[74] وأن يعتبر بعض ما تضمنه الشاهد سابقة سردية (analepse) تمهد لتاريخ استسلام الأمير في ديسمبر 1847 ولما سيقع له بعد هذه الواقعة الأليمة. غير أن الناظر في هذا الشاهد وفي شواهد أخرى يوردها السارد على لسان الشخصية في إطار نقل مباشر لأقوالها ومواقفها وبتصوير نابض لخلجات ضميرها يتأكد من إنشاء المؤلف للروائي في هذا الأثر القصصي ومن تواري التاريخ خلف الفن ومن تراجع الإحالة أمام الإيحاء، بل إن بعض البوح والمكاشفة التي تصدر من الشخصية في أوقات الأزمات ولا تنقلها الوثيقة ولا صوت المؤرخ المنشغل بتثبيت الحادثة وتدقيق زمان وقوعها، مما يبعّد المسافة بين التاريخي والروائي ويكاد يقطع الوشائج بينهما. فما يبوح به الأمير في لقائه بالقس ديبوش في الوقفة السابعة (مراتب الهوى الكبرى) في الباب الثاني من أبواب الراوية متعلقا بإحراق مكتبته في تاقدمت قد لا " يكون له ذكر عابر إذا كان مصنف التاريخ ذا حس ثقافي ولكن توجّع الأمير بهذا الكلام يحدث معي أن أبكي على كتاب و قد يكون أكثر من بكائي على أعزائي الذين أكلتهم الحرب فهم في الجنة ولكن المخطوطات اندثرت وإلى الأبد"  يقدم جانبا من جوانب الشخصية قد يكون له أصل واقعي في حياة الشخص التاريخي وقد يكون من تزيد السارد في بناء الشخصية الرواية و رغبته في تعداد الأبعاد الذاتية والنفسية لهذه الشخصية بل إننا نرى أن ما أقامه السارد من صلات بين القس ديبوش والأمير عبد القادر وما أورده من محاورات ومكاشفات بينهما قد يكون محض تخيل إذا علمنا أن وثائق التاريخ لا تورد ما أورده سارد الرواية، أو نوعا من التزيد القصصي على نواة تاريخية صغيرة وسع السارد من محيطها لتصوير أجواء السلم والصفاء في مقابل أجواء الحرب والعداء التي تبسطت مصنفات التاريخ في كتابتها وتدوين تفاصيلها.

ليست هذه الطريقة في تقديم الشخصية القصصية الأساسية أو المركزية في هذه الرواية المستندة إلى تاريخ النضال الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي طريقة مبتكرة أوخاصة ب"كتاب الأمير" لواسيني الأعرج  فكثيرة هي الروايات التي يتوزع فيها تقديم الشخصية بين صوت السارد العليم المتضمن في الحكاية وحديث شخصية واحدة أو شخصيات كثيرة به يتم رسم ملامح الشخصية وتنجيم المعلومات المحددة لهويتها وطباعها مثلما توكل إلى الحوارات المتبادلة بين سائر الشخصيات مهمة بناء مواقفها وإظهار دخائلها لكن تقديم شخصية الأمير في هذه الرواية المعدودة رواية الشخصية الواحدة (Un roman à personnage unique) الفريدة، يتميز بتنويع الطرائق الموصلة إلى الإحاطة بأوساع الشخصية وإلى الكشف عن عمقها النفسي.

قد يبدو تضمين عدد من الرسائل التي تبادلها الأمير مع المونسنيور ديبوش أو مع القادة العسكرين الفرنسيين[75] أمرا دالا على اتساع جنس الرواية لاحتواء أنماط كتابة ليست في الأصل من مكونات الأثر التخييلي لأنّ الرسائل عبارة عن وثائق يستند إليها المؤرخون لتدعيم المادة التاريخية التي يقدمونها ويعتبرونها حجة على صحة هذه المادة وقرينة استدلال على سلامة ما ذكروه من معلومات. وحين تكون الرسالة مؤرخة باليوم والسنة على نحوما كانت عليه بعض مراسلات الأمير تزداد الوظيفة الإحالية للرسالة وتغدو أقرب إلى الوثيقة فيبدو اندراجها في عالم الرواية امرا عسيرا. لكن الناظر في هذه الطريقة التي اتبعها السارد المنظم لحكاية الرواية ولمجمل أحداثها ووقائعها، لايشعر بنشاز الرسائل داخل عالم هذه الرواية بسب وجازة نصها وتشبع عباراتها بالصياغات المصورة.

إن الرسالة التي بعث بها الأمير إلى "صاحب المعالي البرنس الرئيس لويس نابليون" لشكره على زيارته له في قصر امبواز يوم 16اكتوبر 1852 والتعهد له بعدم العودة إلى الجزائر بعد أن تخلى عن حمل السلاح في وجه القوات الفرنسية، رسالة مختصرة مركزة لا تثقل كاهل النص الروائي.

وأما رسالة الأمير إلى القس ديبوش فيها استعطاف لهذا القس وتشوق إلى زيارته وتودّد كبير له وتوجّع من ظلم السلطان الذي حال دون الوفاء بما قطعه على نفسه من عهد. وإذا كانت صياغة هذه الرسالة لا ترقى إلى منزلة الرسالة الأدبية في فن الترسل قديما فإن خاتمتها تبدو نازعة إلى تجويد الكلام : " أما أنا أيها الحبيب الغالي، لقد سلمت امري لله ولم يعد شيء يعنيني من الحياة سوى تلك الرغبة التي تنتاب المنفي المنكسر، الخلاص أخيرا من عزلته والسماح له باختيار موته على الأرض التي يشتهي أن ينطفىء على تربتها"[76].

- وأما رسالة لا موريسيير التي أجاب فيها طلب الأمير بخصوص التزام دقيق بضمان الأمان له مقابل تسليم نفسه هو وجماعته"[77] فقد أوردت  لها الرواية نصا وجيزا فيه تاكيد لهذا الالتزام وسماح للأمير بالتنقل من جامع الغزوات إلى الاسكندرية او عكا وامتناع عن نقله إلى مكان لم يطلبه في رسالته إلى هذا القائد العسكري الذي حاصر قواته وأوشك ان يقضي على ما تبقى من دائرة الأمير[78].

تقوم مجمل هذه الرسائل المتبادلة بين الأمير وأصحاب النفوذ السياسي والعسكري بالابانة عن مفاصل مهمة في سيرة حياة الشخصية التي تركّبت بمادة التاريخ وعناصر القص التخيلي و لعل الرسالة التي حملها ابن خويا " وكان عليها ختم الأمير لا غير لأن الأمطار والرياح الكبيرة منعته من الكتابة[79] من أهم الرسائل المحوّلة وجهة الصّراع بين الطرفين المتحاربين على أرض الجزائر. إنها الرسالة الدّالة على الانقلاب الأقصى في حياة الأمير وعلى أهمية القرار الذي اتخذه في حياته ذات يوم من شهر ديسمبر 1847.

وأما رسالته الموجهة إلى لويس نابليون في بداية النهاية للرواية فترد تأكيدا لما اعتزمه من ترك للسلاح والبارود منذ أن سلّم نفسه واختار طريق المنفى.

هكذا تكون الرسالة في الرواية تفاعلا بين شكلين من أشكال الكتابة وتآلفا بين ما يكون في الرّسالة من أصول مرجعية وقرائن إحالة على شخوص يصيرون شخصيات قصصية وما يُتَخَيل في الرواية من عوالم وأحداث موهمة بالحقيقة دون أن تتأكد حقيقتها خارج الرواية وفعل اللغة فيها.

ومما يقوّي الوظيفة القصصية للرسالة في هذه الرواية مواضع ورودها فيها. ليس يخفى أن إثبات نصوص الرسائل في المصنفات التاريخية يخضع عادة لترتيب مخصوص بالكتابة التاريخية أساسه تعاقب الأحداث صعدا في الزمان وإسناد الرسالة صوت المؤرخ الحامل للحقيقة. ووفق هذا الترتيب في التأليف التاريخي تكون الرسائل المضمنة في هذه المصنفات موزعة باعتبار التحقيب التاريخي مثبتة حسب تسلسل زمني خطي تستعاد به الأحداث تعاقبيا. لكن الناظر في توزيع الرسائل داخل "كتاب الأمير" يجد تعديلا يختل بسببه نظام التعاقب. إن أول رسالة توردها الرواية ترتبط بأطوار المعارك التي خاضها الأمير ضد قوات الجيش الفرنسي وأسر فيها عددا من الجنود وبطلب القس إطلق سراحهم. وأما الرسالة الثانية الواردة في نص الرواية والمؤرخة في 24 صفر 1265 للهجرة فهي التي وجهها الأمير لمنسنيور ديبوش يفتتحها بالدعاء بأن يعم الخير في بداية هذه السنة ويضمنها أمانيه أن يتمكن القس من زيارة سجناء قصر امبواز فهذه الرسالة الواردة في بداية الرواية[80] يخترق زمانها الزمان التعاقبي للأحداث ويجعل من بداية الرواية في هذا الحيز النصي معكوسة الترتيب لأنها ترتبط بسنوات خمس قضاها الأمير سجين هذا القصر صحبة جماعته بعد أن أعلن تخليه عن محاربة جيوش فرنسا وسلّم نفسه للقائد العسكري لاموريسيير. وأما الرسالتان الثالثة والرابعة فزمانهما يطابق زمان الحكاية الأصلية في الرّواية. إن ورودهما في الوقفات الأخيرة من الرواية بعد أن سلم الأمير نفسه لهذا القائد وتحصل منه على تعهد بتنفيذ ما طلبه وبعد أن زاره نابوليون III في قصر امبواز وأعلمه بأنه حرّ وبأنه سينقل إلى بروسية .(Brousse)   

هكذا تساهم الرسائل في الإبانة عن مجريات الأمور في الرّواية وتلقى كثيرا من الضوء الكاشف لشخصية الأمير ولطبيعة ارتباطاته بسائر الشخصيات فيها. إن الرسائل وقفات تحد من استئثار السارد بعملية القص وتمكن الشخصية من بناء معالمها بنفسها دون تدخل سافر من السارد. وإذا كان ترتيب الأحداث في حكاية الرواية وتقديم الشخصيات فيها يقتضي من القارىء بناء نظام التعاقب والاسترسال حتى يسدّ الفجوات ويصل الانقطاعات فإن إيراد هذه الرسائل في "كتاب الأمير" يستدعي منه أيضا التنبه إلى كيفية انبثاثها في الرّواية حتى يميّز بين سيرة حياة الأمير في التاريخ وسيرة حياته في الرواية.

ليست الحوارات التي يتبادل فيها الأمير الحديث والأفكار مع سائر الشخصيات في هذه الرواية وليست الرسائل المدرجة في عالمها القصصي السبيل الوحيد الذي سلكه المؤلف وسارده لمّا راما بناء هذه الشخصية المركزية التي وسمت هذا النص القصصي المطوّل. لقد عمد المؤلف إلى شكل آخر توسله تقنية لمزيد الإحاطة بمعالمها وإبراز بواطنها ومواقفها المعلنة والخفية.إن الخطبة بما هي شكل تلفظ شفوي وحي شكل آخر وظّفه واسيني الأعرج في تقريب الشخصية من وعي القارىء بها وفي تحويل المشافهة تدوينا داخل النص على نحو ما فعل جمال الغيطاني في رواية الزيني بركات[81].

في "كتاب الأمير" خطبتان ألقى الأمير أولاهما في مسجد معسكر يوم جمعة لما استدعى الخلفاء والعساكر ورؤساء القبائل للتداول حول وضع البلاد والعباد[82] وكانت هذه الخطبة موجهة إلى تدعيم الصفوف وإلى التنديد بالمؤامرات التي تحاك ضد الحكومة التي أقامها الأمير، وبالتهرب من دفع الضرائب اللازمة. أما خطبته الثانية فألقاها في طور الإعداد لمهاجمة زاوية محمد التيجاني الذي رفض الانضمام إلى الكفاح المسلح ضد الجيش الفرنسي. ومحصل هذه الخطبة توّعد "هذا الطاغية الصغير" الذي لا يريد الاعتراف بسلطان الأمير على البلاد بحرب حاسمة وتبشير من يستشهدون في هذه الغزوة بجزاء كبير عند الله[83].

تساهم الخطبة الأولى في بناء معلم أساسي من معالم شخصية الأمير يتمثل في حزمه السياسي وعزمه القيادي على ضمان أكبر قدر من موالاة القبائل للدولة الناشئة ووضع حد لتململ بعضها.

إنّ سلسلة الاستفهامات الإنكارية الواردة في هذه الخطبة تندرج في إطار محاجة المترددين في نصرته والمشككين في إمرته. وأما خاتمة الخطبة الوجيزة فهو تذكير المتنطعين عن الأمير بالواجب الشّرعي المتحتم عليهم والتزامّه نحوهم بنصرة الايمان والحق.

إن توجيه الخطبة هذا التوجيه الايماني المشترك بين المخاطب والمخاطبين يقدم صورة مخصوصة بالأمير عبد القادر الجزائري توردها كتب التاريخ من قبيل الكتاب الخاص بالجزائر ماضيا وحاضرا. لقد ذكر مؤلفو هذا الكتاب تحت عنوان "تجميع الأراضي الجزائرية" أن الأمير عبد القادر خصص جهده السياسي فيما بين سنتي 1832-1839 لبسط نفوذه على كامل التراب الجزائري الذي لا تحكمه فرنسا مستعينا لتحقيق ذلك بمساندة السكان والقوى الأجنبية وخاصة المغرب وانجلترا وفرنسا أيضا وذكروا انه خاض صراعا قويا ضد المشروع الاستعماري وضد مطامح الاقطاعيين في الجزائر[84].

وليست الخطبة الثانية أقلّ مساهمة في مزيد التعريف بهذا الرجل القيادي الذي تتجمع في شخصيته السلطة الدنيوية والسلطة الروحية. إن صراعه العنيف ضد مقدم الزاوية محمد الصغير التيجاني في "عين ماضي" بسبب رفضه الروابط الأرضية المحكوم عليها بالزوال وقبوله مواجهة القوت الأميرية[85]. وتهديد الأمير ببسالة اسود هذه المدينة في رد أخير جعل خيار الحرب والحصار هو الخيار الأساسي للأمير وجيشه"[86] لقد كانت لهجة الأمير في الخطبة الثانية صارمة وحاسمة وكانت ثقته في نفسه لاتضاهى واعتزازه بذاته غير محدود. إن الخطبة شأنها شأن الحوار والسرد تقوم بدور بارز في التعريف بالشخصية وفي تحديد معالمها البارزة وسبر أعماقها النفسية.

وإذا كانت كتب التاريخ تتبسط في إيراد التفاصيل الخاصة بهذا الطور المتقدم الذي بلغته دولة الأمير عبد القادر وعم فيه سلطانه وذلك من قبيل ماقام به مؤلفو الكتاب المذكور سابقا، فإن "مسرحة" هذه المعطيات التاريخية بإيجاد ما يشبه الديكور القصصي وبناء الحوارات التي تتباين خلالها المواقف من قبيل مقاطع الحوار السابقة لخطبة الأمير بعد أداء صلاة الظهر مع قادته وضيوفه وما قد يكون من ابتداع لهذه الخطب التي لانجد لها في مصنفات التاريخ ذكرا، كل هذا الاخراج القصصي للحدث التاريخي وللشخوص المرجعية وعلى رأسهم الأمير عبد القادر الجزائري مما يذيب الإحالي (Le référentiel)  في بوتقة الانشائي (Le poétique)  ويضخّم بعض قرائن التاريخ إذ يمنحها امتدادات قصصية وأبعادا تخيلية تتجاوز بها تحديدات الوثيقة وتنصهر بسببها في أجواء الابداع الروائي.

إن مجمل الرسائل التي تبادلها الأمير مع قادة فرنسا عسكريين وسياسيين ومع حلفائه من رجال الدين، وخطبهُ التي ألقاها في أطوار مختلفة من مسيرته النضالية، وعديد الحوارات التي أجراها عندما شهدت هذه المسيرة الانتصارات والانكسارات وأظهرت اقتداره على معالجة الأمور إذا ما تعقدت قد مثلت زوايا منها يطل القارىء على عالم هذه الشخصية المركبة من سياسة وعقيدة وتدبير عسكري حكيم. وليس بخاف أن هذا التنويع في تقديم الشخصية القصصية بتناسب معقول بين وثائق التاريخ ومكونات القص وهذا المزج المحسوب بين قرائن الإحالة وأمارات التخيل الروائي، ورسم عدد من المدارات الروائية التي تتحرك الشخصية داخلها، تعد طرائق تستنها الرواية وهي تستند إلى مواد التاريخ، وتتميز بها من السرد التاريخي والقص الحدثي. وهذا ما نبه إليه جيرار جينيت حين أقام الحدود بين السرد الحدثي (الوقائعي) والسرد التخيلي الذي تكثر فيه الانقطاعات الزمنية (Les anachronies) ولا يتعرف عليه إلا داخل النص، وحين ذكر انه "من العسير أن تتخيل مؤرخا أو كاتب مذكرات (un mémorialiste) يفسح المجال لاحدى شخصياته حتى تتولى انجاز قسم مهم من سرد قصتها"[87].

لقد مثلت المحاورات والرّسائل والخطب أشكالا تحوَّل بها الأمير من كائن تاريخي إلى فاعل قصصي ومن شخص مرجعي يتولى السرد التاريخي نقل أطوار حياته وإبراز مواقفه وأفكاره إلى شخصية روائية تكشف عن ذاتها وتقدم رهاناتها في الحرب وفي زمان الهدنة.

والمتقصي لهذه الشخصية التي انشدت إليها سائر الشخصيات الجزائرية والفرنسية على حد سواء يرى أن تمثيلها (représentation) قصصيا في رواية واسيني الأعرج قد ذهب بعيدا في التخيل حتى بلغ الأسطرة.

في الرواية موضعان يتأكد فيهما تحويل الشخصية من كائن بشري يبدو عاديا إلى كائن له بعد أسطوري. ينقل السارد العليم بخفايا الاجتماع الكبير الذي عقده الأمير بحضور أفراد الدائرة حادثة محاولة اغتياله من طرف أحد خدام "العقون" وينقل عن الأمير هذا الكلام الذي يبدو باطنيا :"....يتساءل عن القوة التي منعت العبد من أن يدفن في ظهره سيفه بينما كان هو منكفئا في قــراءة القــرآن. لقد رفع العبد الضخم يده ولكنه سرعان ما تركها تهوي وكأنها كتلة ميتة بدون حراك وينحني عند رجلي الأمير طالبا الصفح عنه "[88].

هذه النجاة الخارقة من سيف العبد الضخم تفتح سياق القص على الخارق والعجيب اللذين يخترقان المعقول ويتجاوزان حدود المنطق ويحطمان فكرة التلازم بين العلة والمعلول. يتقوّى فعل الخارق حين يفسح مجال الحديث لهذه الشخصية فتعبر عن اندهاشها من غريب ما جرى : "عندما هممت بذلك (قتل الأمير) رأيت هالة من نور، غمرتني ولم أعد أرى شيئا فقلت هذه علامة من علامات الله"[89] وحين تأول الناس هذه الحادثة الخارقة للمألوف والمنطق انبهروا بما حدث من حماية الملائكة للأمير بـ "تسليط ضوء يعمي الأبصار على قاتله فشلته بقوة"[90].

حضور هذا الضوء العجيب يتكرر حين يستعيد السارد بعض أطوار من قصة انتصار الأمير في سيدي ابراهيم في آخر معركة مع الفرنسيي[91] ويزداد التعجيب قوة حين يورد السارد قصة عبور الأمير وادي الملوية وما حدث فيها من خارقات الزمان.

"قبل في الليلة نفسها إن شيئا غريبا قد حدث حتى قبل العبور، الشمس أشرقت من الغروب فأوحت للأمير بأن مكروها سيحدث.... قيل إن مطرا حميما سقط على جيوش السلطان فأبادها وجعلها كعصف مأكول وقيل إن الأمير وجد نفسه محصورا في مياه الملوية فبعث الله له بملائكة مجنحة لانقاذ دائرته من هلاك مؤكد وأن الملائكة التي أعمت بصيرة ولي العهد العقون وأخوه سليمان هي نفسها التي بعثت بطيور أبابيل واشعلت النيران في جيوشهم"[92].

إن إدراج هذه الخوارق في سياق استظهار السارد لسيرة الأمير يفتح الرواية على المتخيل الشعبي ويضيف بعدا اخر لهذه الشخصية التي تتوسع أبعادها وتتعدد سماتها الظاهرة وأعماقها المحجبة. ومجمل هذه القصص العجيبة التي يرويها طرف مشارك فيها (العبد الضخم) أو تنقل بضمير المجهول (قيل) باعتباره صوتا جماعيا ومؤلفا غير متعيّن تصيّر الأمير وليّا صالحا من أولياء الله الذين تنسب إليهم الكرامات. إن "الكرامة في الأدبيات الصوفية اسم يطلق على فعل خارق للعادة يظهر على فئة مخصوصة من الناس أيام التكليف حسب العبارة الشرعية أي في هذه الحياة الدنيا" والقدرة على إتيان الفعل الخارق تعد تكرما من الله على الفاعل إما مكافأة على الطاعة والعبادة وإما بتعيين إلاهي خفي السبب[93] وقد تجلى هذا التعيين في الحادثين المعروضين سابقا برز فيهما الفعل الخارق على أكمل وجه وحفظت العناية الإلاهية الأمير من كل مكروه ونجته من جميع المحن.

العبارات المصورة في الرواية

المقصود بهذه العبارات إشباع كلام السارد وبعض الشخصيات في مقاطع الحوار والمناجاة بكلام فيه مجاز وإيحاء وتوسل الصياغات البلاغية التي تشترك بها الرواية مع الشعر في أداء الكلام أداء يختلف عن مألوف ما يتحدث به الناس في مخاطباتهم.ولئن بدت هذه العبارات المصورة في العنوان الواسم للرواية وفي تسميات أقسامها الكبرى والصغرى داخل كلّ باب من الأبواب الثلاثة فإنها انبثت في عديد تلافيفها وأضفت على الخطاب الروائي مسحة شعرية. ليس قصدنا استيفاء كل المواطن التي نزعت فيها الرواية منزع الشعر في التعبير، حسبنا الاقتصار على أمثلة بدت لنا دالة على الصياغات ذات الإيحاء.

تبرز هذه العبارات غالبا في بدايات الوقفات فتصوّر حالة الطبيعة تمهيدا لما سيجري من أحداث قاسية وما سيتحدّد من مصائر محتومة. فحين دار السّرد على المعركة التي خاضها سيدي مبارك بن علال على مشارف الوادي المالح وكان يقــود ما تبقى من الدائرة نحو بني إزناسن ترد هذه العبارات المصّورة شبيهة بالسابقة السردية المنبئة بما سيلقاه هذا القائد العسكري من شنيع المصير:"......ولا شيء يمنعه من الوصول إلى منتهى الرحلة القاسية التي لايسمع فيها إلا هسهسة الألم وصوت الموت الذي يترّبص في كل مكان وحركة الريح التي تفتح طرقات جهنّم بشهية كبيرة"[94].

إن تصوير حركة الريح في آخر هذا الشاهد تصوير موج بعنف المعركة التي يجد القائد نفسه مجبرا على خوضها بعد أن حوصرت قواته من كل الجهات وببشاعة ما فعله الجيش الفرنسي بهذا القائد المغوار.

وحين كان الأمير وما تبقى من خيّالته يسير بين الخلجان ويتبادل الرأي مع مصطفى بن التهلمي بخصوص مصير الدائرة المتوجهة إلى الحدود المغربية، تمتم الأميـر :" لو كانت هذه الأرض تشهد ستقول ماذا ابتعلت من خيرة ناسنا الواحد تلو الآخر. أناس لا شغل لهم إلا الانصياع لهذا الصّوت الخفي الذي يأتي من عمق الأرض"[95].

تشخيص الأرض وإنطاقها بهذا الكلام الذي يشبه الشهادة والاعتراف بحقيقة ما جرى من عنيف المعارك وما قدم من جليل التضحيات، طريقة من طرائق الأداء المجازي في الرواية وتنكّب عن صريح التقرير والاثبات الذي يلتزم به السرد التاريخي الذي يحدّد الأرقام وعدد القتلى في إحصاء خال من كل انفعال.فبدل جفاف العبارة وحيادها في تقديم الوقائع تقديما يخلو من التعليق الذاتي والانفعال الشخصي، تتشرب بعضّ العبارات في الرواية ماء المجاز فيعلو أداؤها بالإيحاء والتلميح لأن الصّوت المذكور في آخر الشاهد السابق قد يكون صوت الجهاد في العقيدة الإسلامية وصوت الوطن في السياسة والنضال.

"إن التصوير في "كتاب الأمير" يمهّد في حالات كثيرة إلى معاينة الفاجعة وتكون حالة الطبيعة مرآة عاكسة لما يقع في عالم البشر من أحداث جسام فحين "بدأ الخريف ينسحب بخطى حثيثة مخلّفا في طريقه علامات قاسية لشتاء كان يطل بعنف شديد" و"كانت السماء قد اسودّت من كثرة الغيوم التي تجمعت ولم تسقط وصار النهار نفسه تحت كثافة اللون الرمادي مظلما يميل نحو سواد غميق"[96] كان عدد القتلى والسجناء وقطع السلاح المسلوبة وعدد الخيول والبغال الميتة والدائرة التي أبيدت في معظمها هي علامات لهول الفاجعة التي عاينها الأمير لما وصل إلى مكان الواقعة.

يمكن للناظر في العلاقة بين مشاهد الطبيعة وما يتولّد لاحقا من أحداث ونتائج أن يعتبر هذه المشاهد نوعا من السرد الإيحائي المجمل وما يعقبها سردا تفصيليا يقدم الجزئيات والألوان الدقيقة التي لا تظهر في عمق اللوحة.وإذا كان سرد التفاصيل يقترب أحيانا من السرد التاريخي الذي يعنى بالعدّ والحساب وإحصاء الجزئيات، فإن تصوير مشهد الطبيعة يجىء موجزا وموجيا وتكون العبارة فيه بعيدة عن الكلام المباشر والمألوف الذي يتبادله الناس في مخاطباتهم اليومية فلا ينعتون السواد باستعمال صيغة "غميق" للمبالغة في وصف الدكنة.

يعوّل التصوير الرّوائي في "كتاب الأمير" أحيانا على بعض التشابيه لتقريب الهيأة أو الحالة المادية والنفسية التي تكون عليها الشخصية. إن التشبيه يجسد حالة الشلل الكلي الذي تصاب به شخصية الأمير لما "وقف على ما تبقى من جثة ابن علال و تبكش فجأة وهربت من لسانه كل الكلمات ولم يلمس إلا الفراغ والضغينة " إن بقاءه واقفا كالشجرة المعزولة في صحراء قاحلة"[97] هو قمة التصوير لهول الفاجعة التي تبلغ حدّا يجعل الإنسان عاجزا عن الكلام والحراك. ولا شك أنّ هذا التشبيه البلاغي ستكون له امتداداته السردية في بنية الحكاية عندما يضطر الأمير إلى تسليم نفسه وإلى التعهّد بعدم مقاتلة الجيش الفرنسي.

تتنوع مجالات استخدام الرّواية للعبارات المصوّرة من باب إلى باب ومن وقفة إلى أخرى. إن التصوير قد يمتّد إلى مجالات لا يشملها هذا الفعل  التخيلي الذي تنفصل به اللغة عن سياق التواصل وتتصل بذاتها في ضرب من الدوران على غير أسمائها[98]. لقد امتد التعبير المصوّر في "كتاب الأمير" إلى الموت في ضرب من التشبيه التمثيلي فتجاوز السرد في الرّواية مراجع الحياة والحرب إلى ما يمكن اعتباره حركة سريّة لنقيض الوجود والكينونة. بدا هذا الضرب من التصوير لحالة تباغت الإنسان فينازع سكراتها في حديث ابن كليخة عن الموت وهو يستميت دفاعا عن ميمنة جيش الأمير ضد الكولونيل كامو ويسلم الروح إثر رصاصة أحدثت ثقبًا كبيرا في صدره : "يا سيدي خرجت الكلمات متقطعة من فم ابن كليخة، الموت مثل الأفعى، يتسلل بدون إحداث أي صوت باستثناء علامات صغيرة على الأرض تثبت مروره إني أحسه وهو يخترق الجسد كالرصاصة عائلتي ومالي أمانة في عنقك"[99]

تشبيه غير المحسوس بمحسوس على حد عبارات البلاغيين العرب القدامى يقرب صورة المراجع التي يعسر تعيينها وإدراك طبائعها. ومثل هذا التشبيه في هذه الحالة التي تسلم فيها الشخصية المتكلمة الرّوح لاتتأتى صياغته إلا بفعل تخيل قصصي قويّ يتّوصّل به السارد المشكل لأقوال الشخصيات إلى تعمق الخفايا واستكشاف الأغوار المحجَّّبة لأن لحظة مفارقة الحياة لا تتيح أيّ تأمل في حالة خارجية تباغت الجسد والرّوح وتقضي على حراكهما.

للتشبيه في هذا الموضع المخصوص من الفضاء الممتد للراوية وظيفة قصصية تنضاف إلى وظيفته البلاغية الأصلية المتحققة في تجميل الكلام وتحسين أدائه. لقد مدّت الصّورة المشّكلة للموت بالتشبيه الذي اكتملت أطرافه برهة من الزمن لاتترك للمحتضر فرصة التفكير فيما ينازعه من آلام، لكن السارد الذي يتحكم في حركة الأحداث تطاولا او تقاصرا ويضع يده على الزمان القصصي بألاعيب يبتدعها وتقنيات تسرّع حركة الحدث أو تبطئه عمد إلى هذا التشبيه ليوجد هذا التلاقي بين الأمير وقائد جيشه وينشئ وضعا قصصيا مخالفا للأوضاع البيولوجية المألوفة التي تؤول إلى صمت الكلام وتعطل الملكات الأخرى في الإنسان. للتعابير المصوّرة في "كتاب الأمير" مواضع اخرى يتجلى فيه اهتمام الرواية بذاتها والتفاتها إلى طبيعة خطابها فلا يكون ارتباط الحدث بالتاريخ فيها سوى معبر إلى تصوير ما يخالج الشخصية من هواجس وما ينتابها من أوجاع وآلام نفسية. فحين تؤرخ الرواية للفترة التي قضاها الأمير بعيدا عن الدائرة بين القبائل وسكان الجنوب وتورد ما كان من شأن القبائل مع الأمير لما رجته أن يعفيها من مهمة الجهاد، يداخل السارد باطن الشخصية ويغوص في أعماقها مصوّرا ما يعتمل في وعيها من إحساس بالخذلان والانكسار : "في الليلة الموالية سار (الأمير) نحو القفر بحثا عن مسلك آخر لكن الــزمن كان قد توقف نهائيا لم يعد الناس هم الناس الذين عرفهم من قبل. أحس و هو يعبر الصحراء الخالية أن الزمن الذي كان يعيشه هو هذا الزمن الرملي القاسي الذي لايرحم أحدا، يأكل كل شيء حتى الحديد والحجر. ماذا بقي من الزمن الذي انسحب بسرعة منكسرا في أعز ما لديه ؟"[100].

ليس يخفي على الناظر في هذا السرد المشحون بالتوتر النفسي لشخصية الأمير ما انطوى عليه من صياغات مجازية تُصيّر السرد القصصي سردا شعريا. إن تلوين الزمن وتشخيصه ونسبة الأفعال الدالة على الالتهام على نحو ما تفعل النار والسيول الجارفة طرائق في الأداء تمد الكتابة بأنساغ الفن، وتغّطي على ما تنحوه الرواية من اقتران كثير بأحداث السيرة المرجعية للشخصية التاريخية. إن هذا التصوير لمضايق السبيل التي انتهجها الأمير يقوم بوظيفة فنية لابد من تحققها في كل أثر روائي حتى يتميز من ضروب أخرى داخل حبكة الرواية إذ يمهد لأطوار لاحقة من أهمّها قبول الأمير للأمر الواقع واضطراره إلى التخلي عن الجهاد وتسليم نفسه إلى فرنسا. لهذا التعبير المصوّر نوع من الوظيفة القصصية الاستباقية وهو معدود في تقديرنا تصويرا تبريريا لما ستؤول إليه أحداث الرواية شبيها بالتعليل التاريخي ودفاعا ضمنيا عن هذه الشخصية التي ينبهر القارئ بسيرتها الملحمية وبطولتها النادرة فلا يقتنع أحيانا بتراجع هذه البطولة وانكسار الملحمة.

تتعمق التعابير المصورة في الرواية وتتعدد الشخصيات التي تصوغها.ففي خاتمة الرّواية وخلال محاورة أليفة تنعقد بين مونسنيور ديبوش وخادمه الوفي جون موبي قريبا من كنيسة نوتردام دولا قارد(Notre Dame de la garde)  يسترسل قس الجزائر في بوح عميق أمام البحر "الذي بدا بكل اتساعه وجبروته"[101] وتبرز الصياغات المصورة في حديثه عن المنفى و الهزيمة والتراجيديا وفي تحديده الفرق بين هذه الأوضاع "التراجيديا هي عندما تستيقظ فجرا وتدرك فجأة أن الأرض التي نبتتّ فيها و نبت الذين تحبهم لم تعد قادرة على تحمّلك وأنك ستموت بعيدا عنها وأن تربتها ستظل جائعة إليك وتظل أنت جائعا إليها. هناك جاذبية بين الأجساد والأرض الأولى"[102].

إذا قارنا هذا المقطع التصويري للتراجيديا وقد صاغه كلام مباشر للقس بالمقطع السابق الذي أورده السارد متأملا ماآل إليه وضع الأمير بعد سلسلة من الخيبات والانكسارات، خلّصنا إلى أن الكلام المصور في الرّواية يتصل بالمواضع التي تهدأ فيها الحركة القصصية وتنزع الرواية إلى تأمل ما جرى من أحداث. وإذا استندنا إلى تمييز"  هارولد فاينريش" بين السرد والتعليق ميزنا في الرواية بين العالم المرويّ والعالم المعلق عليه[103] إن العالم المروي (Le monde raconté) في "كتاب الأمير" يشمل السنوات الخمس عشرة التي قضاها الأمير مجاهدا في سبيل الله قبل أن ينقطع عن الحياة الدنيا ويخلد إلى التزهد. أما العالم المعلق عليه(Le monde commenté)  فتكوّنه مثل هذه التعابير المصورة التي أوردنا لها الأمثلة.والعلاقة بين العالمين في الرواية قوية الصّلات. إن أحداث العالم المروي اكثر ارتباطا بالتاريخ ومراجعه التي يمكن التحقق من صحتها بمقارنة الوثائق والاطلاع على كتب التاريخ ولهذا تكثر في هذا العالم الاحالات وتسميات الأمكنة وتعيين الأعلام بالأسماء وتحديد الأحداث بالأيام والسنـوات، وأما عالم التعليق فلاحق بالعالم الأول متولد منه لكنه يتميز عنه بالتفات الرواية إلى ذاتها الأدبية وبصياغة الكلام الروائي على نحو ما يولّد الشاعر من نظام اللغة كلامه الشعري الخــاص. (Son langage poétique propre) إن تأمل مونسنيور ديبوش في التراجيديا وتصويره مأسوية الانقطاع بين الانسان والأرض وحديثه عن جوع أحدهما إلى الآخر في ضرب من المحاكاة التشبيهية التي تحدث فيها حازم القرطاجني واستحسن أن تحاكىّ بها الأمور غير المحسوسة حيث يتأتّي ذلك ويكون بين المعنيين انتساب[104] واستعارته فكرة الجاذبية من مجال الفيزياء للتعبير عن توثق العلاقة بين الأجساد والأرض الأولى، واعتباره الانفصال التراجيدي عن هذه الأرض أشبه بالوقوع في فراغ لا تلتقط فيه جاذبية الأرض الأجسام، مما يقوي تصوير العبارة الروائية.

وإذا كان تصويرابن كليخة للموت وهو يحتضر بين يدي الأمير بعد ان استمات دفاعا عن ميمنة الجيش تصويرا يؤجل إلى حين انقطاع الأنفاس، ويجسّم كيفية تسرّب الموت إلى الجسد وسعيه إليه سريعا سعي الأفعى الزاحفة، فإن تأمل مونسنيور جون ديبوش الحياة والموت يذهب بعيدا في التجريد من جهة وفي توسيع دوائر الاستبصار : " لاياجون، الحياة والموت هما مجرد مسافات وهمية لشيء خالد هو الأبدية ناتي عــراة و نعود عراة نخرج بصرخة ولادة ونعود مكتومي الأنفاس بعدما تأكدنا من صغرنا محمّلين بأسئلة معقدة كنا نظن أننا وجدنا لها إجابات، انسحبت الاجابات مخلفة تحتها فيضا من الأسئلة "[105].

مثل هذا التأمل في الحياة ومصير الذات وفي مسألة المعرفة والحقيقة يكثف بناء أجواء التعليق في الرواية ويُصيّر صلتها بالتاريخ والوثيقة والأرشيف صلة تبدو واهية. إن انتباه السارد / الذي توكل إليه مسؤوليات تنظيم المادة القصصية وإيجاد التناسب بين التاريخي والروائي وحسن التوفيق بين السرد الحدثي والسرد التخيلي/ إلى ما يقتضيه الفن الروائي من إكساء الكلام أردية الأدب وتلوين الخطاب بتوشيات البلاغة انتباه تجلى أمره في عديد الصياغات التي تنأى عن تقرير التاريخ وعما تقدمه الوثيقة من إخبار وحيد بما كان جرى في الماضي القريب أو البعيد. والواقع أن مقاطع التصوير تخلتف أحجاما وأدوارا ففي أوقات الشدة واللحظات الحرجة تتقاصر العبارات المصوّرة وتجىء أشد تكثيفا وهذا من قبيل تصوير حركة الموت ودبيبها في الجسد من قبل ابن كليخة ومن نحو ما أجراه الأمير من تعليق على لسان الأرض التي ابتعلت من خيرة ناسه الواحد تلو الأخر[106]. وحين تهدأ حركة الصراع العسكري بين أنصار الأمير ويتراجع ذكرالأحداث المرجعية في الرواية تمتد مقاطع التعليق وتتشرب مجاز الكلام وهذا تأليف للكلام الروائي نلقاه في آخر "كتاب الأمير" خاصة على لسان القس ديبوش.

ليس التكثيف الذي يسم كلام الشعراء عادة يقتصر على نوع العبارة المنتقاة وعلى بناء عدد من المجازات التي يقوى بها فعل التخييل في هذه الرواية. إنه تكثيف دلالي يغدو به الكلام مشبعا بالتفلسف في شــؤون الحياة والممات وفي طبيعة الملكات.فحين أوكل السارد إلى هذه الشخصية الدينية المسيحية مهمة التعليق على سيرة الأمير وعلى ما تخللها من تراجيديا أحيانا وحين أنطقها بكلام عميق في الحياة والموت وفي المصير بين الجبر والتخيير، جاء كلام ديبوش يختزل تجارب البشر الذين عايشهم ويمتص حقائق الوجود الإنساني إجمالا. فإذا استندنا إلى التمييز الأرسطي القائل بسموّ الشعر على التاريخ على أساس أنّ الشعر يروي الكلّي بينما التاريخ يروي الجزئي[107] اعتبرنا تعليقات هذه الشخصية بارزة الحضور في الرّواية صياغات لكليات فلسفية تتجاوز كثيرا جزئيات التاريخ وتفاصيله المتشعبة.

انفتاح الرواية على عالم الملحمة

إذا كانت الرواية في العصر الحديث سليلة الملحمة في عصور منقضية مثلما أكد ذلك جورج لوكاتش حين رام التأريخ النقدي لهذا النمط السردي الصاعد[108] تيسر الحديث في استرداد "كتاب الأمير" لهذا الأصل المولّد والرّحم الحاضن للرواية.

لعلّ أظهر المواطن التي يبرز فيها النفس الملحمي هي المشاهد التي تصور عنف المعارك الحربية التي خاضها الأمير قبل تسليم نفسه في ديسمبر 1847 وتعهده للويس نابليون بالامتناع عن محاربة الجيش الفرنسي في الجزائر.

لقد كانت المعــركة التي دارت رحــاها بين جيش سيـدي مبارك بن علال (خليفة مليانة ) والقوات العسكرية الفرنسية التي حاصرت معسكره بقيادة الكولونيل "طارطاس" وطوقت قوات هذا الخليفة من الجهات الأكثر هشاشة، هي المعركة الأعنف في تاريخ المواجهات الحربية. امتد تمثيل هذه المعركة على صفحتين متاليتين مليئتين بالحركات السريعة المتسلسلة، وتدرج السارد في تبئير نسقها وتركيز النظر في دوائرها. مثلث المواجهة العامة بين الجيشين المتقابلين وسط رائحة البارود المختلطة بالحشرجات وأصوات الأحصنة وهي تئن من الضربات المتتالية القاسية[109] إطار هذه اللوحة العسكرية وأما عمقها البارز فهو تصوير مفصل لمواجهة" واحد مقابل أكثر من عشرة مسلحين حتى الآذان" وسط أجساد تتهاوى تباعا وأحصنة تنتحر بفعل التطويق من كل الجهات. تبلغ المواجهة عنفها لما امتطى سيدي مبارك حصانة الرابع وقابل مجموعة من الضباط تغلق عليه الطريق[110] ولما قام حصانه للمرة الأخيرة وارتفع عاليا فتمكن من شق رأس البريقادير "لابوسي" ومن إصابة الماريشال سيكوت في صدغه قبل أن يعاود الهجوم عليه رغم شق كتفه بضربة عنيفة وقبل أن يباغته البريقادير جيرار باطلاق النار عليه وهو لايعلم كيف فعل ذلك من شدة الخوف فأصابه تماما في القلب[111].

يرسّم إطار هذه اللوحة الرّوائية وعمقها المحدد لكل التفاصيل في عنفوان المعركة صورة ملحمية لهذا الخليفة الشهيد ويقترب هذا التصوير الروائي من شعر الحماسة في تراثنا الأدبي لما يحكم الشاعر بناء مجريات الواقعات ويبدع في تركيب اطوارها وفي إعلاء صورة القائد المظفر[112].

ليس تمثيل الرواية للمعارك العسكرية مقتصرا على هذه الواقعة المهّولة التي قتل فيها خليفة مليانة سيدي مبارك بن علال ومثّل جيش الأعداء بجثته ترهيبا للمجاهدين. لقد شكلت الرّواية لوحة أخرى لعنف المواجهة وقسوة القتال الدائر بين الطرفين المتحاربين على أرض الجزائر لما صورت اختراق جيش الأمير المعسكر السلطاني بأكثر من ألف خيال هم من خيرة ما تبقى للأمير ونواة جيشه"[113].

لقد تبسط السارد العليم بجميع التفاصيل في إيراد أطوار هذه المعركة ضد عسكر بني ازناسن والرياضة إعدادا وتنفيذا وكما ضيق دائرة الوصف للتركيز في استبسال سيدي مبارك حتى الموت بأر قتال الأمير والفارس البوخاري يتلقى عواصف الضربات باستماتة كبيرة[114] لقد كانت هذه المعركة التي خطط لها الأمير في سرية تامة وعوّل فيها على مباغته الخصم لتشتيت عساكره من أعنف المعارك التي صورتها الرواية هذا التصوير "كانت نداءات الاستغاثة تأتي من كل الجهات بدون أن تجد من يردّ على طلباتها غير السكاكين ونيران البنادق .فوضى عارمة المجموعات البشرية تقوم فازّة من النوم كالعميان تبحث عن سبلها للخروج من جهنم التي كانت في أوج اشتعالاتها .....في المرة الثالثة عندما لوّح البخاري بسيِِفه في الفضاءات عاليا مكونا هالة من النور على رأس الأمير ليساعده على تفادي ضربة السيف العمياء التي كانت تتقصد رأسه، حماه ولكنه لم يستطع حماية جانبه الأيسر الذي اخترقه سيف أحد قادة الجيش المغربي"[115].

على هذا النحو في تصوير السارد المعركة العسكرية في أتون اشتعالها وفي التقاطه أغلب التفاصيل الدالة على بطولة نادرة يظهرها الأمير وقادة جيشه، ترسم الرواية صورة ملحمية تكتفي كتب التاريخ باختصار أطوارها فتنعتها بأنها حرب طاحنة وقد تكتفي أيضا بذكر نتيجتها فتقول : وحقق جيش الأمير نصرا باهرا على أعدائه.

قد يكون واسيني الأعرج أفاد من وثائق التاريخ العسكري الفرنسي ومن مذكرات قادة الجيش الفرنسي في الجزائر عديد المعلومات الخاصة بهذه المواجهات التي دارت بين قوات الأمير عبد القادر وقوات الجيش الاستعماري. وقد يكون تعويله في رصد أطوار الواقعات الحربية بين الطرفين على شهادات الأحياء من المجاهدين أمرا متأكدا عند الإعداد لكتابة الرواية[116] وإذا صرفنا النظر عن وجوه الأخذ من هذه المصادر التاريخية وعن مدى الوفاء لها يظل التصوير الروائي للمعركة العسكرية دالا على تومق السارد في بناء عدد من المشاهد الملحمية التي تتشكل فيها بطولة الشخصية وتبرز بدقة تصويرها القدرات القتالية الخارقة لشخصية الأمير وشخصيات قادته. إنّ الرّواية التي يتقصّى فيها السارد تفاصيل هذه الواقعات ويتابع كل الحركات السريعة والعنيفة التي تتلاحق والمفاجآت التي تحوّل مسار القتال، تقترب بمثل هذه المشاهد من رواية الفروسية ورواية المغامرات التي شهدتها العصور القديمة والعصر الوسيط.

لم تعد غاية السارد ووظيفته في هذه المشاهد البطولية تتبع ماجرى حقا أو مجرد الإشادة بفروسية الأمير عبد القادر وقائده سيدي مبارك بن علال. لم يعد الأصل الحدثي أو حقيقة الواقعة هو القصد في السرد. إنّ عملية القصّ وإحكام مجراها هما مدار السرد في مشاهد القتال لقد اعتبر "دينيس أرييل" كاتب المقال الخاص برواية المغامرات في "معجم الأجناس والمفاهيم الأدبية" أن قيمة هذه الرواية وخصوصيتها تكمنان في أنها سرد أكثر سردية من ألوان القصّ وأنّها حدث أقوى حدثية من سواه يتم قصّه بطريقة نموذجية. إن رواية المغامرات رواية تنبثق داخلها المادة الحديثة في حالة خام انبثاق الحمم من البركان وهي قصة (une histoire) لا تُقدَّم إلا لتحقيق لذة القّص.رواية المغامرات باختصار حفل سردي (une fête de la narration)[117].

ليس يخفى أنّ الحدث العسكريّ الذي تسرد الرواية أطواره وكيفية حدوثه هو حدث نموذجي له في الواقع أصلّ وإذا كان هذا الأصلّ ثابت الوجود في التاريخ العسكري الفرنسي وفي تاريخ الجهاد الذي خاضه الأمير عبد القادر الجزائري وقادته فإن ما يبقى عالقا بذاكرة القارىء لهذه الرواية هو ما يمكن أن نسميه عنف المتخيل الروائي وقوة الحكاية التي يتجمع فيها الواقعي والمحتمل والممكن وما يتعذر وقوعه بمنطق العقل لكنه يتحقق بمنطق القص والتخيل.

لسنا نعني بهذه التسمية ما تناوله سعيد علوش في الدراسة التي خصصها لأعمال اميل حبيبي[118] وإنما نعتبر عنف المتخيل الروائي كلّ ما نظمه السارد من أحداث وسياقات فيها الواقعي القابل للتحقق من صحة حدوثه التاريخي وفيها ما كان من تزيد على حقائق التاريخ ومن الحقائق المتوهّمة بالقص. ثم إن ما نعنيه بهذا النوع من المتخّيل هو ما يتولّد به من وضعّيات قصصية نموذجية تشدّ القارىء شدّا وترجّ منه المشاعر والأحاسيس. لئن كان تصوير المعارك التي خاضتها الجيوش المتصارعة في المعارك المذكورة في الرواية مندرجا ضمن هذا المتخّيل القصصي العنيف بسبب التخويض في القتال وإبداء أقصى الاستبسال فإن ما كان ممهّدا لها أولا حقا بها ومترتبا عليها لا يقل عن ذلك التصوير أهمية.

لقد اخترنا من الرّواية مثالين يجسّمان حقا عنف هذا المتخيل الروائي أولهما حرق مغارة جبال الظهرة من قبل بليسي وقد استند السارد في إيراده إلى جريدة الأخبار بتاريخ 24 جوان 1845، وأما المثال الثاني فهو حز رقاب 170 سجينا اعتقلهم جيش الأمير في مرتفعات بني إيزناسن.

ترتبط الحادثة الأولى بتحرّشات العساكر الفرنسية المرابطة قريبا من الأراضي المغربية، وبالتهديدات المتتالية بملاحقة الأمير على هذه الأراضي. يذكر السارد العليم في الرواية أن سكان أولاد الرياح تجمعوا في المغارة درءا لهجومات العساكر الفرنسية وأنهم كانوا على استعداد للتفاوض والخروج وأن المفاوضات "دامت اكثر من سبع عشرة ساعة" وأنهم طلبوا الأمان وحصلوا عليه[119]. غير أنّ بلّيسيّ أمهلهم ربع ساعة للخروج من المغارة ورفض شروطهم. لقد كان تصوير إحراق المغارة وجيزا مكثفا وباعثا على الاشمئزاز من بشاعة الحرق :"ملئت المداخل بالزيوت الحارقة والزفت ثم أشعلت النيران وعلت ألسنتها في كل مكان حتى الصخور متوغلة في أعماق المغارات. وظلت ألسنة اللهب تتسابق برؤوسها نحو السماء المغبرة بالأتربة والأدخنة والخرق حتى انطفأت لوحدها مع تباشير الصباح. عندما فتحت المغارات كانت الجثث ملتصقة بالصخور، نساء، رجال أطفال، بهائم محروقة، الكل مختلط ومتفحم بقوة الأدخنة والنار والحرارة الخانقة"[120]. إن فاجعة الإحراق الشامل الذي أعدم الإنسان والحيوان قد لا تكون فريدة في التعبير عن بشاعات الحروب التي تتكرر حين يتحول بعض قادتها وحوشا ضارية وقوى مدمّرة لكل مظاهر الحياة ولكن تصوير هذه الفاجعة التي حلت بسكان عزل فاوضوا وطلبوا الأمان، تصوير يشد أنفاس القارىء ويرجّ منه الكيان. هذا القتل الجماعي الذي نفذ ببرودة أعصاب، وفي صمت مطبق قد تكون الرّواية استجمعت أمشاجه من تاريخ الكفاح الوطني الجزائري وقد يكون نصيب التخيل فيه أكبر من نصيب الحقيقة لكنه يظل في الحالتين مما يحقق به هذا الأثر القصصي أدبيته ويفي بانتمائه الأجناسي إلى الرّواية فنّا سرديّا.

لا يقل المثال الثاني الذي تخيرناه استدلالا عل عنف المتخيل الروائي تصويرا لبشاعة الحرب وويلاتها. إن خشية ابن التهامي من هجوم سلطان المغرب على الــدائرة و تسريح المساجين و تسليمهم لبيجو لمحو آثار الضربة التي تلقاها من طنجة و وادي اسلي، هي التي جعلت الحل النهــائي يلتمع في رأسه و جعلته يقرر "في عمــق الظلمة و متاعب قلة النوم" "الحرب العمياء، حرب المهزوم و اليائس من النصر الذي صار كل يوم يزداد بعدا"[121]. لقد تبسط السارد في إيراد التفاصيل الحافة بحادثة قتل جماعي آخر ذهب ضحيته "مائة و سبعون رقبة مرت عليهم السكاكين الحادة، مكونة بركا من الدم في كل مكان"[122] و أغرب ما في عنف المتخيل الروائي الذي تجلت فيه بشاعة الذبح ما صور به السارد توزع حركة القص بين تأميل السجناء النجــاة بعد الوعود التي قطعتها أم الأمير لآلة الزهراء لتخليصهم من أســر السجـن و تمهيد التقتيل الذي كان ينتظرهم و قد "زمت أفــواههم بكتان الخيش الذي يمتص الريق و الصرخات و أغلقت عيونهـم و كتفت أيديهم"[123].

في تصوير السارد عملية حز الرقاب عن الرؤوس بشاعة قصوى لا تضاهى قد تصيب المتابع لها بالدوار و الغثيان: "في الظلمة الدامسة لم ير إلا بريق السكاكين وهي تلمع تحت ضوء القناديل الزيتية الخـــافت، و لم تُسمع إلا الصرخات المكتـــومة و الحشرجات الكثيرة التي ظلت تملأ المكان بصوت أشبه إلى الأنين. كانت السكاكين تنغرس في الرقاب المتعبة بدون مجهود كبير إلا عندما تلاقي عظام الرقبة، حتى أن الكثير منهم كانت رؤوسهم تنخلع بسرعة و لا تكفي الجلدة الهشة للحفاظ عليها ملتصقة"[124].

لا شك أن هذا السرد القصصي الذي يتقصى به السارد ظاهر الأمـور و باطنها، ويكثف تصوير هول الكارثة التي حلت بهؤلاء المساجين التعساء، يختلف كل الاختلاف عن السرد التاريخي الذي يقدم الحوادث في حياد غالب و يحصي ما يترتب عليها من خسائر مادية و بشرية دون أن ينحاز بعاطفته إلى مصير من أكلتهم الحــرب أو حزت رقابهم مثل الخرفان. إن عنف المتخيل القصصي في الشاهد السابق و في شواهد أخرى مبثوثة في الرواية يتجاوز ما جرى من حوادث مروعة بحق النفوس و حز الرؤوس إلى تصعيد انفعال السارد و المسرود له، و إلى إحداث الهزة النفسية و الإنشداد الأقصى إلى المسرود و إلى التأليف بين العالم المروي و العالم المعلق عليه، و هذه أهداف قصصية لا يطمح إليها السرد التاريخي الذي يروم - في الغالب- تقديم معرفة بما جرى و التثبت مما انقضى.

التعدد اللساني في كتاب الأمير

يعود السبق إلى صياغة مصطلح التعدد اللساني و تعدد الأصوات إلى اللساني الروسي ميخائيل باختين الذي بحث هذه الظاهرة اللغوية في كتابة الروائي دوستويفسكي لتمييزها من الصوت الواحد عند غيره من الروائيين. و يعني التعدد اللساني عنده إسماع صوت شخصية أو أكثر إلى جانب صوت السارد فيتداخل الصوتان بطريقة مخصوصة دون تراتب[125]. لقد عد باختين مؤلف الإخوة كارامازوف مؤسس الرواية بتعدد الأصوات. و اعتبر أن الرواية من أكثر الأجناس الأدبية التي تظهر فيها الخطابات الاجتماعية لان المؤلف لا يقصي الأحاديث التي تدور حوله أو التي ينسبها إلى الشخصيات دون أن يتبنى ما يرد فيها[126].

لقد وظف واسيني الأعرج في كتاب الأمير تعدد الأصوات فلم يستأثر السارد في هذه الرواية بالكلام دوما و لم يكن الكلام الروائي طبقة واحدة من بداية النص إلى آخره. و لئن أجرى الروائي هذا الكلام المطول الذي برز به حجم النص كبيرا بالعربية الفصحى التي تتزينّ بأردية البلاغة و ألوان المجاز خاصة في مشاهد التصوير التي تصفو فيها العربية صفاء ظاهرا، فانه عدد مستويات الكلام الروائي ليتجاوز فصيح العربية إلى الكلام اليومي المألوف في الجزائر و إلى الكلام الدخيل على لسان عديد الشخصيات في الرواية. و لما كان استعمال الرواية لعامية الجزائر محدودا جدا. كان استعمالها اللغة الفرنسية ظاهرة بارزة بتعدد المواضع في النص و بطول الكلام المنطوق بهده اللغة.

و إذا كان استخدام العامية في القص العربي الحــديث قد أثار الاختلاف بين النقاد  و الدارسين و بين الأدباء الذين برروا هذا الاستعمال بالنزوع إلى تلوين الإبداع العربي باللون المحلي مجاراة لبعض الكتاب الغربيين[127] فان استخدام الفرنسية في رواية صادرة في بداية الألفية الثالثة و بعد أن هدأت المواجهات بين دعاة الفصحى والعامية في الأدب من الكتاب و النقاد العرب، يعيد التساؤل عن صلاحية هذه الاستخدام للغة الأجنبية في رواية عربية، و قد يلح التساؤل حين يحصي الناظر في الرواية المواطن الكثيرة التي تكلمت فيها الشخصيات الفرنسية[128].

قد يكون هذا الاستخدام المتواتر للفرنسية في هذه الرواية التي تمتح من تاريخ الصراع العسكري العنيف بين المجاهدين الجزائريين والجيش الاستعماري الفرنسي الأحداث والشخصيات والصراعات، استخداما مبررا فرضه استناد الرّوائي فيها إلى التاريخي، وحرص السارد الباني للنص على تثبيت هذه الوثائق اللسانية التي تؤرخ للمرحلة المرصودة في عالم الرواية يتعين على دراس التعدد اللسانية في "كتاب الأمير" ضبط المواطن التي استخدمت فيها "اللغة الدخيلة" وتحديد الناطقين بها وتعيين الغايات المرسومة لهذا الاستعمال.

بدا أول استخدام للفرنسية في الصفحة الثانية والتسعين وجاء على لسان مونسنيور ديبوش تعليقا على حالة دوميشال والأمير بعد أن عقدا معاهدة وحاول كل منهما أقناع أتباعه بوجاهة ما تم من هدنة بين الطرفين المتحاربين وجرى الكلام بهذه اللغة على لسان رئيس الأركان "سولت" مشككا في جدية الاتفاقية وصدق نوايا الأمير وظهر مكتوبا في وثيقة قوارول" التي تشكك أيضا في هذه النوايا وتنبه إلى طموح الأمير وتدعو إلى الاحتراس من رغبته مد سلطانه ومنازعه سلطة فرنسا في الجزائر[129] وتشير إلى ما نتج عن الاتفاقية من ازدهار تجاري مفيد للمستعمرة (الجزائر)[130].

تورد الرّواية مقتطفا من الرسالة التي بعثها الماريشال موريتيي (Mortier) لحاكم الجزائر يعبر فيها عن تخوفه من طموح الأمير "ويفتح أمامه السبيل لاختراق اتفاقية الهدنة الموقع عليها بالتراضي"[131].

يتواصل جريان الكلام بالفرنسية في نص الرواية لاحقا وذلك في حوار الجنرال كلوزيل والقبطان شونقارنييه بخصوص مجرى العمليات العسكرية والعزم على تدمير مصانع البارود والأسلحة التي بناها الأمير لتسليح جيشه، وفي أمر وجهه القبطان لضباطه الذين توزّعوا عبر اسوار مدينة معسكر[132].

يكون تبادل الحوار بين القادة العسكريين الفرنسيين دافعا إلى استخدام لغة الأجانب في رواية عربية ومن ذلك أدوار الحوار بين الكولونيل يوسف والدوق دومال وهما يقطعان الغابة في الربيع بحثا عن موقع الزمالة[133].

وقد يكون نقل الكلام بالفرنسية على لسان سارد مداخل للشخصية يوزع سرده بين نقل الأفعال ونقل الأقوال. فحين كان القائد العسكري "بيوجو" يستعد للهجوم على ولي العهد سيدي محمّد عبر عن نشوته بقوة الإعداد لذلك واصدر أوامره الخاصة بهذا الهجوم وهو يستشرف مجدًا عسكريا قريبا ويتخيل كيفية المباغتة والانتصار لسريع[134].

ترد العبارات الفرنسية أيضا مثلما وردت سابقا على لسان القس ديبوش بعد أن قرر الخروج من الجزائر لما تفاقمت عليه الديون وألح الدائنون في استرجاع أموالهم لقد أعقبت الرسالة التي تركها قبل خروجه وحفظها جون موبي برجاء القس أن يقاسمَه هذا الخادم المطيع مصيره حتى الموت[135].

ولعل أهم عبارات فرنسية ترددت في عالم الرواية هي التي تفوّه بها البرنس نابوليون III لما حلّ بقصر امبواز. لقد خط فقرة مطّولة عبر فيها عن قصده من هذه الزيارة (إعلام الأمير بأنه صار حرّا) وعن الوجهة التي سيؤخذ إليها (سينقل إلى بروسة) عندما تتم التحضيرات بذلك.وأبرز ما في هذه الكلمة التي دونها البرنس احساسه بالألم الذي سببه له سجن الأمير وإدراكه الاهانة الكبيرة التي تلحق بأمة عظيمة لما تخل بتعهداتها[136].

تتوزع العبارات الفرنسية إذن بين قادة الجيش الفرنسي وكبار الساسة وهرم السلطة في البلاد من جهة، وممثلي السلطة الروحية في الكنيسة المسيحية وعلى راسهم ديبوش فحين تأمل هذا القس أوضاع المنفى وما تولده من حالات تراجيدية من قبيل حالة الأمير الذي اختار حياة المنفى، توصّل إلى أنّ " المنفيّ إنسان كائن بدون وضع اعتباري " وأتبع السارد الناقل لأقوال هذه الشخصية هذه الجملة العربية بما يشبه مقابلها في الفرنسية وواصل تأمله في هذه التجربة المريرة فأنكر أن يكون المنفيّ إنسانا وأظهر تعاطفا مع الأمير[137].

تختلف المقاطع الواردة باللغة الفرنسية على لسان القادة العسكريين الفرنسيين وعلى لسان لويس فيليب من جهة الحجم عما يتكلم به القس ديبوش الذي يتفوه بكلمات قصيرة يصوغ بها بعض التعليقات والمواقف. لكن السارد الذي بدا حريصا على اعتماد التعدد اللساني في الرواية يدرج في مواضع متفرقة وقليلة بعض العبارات اللاتينية التي يتولى النص ذكر مقابلها العربي حينا ولا يقوم بذلك في الغالب.

لقد أجاب القس لما سأله الذين يعرفهم عن نشاطه الحثيث في خدمة الناس Messis qui demulta المحصول كان جيدا[138] ونطق بهذه الكلمات (Redde ossa mea meis) في سياق رجاء أن تعاد عظامه " نحو تلك الأرض الطيبة مع الناس الذين اختارهم له الله "[139] وأما الشّعار الذي كتب على الحائط البحري الخشن الذي أسند إليه تابوت هذا القس فهو ita et nos faciamus (افعلوا مثلي)[140].

حرصنا على تقصي كلّ المواضع التي استعمل فيها الروائي اللغة الفرنسية وأجراها على لسان الشخصيات العسكرية ولسان الشخصية المسيحية التي كانت رمزا للتقارب بين الفرنسيين والجزائريين حتى في الأوقات العصيبة. والمتحصل من هذا الرّصد الدقيق لهذه الظاهرة اللغوية في "كتاب الأمير " نجمله في النقاط التالية :

1- تبدو نسبة استخدام اللغة الفرنسية في هذه الرواية نسبة ضئيلة إذا ما قورنت بالحجم النصّي الممتد الذي ينيف على 550 صفحة لكن هذا الكلام الدخيل المتقلص الذي قد يعيق القراءة لدى من لايجيد فهم الفرنسية بدا لنا مهمّا من جهة ما يتولد بسبب وجوده في الرواية من تعدد الألسن فيها. إن إنطاق الشخصيات بالعربية أصلا وبالفرنسية واللاتينية فرعا في التخاطب يستجيب لما في عالم الرواية من أجناس الناس مسلمين ومسيحيين ويهود أيضا (ابن دوران).

2- تبرز المقاطع التي تبادل فيها القادة العسكريون الفرنسيون الحوار والتعبير عن المواقف والأفكار الخاصة بسبل الانتصار على قوات الأمير وإخضاع السكان وإطفاء جذوة المقاومة الجزائرية طبيعة بعض القادة وطريقة التخطيط العسكري للمعارك ومن أبرز الأمثلة الــدالة على ذلك ما قاله القبطــان شونقارنييه في وصف العــرب (ces arabes sont pire que les chacals)  [141] وما تبادله الكولونيل يوسف والدوق دومال من حوار خاص بكيفية محاصرة العرب في المعركة[142].

3- يرتبط هذا الاستخدام للفرنسية في الرواية بطبيعة المادة القصصية فيها وبحرص السارد على أن تكون "محاكاة الأقوال واقعية". إننا لا نملك القدرة على التثبت من مطابقة هذه المحاكاة القصصية الخاصة بملفوظات الشخصيات، ماكان منها مباشرا وماكان غير مباشر، للحقيقة التاريخية التي تغدو بها هذه الأقوال ذات قيمة مرجعية ثابتة. وأمر هذه المطابقة لايكون ذا أهمية لأننا إزاء عمل تخييلي وفق التحديدات الأجناسية للآثار الأدبية، وللرواية تخصيصا. المهمّ أن إجراء الكلام بهذه اللغة يحقق ما عده الدارسون للقص بمختلف أنماطه إيهاما بالواقع (Le vrai-semblable) خاصة حين تتحدد الشخصية بهوية تقتضي التطابق بين الأفعال والأقوال وتستدعي بناء لها أساسه التناسق.

الأبعاد النقدية والمواقف الظاهرة في الرواية

يختلف السرد التاريخي عن السرد التخيلي بما يظهره من حياد ونزوع قوي إلى التقديم الموضوعي لما جرى من أحداث وإلى تحقيق صحة الحدوث بالقرائن المختلفة من مراسلات ومذكرات ومعاهدات وشهادات حية يقدمها المشاركون في تلك الأحداث ومن عايش أطوارها. لكن السرد الروائي الذي يتوسل هذه الوثائق المكتوبة والشفوية في عمل قصصي يمثل التاريخ مادة الحكاية فيه، منها تتشكل الشخصيات والحوارات وأطوار الحدث ومعالم البناء، يتميز من السرد التاريخي بإبداء المواقف وضروب التعليقات الخاصة بالعالم المحكيّ.

ولمّا كانت شخصية الأمير هي المركز الذي تدور عليه أحداث هذه الرّواية وكان السرد الروائي فيها موظفا بالأساس لبناء المعالم الكبرى للأمير وإبراز مناقبه، فلا غرو أن يشمل هذا الأثر القصصي عديد المواقف والتعليقات التي تتسع بها أبعاد الشخصية وتتجلى بها المناقب. لا يسعنا في هذا الحيز من العمل تقصّي كل المواقف والتعليقات التي أبداها الأمير في كامل الرّواية، حسبنا أن نتخيّر منها ما بدا أقوى وأعمق دلالة على نموذجية هذه الشخصية.

  • الموقف من التاريخ والوعي التاريخي

يرد التفكير في التاريخ وفي كتابته موقفا مخصوصا بالأمير الذي صنع لنفسه تاريخا، ويكون الحديث في هذه المسألة خلال زيارة قام بها ديبوش وخادمه جون إلى الأمير الذي كان يملي على مصطفى بن التهامي سيرته الخاصة. لقد أكد الأمير أهمية كتابة التاريخ الشخصي بالرغم من الشهرة التي تجعل من لا يعرف الأمير جاهلا لزماننا وبرّر هذا العمل بالحرص على تدقيق هذا التاريخ وتخليصه من النقصان أو الزيادة. وأبرز موقف أظهره الأمير في كلامه المطوّل الخاص بالمسألة أن "التاريخ يكتبه المنتصرون" وأن "مشكلة التاريخ هي أن وراءه بشر وأهواء"[143].

يبدو هذا النظر في التاريخ من علامات التأثر القوي بما ذكره ابن خلدون في "المقدمة وكان الأمير كثيرا ما يخلو إليها. إنّ ما ذكره ابن خلدون خاصا بأغلاط المؤرخين ومنها اتباع الهوى ومناصرة السلطان والانتصار للمذهب وتهويل ما جرى إبهارا للعقول والأفئدة هو الذي قدّر موقف الأمير في المسألة وبرّر حرصه على أن يمليها بنفسه حتى تكون سيرة حياته وجهاده موضوعية : " ليس أفضل من امرئ يقول تاريخه وينير الطريق للناس الذين قاسموه نفس الأشواق والآلام. الآخرون الذين يشتهون تأويل التاريخ كما تقــول لهم رؤوسهم لا يسألون أحدا عندما يريدون الإساءة يا سيدي الفاضل"[144] .

لم يمنع انتماء الأمير إلى زاوية دينية مشهورة واعتقاده الراسخ في الجهاد من إظهار وعي تاريخي حاد ومن التعبير عن مواقف استشرافية يتجاوز بها الرؤية السلفية التي لا تنشئ عن تمجيد الماضي وعن الدعوة إلى استعادته أنموذجا فريدا للحاضر.

يكشف الحوار الذي دار بين الأمير و"السي مصطفى" بن التهامي في آخر أيام السجن بقصر امبواز ما تميّز به الأمير من وعي تاريخي ومن إدراك لتبدل الأوضاع في العالم. فحين أظهر "بن التهاميّ الحزن والندّم بسبب ما آلت إليه الأحوال ودافع عن حق المجاهدين في رفض التعامل مع "من احرقوا الأحياء في جبال الظاهرة ..... أو قطعوا رأس سيدي مبارك وغيره" [145] واجههُ الأمير بكلام مطوّل صحّح به أخطاء شائعة عن فرنسا وأوروبا وعن نظرة المسلمين إلى أنفسهم وعن نظرتهم إلى الآخرين. لقد عقد الأمير مقارنة بين من كانوا " يحفرون الأرض ويستخرجون التربة ويحوّلونها إلى قطارات بخارية وسفن حربية وسيارات وقوانين لتسيير البلاد"[146] في حين كنا غارقين في اليقينيات التي ظهر فيما بعد ضعفها وأننا نعيش عصرا انسحب وانتهى.[147]

إن وعي الأمير بالتحولات التكنولوجية المتسارعة وتساؤله عن قدرة المسلمين على ملاحقة نسقها وعلى تجاوز تخلفهم الحضاري يعبران عن هذا الوعي التاريخي القوي. يتكرر بروز هذا الوعي حين كان الأمير ومرافقوه على متن السفينة البخارية الأصمودي في عرض البحر مرتحلين عن وهران. فعقب الحوار الذي دار بين الأمير وقدور بن علال بخصوص توقيف القتال ضد جيش فرنسا وقبول الهدنة واختيار المنفى في الشرق العربي، وبعد أن تداخل الحاضر بالماضي فنقل السارد مقطعا من فصل الغريب لأبي حيان التوحيدي في ضرب من التمرئي النصي والنفسي وتخيل الأمير في ما يشبه الرؤيا مشهد حرق هذا الأديب كتبه، ومشهد ابن عربي "يبحث عن مكان صغير له يختبىء فيه قليلا من صهد الشموس "[148] وبعد أن حاور الأمير ذاته وحاسبها وتأمل الواقع الجديد للحرب، واستعاد ما كان من فتن في تاريخ المسلمين تمتم وهو لايدري إن كان قد سمعه أحد : الزمن القادم سيكون عنيفا وقاسيا وسنكون فيه بعيدين، الشقة بيننا وبينهم صارت هوة. لقد طاروا وانكسرت أجنتحتنا الصغيرة"[149].

تصوير البون التاريخي والحضاري بين العرب المسلمين والغربيين، وإن توسل الصياغة المباشرة التي تضفي على الكلام بعدا تحليليا لايكون من أبعاد الأثر القصصي لأنه من طبيعة المؤلفات الفكرية التي تتناول التقدم والتأخر وتحلل أسباب النهضة والتخلف تصوير فيه عمق الرؤية وبعض الصياغات التي تفي الكلام الروائي حقه لما تعدل به عن التحليل إلى التخييل على نحوما ورد في آخر الشاهد السابق.

والأكيد أن اللقاء المباشر الذي تحقق للأمير بمعالم الحضارة في بعض المدن الفرنسية قد وجه عديد مواقفه ودقق نظره في مجريات الحضارة.

فحين غادر مدينة امبواز إثر الفترة التي قضاها فيها سجينا تولى السارد العليم في الرّواية نقل مشاعره وما توصل إليه من حقائق تاريخية وحضارية وما اكتشفه من تقدم تكنولوجي غيّر ميزان القوى بين الشعوب : " شعر الأمير بأن ماكان يحدث أمام عينيه كان مذهلا وكبيرا عرف لماذا خسر حربه الأخيرة : العالم كان يتغيّر بعمق وسرعة. لم يعد السيف والشجاعة يكفيان. فالمدافع الضخمة والآلات السريعة والسفن والعوامات البخارية التي تجوب الوديان والبحار وتنقل آلاف الناس والجيوش المجهزة والمنظمة، غيّرت كل الموازين. الناس يشبهون عصورهم"[150].

هذا الوعي التاريخي المتنامي لدى هذه الشخصية بفعل الرّحلة وزيارة الدّيار الأجنبية (ديار الكفّار) بالكيفية التي تولىّ السارد صياغة التعبير عنه ليس يختلف عن الوعي الذي تشكل لدى الرحالة العرب من أمثال الطّهطاوي والجبرتي والشدياق وابن أبي الضياف الذين دونوا في مؤلفاتهم معايناتهم لمآثر الحضارة الحديثة في البلاد الأوروبية ونبهوا إلى ضرورة الأخذ عن أوروبا ما يكون بأحوالنا لائقا ولنصوص شريعتنا موافقا.

هكذا تكون الصفحات الكثيرة التي خصصها السارد في"كتاب الأمير" لمشاهدات عبد القادر وتنقلاته بين بعض المدن الفرنسية واتصاله المباشر برموز الدولة في هذه البلاد، شبيهة بأدب الرّحلة في تراثنا الجغرافي وبمصنفات الإصلاحيين الذين كانوا حلقة الوصل بين الشرق المتأخر والغرب المتقدم، ومحرّكا للوعي التاريخي الذي تجسد في أدبيات النهضة.

ب- الموقف من سجناء الحرب وإظهار التسامح

يظهر الحوار الذي دار بين الأمير وابن التهامي في الوقفة الموسومة بـ "ضيق المعابر" خلق الحفاظ على النفس البشرية والتشدد في صيانتها. إن سلسلة الأسئلة التي تلت سماعه تفاصيل "حادثة الذبح" تؤكد هذا الخلّق وتعبّر عن شدة التحيّر من سلوك بذل جهودا كبيرة لمحاربته لدى أتباعه. يقول الأمير محتدما بعد أن سمع القصة من أحد الأغوات ذاكرا فيها الصغيرة والكبيرة " ماذا نقول لعائلات هؤلاء الذين ذبحوا ....ما ذا أقول للذين رأوا فينا قدوة تتبع تجاه المساجين. ها قد عدنا لإسلام لا يعرف إلا الحرق والتدمير والقتل والإبادة و الغنيمة ....لقد أمضيت كل سنوات الحرب أثبت للآخرين بأنّنا نحارب ولكن لنا مروءة ورجولة. لقد دفعنا أعداءنا لتقليدنا ولكن في رمشة سكين ذهب كل شيء مع الريح"[151]. ولما حاول القائد تبرير الحادثة واجهةُ الأمير برد قاس: أعطيتك مسؤولية حماية المساجين وليس ذبحهم"[152].

يواصل السارد العليم بالدقائق والتفاصيل والمتعاطف مع الأمير والمقّدر خصاله الإنسانية زمن الحرب إبراز هذا الخلق العظيم الذي تحلّى به الأمير فينقل على لسان ديبوش كلمة الأمير "حيث يسيل الدم بغير حق، تسقط الشرعية"[153] وحين يتوارى السارد أمام الشخصيتين الحاضرتين طيلة الرواية ويتحاور ديبوش والأمير بخصوص حادثة الذبح، ويستنكر القسّ ما وقع بمنطق الحرب وروح الإسلام، يعاود الأمير إظهار موقفه :" ما زلت إلى اليوم عند قناعتي : النفس عالية ولا نملك حق اتلافها"[154] ويستدل على خسارة من يقدم على قتل النفوس بهلاك أثينا بتسميم سقراط، وإحراق نيرون لروما، ومقاتلة ابن خلدون.

لعلّ أظهر المواقف التي يتجلى فيها حرص الأمير على صيانة النفس البشرية ماكان من سلوكه إزاء العبد الذي أراد قتله فلم يفعل. لئن كان المشهد الذي حاول فيه أحد خدام العقون اغتيال الأمير وتوقف في اللحظة الحاسمة عن دفن سيفه في ظهر الأمير وهو منكفئ في قراءة القرآن، وانحنى عند رجلي الأمير يطلب الصفح، مشهدا خارقا تتدخل فيه قوى غير منظورة، فإنّ ما أبداه الأمير من هدوء عجيب واتزان كبير، ودعوة العبد الضخم إلى الجلوس على الزربية التي كان الأمير يصلّي عليها وإلى قراءة كلام الله[155] وأمره الحرس الذين عادوا به مسلسلا إلى الأمير بإطلاق سبيله[156] مما يبلغ بالشخصية أوجّ عظمتها ويتوجها مثالا للتسامح.

الخــــاتمة

نظرنا في رواية "كتاب الأمير" للكاتب الجزائري واسيني الأعرج في إطار مبحث التفاعل بين التاريخي والروائي فوجدناها تتصل بعدد من الرّوايات العربية التي تألفت فيها الحكاية من أحداث التاريخ القريب أو البعيد ووسمت بعناوين ذات صبغة مرجعية من قبيل " الزيني بركات" و"أرض الســواد" (لعبد الرحمان منيف) وثــلاثية غــرناطة (رضوى عاشور).

ولئن تخير عدد من الروائيين العرب طورا تاريخيا ممتدا من أطوار التاريخ المحلي الخاص بقطر من الأقطار العربية (جزيرة العرب – الأندلس – سوريا – فلسطين) فإن رواية واسيني الأعرج اقتطفت طورا وجيزا من أطوار التاريخ الجزائري الحديث كان الأمير عبد القادر الجزائري قطب الرّحي في أحداثه.

وأول مظهر لارتباط الرواية بالتاريخ وانفصالها عنه لاكتساب الهوية الروائية هو عنوان وتسميات الأبواب. فلئن ورد اسم الشخصية التاريخية في عنوان الرواية منسوبا إلى الكتاب فإن العنوان الفرعي مما تنفصل به الرواية عن التحديدات المرجعية المميزة للكتابة التاريخية. تزداد المسافة بين بناء النص التاريخي وهذا النص القصصي بتسميات الأبواب الثلاثة في "كتاب الأمير" وبتسميات الوقفات التي ينفتح الوسم فيها على دوائر المجاز ويبدو نازعا إلى الإيحاء بما يقع من وقفة إلى أخرى.

تلتقي هذه الرواية بالتاريخ العسكري والجهادي للأمير عبد القــادر الجــزائري (1808-1883) فتتشرب أحداثها وقائع سيرته في طورين أساسيين هما طور الجهاد لبناء دولة على أرض الجزائر. وطوّر التخلّي عن الجهاد اثر تسليم نفسه للقوات الفرنسية في ديسمبر 1847، وتعهده بعدم مقاتلة الجيش الفرنسي في الجزائر. لقد غطت حكاية الرواية خمسة عشر عاما في حياة هذا القائد المجاهد أمضى عشرة أعوام في الإعداد للقتال وخوض المعارك، وقضى الخمسة الأخرى سجينا في قصر امبواز حتى أعاد إليه لويس نابليون حريته في 16 أكتوبر 1852.

لكن الرواية التي توسلت أمشاجا من هذا التاريخ الشخصي للأمير عبد القادر تنفصل عن الكتـابة التاريخية بجملة من مظـاهر التأليف القصصي يستوي بها عالمها الروائي و يمتزج داخله المرجعي بالمتخيل.

يمثل ترتيب أطوار الحكاية في الرواية انشداد الزمن التاريخي للزمن الروائي. فالزمن التاريخي زمن خطي تتعاقب فيه الأحداث تباعا وفق تسلسل منطقي لا يخرج فيه بناء الأحداث عن مبدأ السببّية. خلافا لهذا الترتيب الخطي يلغي الترتيب الروائي للأحداث هـــذه الخطية فيتصرف السارد أيما تصــرف في مواد الحكاية تقديما و تأخيرا، تزيدا و تنقيصا بما يقيم المسافة بين التاريخ لسيرة هذا المجاهد و لبعض قادته كما تنقلها كتب التراجم و الكتابات النازعة إلى توثيق السير، و تخييل قصة حياة الأمير و إعادة بنائها روائيا.

لقد هشم السارد في هذه الــرواية منطق التسلسل الزمني فبعثر أطــوار التاريخ واستبق العديد من الأحداث و استرجع غيرها سدا لفراغات الحكاية و أدرج فيها شخصيات جعلها تنشدُّ إلى الأمير و تتابع حياته و أزماته. و أظهر ما يبدو به التصرف الروائي في القصة التاريخية الخاصة بالأمير عبد القادر افتتاح الرواية بأمشاج من سيرة القس ديبوش و اختتامها بها. فبداية السرد تخص تنفيذ جــون موبي لوصية المونسنيور و الأحداث فيها مؤرخة بـ 28  جويلية 1864، و السارد يستعيد بعض أطوار في حياة هذا القس فيتراجع التاريخ إلى سنة 1838 حين تسلم تمثال العذراء من يدي أسقف باريس. و أما النهاية في القسم المعنون بالاميرالية (4) فهي تصف مراسم نقل رفات القس إلى الجزائر تنفيذا لوصيته. إن القارئ لسيرة هذا الرجل مضطر إلى ترتيب أطوارها حتى تستوي في ذهنه قصة متكاملة و منسجمة. والشأن نفسه مطلوب عند قراءة القصة الأصلية التي دارت في فلكها القصة الفرعية الخاصة بديبوش.

إن أول ذكر للأمير يرد في الوقفة الثانية الموسومة بـ "منزلة الابتلاء الكبير" وفيها يتحاور ديبوش و الكــولونيل أوجين دوما عند مدخل قصر هنــري الــرابع فـي بوPau (في نوفمبر 1848) و يظهر كل منهما الثناء على الأمير و الانبهـــار بسيرته وخلقــه العظيم، و يقوم القس بزيارة الأمير السجين محاولا التخفيف من بلواه. إن السرد الروائي لهذه القصة من جهة الترتيب الزمني للأحداث فيها يختلف تماما عن السرد التاريخي الذي يحافظ على التسلسل الزمني فلا يقدم أحداثا و لا يؤخر أخرى، لقد عمد السارد في كتاب الأمير إلى قلب هذا الترتيب فبدا سرده لسيرته من النهايات ثم عاد إلى الطور الأساسي فيها لما كان الأمير يخوض الجهاد و يعدّ له الخطط و العدة و يعقد الاتفاقيات في عقد من الزمان كان أشبه بتاريخ سنوات الجمــر، و تابع السارد ما أعقب تسليم الأمير نفســه و التزامه بعدم القتال فصار سرده آنيا و صار السارد مرافقا للأمير في تنقلاته داخل فرنسا و معاينا مشاهدته لمعالم الحضارة قبل ان يقطع عملية الســرد و يقصي من الحكاية الأصلية لسيرة الأمير و أطوار حياته طورها الأخير في بلاد المشرق.

تتصل هذه الرواية بتاريخ الجهاد الجزائري ضد الجيش الاستعماري الفرنسي في بداية القرن التاسع عشر، و تتخير طورا من أطوار هذا الجهاد يكون الأمير عبد القادر عنوانه البارز و علمه الوضّاء. لكنّ الرواية و هي تستند في بناء حكايتها إلى هذا التاريخ المعلوم الذي أفاضت المصنفات و الدراسات في الإبانة عن أسراره و تفاصيله، تنفصل عن التاريخ و تبني فضاءها التخييلي بقلب مجريات الأحداث و بالتصرف في التواريخ تقديما و تأخيرا، اقتطاعا و تأليفا.

تؤكد شبكة الشخصيات المتكاثرة في الرواية و طبيعة العلاقة الرابطة بينها. وألوان المحاورات و المناجاة الدائرة بين الشخصيات حيوية هذا الأثر واقتدار السارد على لم شتات القصص الفرعية المنتظمة في إطار القصة الأصلية للأمير، و على مداخلة بواطن الشخصيات استكشافا لأغوارها المحجبة، و على تصوير أوقات الأزمات الحاصلة بها و ذلك من قبيل ما كان مع شخصية القس و الأمير و بعض قادته (ابن التهامي) و بعض قادة الجيش الفرنسي.

و مما تكتسب به الرواية رؤيتها و طابعها القصصي المميز لوحات تصوير المعـــارك التي تـــدور رحاها عنيفة صاخبة و يظهر فيها المتحاربون بطولة نادرة واستبسالا عجيبا على نحو ما كان من الأمير و بعض قادته في محاربة عسكر بني ايزناسن و الريافة (الفارس البوخاري – سيدي مبارك بن علال) لقد شكلت هذه اللوحات مشاهد ملحمية تصل الرواية بالشعر الملحمي و أدب الفروسية في نصوص ضاربة في الزمان الأبعد و تشد فيها قوة التصوير الأنفاس و يتولد منها عظيم التأثير في النفوس.

و إذا كانت لغة السرد التاريخي تتوسل التقرير سبيلا إلى نقل حقيقة ما جرى إخبارا دقيقا و تعليما مفيدا و تصحيحا لمواد التاريخ من كل خلط أو تزيد أو تزييف فإنّ الكلام الروائي[157] في كتاب الأمير قد يتشرب لغة المجاز و الإيحاء حين يصوغ الاستعـــارات و يبني التشابيه تمثيلا لأوضاع شديدة الاختلاف كان يقول الأمير مقارنا بين تراجع المسلمين و سبق الأوروبيين إلى مراقي الحضارة:"لقد طاروا وانكسرت أجنحتنا الصغيرةً و أن يمهد السارد لتصوير أوضاع معقدة في الحرب التي يخوضها جيش  الأمير أو في المصير الذي ينتظر أرض الجزائر عامة و مدينة وهران تحديدا لما عوض كلوزيل الحاكم العام درووي ديرلون و بدأت الحرب الفعلية في 01 أوت 1835[158].

هذه البدايات المصورة التي تتلون بها الطبيعة ألوانا ملائمة لما سيدور من أحــداث و لما سيتحدد من مصائر، تشيع أجواء التخيل القصصي و تُعدُّ ضروبا من الاستباقات السردية أو الإشارات الركحية التي تمكن المخرج من إحكام الديكور وتوزيع الأدوار و إتقان التمثيل.

والرواية التي تستند إلى التاريخ لاتكفّ عن الالتفات إلى جنسها وعن إيفاء الروائي فيها حقّه. فإذا كانت الكتابة التاريخية تنشد الحيادّ وتتجنب الانحياز إلى ما تسرد بحثا عن الموضوعية التاريخية الكلية والنسبية أحيانا حين تروم إعادة بناء ما جرى وترميم ما انقضى فإن الكتابة الروائية في هذا الأثر لا تنئ عن إبداء الأحكام وعن إظهار المواقف التي تنحاز بها إلى شخصيات المجاهدين وعن تقديم الشهادات التي تشيد بهم وتثني على سلوكهم حتى في أعقد الأوضاع. إن الرواية حافلة بالتعليقات تصدر من السارد أو يوكل أمرها إلى الشخصيات – الحلفاء والأعداء - إيهاما بحياده. وأكثر هذه التعليقات والشهادات دورانا في العالم المتسع للرواية ما كان خاصا بالأمير والقس ديبوش لأنهما مثلا فيها الوجه والقفا للعملة النادرة، ونظام القيم المثلى الذي عد أنموذجا لحياة الإنسان.

إن الرّواية التي تستند في بناء عالم الأحداث والشخصيات إلى وقائع التاريخ المحلي الجزائري لا تكتفي بإيراد ما جرى وبسرد حادثات يمكن التثبت من طبيعتها المرجعية بالرجوع إلى الوثائق وأرشيف حركة الجهاد في الجزائر أيام الاستعمار الفرنسي. لقد تضمنت عديد المواقف والتعليقات الخاصة بنظام قيم عدته مثاليا وقدمت قراءة للتاريخ الحاضر والآتي. وأبلغ ما كان من تعبير القص فيها عن الوعي التاريخي أقوال كثيرة أجريت على لسان الأمير تأمل فيها أحوال الغرب وأحوال العرب المسلمين ونبه من خلالها إلى تزايد البون الحضاري وإلى ضرورة الإسراع بتدارك هذا البون قبل فوات الأوان.

لعلّ هذا الوعي التاريخي الذي تنطوي عليه أقوال الشخصية القصصية في رواية تبدو تاريخية، أمر تشترك فيه مع روايات عربية أخرى من قبيل الزيني بركات لجمال الغيطاني و"باب الشمس" لإلياس خوري. ففي الرواية الأولى تحيين لمشاكل الحكم المملوكي في مصر و معاينات قام بها الرحالة الايطالي فيسكونتي لأوضاع القاهرة وما يعانيه السكان من عسف السلطان وتهديد للحريات. وفي الرواية الثانية حاكم الدكتور خليل أيوب الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية على ضيق أفقها التاريخي حين لم تواجه الهجرة اليهودية إلى فلسطين مواجهة حقيقية ولمّا لازمت الصّمت "حين كان الوحش النازي يقوم بإبادة اليهود في أوروبا"[159].

شحن الرواية بهذه المواقف التي ينبني بها المنظور الروائي هو ما يميز السرد التاريخي من السرد الروائي ويمنح الرواية ذات العمق التاريخي الأهمية والقيمة الإبداعية إذ بهذه التعليقات والتعقيبات على المسرود لاتكون الرواية مجرّد وثيقة تخبر بما جرى وتستعيد ما انقضى.وإذ أخذنا بالتقسيم الذي أورده محمد القاضي في مقاله الخاص بالرواية والتاريخ[160] واعتبرنا "كتاب الأمير" رواية تكتب التاريخ بطريقة استدعاء الوقائع والشخصيات التاريخية" خلافا لما سمّاه صاحب المقال "طريقة إيجاد مناخ تاريخي" وقد اتبعتها رضوى عاشور في عملها ثلاثية غرناطة" نبهنا إلى أن الطريقة الأولى التي اتبعها واسيني الأعرج وهو يكتب تاريخ الأمير عبد القادر الجزائري ويورد حشدا من الأحداث التاريخية، وينسج شبكة من الشخصيات المحلية والأجنبية وينقل أقوالها في لغتها الأصلية، طريقة أتاحت له التحرك بين المرجعي والتخيلي والمراوحة بين السرد التاريخي والسرد القصصي، وأمدت السّارد في هذه الرواية بقدرات عجيبة على الفصل والوصل بين مواد الحكاية وعلى تأثيث السرد التاريخي وما هو من قبيل تسجيل الوقائع بألوان من المجاز والإيحاء صبغت الأداء الروائي في هذا النص المطول بأصباغ الفن الأدبي./.

 

  1. II. المراجع

باللغـــة العربية

 1- الجوة، أحمد، "التاريخي والإنشائي في "باب الشمس""، لالياس خوري، القاهرة، مجلة فصول، العدد 63 ،شتاء و ربيع 2004.

+ من خصائص الكتابة الروائية في الزيني بركات لجمال الغيطاني، مجلة "بحوث جامعية " كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس العددان 3-4 جانفي 2003.

2 - طاليس، أرسطو، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمان بدوي، بيروت، دار الثقافة (د.ت).

3 - القرطاجني، "حازم، منهاج البلغاء وسراج الأدباء"، تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، بيروت، دار الغرب الاسلامي، الطبعة الثانية، 1981.

4 - عيد، عبد الرزاق ؛ باروت، محمد جمال، الرواية والتاريخ، دراسة في مدارات الشرق، اللاذقية (سورية)، دار الحوار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1991.

5 - بن رمضان، فرج، الدراسة الأدبية للكرامة الصوفية، أسسها، إجراءاتها، رهاناتها، صفاقس (تونس)، مطبعة سوجيك، الطبعة الأولى، 2007.

6 - دراج، فيصل، الرواية وتأويل التاريخ، نظرية الرواية والرواية العربية، الدار البيضاء –بيروت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى ،2004.

7 - الباردي، محمد، في نظرية الرواية، تونس، سراس للنشر، 1996.

باللغـــة الفرنسية

1 - Dialogisme et polyphonie, actes du colloque de Cerisy, de bock, Bruxelles, Duculot, 2005.

2 - Dictionnaire des Genres et notions littéraires, Encyclopaedia Universalis, Paris, Albin Michel, 1997.

3 - Encyclopaedia Universalis, Paris, 1996 corpus1……..

4 - Genette, Gérard, Fiction et diction, Seuil, 1991.

5 - Weinrich, Harold, Le temps, Seuil, 1973.

6 - L’Algérie Passé et Présent, Yves Lacoste, André Nouschi et André Prenant Paris, Editions Sociales, 1960.

7 - Ricœur, Paul, Temps et récit, Tome II, Seuil, 1984.

 

* أستاذ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس - تونس

[1] Genette, Gérard, Fiction et diction, Seuil, 1991, p.73.

[2] Ricœur, Paul, Temps et récit, Seuil, Tome II, p.230

[3] الأعرج، واسيني، كتاب الأمير، مسالك أبواب الحديد، الجزائر العاصمة، منشورات الفضاء الحر، الطبعة الأولى، نوفمبر 2004.

[4] المرزوقي، سمير ؛ شاكر، جميل، مدخل الى نظرية القصة، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، الدار التونسية للنشر-سلسلة علامات (د.ت)، ص.ص. 90-91.

[5] يقول الأمير في سياق حواره مع السي مصطفى بن التوهامي : "لقد شاء الله أن تنتهي هذه الحرب، يجب أن نقبل بهذا القدر قاتلنا مدّة خمس عشرة سنة لانقاذ شعبنا من غطرسة الغزاة، فماذا يمكننا اليوم أن نفعله في هذه الأوضاع التي نحن فيها ؟ "كتاب الأمير" ص.406.

[6] انظر الصفحات 498-499-500.

[7] كتاب الأمير الصفحات 9-14-18-22-40-56-58-59-93-100-106-111-120-149-170-202-221-246-266-308-337-367-482-491-495-503-524-546.

[8] كتاب الأمير، الصفحات 546-14-15

[9] كتاب الأمير، ص. 22.

[10] نفسه، ص.. 367 ؛ ص.435.

[11] نفسه، ص.54، ص.482.

[12] كتاب الأمير، ص. 11.

[13] نفسه، ص. 54.

[14] نفسه، ص. 79 والرسالة مؤرخة في 3 رجب 1248 (27 نوفمبر 1932).

[15] كتاب الأمير، ص. 88 .

[16]  نفسه، ص. 106.

[17] لنفسه، ص. 93.

[18] نفسه، ص. 120.

[19] نفسه، ص. 178.

[20] نفسه، ص. 246.

[21] نفسه، ص. 369.

[22] نفسه، ص. 495.

[23] نفسه، ص. 503.

[24] نفسه، ص. 524.

[25] كتاب الأمير، ص.. 495.

[26] نفسه، ص 149 .

[27] نفسه، ص 266.

[28] نفسه، ص. 47.

[29] نفسه، ص. 495.

[30] نفسه، ص.ص. 266-267.

[31] كتاب الأمير، ص. 270.

[32] نفسه، ص. 495 ، ص. 498.

[33] نفسه، ص. 504.

[34] نفسه، ص. ص.514-515.

[35]  كتاب الأمير، ص. 266.

[36] أرسطوطاليس، فن الشعر، ترجمه عن اليونانية وشرحه وحقق نصوصه عبد الرحمان بدوي دار الثقافة، بيروت (د.ت)، ص.30.

[37] مما ورد في خطبة تسلمه لمهامه قوله "لقد بذلت مجهودات كبيرة لاقناع بلادي للاستيلاء الكلي والنهائي على الجزائر ....والآن يجب اخضاع العرب وتسليط الحرب الشاملة ......لا نفع من وراء حملة بدون استيطان سأكون معمرا متحمسا إذا استطعت أن أؤسس لشيء دائم لفرنسا. كتاب الأمير، ص.ص. 266-267.

[38] كتاب الأمير، ص. 269.

[39] يختلف هذا الوضع في هذه الرواية عما تضمنته رواية مدارات الشرق لنبيل سليمان التي عنيت في الجزء الأول من هذه الرباعية (الأشرعة، بنات نعش، التيجان، الشقائق) بسيرة الجنود الذين شاركوا في مرحلة قيام الحكومة العربية بعد الحكم العثماني والفرنسي.

[40] كتاب الأمير، ص. 472 .

[41] نفسه، ص. 472 ص 496.

[42] نفسه، ص. 299.

[43] نفسه، ص. 412 .

[44] نفسه، ص. 471.

[45] كتاب الأمير، ص. 511.

[46] الرواية ص 96.

[47] كتاب الأمير، ص. 10.

[48] نفسه، ص.ص. 546-547

[49] كتاب الأمير، ص. 211.

[50] كتاب الأمير، ص. 213.

[51] نفسه، ص. 218.

[52] من أبرز هذه المشاهد تدمير عين ماضي، ص. 245.

[53] كتاب الأمير، ص. 330.

[54] كتاب الأمير، ص. 331.

[55] كتاب الأمير، ص. 330.

[56] نفسه، ص.ص. 330-331.

[57] كتاب الأمير، ص. 331.

[58] نفسه  ص 362 .

[59] كتاب الأمير، ص. 421.

[60] نفسه، ص. 226.

[61] نفسه، ص. 241.

[62] نفسه، ص.243.

[63] نفسه، ص.313.

[64] كتاب الأمير، ص. 313.

[65] نفسه، ص. ص. 314-315.

[66] نفسه، ص. 315 ص 316.

[67] كتاب الأمير، ص. 317.

[68] تتغير مصائر الشخصيات في هذا المشهد  الحربي بدليل موت سيدي مبارك فجأة و هو يقاوم بكل استبسال ونجاة الماريشال "سيوكوت" رغم إصابته في صدره و إصابة صدر حصانه. كتاب الأمير، ص. 316.

[69]  Encyclopedia Universalis Corpus, pp. 30-31.

[70] كتاب الأمير، ص. 20.

[71] كتاب الأمير، ص. 19.

[72] انظر الصفحات : 126-127-128-286-287-288-289-487-488-489-490 .

[73] كتاب الأمير، ص. 288.

[74] انظر تفاصيل هذه الوقائع العسكرية في كتاب L’Algérie Passé et Présent, le cadre et les étapes de la constitution de l’Algérie actuelle par Yves la Coste, André Nouschi, et André Prenant, Paris, Editions Sociales, 1960  وتحديدا في الفصل السابع، للموسوم بـ "مقاومة عبد القادر" من ص.ص. 271-343.

[75]  انظر : + رسالة عبد القادر لمونيسنيور ديبوش ص 49 ص 50 بخصوص رد الأمير على طلب القس إطلاق سراح المساجين المسيحيين الذين حبسهم جيش الأمير بعد فسخ معاهدة تافنة وعودة الحرب.

+ رسالة عبد القادر إلى ديبوش بخصوص دعوة القس إلى زيارة الأمير وهي مؤرخة بـ 24 صفرسنة 1265 هـ ص.ص. 53-54.

+ رسالة الأمير إلى ديبوش بتاريخ 24صفر من عام 1265 بخصوص دعوة القس إلى زيارة الأمير وأتباعه المسجونين في قصر أمبواز وفيها شكوى من وضعية الحبس وتأخر السلطان (نابليون) من تنفيذ الوعد الفرنسي باخلاء سبيلهم ص.ص. 481-482.

[76]  كتاب الأمير، ص. 483.

[77]  نفسه، ص. 417.

[78]  نفسه، ص. 419.

[79]  نفسه، ص. 417.

[80]  ترد هذه الرسالة موزعة على الصفحتين 53-54.

[81]  وظف الغيطاني في هذه الرواية أشكال النداء وهي عبارة عن أوامر ونواه تصدر عن أصحاب النفوذ مثلما وظف أشكالا أخرى من قبيل الرسالة والمقتطف انظر:

أحمد الجوة، من خصائص الكتابة الروائية في" الزيني بركات" لجمال الغيطاني، بحوث جامعية مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس العددان 3-4 جانفي 2003 ص.ص. 114-134.

[82]  كتاب الأمير، ص. 110.

[83]  نفسه، ص.ص. 238-239.

[84]  L’Algérie Passé et Présent, p.288.

[85]  كتاب الأمير، ص. 225 ومما جاء في رسالته الموجهة إلى الأمير خلال محاصرة المدينة : "أوكد مرة أخرى على نوايانا السلمية ولكن إذا أصَرَّ الأمير على رؤيتي بهذا الشكل العدواني ،عليه أولا باختراق أسوار عين ماضي واختراق صدور أتباعي وخدمي.

[86]  نفسه، ص. 232.

[87] Genette, Gérard, Fiction et diction, éd du seuil, 1991, p.79.

[88] كتاب الأمير، ص. 375 .

[89] نفسه الصفحة ذاتها.

[90] نفسه، ص. 377.

[91] كتاب الأمير، ص. 414 : كان مرفقا بهالة من النور تعمي الأبصار، يرسل أتربته باتجاه النصارى فيرديهم ويمحو أحصنتهم حتى قضي عليهم. ومن اختبأ وراء الأشجار والصخور فضحته هذه الأخيرة بل أعلنت عن وجوده وراءها فسجن.

[92] نفسه، ص. 415.

[93] بن رمضان، فرج، الدراسة الأدبية للكرامة الصوفية أسسها، إجراءاتها، رهاناتها، تونس، مطبعة سوجيك صفاقس، الطبعة الأولى، 2007، ص.ص. 14-15.

[94]  كتاب الأمير، ص. 313.

[95] كتاب الأمير، ص. 320.

[96] نفسه، ص. 332.

[97] كتاب الأمير  ص 323.

[98] أخذنا العبارة من عنوان كتاب "حسين الواد" تدور على غير أسمائها وهو كتاب خاص بطريقة بناء الشعر لدى ابي تمام دار الجنوبب للنشر (تونس)....

[99] كتاب الأمير، ص. 348.

[100] كتاب الأمير، ص. 355.

[101] نفسه، ص. 541.

[102] كتاب الأمير الصفحتان 541-542 .

[103]  Weinrich, Harold, Le Temps, Ed. du Seuil, 1973.

[104] منهاج البلغاء وسراج الأدباء : تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، بيروت، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، 1981، ص. 112.

[105] كتاب الأمير، الصفحتان 542-543.

[106] نفسه، ص. 320.

[107] أرسطو طاليس، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمان بدوي، دار الثقافة بيروت (د ت) ص 26.

[108] ورث "لوكنش" في تنظيره للرّواية أفكار الفيلسوف هيغل فعدّ الرواية الابن الشرعي للملحمة وشكلا ينتمي إلى حضارة إشكالية هي حضارة المجتمع الرأسمالي في القرن التاسع عشر، وهي تتسم بالتمزق والاستلاب انظر محمد الباردي في نظرية الرواية، تقديم فتحي التريكي سراس للنشر، تونس، 1996 ص.ص. 21-25.

[109] كتاب الأمير، ص. 315.

[110] نفسه، ص. 316.

[111] نفسه الصفحة ذاتها .

[112] انظر تمثيلا لاحصرا قصائد المتنبي في تصوير معارك سيف الدولة وقصائد أبي تمام في تصوير معركة عمورية.

[113] كتاب الأمير، ص. 380.

[114] نفسه، ص. 382.

[115] نفسه، ص. 382.

[116] لم يذكر واسيني الأعرج أيّ مرجع تاريخي أو وثيقة استند إليها في كتابة هذه الرواية بينما ذكر إلياس خوري في آخر روايته "باب الشمس" أنه عوّل في كتابة روايته على وثاق شفوية وعلى نصوص تاريخية وعلى مذكرات ودراسات ومقالات تضمنتها مكتبة مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت أنظر : إلياس خوري، باب الشمس، دار الآداب بيروت، الطبعة الثانية 1998، الصفحة الأخيرة في الكتاب (إشارات).

[117]  Dictionnaire des Genres et notions littéraires Encylopaedia Universatis, Albin, Michel, Paris, 1997, p.649.

[118] سعيد علوش، عنف المتخيل الروائي في أعمال إميل حبيبي، مركز الإنماء القومي، بيروت، باريس (د.ت)وفي الكتاب تناول لمواد الكتابة القصصية في هذه الأعمال وذلك من قبيل المستنسخ الاستهلالي الشعري ومحاكاة القوالب الجاهزة للأنواع الصغرى وتقنية التدخلات السافرة وحكي التناص.....

[119] كتاب الأمير، ص. 346.

[120] كتاب الأمير الصفحة ذاتها.

[121] نفسه، ص. 353.

[122] نفسه، ص 354.

[123]  كتاب الأمير، صفحة ذاتها.

[124] نفسه، ص.354، نفسه، صفحة ذاتها

[125] Dialogisme et polyphonie, actes du colloques de Cerisy de Bock, Bruxelles, Duculot, 2005, p.25.

[126] Le dictionnaire du littéraire, Paul Aron/Denis Saint–Jacques- Alain Vialla, Paris, PUF, 2002, p.138.

[127] - نجد هذه النزعة تنظيرا و ممارسة لدى بعض المصريين (محمود تيمور) و الادباء التونسيين (البشير خريف) بدعوى "التمصير" و "التونسة" و ان كان استخدام العامية يقتصر على الحوار القصصي لاضفاء الواقعية عليه وانطلاق الشخصية بما يتلائم مع طبيعتها.

[128] - انظر الصفحات: 92-100-101-102-103-108-160-161-203-205-210-219-293- 294-300-335-336-435-440-496-497-498-542-549.

[129] كتاب الأمير الصفحتان 100-101.

[130] نفسه، ص. 102.

[131] نفسه، ص. 103.

[132] كتاب الأمير، الصفحتان 160-161.

[133] نفسه، ص. 294.

[134] نفسه الصفحتان 335-336 .

[135] كتاب الأمير، ص. 435.

[136] كتاب الأمير الصفحتان 496-497 .

[137] نفسه، ص. 542 .

[138] نفسه، ص. 210.

[139] نفسه، ص. 204 ص 219

[140] نفسه، ص.549.

[141] كتاب الأمير، ص. 161.

[142] نفسه، ص. 293.

[143] كتاب الأمير، ص. 175.

[144]  نفسه، الصفحة ذاتها يحسن التنبيه هنا إلى المآخذ الكثيرة على كتابة السيرة الذاتية التي يدّعى أصحابها الصّدق والصّراحة والموضوعية والقدرة على استعادة ما جرى مثلما جرى حقّا رغم ثغرات الذّاكرة وإكراهات الوعي والمجتمع.

[145] نفسه، ص. 520.

[146] كتاب الأمير، ص. 521.

[147] نفسه، ص. 521.

[148] نفسه، ص. 455.

[149] نفسه، ص. 456.

[150] كتاب الأمير الصفحتان ص 502- ص503.

[151] كتاب الأمير، ص. ص 358-359.

[152] نفسه، ص. 359.

[153] نفسه، ص. 362.

[154] نفسه، ص. 363.

[155] نفسه، ص. 375.

[156] كتاب الأمير، ص. 376 : " أطلقوا سبيله ...أعطوه حصانا وساعدوه على تخطي الحواجز المنصوبة

[157] نستعمل هذا المركب النعتي مقابلا لـ(Le Langage romanesque)  ونعني به كيفية جريان اللغة في الرّواية واختصاص هذا الجنس من الكلام الأدبي بطبقة من طبقات الكلام يكون بها مشابها للكلام الشعري (Le Langage poétique) أي لهذا الاستخدام الفردي للسان من الألسن او للغة من اللغات. وقد يكون الكلام الروائي متغيرا من ورائي إلى آخر، وحتى من رواية إلى أخرى لدى المؤلف نفسه.

[158] كتاب الأمير، ص. 149.

[159] انظر مقالنا التاريخي والإنشائي في "باب الشمس" لالياس خوري مجلة فصول (القاهرة ) العدد 63 شتاء وربيع 2004، ص.298.

[160] محمد القاضي، الرواية والتاريخ : طريقتان في كتابة التاريخ روائيا، مجلة علامات في النقد (جدة) الجزء 28 المجلّد 7 يونيه 1998.