Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

التاريخ الكولونيالي/ النسيج والطبيعة

ارتبطت الظاهرة الكولونيالية في التاريخ الحديث بتراكمات النهضة الأوروبية، وعصر الأنوار، والثورات العلمية التي أسست لمركزية أوروبية تصدر عن قوتها العلمية والتقنية والعسكرية أصنافا من الممارسات تحاول كل دولة داخل المركزي أن تبني كيانها ومجدها في ظل سيرورة صراع خاص فيما بينها.وبالتالي فالتصور الذي حكم الظاهرة، وضبط عوالمها وإستراتيجية حركيتها التاريخية وظف في منحى عسكري للتحكم في العوالم المعرفية والثقافية للشعوب المستعمرة.من هنا، فالعلاقة بين الذات والآخر في سياق الإشكاليات التي خلقتها تجربة الاستعمار بوصفها من أكثر الأحداث تأثيرا وفاعليه في الأزمنة الحديثة، يكشف أشكالا معرفية وفق منطق العنف الإبستمولوجي كما تراه الناقدة الهندية غايترى شكرفورتي سبيفاك Gayatri Chakravorty Spivak الذي ينهض على أن الأنا الغربي المتفوق ينسج علاقاته مع الآخر-التابع- على شكل ثنائيات: الأبيض/ الأسود، السيد/ العبد، المركز / الأطراف . وبالتالي فالعلاقة بين الأنا والآخر هي في التحديد الأخير نسيج لفلسفة الهيمنة، لذلك تبدو مقاربة ادوارد سعيد في ربط العلاقة الكولونيالية بمرجعيتها الاستشراقية أفقا للتسلط، قائمة في ذات الوقت، في الراهن، ومستشرفة لمستقبل الاحتواء واستمرارية المدً الليبرالي إنها " سلسلة كاملة من المصالح التي لا تقوم – الكولونيالية – بخلقها فقط، بل بالمحافظة عليها أيضا بوسائل، كالاكتشاف البحثي، والتحليل النفسي والاجتماعي – إنها – إدارة، بدلا من كونها تعبيرا عن إدارة ". إن رهان المشروع الكولونيالي على مماهاة الآخر – التابع – بالذات المركزية الأوروبية، والنظر إليه بمرآة الأنا السلطة وسلطة الأنا، أدى إلى طرح مسألة الهوية لاحقا، وإعادة النظر في إشكاليتها خاصة مع جيل ثورة الطلاب 1968، والنزوع القوي إلى التباين والاختلاف، اختلاف الثقافات بعضها عن بعض، وهذا ما حدا بجان ماري بنوا إلى القول، بأن مسألة الاختلاف تخترق عصرنا الحالي . لذلك انشغل فلاسفة ومفكرون من الشرق والغرب على دراسة الذات والآخر بصورة موضوعية دون الوقوع أسرى الصورة النمطية، والمفاهيم العرقية المتجدرة في الخطاب الاستشراقي. إن جاك بيرك ومكسيم رودنسون كمثالين على النزعة الانتقادية والحساسية المباشرة ،لم يخضعا للأفكار المسبقة التي طبعت البحث الإستشراقي طوال تاريخه في الوقت نفسه التقى ميشال فوكو، وسمير أمين وادوارد سعيد حول بؤرة مركزية هي الغرب، ومفهوم الغرب نفسه. أي نقد الوعي الغربي ذاته، الوعي الذي يشكك هذا الثالوث بحقيقته. إن ادوارد سعيد في ضوء هذا المسعى، قدم قراءة ذات اتجاهين : قراءة أثر البعد التوسعي الامتدادي للإمبريالية على الثقافة وعلاقة الذات العربية بالآخر. وقراءة رد فعل الآخر من خلال ما يسميه - أي ادوارد- ثقافة المقاومة. إن الثقافة والامبريالية هما محاولة لتقديم قراءة بانورامية لعلاقة الثقافة بالقوة وانعكاسات هذه القوة على الضفة الأخرى، أي على الجانب الذي يمثله الآخر غير الأوروبي . وبالتالي فإن تفكيك معادلة الكولونيالية/الاستشراق ومعارفه حول الذات العربية، لا تأتي إلا بتقديم قراءة الذات/الآخر، وفق أسس موضوعية دون الوقوع أسرى المفاهيم النمطية حول الآخر الغربي في حمى الانتقام. أي دراسة الغربي/العربي من منظور معرفي موضوعي يستقي معارفة من المادة الماثلة أمامه، لا من الأحكام المسبقة والصور الشائعة. هي ضرورة، لفهم الذات قبل فهم الآخر، في الوقت نفسه وتقدم القراءة العلمية للذات دون خضوع للاستيهامات التي تحملها ثقافتنا في صورها النمطية حول الآخر، رهانا تقينا من أشكال الصدام الحضاري. في هذا الإطار من الوعي بالمعرفة الكولونيالية ومرجعياتها، فإن تصور شكل من أشكال المواجهة ذات الطبيعة المعرفية، يقدم في التحديد الأخير بوصفة إستراتجية، لا لمعرفة الذات وتجريدها من الأوصاف الاستشراقية التي تحط من قدر العربي، وتسبغ عليه أوصافا ذات طبيعة قارة تفتقر إلى التطوير والتغيرية، بل من أجل معرفة الآخر، وتغيير نظرته إلى التابع، إلى نفسه. وإذا كانت ضرورة فهم الذات والآخر نابعة من سياق عملية التغير المتسارعة في العالم، و سقوط الكثير من الحواجز أمام انتقال المعرفة، فإن قدرة أبناء العرب على التأثير على فهم الآخر لنفسه. تشكل رهان حركة التاريخ العربي الذي لا يتكرر تاريخه. بتعبير آخر، "إن إسباغ صفات جوهرية ثابتة على الغرب واستشراقه، هو وقوع في الفخ نفسه الذي وقعت فيه الكولونيالية ." ما بعد الكولونيالية/ تشكيل الكيان إن البحث عن تجليات ما بعد الكولونيالية وأشكالها ودلالاتها من حيث تمحورها حول معنى الانفتاح على الآخر، ومحو الصورة الكولونيالية، هو إنتاج نص جديد وربطه بالمعطى الفكري والفلسفي لراهنية الكتابة التاريخية الإبداعية. وبالتالي، فما بعد الكولونيالية هي "تجاوز الانعزالية والانغلاق والمحلية الضيقة، ورؤية عدد من الثقافات والآداب معا – أي – اكتساب منظور يتجاوز أمة المرء، ورؤية نوع من الكلية، بدلا من الرقعة الدفاعية الضئيلة التي تقدمها ثقافة المرء الخاصة ". إن تاريخ ما بعد الكولونيالية عالم مفتوح بأنماط مختلفة وقيم متباينة لشخوص وأحداث وتجارب مضاوية وتاريخية، لذلك تجعل الكتابة الروائية من التاريخ مرتكزا لعلاقات إنسانية جديدة. فالارتكاز مشروط بالانحياز لما هو حي ودينامي من التاريخ – أي – محكوم بوعي وإدراك سابقين، يتطلب من الروائي التفاعل وليس التعاطف، التمييز وليس الاندماج، التفرد وليس الذوبان في التعامل الجدلي مع التاريخ . إن انفتاح الرواية العربية الجزائرية مع الألفية الثالثة على التاريخ، هو اختبار الواقع الإنساني بين التاريخ ومآسيه وتجاوزه. لأن الماضي لا ينفصل عن الحاضر وكذلك الحاضر لا ينفصل عن المستقبل. فعملية الارتباط هنا دينامية مستمرة، لا يمكن افتراض الفواصل والحدود بينها.إنما هي حقيقة حية تمتد وتنمو وتتطور بحكم التتابع الزمني أو التابعة الزمنية.ومن هنا، فالعملية المطلوبة، عملية وعي دقيق للروائي في التعامل مع القيم الحية من الماضي وهذه لا شك بحاجة إلى ذهنية حية قادرة على إغناء وتعميق الواقع الحاضر بالموروث الحسي والنفسي والاجتماعي من خلال الجدل الإنساني . إن رواية – كتاب الأمير- مرحلة جديدة من العلاقة مع التاريخ الجزائري والتاريخ الكولونيالي موضوعا ومضمونا ومنظورا – حيث يتشكل فضاء مغاير. فيه معطيات سوسيو ثقافية وتاريخية وسياسية تشير إلى أن التاريخ رموز وحيوات مليئة بالحياة والإيحاء. فليس مجديا إعادة تسجيله بهيكله، ولكن باكتشاف القدرات الحية الموحية لإنسان الألفية الثالثة لإعادة بناء نفسه بوعي جديد في علاقته الإنسانية بالآخر، ذلك أن المفهوم النقدي الراسخ بالمبادرة التاريخية يسمح للروائي مثلا بتجاوزه للأحقاد الدفينة والضغائن المتوارثة، شريطة أن يتم هذا التجاوز في إطار الوعي بالظروف التاريخية التي أنتجت فيها لاعقلانية الإنسان. ففي النطاق الذي يتميز فيه هذا العالم الجديد عن العالم القديم بانفتاحه على المستقبل، تحصل بداية عصر تاريخي يحتوي الوعي التاريخي على فصل بين الأزمنة، لذلك يستحضر واسيني الأعرج مخزون التاريخ، مستندا في ذلك إلى مرجعية فكرية وثقافية في الاطلاع على مرحلة من التاريخ الجزائري والكولونيالي الحديث روائيا بسؤال التخييل كما تبلوره الرواية – جاعلا من التاريخ إطارا قابلا للتجدد بتجدد سؤال الكتابة والتفكير في سردية منفتحة على لغات وخطابات ورؤى. لذلك فإن علاقة الروائي – أي روائي – بالتاريخ ليست شيئا خاصا ومعزولا، إنها عنصر مهم من العناصر التي تؤلف علاقته بكامل الواقع المجتمعي، وإذ نفحص كل المشاكل التي تقع في الرواية نتيجة علاقة الكاتب بالواقع التاريخي، نرى أنه لا توجد مشكلة جوهرية واحدة فريدة بالنسبة للتاريخ – بل يوجد تفاعل معقد جدا بين علاقته بالحاضر وعلاقته بالتاريخ. إلا أن فحصا نظريا تاريخيا أدق لهذه العلاقة يبين بأن علاقة الكاتب بمشاكل الحاضر الاجتماعية والإنسانية حاسمة في هذا التفاعل . بهذا المعنى يتطلع واسيني إلى ثقافة التاريخ والفكر التاريخي حين يعيد تأمل الواقع الإٌنساني، ويقتصد أزمنته وفضاءاته، ليكشف عن واقع روائي حافل بقيم وعلاقات وطموحات متشابكة متصارعة.صحيح كان هناك طرف قاهر وطرف مقهور لكن هناك اشتباكا بين هذين الطرفين يستهدف "العثور على الخبث الشيطاني في التاريخ الذي يجعل الإنسان أقل إنسانية.إن لم نقل مشيئا بهذه الضرورة الشيطانية التي تجعل الحياة والعالم أكثر بشاعة، فلا بد من اكتشاف هذه اللمسات الإنسانية التي تومض في الضمير الإنساني، في عالم الخراب ". إن واسيني يروم الكشف وتقديم رؤية وقراءة لتاريخ مقاومة الأمير عبد القادر، والتأكيد على دلالتها الإنسانية، وإعادة كتابتها فنيا، وذلك بمقدار ما شكلت في مخيلته الأدبية بمخزون ذاكرتها ولغتها وأحلامها تاريخا آخر، عمل التاريخ السلطوي للأنا والآخر على حجبه.فارتباط الرواية بالتاريخ، والتي لا تنفصل عن الأدب، تتكشف عن ذاكرة أخرى ولغة أخرى، ونص آخر تختلف روايته للتاريخ واستعادته للمعنى والرؤية عن الرواية الرسمية، وكأنه إزاء نمط ثقافي مختلف عن الذي تقدمه الثقافة الرسمية والمدونة. وهذا يعني أن إعادة النظر بمفهومه للإنسان الجزائري، وتجربة الأمير عبد القادر بوصفه سلطة تاريخية ينبغي أن تحاط برؤية جديدة حول مركزيته التاريخية بوصفها طرفا في صراع الأنا والآخر، تتجاوز وتتباين عن الآخر-الاستعمار-ويضادها في تصوره للطبيعة الإنسانية والثقافية والهوية ومغايرة الديني للدينوي، و الدينوي للديني. لذلك تتحدد رؤية واسيني للعالم وفلسفته، انطلاقا من وضع تفكيكي لمستوى النفي والرفض الذي مارسته الذات التاريخية الجزائرية والكولونيالية، من خلال استبعاد أي محك إنساني لعمق مقاومة الأمير عبد القادر، وبالتالي فشرط الوعي بالذات والآخر، شرط لمعرفتنا بجوانب إنسانية الأمير المسكوت عنها. لغة النص/استراتجية التجاوز تاريخيا تحكمت في المعادلة الكولونيالية وإستراتجيتها ثلاثة أطراف متشابكة ومتداخلة، فهي في إحدى معالمها إجراء أو ممارسة، وفي الطرف الثاني شبكة معرفية وفكرية، وثالثها تكنولوجيا أو هندسة عقلية خضعت في تطورها للمد العلمي والتكنولوجي. ومن ثمة، فزوال الاستعمار هو بالضرورة نفي واع لهذا المعطى، مما يسمح بإنتاج معادلة متجاوزة له، ممثلة في التحرر وتأسيس الكيان. مما يعني أن النص الكولونيالي وكولونيالية النص تقف بوصفها طرفا طبيعيا وراء أشكال الممارسة الاستعمارية، وبالتالي ينهض نص ما بعد الكولونيالية كنقيض للنص الأول، أي أن الكتابة لما بعد الكولونيالية أمر حيوي وجوهري في العملية الكلية لفلسفة التجسير بين الغالب والمغلوب، الأنا والآخر. فالبنية العالمة لرواية – كتاب الأمير- تتمفصل حول محورها الزماني والمكاني الذي تعرف فيه كثافة وزحم دلالاتها الرمزية في أبعادها التاريخية – صراع الأنا والآخر- وبالتالي فشخصية الأمير عبد القادر ومونسنيور ديبيش تمثلان في علاقاتهما وتصرفاتهما وضعا بنيويا يمثل هو الآخر صورة رمزية مكثفة عن الوضع الجزائري الفرنسي / الإسلامي – المسيحي، وتربة خصبة للحوار الذي ينشأ مع نشأة الحاجة سواء أكان هذا الحوار داخليا أم خارجيا وبقدر شدة الحاجة وإلحاحها، بقدر ما تكون طبيعته، بتعبير آخر إن الحوار بين الأمير عبد القادر وديبيش ليس مجرد استغراق في مناقشة الذات في أمر من الأمور في أي وقت وتحت ظل أي ظرف من الظروف، بل إنه مشروط بما هو إنساني، وما هو عقلي تنويري، وما هو وجداني إنساني وجمالي. بالإضافة إلى المستوى النفسي الذي يتم تناول الأمر في كنفه ومعالجته في رحابه. فالتواصل المعرفي والإنساني في أبعاده الحضارية "يؤثر في سيرورة الحوار والاتفاق والاختلاف والخلاف الحاسم بين مكونات مجتمعية وثقافية محكوم عليها بالتواصل فهو ليس تبادلا هادئا، بل هو أيضا تفاعل مخترق ". بين الأنساق الثقافية بمرجعياتها الفكرية وحتى العقدية والتي تعمل على خصوبة فلسفة التواصل والحوار وإبداعياتها وتقاطعها في المستوى الفكري الحضاري بين الشخصيتين. بهذا المعنى، تبدو مقولة-ما بعد الكولونيالية في إيحاءاتها الفلسفية أداة ربط بين الشخصيتين، وهي تنطوي نظريا على الحرية، والعدالة، والمساواة والكرامة الإنسانية، وتستدعي مفهوم ثان للإنسان. وبالتالي فصورة الأمير ومونسنيور ديبيش كما يعرضها السرد الروائي تتخذ مفهومها وإطارها، عندما تكشف عن طبيعة التقارب والتجانس الإيديولوجي -الإسلامي-المسيحي- أي "أن العقل فوق الدين – والأديان-كما قال المعتزلة ". ومن ثمة، تقدم ما بعد الكولونيالية بوصفها محتوي أخلاقي وفكري متنا خصبا داخل العالم الروائي للقراء والمقاربة في ضوء التصور الإيديولوجي الذي شكل محورا رئيسا في تصور واسيني الأعرج لإستراتجية حوار الأمير عبد القادر وديبيش. وبغض النظر عن موضوعهما الاعتباري كذات فاعلة في التاريخ، وصوت متميز في المؤسسة السياسية والدينية فإن "ما سيشكل وعيه الخاص- أي الأمير وديبيش- في تصور علاقته بذاته ودوره وسعيه إلى منح وجوده معنى وجوديا في مواجهة ما يفرض عليه من قوانين وشرائع وأعراف، أو بمجرد التزام بقيم متعالية نابعة من ضرورة الانتماء الصارمة " وبالتالي فالانعطاف نحو فلسفة ما بعد الكولونيالية، وتجاوز الكولونيالية في فكر مونسنيور ديبيش هو الانقلاب على فلسفة الأنوار في اطار ممارستها السياسة، بالتخلي عن الاعتقاد في قدرة العقل السياسي على انتاج الحقيقة الإنسانية. ومن ثمة، التخلي عن الاعتقاد في قدرة المسار الإيديولوجي للمؤسسة السلطوية وسيرورتها اللاعقلانية، وثقافتها الحداثية برمتها. وحاصل هذا المعطى المعرفي عنده – أنها تجعل من فكر الأنوار – فكر الثورة الفرنسية- وشعارها فكرا مضادا لبنية مشروعه العقلاني الحداثي الذي يسقط في الواقع التاريخي الزائف بوعي زائف، بمعنى إنه الوعي في درجته الصفر، عندما صارت إيديولوجيا الوعي، ووعي الإيديولوجي مطابقتين لنسق الهيمنة وتفكيك الأنساق المعرفية للأنا والآخر. إن الإنصات للآخرين عند ديبيش تجد مبرره النقدي لعصر الأنوار ومؤسساته الحداثية، طالما أن إيديولوجيتها فقدت مبررها وشرطها التاريخي "فهي لا تنحصر في البنية الفوقية، وإنما تتحدد بالواقع الزائف الذي لا تثبت صلاحيته سوى عندما يكون بالإمكان كشف القناع الإيديولوجي الذي يوظف لإخفاء التناقضات الاجتماعية، إلى النقد الشمولي أو ما يصطلح عليه فاندر برج بالنقد المتعالي Critique Transcendance عندما يتعذر التمييز بين إيديولوجيا كوعي زائف، والواقع الزائف برمته. يقتضي الأمر إذن نقدا جذريا يتموضع خارج الكل الزائف، وخارج الحداثة الأداتية، وخارج ثقافة الحداثة ". إن البعد الأساسي المكتشف في فلسفة الأمير وديبيش هو علاقة الإنسان بالإنسان، علاقة الإنسان بالكون، ولأن هذا البعد مرتبط غاية الارتباط بأبعاد أخرى، فقد تقاطع الصوتان وتشابكا في الرؤية والموقف." لا أعتقد أننا وصلنا إلى هذا الحد أيها السلطان الكريم وإلا لن تتحدث عن كائن اسمه الإنسان. الإنسانية يا سيدي عبد القادر استحقاق وليست إرثا سهلا، معك الحق. الاستحقاق يحتاج إلى مجهودات دائمة للوصول إلى تحقيقه. ديننا يقول ذلك كذلك. يقضي الإنسان العمر كله بحثا عن تأكيد إنسانيته، لأن كل ما يحيط به هو عبارة عن مزالق متعددة عليه تفاديها بشهامة وعزة نفس ". إن المصير القائم بين الشخصيتين يتلخص كما يقول بيشو "في الصراع من أجل الكلمة، ضد كلمة أخرى. " فالمتخيل الإسلامي والمسيحي، الأنا والآخر، كما صاغه الأمير عبد القادر يتأسس على الإدراك للحكمة الإنسانية، معتمدا في الوقت ذاته على قاعدة الحب وقتل الشر-أمام ما يجابهها من خذلان وأوهام الحياة وزيف العلاقات ووحشة العالم. فعلاقة الأمير بديبيش تنصهر في وحدة معرفية، وفي بوتقة الوجود الإنساني لتتعادل وتتحول من ثم إلى المستويات الأعمق من الشعور، وهذا ما تم من خلال موقف الأمير وتجربته التي عاشها في إطار الحضارة الجديدة والعصر ورؤيته الجديدة للعالم، وبالتالي كانت شهادته عن ديبيش أحد المفاتيح التي عكستها تجربته الجديدة ومفهومه للذات والأديان والتاريخ والإنسانية "أنت أول فرنسي فهمني من بين الكل، صلاتك وصلت إلى الله الذي نور الأذهان ومس البرنس الكبير الذي فك قيدي. كلماتي عاجزة عن شكرك " "كل ما بنيناه عن فرنسا وأوروبا كان في جوهره غير صحيح، كنا نظن أنفسنا أننا الوحيدون الذين ينظر الله إلى وجوههم يوم القيامة، وأن الجنة حكرا لنا، وأن الله ملك للمسلم، وكما تعلق الأمر بالآخرين أنزلنا عليهم السخط والمظالم " إن ما بعد الكولونيالية التي جعلها واسيني الأعرج أهم بياناته الفلسفية في رواية – كتاب الأمير- تكشف أن الخير والشر ليس "سوى منظورين أي ليس لهما ثمة قاعدة ثابتة أو راسخة، بل هما من صنع الحاجة الإنسانية لتنظيم شبكة العلاقات الفردية الاجتماعية (...) ليس ثمة خير في ذاته، ولا شر في ذاته، لكن مع ذلك فالإنسان كان من حقه أن يرى كل ما يتهدد وجوده شرا، وكل ما ينمي هذا الوجود خيرا، فهو صانع القيم وهو الذي يوزعها، وعليه كذلك أن يخترقها عند ما تخرج عن إرادته وتتعالى فوقها ". وإذ تتجذر رؤية واسيني في بعد تراجيدي، وتقيم نفسها في الحاضر السياسي والثقافي والتاريخي للأنا والآخر، وتستمد مشروعيتها الفعلية في سياقها داخل الكتابة الروائية الجزائرية الجديدة لمواجهة زيف التاريخ والكتابة والقراءة، فإنها تستشرف آفاقا لنص يتوحد مع العقل الجديد، والإنسان الجديد الذي يثق في الإنسانية وسط تناقضات وتشظيات الفكر الدوغمائي. بمعنى أن ما بعد الكولونيالية هي زمن متعال، لأنه زمن يستدعي الزمن الأنطولوجي والزمن التاريخي سوية ويقرنهما، أو يقرن بينهما في الكتابة ليتحول هذا الزمن إلى ما يشبه الشرط الفلسفي أو الميثاق الجدلي في جعل الكتابة الروائية عند واسيني انخراط في الممكن مما توفره اللغة وكل عناصر التخييل، والانخراط في ديمومة الإحساس بالزمن كقيمة فكرية ومعرفية نابعة من هويته. زمن رهين بتحيين فعل الكتابة الذي يغدو زمن أنفلات من الهش والعابر إلى اكتناه الخفي والمتواري والمسكوت عنه والروائي إذ يكشف ماهية ما بعد الكولونيالية وطبيعة حضورها في بعدها العملي والإجرائي، فهو يرسم في الوقت نفسه شخصية ديبيش بوصفه الكلي الذي يعبر عن نفسه مباشرة في مؤسسة وأفرادها من خلال عواطفه الذاتية وسجاياه الطبيعية. فالكلي والفردي فيه متحدان "في انتظار القيام بما هو أهم-أعتقد أنه صار اليوم من واجبي الإنساني أن أجتهد باستماتة في نصرة الحق تجاه هذا الرجل وتبرئته من تهم خطيرة ألصقت به زورا، وربما التسريع بإزالة الغموض وانقشاع الدكنة التي غلفت وجه الحقيقي مدة طويلة " بمعنى آخر، أن ديبيش يجسد في اللحظة التاريخية صورة لجوانب التعايش والاندماج بين الأنا والآخر، المركزي والتابع، المسلم والمسيحي ليس فقط على مستوى التعايش الديني، بل أيضا على مستوى الاندماج الكلي في القضايا الإنسانية الكبرى. ومن ثمة، تصبح الحياة المسؤولة ممكنة بل ولا يمكن تحاشيها. وفي الوقت ذاته يصبح الفارق بين الأنا والآخر، هو ما يتيح الفعل الإنساني الواعي، ووعي الفعل التعاطف مع التابع-المهزوم- والتوحد به وجدانيا .يقول باختين "عندما أتعاطف مع آلام شخص آخر وأتوحد به وجدانيا، فإنني أشعر بذلك تحديدا لوعيي بأنها آلامه هو، وذلك الذي يقع في فئة الآخر، أما رد فعلي في هذه الحالة فليس صرخة ألم-بل كلمة مواساة أو مدًا ليد العون ". إن ميراث إنسانية الأمير عبد القادر ومونسيينور ديبيش في ليل الاستعمار تبين متطلبات التجديد الثقافي والحضاري بوصفها الضرورة اللازمة لكل انفتاح إنساني على مكاسب لا مفر من استيعابها، خاصة وأن تاريخ الأنا والآخر –الأمير وديبيش- ليس من صنعهما في تقطعاته المختلفة، وهو يقدم شهادة القسري في تاريخهما، ثم أن علاقتهما بالعالم لا يمكن أن تتطور دون بلوغ عتبة الإدراك الجديد للعالم-مابعد الكولونيالية- بوصفه عالما محكوما برؤية جديدة، ومحددة للتاريخ، للزمان والفكر والطبيعة الإنسانية داخل التاريخ الجديد والزمن الثقافي الجديد وبالتالي فالرواية عند واسيني الأعرج ليست"تعبيرا عن وعي شخص واحد، بل إضاءة لوعي مختلف لشخص ثان وتثمينا لهذا الوعي من خلال عيني الأول الذي يرى فيه آخرا ". وبالتالي فإن مواجهة ثقافة ما بعد الكولونيالية عند أي شعب من الشعوب في إفريقيا، أو أمريكا اللآتينية أو شعوب آسيا، هي فعل معرفي متوازن ومسؤول وواع له أدواته وآلياته الخاصة القادرة على ممارسة الكشف والهدم والبناء. وفعل الانجاز يشكل معادلة حداثية في العالم الجديد، متواصل ومتداخل ومنفتح بعناصر الثراء التفاعلي بين هذه الشعوب والآخر في زمن ماضي. في ضوء هذا المعطى، فإن تجربة واسيني الأعرج تكون قد أفضت إلى امتلاك نقدي تاريخي للذات من جهة وللآخر. فقراءته أسست وكشفت بنى الانفتاح في المنظومة المعرفية والثقافية الجزائرية وصولا إلى تشييد فلسفة الإنية الجزائرية عبر امتلاكها النقدي الذي يحفر تحت أرض الواقع "إننا على حافة عالم في طريقه إلى الزوال (...) ولا خيار لنا إلا أن نفهم وننسجم مع ظروفه أو نظل نغني ولا أحد يسمع أصواتنا إلا الذين نريهم الهزائم انتصارات دائمة، وأن الجهاد لا معنى له إذ لم يضمن حدا أدنى من غريزة البقاء، ليس للأفراد فقط ولكن للأرض والتراب " إن القدرة على تعرية الذات، هو استراتجية النقد الذاتي في اكتساب فلسفة الحداثة لما ننتجه معرفيا، وأن الامتلاك النقدي التاريخي لعري المشروع التنويري الحداثي لما انتجه الآخر، الأكثر تقدما علميا وعسكريا، هو علاقة وطيدة بتداخلها العضوي والجدلي بين إشكالية الإنية والحداثة، بين طرفين تداخلا في المشروع النهضوي الإنساني وطويا صفحة الماضي. إن بيان واسيني الأعرج في رواية –كتاب الأمير- يقدم أخيرا وليس آخر منظورا إبداعيا للثقافة التاريخية الجزائرية والفرنسية بعيدا عن القراءات الإيديولوجية والسياسية لما بعد الكولونيالية بوصفها ثقافة عالمة تعيد قراءة وانتاج التاريخ الوطني والإنساني بما تملي به فعاليات الفكر واللغة العالمة وعقلانيتها المؤسسة، وقد تجاوزت التاريخ الكلاسيكي –تاريخ أي سلطة -عبر منهج وأفق معرفي يمنح عناصره وفعاليته من ثقافة الإبداع القادرة على مواجهة وكشف العناصر النقيضة لحركيتها وصيرورتها في بناء جبهة للخروج من التبعية للقيم الزائفة والوعي الزائف. وهذا ما يحيل في الوقت ذاته على أن "التجديد مرهون بتحولات أعمق في التاريخ وفي المجتمع، إلا أن التفكير المتعمق في ضرورة أصول هذا التجديد يجعلنا نفكر في حدود هذا الإشكال في علاقته بمجتمعنا – ومجتمع الآخر ومستقبلهما- " ومن ثمة، أليس الرواية والتاريخية الجديدة، والاستقلال في معرفة القراءة وقراءة المعرفة هي مطالب كونية بلا حدود للفرد الجزائري والفرنسي؟ فلكل له نصيب من الحوار الثقافي يؤمن به بتوجه عالمي وعولمي للثقافة دون اقصاء للإختلاف، الأمر الذي يتيح لنا وله مشروعية المساهمة في الحوار الحضاري الإنساني الذي تطمح إلى تحقيقه الشعوب وامتلاكه من أجل اغناء فلسفته التاريخية الجديدة.