Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

أقدر أن عنف الكلمات، في تجليه النصي، يعود إلى ظهور الكتب المقدسة عند التوحيديين، وإلى كتب العقائد الأخرى عند غيرهم؛ لأنها نصوص في لغتها وفي بنائها وفي مضمونها وفي أونطولوجياها نقضت السائد وتأسست كمراجع بديلة، بعد انتصار ثوراتها.

فإن القرآن، آخر تلك النصوص المقدسة، أبرز دلالة على العنف الذي انشحنا به مقابل لغة قريش المسيطرة ولغة الشعر السائدة فتأسس فوقهما ليس كقيمة بديلة فحسب، ولكن كمعيار للغة أي نص لاحق. ينبغي القول هنا إن القرآن، كنص لغوي مرجعي، ولّد نصوصا كبرى في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.

فأي نص أدبي، بهذا التحديد، هو منبع عنف، من حيث كونه ظاهرة لغوية صادمة، ليس فقط للعوائد التي يستقر عليها الذوق زمنا معينا، ولكن للقيم التي تثبتها المراجع الدينية والتشريعية ويكرسها العرف والتي تسهر المؤسسات القائمة على صيانتها؛ بالقمع أحيانا.

ويكاد النص الأدبي، الروائي خاصة، لا ينكتب إلا في صدام صريح أو ضمني مع الثالوث المحرم المتأبد كعلامات طريق تمنع الكتابة، في العالم العربي عموما، من الخوض فيها. فكل مساس به يقع بالضرورة تحت طائلة العقوبة بالمنع أو بمحاولة القتل وفي ألين المواقف بالتشهير بالردة والتكفير وبالعمالة.

فتاريخ الظاهرة متجذر في رد فعل تلك المؤسسات العنيف تجاه الشعراء والكتاب والمتصوفة والفلاسفة (بشار بن برد، ابن المقفع، السهروردي، الحلاج، ابن رشد... مرورا بهم إلى غيرهم في الزمن الحديث والمعاصر)، كما الأنبياء أصحاب الرسالات أنفسهم فيما لاقوه من عسف.

من هنا، وغير ما مرة، سوغت لنفسي إيجاد علاقة رفيعة الخيط بين الكاتب (شاعرا وناثرا) وبين النبي في تعبيرهما بتلك الطاقة اللغوية المحكمة النظم العالية على جميع مستويات اللغات الأخرى؛ فإن كانت لغة النبي تقبس في الروح شرارات

 

تضيء أبواب الغيب فإن لغة الكاتب تنقل إلى حال غياب عن الحاضر بإياب إلى ماضٍ أو برحيل إلى مستقبل وهمي؛ حتى ولو كانت لغة النبي من منبع مقدس وكانت لغة الآخر من منهل مدنس! 

غير أن النص الأدبي، يفرز عنفه خلال تشكله؛ لأن العنف ليس نية مسبقة يراد بها التطعيم أو التأثيث، ولأن النص بنية حية، فهو يتعرض لحالات من الإسقاطات العنيفة التي تمليها أحيانا المكبوتات والمرجآت ويستدعيها نسق النص نفسه لاستكمال جماليته.

لكنْ، غالبا ما تضعف يقظة الكاتب فتتسرب الرقابة الذاتية لتحرم النص من الظهور بكامل أيقوناته؛ وحتى في حالات وعي الكاتب خطورة الرقابة الذاتية فهو مضطر لخوض صراع محتدم حول التنازلات التي يجبر نصه على تقديمها للناشر وللقراء وللديني والسياسي، فيما النص يبغي لباسه بكامل ألوان صوره.

لست مقتنعا تماما بأن تلبيس النص بأي نوع من أنواع العنف ـ الجنسي خاصة ـ، قصد إحداث الرَّدة التي تحقق غرضا غير أدبي وفني كالتلهف على الشهرة، هو ما يصبغ على ذلك النص طبيعته العنيفة. فعنف النص حركية جمالية داخلية ترتفع أحيانا إلى درجة التأثير التطهري لدى القارئ؛ بغض النظر عن عملية الهدم التي تحدثها في نسق الذوق المستتب بإحداث لذة مغايرة. 

من ثمة، يُنتظر من النص الأدبي أن يكون عنيفا غير مهادن تجاه الركاكة والمحاكاة والنمطية، عنيفا في معركته مع الرقابة الذاتية حول ما يمكن لي أن أعتبره خيانة في حق الكتابة حين يتخلى الكاتب عن فضاءات البياض التي كان لا بد أن تسكنها الكلمات التي تقول المسكوت عنه.

فإنما تحدث الخيانة غالبا لانسداد المخرج اللغوي بواسطة كلمات معجمية وتراكيب ومجازات يتطلبها تمرير مشهد ما من المشاهد الإيروتيكية، مثلا، دون أن يتم الشعور بأن ذلك استفزاز؛ بل لأن السياق السردي فرضه ولأن الكاتب نفسه، كما يظهر من نصه كله، في غنى تام عن الاستمالة.

فكثير من الفقهاء وغيرهم، كما الجاحظ في بعض رسائله الأدبية، والشيخ النفزاوي في كتابيه الصغيرين: الروض العاطر في نزهة الخاطر، الإيضاح في علم النكاح، تبدو نصوصهم عنيفة جدا في صدم نوع من الأخلاقية وخدش برنيق الحياء الظاهر في غير محله، وبرغم ذلك عرفت الرواج ولا تزال، من غير اعتراض أو شجب؛ لأن مؤلفيها تكرسوا كمؤسسات قائمة بذاتها وقد صاروا في غنى عن أي إشهار لهم بواسطة أي تحرش على أي قيمة. وفوق ذلك، وهو الأهم، فهم بنصوصهم يصيبون عطش المشاعر وجوعها؛ تلك المخبأة خلف ستائر الحشمة والحياء والورع منتظرة لحظة الإثارة لتنفجر شهوة.

كذلك، فإن عنف النص يتمظهر أحيانا في سطوته، اللغوية أو البنائية أو هما معا، على القارئ الذي لا يجد بالسهولة المنتظرة مفاتيح دخوله؛ أي اختراقه لكشف أسرار انكتابه، فإنما السر هو أن يتوصل القارئ إلى سلوك أثر الكاتب نفسه في تشييد عمارة نصه، إن لم تكن متاهته.

لعل القارئ هنا هو الباحث: هذا الاستكشافي الذي، مهما تكن عدته من الآليات المسبقة التحضير، يجد نفسه أمام النص العنيف بخيارين: إما التخلي أو المواجهة بآليات على درجة عنف النص نفسها.

لكنْ، ها هو الباحث نفسه يمارس الرقابة الذاتية على بعض نتائج بحثه؛ ولعل الباحث باللغة العربية، في العالم العربي عامة، هو المجبَر على ذلك لأنه تحت ضغط هاجس العنف الذي قد يطاله إن لامست أبحاثه المحظور.

وها هي كثير من المعاهد الجامعية، في اللغة والأدب، تجد نفسها لا تقترب من بعض النصوص الأدبية، خضوعا لإكراهات على منع تداولها؛ لعنفها الذي يخدش "الحياء" المسدل بين الطلبة وبين الأساتذة والذي لا يقبل تسمية الأشياء بأسمائها؛ عجزا في إيجاد بدائل مجازية وإحالات على نصوص أكثر عنفا في تسمية الأشياء حين يفرض السياق ذلك، ولتمردها غالبا على مقاييس المقاربة المعيارية الخاضعة لمرجعية نقدية كثيرا ما تتخذ متكأ لتجنب مشقة البحث في الجديد؛ لأن كل جديد عنيف بشكل ما!