Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

يحاول الكاتب أن يعيش الحياة بمبادئها وبوضوحها و غموضها، قد يفهمها أحيانا أو يحاول ذلك توهما منه بإمكانية تغيير التاريخ، فيسائل هذا الوجود ويسائل نفسه .ثم يسعى إلى لملمة أجزاء الماضي لتتبع الحاضر من خلال قراءاته و كتاباته. ويصبح هذا الكاتب عبر الفن قادرا أن يتحسس بشكل نسبي ما لم يكن يتحسسه أو ربما ما لم يتحسسه أبدا في حياته الشخصية.

رشيد بوجدرة من الحالات الفنية و الجمالية التي التصقت بالجزائر تاريخا قبل و بعد الاستقلال، و أحداث 1988 الأخيرة التي يؤرخ لها بأنها بداية فترة العنف في الجزائر يقاربها لنا الكاتب من خلال رواية "فوضى الأشياء" هذه الرواية التي نشرت في دار بوشان للنشر سنة 1990. و اختيار الروائي لمادة عمله لم يحدث مصادفة بل نعتقد انه وجد نفسه مندفعا بشعور جارف إزاء هذا الموضوع الذي حدده لنفسه وانطلاقا من ذلك أصبحت كل المواضيع الأخرى عديمة الأهمية.

وكما يبدو فإن عنوان الرواية مطلق يشتمل على دلالات متعددة، يفهم منها القارئ أن الأمور و الأشياء التي يدور محورها في الرواية لا ترتكز على قوانين ثابتة ولا تتحكم فيها نواميس الحياة الخاضعة للثبات و الاستقرار، و إنما القانون الوحيد هو قانون الفوضى لا غير شاء من شاء و كره من كره.هذا العنوان الذي يختصر مضمون الرواية بل يلازم أحداث و شخصيات العمل يبدو منسجما بذلك مع الحدث التاريخي و الأيديولوجي المتمثل في أحداث 10 أكتوبر 1988، هو تاريخ يؤرخ ويؤسس للفوضى و لما بعد الفوضى، فوضى المبادئ المزيفة و المشاعر المتناقضة قبل أن تكون فوضى لبنى اجتماعية تشكل فيها العنف كبداية لمرحلة لا يفهم لها الإنسان أسبابا ولا يرجو منها خيرا، و لا نملك حينذاك لأنفسنا إلا الهروب من ذواتنا و من صورتنا الحقيقية و من المدينة التي خربها الدمار و سكن فيها الموت واستوطنها اليأس و القنوط فالعنوان إذن متعدد الدلالات لكنه على الرغم من ذلك يصب في مجرى الرواية ويلخصها (إذ لا يمكننا تصور أن نعثر بعد تفحصنا للعمل على قصة عاطفية أوبوليسية بل نعثر على صياغة مثل " المدينة –إذن- تحولت في أيام إلى كتلة، إلى إرهاصة فوضوية)[1].

يجدر الإقرار أن كل شيئ مهم يتموقع في الحدث القصصي بين بداية و نهاية الرواية، فالطرح الأساسي عن لقاء لا بد منه بين الحقيقة و اللاحقيقة، بين الماضي والحاضر، بين عالمين متقاربين، متباعدين في الوقت نفسه، متشابكين ومتنافرين كذلك، بين توأمين من ورق (البطل و الأخ) تتجاذبهما قوى خفية في اتجاهين متوازيين، هما شخصيتان تتصرفان من قطبين متناقضين، فمنذ اللحظات الأولى يكشف لنا الكاتب عن علاقة غريبة تحركها الذكريات، هي علاقة تكتنفها مشاعر متناقضة من الغضب و الرأفة، من اللوم و العتاب المتبادل، و لكن اللقاء جاء في غير موعده في زمن لا يناسب، في مرحلة لم يعد الفرد يفهم نفسه فكيف باستطاعته أن يفهم الآخر، وليس بعيدا عن الصواب أن نتصور هذا الأخ صاحب المعطف الصوفي الخشن كوجه ثاني للبطل أو شخصية خفية له أو جانب مظلم يكرهه لماضيه الذي يأبى نسيانه ويكره فيه ذلك المعطف الصوفي الملتصق به من أوائل الخريف حتى هبوب الرياح الأولى الحارة (من سبتمبر حتى أواخر مارس) سبعة أشهر كاملة، فصلين كاملين خريف وشتاء إذن يلازمه المعطف (هو أخي التوأم ذلك الشيء الذي هو أنا و ليس أنا، ذلك الجزء الآخر من ذاتي) ص89. إن في حياتنا أولويات، فحينما نحيا وسط الحريق، لا نفكر إطلاقا في معاتبة أقرب الأشخاص إلى قلوبنا بل نسارع إلى إطفاء الحريق والحريق هنا هو نهر من العنف.

و بين مرارة الحاضر و قساوة الماضي يعلمنا سارد القصة أن الكتابة كانت الوسيلة التي مكنته من إيصال ذكريات الماضي و حزن الحاضر لما هو كائن" فها أناذا أضطلع في مكتبي في المستشفى... و أشعر و أنا أكتب، لا أتوقف مخربشا على بعض الصفحات و الأوراق" ص271 إذن هي كتابة مذكرات تنشد البحث عن السكينة والطمأنينة و لكن هيهات مع استمرار العنف.

نسجل عن غلاف الكتاب أن الرواية تسرد العلاقة الصاخبة بين شقيقين توأمين، يترصد كل واحد منهما الأشياء و الأحداث و الأشخاص بمنظوره الخاص وحسه المغاير، و لكن الحقيقة مخالفة تماما، فمضمون الرواية لا يحمل إلا منظورا واحدا هو منظور السارد (الطبيب الجراح) و هو منظور من الخارج و سبب ذلك أنه يصف ما يشاهده أو يسمعه دون التمكن من التغلغل إلى وعي الشخصيات، فالقارئ يجده يقف على عالم يتحرك بوجوده و تبعث فيه الحياة بحضوره ثم تتوقف هذه الحياة بزمانها و مكانها و شخصياتها بفعل الغياب وعدم الحضور (ونقف هنا على ما يسميه جرار جينت « homodiégétique » أي حضور السارد كشخصية فاعلة في العمل الأدبي)[2].

و ما ميز الرواية منذ الوهلة الأولى، افتقاد البطل لاسم شخصي، و كأن الروائي أراده أن يكون أي إنسان، أو أراد أن يقاربه من البطل اللابطولي الذي أصبح من أهم العلامات المميزة للرواية الجديدة، التي استقت تقنياتها من المدرسة الأمريكية، هذه المدرسة التي فجرت فكرة الزمان و المكان.أو يمثل مرحلة تتسم هي أيضا باللابطولة أو يمثل الإنسان العادي، فهو أي إنسان وكل إنسان في آن واحد.

يتحرك البطل في رواية "فوضى الأشياء" ضمن نطاق حلقة متصلة، تعيده دوما إلى نقطة البداية، هي حركة حددها لوكاش بمقولته المشهورة " انتهى الطريق، و بدأت الرحلة "فهو ينطلق من أحداث أكتوبر 88 وينتهي إليها، دون أن يتحرر من آلام الحاضر أو عذابات الماضي، و دون التمكن من العثور لا داخليا و لا موضوعيا على الرضا النفسي أو الحياتي أو الروحي في مختلف نشاطاته، مقتربا بذلك من البطل الأسطوري سيزيف فرغم ما يميزه من ثقافة وعلم (طبيب جراح و كاتب) مثيرا في القارئ مشاعر التأييد و المعاضدة إلا أنه يعجز عن تجاوز محنه السابقة ويفشل في مواجهة الواقع بعنفه و زيفه وتناقضاته فالبطل سلبي إلى حد ما، لسبب بسيط يكمن في كون القيم التي تتحكم فيه ضمنية، في حين أن الشخصيات في مقابل هذه القيم لها طابع إيجابي و سلبي في آن واحد. و لكن كيف يواجه الواقع و هل يمكن أن تكون السلبية التي لمسناها فيه شكلاً من أشكال المواجهة ؟ يظهر هذا الطبيب الجراح دناءة المرحلة التي يعيشها والمرحلة السابقة لها و الإكراهات الخسيسة التي صبغتهما، وهذا ما يجعلنا نحكم على الشخصيات أنها بعيدة عن الانفتاح والتطور بل هي جامدة و كأنها هياكل بشرية تم حشوها بصفات محددة مع الحفاظ عليها وعلى ثباتها طوال الرواية، فلا وجود لعنصر المفاجأة، فالشخصيات تمضي طوال الرحلة الكتابية دون أن تتحرر من قلم الكاتب وكأنها سجنت بقرار منه في إطار كذاك الذي يحيط بالصور الفوتوغرافية فرغم أن علاقته مع والدته كانت العلاقة الوحيدة التي لمسنا فيها مشاعر الحب و الحنان و الإنسانية بصدق و واقعية من خلال دفاعه عنها إلا أننا لا نفهم غيابه عن جنازتها و لم نقتنع لمبرراته في ذلك، أما باقي الشخصيات الأخرى سواء الأب أو الأخ أو العم أو الضابط في الجيش فجميعها غائبة و مكروهة في حاضر وماضي البطل.

من الأشكال الفنية الأخرى المؤسسة للنص هناك الأزمنة المتعددة المتعلقة بهذه الرواية، فالزمن الخارجي زمن الكتابة نحدده بين أكتوبر 88 و سنة نشر الرواية.أما الزمن الداخلي، فيستهل أولا بمدة الرواية إذ لا تستغرق يوما واحدا (تنقل البطل بين الشارع و المستشفى و أخيرا البنك)

أما عن ترتيب الأحداث، فما يطغى على رواية "فوضى الأشياء" فهو نوع من الهلوسة العام يحاكي الواقع النفسي و السياسي الذي يعاصره البطل (السارد) و لذا نجد أن النص حافل بتكنيك الارتداد إلى الماضي و الانحرافات عن سير الخط القصصي الرئيسي و هذا كله يضفي على النص طابع التفكك، كما أن الرواية لا تعتمد على ذلك التسلسل القائم على الفعل و رد الفعل، بل تتوالى الأحداث وتتزاحم دون اعتبار للزمن التسلسلي، بحيث يفرض على القارئ إعادة ترتيب الأمور و بناء الرواية من جديد مرتبا الأحداث و رابطا إياها بالتواريخ، حتى يتسنى له الوصول إلى منطق الأشياء و ليس فوضى الأشياء.وكل ذلك يستدعي من القارئ أن يستجمع قواه الروحية و إدراكاته العقلية لتمثل البناء النهائي للفكرة الأولى. فهي رواية صعبة القراءة إلى حد ما لأنها تخرج عن المألوف رؤية ونصا و توتر القارئ الذي ظل يتعامل مع نصوص جاهزة القوالب تتجنب تفكيك بنيات و أساسيات الرواية. و يبدو أن نظرة الروائي للزمن يغمرها تلميح باليأس و التشاؤم و اللامعقولية، زينت بطابع لامبال و باطل.

قسمت الرواية إلى فصول ثلاثة وضع على رأس كل فصل تاريخ شخصي أو وطني، من الحاضر و الماضي

الفصل الأول:10/10/88

الفصل الثاني:11/02/56

الفصل الثالث:11/02/57

من المتفق عليه أن الزمن جزء من الرواية لا يمكن أن يفصل عن الشخصيات أوالمكان فهي عناصر متشابكة متداخلة، و الملاحظ أن رشيد بوجدرة ركز على تقنية التنقلات الزمنية، و لا يمكن تجاهل ما لهذه التقنية من أهمية، فهي تمنح القارئ التوهم القاطع بالحقيقة كما لمح موباسان، حيث الماضي يمثل الحاضر بالنسبة للشخصيات وبالنسبة للقارئ.

(كان هذا المقهى لثلاثين عاما مضت قد تحطم تحطيما هائلا بتفجير قنبلة ضارية ناسفة، أما الآن فقد أحرق من جديد و دمر شر تدمير فتحول إلى ركام حجرا وحديدا و خشبا) ص11

كان لابد للروائي أن يدخل القارئ إلى ذلك العالم المجهول، فحشد لأجل ذلك تفاصيل عن المكان حتى يثبت قدما لشخصياته و أخرى لقرائه، فالإطار العام لفوضى الأشياء ساحة صغيرة في وسط المدينة، زرع في منتصفها تمثال ضخم لأحد أبطال المقاومة الوطنية ممتطيا فرسه، مشهرا سيفه (القارئ الجزائري لن يجد صعوبة في التعرف على صاحب ذاك التمثال، فكل الساحات الجزائرية تتكرر وتتناسخ وتتشابه في هندستها وفي اختياراتها لهذا الرمز- هو الأمير عبد القادر)

(إذن هو تمثال استبدل بآخر منذ ثلاثين سنة لجنرالا فرنسيا يرتدي زيا عسكريا وقبعة عسكرية...) ص11، فالمكان الحاضر لا ينفصل عن المكان الماضي، فهو منسوخ في ذاكرة الشخصية، و مخزون فيها تستدعيه اللحظة الحاضرة دون ترتيب، بتقنية الاسترجاع الخارجي.

من المؤكد الذي لاشك فيه أن وصف المكان عند رشيد بوجدرة أشبه بالتصوير السينمائي، فمشهد المدينة يشكل في مخيلته صورة بمنظور متكامل الأبعاد ثم يستحضر ما يقابله أو يماثله من مخزون الذاكرة (المقهى و المدينة قديما وحديثا).

أما مستويات الأمكنة، فيتم تسليط الضوء على بعضها (المدينة، المستشفى) فتبرز، في حين تختفي أخرى إذ نجهل تماما عن زوجته و بقية إخوته (البيت، المدرسة) فتوصف المدينة مثلا بالخراب و تشبه باللعبة ويتهمها الكاتب بامتلاك موهبة العنف منذ الأزل فلم يؤرخ لها كتاب التاريخ و المؤرخون أبدا عن هدوئها بل تتوالى فيها الثورات والانقلابات ص38/39.

إن توصيف الأشياء لا يقل أهمية عن العملية السردية، فكما ذكر جنيت من السهل أن نصف دون حكي من أن نسرد دون توصيف (فالأشياء موجودة دون حركة و لكن لا وجود لحركة دون أشياء)[3] فحين يوصف العساكر يبرز ظاهر و باطن الصورة (ظاهرهم هجومي يحمل مسحة اللامبالاة المصطنعة و باطنهم يحمل الخشية والفزع والارتعاش) ص16 وبذلك نجده يحترم قاعدة أساسية من قواعد العملية السردية وهي قاعدة الكائن و الظاهر عند تودوروف، فكل حدث لا يعكس حقيقته، إن ظاهر الشيء لا يلتقي مع العمق أو الجوهر بل يتوصل إليه بالتتبع والتبحر[4]، فالكاتب وهو يتحدث عن الثورة يزيح ذلك الملمح المثالي عنها و عن رجالها كرموز للطهر و العفة والقداسة ص203 فالبطل يتعرض أثناء تواجده إلى اغتصاب من ضابط بعيد في أقواله و أفعاله عن الحقيقة (كان قبل ذلك الوقت يفرك حبات مسبحته بين أصابعه ويلقي الخطب الحماسية) و تتحول الثورة في منظوره إلى فرصة عند البعض لتصفية الحسابات لأنها و ببساطة كما يقول (الثورة هي كل هذه الأمور، كذلك لا ننسى أن من صنعها هم بشر بسيئاتهم و خصالهم (ص180/184) وهذه القاعدة أي التباعد بين الحقيقة و اللاحقيقة أو بين الظاهر والجوهر هي التي أسس لها جورج لوكاش سابقا ضمن مبادئه المحددة لدرجة الواقعية عند قوته، توماس مان و بلزاك.

و يمكن أن نضيف أن من التقنيات التي اعتمدها رشيد بوجدرة التشابك القصصي أو التداخل l’enchâssement، فهو يقحم قصة العامل الشيوعي مع قصته الخاصة رغم انعدام الصلة (ذلك الرجل المولود في 12 جوان 1926 بالجزائر العاصمة، العامل في شركة الكهرباء و الغاز المنخرط في الحزب الشيوعي منذ عام 1946 و المعدوم بالمقصلة في 11 فيفري 1957 في باربروس) ص38 و من الصدف المستخدمة يلتقي اسم الأم (بايا) مع اسم زوجة هذا العامل( بيا) اختصار لبياتريس.ص50

ولأن رؤية الكاتب يطبعها اليأس المرير و الاستبشاع الشامل للواقع و للبشر ولأنه ضاق ذرعا بالمجتمع الجزائري الذي يلبس الباطل و الظلم لباس الحق، ولأن سلسلة الإهانات و التفاهات متواصلة ولأنها لا تطرح إلا العنف، يتفاوت العنف في الرواية بين عنف جسدي و عنف معنوي نفسي وعكس ما كان منتظرا على الأقل مني شخصيا، فإن العنف النفسي أكثر حضورا في الرواية من العنف الجسدي نصا وكتابة و هو عنف يمارسه الذكر على المرأة و الطفل و يتكرر فيه الفاعل نفسه (الأب).

عنف نفسي : تتوالد فيه الأسباب من النتائج بل وتتداخل في نسيج متماسك وتستحضره الذاكرة من الماضي حتى أننا كقراء يصعب علينا تحديد أولية السبب من ثانوية النتيجة واستخراجنا لها سيجعلها بالشكل التالي:

اتهام الأم بجريمة الزنا و تأثير هذه الصدمة عليها و على الأبناء (السبب تردد الأم على دجال في بيته لإرجاع الزوج المزواج) ص142

الغياب المتكرر للأب (السبب هواية السفر إلى المدن الإفريقية و الأسياوية (ص183

عدم الشعور بحنان الوالد(السبب البطاقات البريدية الفارغة إلا من التاريخ والمدينة طهران 12/3/1923)

الزواج المتكرر للأب و إهمال الزوجة و الأولاد (النتيجة قراءة الكتب الماجنة، انتحار أحد الإخوة)

عنف جسدي: يتفاوت بين عنف تستدعيه الذاكرة و عنف راهن، وغالبا ما يكون هذا العنف لا يحمل أسبابا واضحة و لا يشغل الروائي نفسه لتحديدها أو البحث عنها لسبب بسيط أنها متعلقة بالقدر أو بقوة تفوق قدرات الشخصيات.

محاولة اغتصابه من ضابط أحدب (يجهل سبب اختيار البطل دون غيره)

مقتل العمة فاطمة (المربية) في حادث شنيع (القدر و الأجل المحتوم)

اللقاء مع الأخ التوأم و العم حسين (القدر أو الصدفة كوجهين لعملة واحدة).

أحداث 10 أكتوبر 88 و حالة الفوضى في البلاد (قوة خفية تفوق قدرات الشخصيات الروائية).

المشاهدة اليومية للجرحى و الموتى (القدر الذي جعله يلتقي بهؤلاء بحكم وظيفته).

 وإذا انتقلنا إلى ملمح جديد في رواية "فوضى الأشياء" تنبهنا إلى السرد الإعادي (التكرار) فهو يمثل علامة بارزة في تلك الرواية من خلال إعادة نسخية لمقاطع سردية كما وردت أول مرة أو إعادة المعنى أو إعادة سرد الحدث و قد تناول كل من تودوروف و جرار جينت هذه التقنية، إذ مارسها روب غريي[5]. و حينما سئل رشيد بوجدرة عنها اعتبر نفسه من روادها الأوائل[6].

 وقد وقف الكثير من النقاد بين موافق و رافض لها، فها هو الناقد الروائي العراقي "عبد الرحمان مجيد الربيعي يذكر أنها زوائد لا خير فيها"، أما الناقد المغربي سعيد يقطين فيفضل أن يطلق عليها مصطلح التفاعل النصي الداخلي.

لكننا نعتقد أن السرد الإعادي كان أشبه بتحرر أو تنفيس عاطفي للكاتب، فكأن البوح بالذكريات و المشاعر مرة واحدة لا يخلصنا من حمل الماضي، بل لا بد أن تجد أفكارنا و مشاعرنا الأكثر تناقضا فرصا أخرى للخروج، و في العمل نعثر على التكرار في:

اللقاء الأول مع صاحب المعطف في صفحات الأولى ثم 48- 74 -260

حادثة اتهام الأم بالزنا في الصفحات142-152-298-299

أما عن الروائي فالإجابة نعثر عليها في العمل نفسه (لأن التكرار و الاستطراد والتماثل و التشابه و التذاكر و كل هذه الأمور إنما هي أساسية و ركيزة السرد والكلام و مبدأ و منطق الحياة بتفاصيلها وجزئياتها و تراكم تفاهاتها وتناقضاتها أي مبدأ الحياة كزخم فوضاوي و منطقي في نفس الوقت) ص174.

و يؤكد مرة أخرى على تكرار وتيرة الأيام و سريان مجرى الحياة (كانت أمي-إذن-تقضي حياتها كلها داخل هذا الإطار المغلق غلقا محكما بتكراريتها اليومية وتراصف أيامها المتكررة و تكرار لياليها المتتالية و تعاقب روزنامة أعيادها وأعراسها و مآتمها و ولادتها المتواترة) ص275 فهي حالة نفسية حولت كل مفرح أو محزن إلى تكرار لا يحمل معنى في ذاته، و إذا كانت الحياة تكرارا فلماذا لا تكون الكتابة كذلك.، أليس هو القائل أن الكاتب الحقيقي لا يكتب إلا رواية واحدة وبعد ذلك يكرر نفسه6.

و يجدر الإشارة أن الاطلاع على القرآن الكريم يمكننا من العثور على ظاهرة الآيات المكررة، هذه الظاهرة التي اهتمت بها الدراسات القرآنية معتبرة أن التكرار في السور ليس مجرد حلية لفظية، و لا مجرد قيمة عابرة و لكنه جاء لتحقيق هندسة متكاملة شاءها المولى عز و جل بحكمته (كتكرار قصة آدم في القرآن سبع مرات).

يبدو واضحا لدرجة كفاية في الأخير أن البطل و لأنه مستغرق في ذكرياته التي عكسها الواقع السابق في مخيلته، و لأنه كاره للواقع الراهن، نلفيه يستدير نحو ذاته ونحو تلك العائلة التي أسست لوجوده، فالبطل (الطبيب الجراح) كاره، ساخط على ذلك الأخ و على جميع الذكور ممثلين في الأب و العم والضابط، مستسلم لمأساته ولمأساة وطنه، سلبي في أفعاله و تحركاته، لا يقنعنا كفاية كقراء، إذ لا يقدم البديل ولا يقترح الحلول فهو عاجز كعجزنا تماما، ولا يختلف عنا و لا يفتح أمامنا آفاقا مستقبلية لما هو أفضل، بل هي متاهات متتالية متتابعة لانهاية لها و لا يعتقد أن تكون لها نهاية سجن فيها الكاتب، فالذكريات ستطارده باستمرار و الوطن سيواصل في فوضويته ما دام البديل غائب

 

[1] بوجدرة، رشيد، فوضى الأشياء، دار بوشان، 90، ص.14

[2] Méthode du commentaire stylistique, Calas/Charbonneau, éd Nathan, 2002, p.73.

[3] L’analyse structurale du récit, éd Seuil, 81, Genette, Gerard, Frontieres du récit, p. 162.

[4] L’analyse structurale du récit, éd Seuil, 81, Todorov, Les catégories du récit littéraire, pp.139-140.

[5] Genette, Gerard, Figures 2, Paris, Seuil, pp. 146-147

[6]مدونات مكتوب  المشرط  الموقع الرسمي للكاتب التونسي كمال الرياحيwww.arabgate.com/bib/form