Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

 

 

قطع النص السردي الجزائري أشواطا كبيرة باتجاه تجاوز نظام السرد الكلاسيكي، فقد بدأ الاشتغال على التقنيات السردية المعاصرة، و على اللغة أيضا حيث تحول النظر إلى اللغة باعتبارها وسيلة لنقل الأحداث إلى اعتبارها صانعا للسرد لا وسيلة لنقله، و لعل هذا الأمر كـان مـرده استـفحـال المـناهـج النقـدية المـعـاصرة و القضايا التي تطرحها فيما يتعلق بأدبية النصوص، فإذا كان الشكل قديما مجرد قالب نصب فيه المضمون، فإن الشكل ابتداء من جهود الشكلانيين الروس قد أصبح فاعلية نصية؛ حيث يكون المتحكم الأساسي في إنتاج هذه النصوص.

فجاء الشكل عندهم مخالفا لما كان عليه كطرف في ثنائية" الشكل و المضمون"، فقد أخذ "معنى جديدا، فلـم يـعـد غـشـاء و إنـمـا وحــدة (intégrité) ديناميكية وملموسة، لها معنى في ذاتها خارج أي عنصر إضافي"[1] و هذا الأمر يحيلنا على أهمية الشكل اللغوي ،باعتبار أن الأهم في النصوص الأدبية ليس الموضوع و إنما كيفية تشكيل هذا الموضوع.

نذكر هنا أيضا برأي "جون ريكاردو"(Jean. Ricardou) في مسألة الشكل والمحتوى ؛ إذ يقول إن :"المحتوى لا يصنع الشكل، بل إنه نتيجة له".

لذلك جاء مفهومه للقصة المتخيلة رهينا بما قاله سابقا، فهو يعتقد أن "القصة المتخيلة لا تستخدم الكتابة لتقدم رؤية للعالم، بل إنها تستعمل مفهوم العالم بأجهزته لكي تحصل على عالم خاضع لقوانين الكتابة النوعية".

أتت الشعرية بعد ذلك –باعتبارها النظرية التي تهتم بالبحث في السمات المميزة للنصوص ؛ إذ يرى تودوروف أن موضوع الشعرية "ليس العمل الأدبي في حد ذاته... فما تستنطقه هو خصائص هذا الخطاب النوعي الذي هو الخطاب الأدبي و كل عمل عندئذ لا يعتبر إلا تجليا لبنية محددة و عامة ليس العمل إلا إنجازا من إنجازاتها الممكنة و لكل ذلك فإن هذا العلم لا يعنى بالأدب الحقيقي بل بالأدب الممكن وبعبارة أخرى يعنى بتلك الخصائص المجردة التي تصنع فرادة الحدث الأدبي ؛ أي الأدبية"[2]، و إذا كانت الشعرية وفقا لهذا المفهوم تهتم بالصيغ الممكنة الماضية والحاضرة و المستقبلية للنصوص الأدبية فإنها أيضا تسعى وراء الأدبية، هذا المفهوم الذي اصطلحه جاكوبسون ليميز انطلاقا منه بين النصوص الأدبية و النصوص غير الأدبية.

و إذا خصصنا أكثر مجال حديثنا و حددناه في النصوص السردية فإننا نجد أن جيرار جينيت (Gérard Genette) يقول إن خصوصية السردي تمكن في صيغته وليس في محتواه الذي يتلاءم مع الشكل الدرامي أو مع غيره من الأشكال الفنية لذلك كان أرسطو يرى أن قصة أوديب لا تفقد مأساويتها، سواء قدمت في شكل محكي أو في شكل مشهد، و على هذا فالسردي لا يقدم إلا في شكل محكي[3] هذا يعني أن القصة لا تستقر في شكلها النهائي إلا عندما تعطى في صيغة معينة و في حالة النصوص السردية، هي المحكي (récit).

أما إذا انتقلنا إلى المقاربة السيميائية للنصوص فإننا سنواجه توجها أكثر عمقا في التعاطي مع أهمية البنية اللغوية للنصوص السردية ؛ حيث إن الإجراءات السيميائية تعمل على تحريك العلاقات القائمة بين المستوى السطحي و المستوى العميق لاكتشاف البـنيـة المنطـقيـة التي أسس عليها النص و هو ما يسميه غريماس (A.J.Greimas) بدراسة الدلالة المشكلنة ؛ أي أننا نبدأ من لغة النص كي نصل إلى تجلياته العميقة و المؤسسة له.

لذلك تعتبر السيميائية النص كلا دالا، و الكشف عن السيرورة الدلالية بداخله يتم عن طريق " وصف الأشكال الداخلية للدلالة أو التمفصلات المشكلة للعالم الدلالي المصغر"[4]

نستخلص من كل هذا أن اللغة لم تعد  وسيلة لتمرير القصة في النصوص السردية إنما أصبحت الشكل الأساسي لها لأن الشكل هنا هو ما يصنع مضمونه و محتواه  وهو ما يؤسس و يوجه دلالته أيضا.

إن لغة النص في هذه الحالة تعمل على تشفير عناصرها الداخلية و على تشفير القيم الأولية للنص و عند محاولة ولوج النص السردي بالتحليل يتوجب علينا فك التشفير اللغوي للوصول إلى القيم التي يرتكز عليها النص، و هذا ما سنعمل به أثناء تحليلنا لرواية " شرفات بحر الشمال"[5] للروائي الجزائري "واسيني الأعرج"

هذه الرواية التي تعتبر ضمن سلسلة الروايات التي كتبها الروائي في خضم سنوات الجمر في الجزائر، و يأتي تعييننا لهذه الرواية للبحث في نظامها السيميائي  و التدرج في تأويل أنساقها الداخلية انطلاقا مما تبوح به لغتها لأسباب كثيرة لعل أهمها :

-أننا لاحظنا أن لغتها تمارس لعبة الممكنات و لا تترك تفصيلا إلا كان ملغما  وهذا يعني أن الاشتغال على اللغة فيها كان بالغ الدقة، و يستدعي التركيز عليه  والبحث في مضمراته.

-أن هذه الرواية تملك أبعادا إستراتيجية تنطلق منها لتشكيل منطقها الخاص.

هذا ما جعلنا نقرر إعادة اكتشافها، لا من خلال منظور قارئ محب للرواية الجزائرية المعاصرة و لكن من منظور دارس يستفزه الفضول دائما لاكتشاف المغلق، لذلك هذه الدراسة ستعتمد على الإجراءات السيميائية لتحليل هذا النص السردي، في محاولة منها للاقتراب من عوالمه الخفية و قيمه الأولى و خصوصا فيما يتعلق بالنسيج اللغوي أو البنية اللغوية.

طبعا لن نأتي على ذكر كل إجراءات المقاربة السيميائية لأننا سنركز على أهم التقنيات التي تسهل علينا الولوج إلى المستوى العميق للنص السردي قيد الدراسة من جهة، و من جهة أخرى لأننا لن نركز على كل تفاصيل هذا النص لأن هذا الأمر يتجاوز حدود الحجم الممكن للمحاضرة و يحتاج إلى دراسة كاملة.

لذلك سنختار أهم المسارات التي سيكون لها دور في بناء المستوى العميق و سنتبع تشكلها الخطابي و مختلف التعالقات الموجودة بينها لنصل في الأخير إلى انفراج القيم الدلالية لهذا النص، و التي سنركز على تأويلها بعد ذلك لتوضيح إستراتيجية هذا النص.

. 1.المستوى الخطابي

يظهر لنا هذا المستوى عددا من الممثلين غير أننا سنأخذ أكثرهم أهمية و سنركز انطلاقا من ذلك على مساراتهم الصورية و تشكلات الفضاء و الزمان أيضا

 

أ. الممثلون

 تكمن أهمية الممثل في التحليل السيميائي لمستوى الخطاب في أن تتبعه يحيل على المسارات التي يتخذها تولد المعنى و تطوره داخل الخطاب من جهة و من جهة أخرى يظهر بطريقة براغماتية مغلفا للتمفصلات المنطقية الدلالية للنصوص.ف الممثل "وحدة معجمية من نمط إسمي مسجلة داخل الخطاب و قبلة للاستقبال في لحظة تجليها، استثمارات نحوية سردية للسطح و للدلالة الخطابية، و مضمونها الدلالي الخالص يبدو مكونا أساسا داخل حضور السيم (sème) الفردي، الذي يجعله يظهر كصورة مستقلة في العالم السيميائي، فالممثل يمكن أن يكون فرديا أو جماعيا أو تصويريا "[6]

إذا عدنا إلى المدونة التي نحن بصدد تحليلها فإننا نجد أن تمظهر الممثلين فيها مميز جدا، إنه يتشكل من صنفين، هما صنف فردي و آخر جماعي غير أن كل الممثلين الفرديين يتأطرون داخل تصنيف واحد في الممثل الجماعي هو " الأبرياء".

لعلنا هنا نبدأ بتقديم الممثلين حسب الصنفين هم:

أولا:المسارات الصورية للممثلين الفرديين

سنركز الحديث هنا على الممثل المحوري للخطاب الذي يشتغل فيه باعتباره راويا و مسيرا لظهور باقي الممثلين من جهة ومنظما لمدار العناصر السردية الأخرى من جهة ثانية و هو:

1. ياسين

يعطيه الخطاب بعض الصور الموضحة لملامحه داخل النص بالتدرج؛ حيث يبدأ طفلا لعائلة بسيطة، ثم يتدرج في الوقوع فريسة لليتم، ثم ينسحب نحو الغواية، ويسحبه رحيل من يحب بعد ذلك للفن (نحات)، و تورطه اللغة بعد ذلك في مفارقات كثيرة سنأتي على ذكرها بعد قليل.

سنذكر الآن بباقي الممثلين كي نبدأ التحليل بعد ذلك و هم :

- فتنة: يعطي لها المحكي الكثير من الصور منها، المهبولة أكبر من ياسين ب 20 سنة ،صاحبة الكمان و الفوطة الزرقاء/سحر الأصابع(تشكيل الغواية )

- زليخة: أخته، تعمل على صناعة الفخار أي تشكيل الطين (الحياة)، يمارس عليها المجتمع قهره و تتعرض للخيانة، التي تنتهي بها بعد ذلك إلى الموت

- حنين: تحضر في الخطاب شاعرة جزائرية، مقيمة في أمستردام، و إذاعية سابقة في الجزائر، و يعطيها الخطاب أيضا في نهاية النص السردي صورة بالغة الأهمية تحيل على بتر ثديها.

- نرجس:إذاعية و شاعرة، لا يركز الخطاب فيها إلا على صوتها فقط.

- عزيز: الأخ الأصغر، قتل في محطة قطار، كان يسعى للموت على ركبتي أمه، ولد بين موتين الأول وفاة والده عندما حملت به أمه و الثاني وفاة زليخة بعد ولادته.

- عمي غلام الله: معلم القرية / منشد لقرآنه الخاص/ قتل لهذا السبب

أما ما يتعلق بالممثل الجماعي فكان حاضرا في شكلين هما:

- القتلة: يمنحهم الخطاب صورة قهرية و دموية، لكنه أيضا يمنحهم الحرية و السلطة

- الأبرياء (الشعب) : تربطهم اللغة في هذا النص بمحدودية بالغة، و بسلبية أيضا.

ما نلاحظه داخل هذا النص أن الممثل (ياسين) يعمل داخل المحكي على استحضار باقي الممثلين انطلاقا من إستراتيجية مهمة يؤسس شقها الأول على سلطة الوهم و الاشتباه أما شقها الثاني فتحكمه سلطة أخرى هي الموت ؛ إذ نرى أن تشكيل مجموع النساء يُطرَح وفقا لثنائيات، يكون أول القطبين فيها حضورا واقعا في الذاكرة و يكون الثاني حضورا في الحاضر إلا أن الخطاب لا يبرزه إلا من وهم وجود تشابه بينه و بين القطب الأول، و هذه الثنائيات هي:

* فتنة/كليمونس:

تظهر فتنة داخل الخطاب من أول وهلة و لعلنا نتوقف قبل ذلك أمام اسمها أولا كمحاولة تأويلية فاختياره لكلمة فتنة لم يكن عبثا و اختياره لكونها عازفة كمان كان موفقا جدا.

إن كلمة (فتنة) في المتن اللغوي العربي تأخذ الكثير من المعاني لعلنا نركز على ما يلي:

يرى الأزهري أن الفتنة الابتلاء و الامتحان و الاختبار و مصدرها مأخوذ من  قولك فتنت الفضة و الذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد[7] كما يعطي ابن منظور لهذه الكلمة معان أخرى مثل الجنون، و الوله[8] لهذا يمكننا أن نعتبرعلاقته بفتنة كانت اختبارا لما يوجد بداخله، أي تعرية لحقيقة العلاقة بين ياسين (الفنان) و فتنة (الغواية) هذه العلاقة التي لا يمكن أن تتسم بالاستقرار، إنها محنته في اكتشاف الوهم و مساره الضارب في أعماق الفن؛ إنه النحت، أكثر الفنون التصاقا فعل الخلق، و إنتاج للحياة من صلب الموت.

أما كليمونس (رحمة) فكانت عازفة كمان أيضا ظهرت في حياة (ياسين) عند تخطيه عتبات الوطن إلى أمستردام

لا يمكننا هنا أن نفهم طبيعة هذه العلاقة إلا بتفعيل علاقة الممثلين بالعنصر الثالث المحوري ؛ أي ياسين، إذ تتحدد فتنة منذ البداية قادمة من أعماق الماضي"هذه المرأة ليست ذاكرة فقط و لكنها شتات كل الزمن الذي يرفض أن يموت"[9]، إننا هنا أمام سلطة الماضي الذي يرفض أن يموت، حتى لو تخطى الممثل حواجز الوطن.

 يمكننا أن نقول إن علاقته بها كانت قدرا حتميا أعيد فتحه على تساؤل كبير "ترى أي موعد ينتظرني اليوم ؟ موعد مع امرأة كانت تكبرني بأكثر من عشر سنوات... امرأة سرقت بعض راحتي و أوصلني غيابها إلى بوابات الجنون أم موعدي اليوم سيكون مع قبر معزول وسط كم من القبور التي لا تحمل الشواهد وأسماء ؟ أم مع البياض تصطدم أسئلته بالخوف، و كلما لمسته ازداد بياضا و نصاعة و تلاشيا"[10]

هذا التساؤل يفتح إمكانية إغلاق وهمه بجدوى البحث عنها أو الانغماس أكثر فيه، هذه المرأة التي جعلته يقبل على جنونها فلا ينفلت منه بعد ذلك "حب فتنة قد سحبني نحو العزلة"[11]، هي التي أعطته كل شيء دفعة واحدة ثم رحلت فجأة دون أن تترك أي أثر سوى اشتباها كبيرا بين انتحارها و رحيلها إلى أمستردام، هي التي أورثته كمانها و شيئا من جنونها أيضا.

فياسين لم يعرف فتنة إلا ليتعرف على الفن انتقل فيها من حالة الهدوء إلى التعرف بها التي قلبت له كل شيء و أدخلته إلى دافع الفن القوي الفتنة(الغواية) لذلك تأتي ثنائية ياسين /فتنة مقابلة لثنائية أخرى خفية هي : الفن/ الغواية، لكنه اصطدم باشتباه أحدث شرخا كبيرا بداخله، وهو  اشتباه لم يدعمه الخطاب طويلا في كون كليمونس هي الابنة التي وعدته بها فتنة قبل رحيلها " كليمونس لم تكن رحمة، التسمية ليست إلا ترجمة لأصل لا وجود له في ذاكرتي، لم تكن ابنتي.."[12]

و أنهى الخطاب على لسان الرواي مسارها حين أقر أن" فتنة مدينة أغلقت أبوابها و رمت أقفال السحر في مهاوي بحر الشمال"[13]

 و تطلب الخروج من مسارها و إنهاء الوهم، الدخول في علاقة مع ممثل آخر (حنين) التي نام فيها مع حنين ليلته الأخيرة في أمستردام.

*ثنائية نرجس /حنين

لقد أعطيت نرجس اسما يحمل أسطورة لعبادة الذات و حبها لذلك لا يظهرها الخطاب إلا مكسوة بهذه الأحادية إذا ظل هوسه بها أحادي الجانب و مقطوع الأفق.

أما حنين فاسمها يعيدنا إلى ما قاله بن منظور " فالحنين هو الشديد من البكاء و الطرب..و الشوق و توَقان النفس..الحنين يعني الشبه ففي المثل لا تعدم الناقة من أمها حنينا ؛ أي شبها"[14]

 و هذا الشبه يأتي من خلال سعيه وراء خيط نرجس ووهمه بتشابه صوتها مع صوت حنين، هذا الوهم الذي لم يوصله إلى نهاية واضحة "لم أعد بعد أسمع إلا قهقهات بقايا صوت كان يأتيني من أكثر من ثلاثين سنة"[15]

إلا أن حنين هي المسار الوحيد الذي جعله يغلق مسارات الوهم المتداخلة بينه وبين فتنة و نرجس فقد كانت عودة إلى واقع العطب و البتر الذي يلتصق بالفنان "اليوم الذي اكتشفت فيه نفسي امرأة بدون نهد تأكد للمرة الأخيرة أني لم أكن إلا رقما ضئيلا في حسابات الله، لقد سرق مني الحق الأول في الغواية "[16]

لذلك كان اتحادهما أمرا محتوما لانغلاق دهاليز السرد، فقد دفعه يقينه بضياع كل سبله إلى تثمينه لحظة الاتحاد بالحقيقة المتجسدة في  ممارسة الحب معها وتركه لها في الأخير ما كتبه من رسائله الألف لنرجس، وعلة هذا يكون قد ترك ميراث طفولته وكل مساعيه لحنين، أي لمسار آخر مجهول.

فنهاية التورط كانت لصيقة بفعل خروجه من غرفة حنين و بجملة أخته زليخة التي كان يكررها كثيرا في مواضع عدة من الخطاب "عندما تحب لا تحب بكلك، وإلا ستموت مغبونا خلي شوي ليك حتى تقدر توقف على رجليك"[17]، إنه إشعار بإمكانية انفتاح تورط آخر و مقولة زليخة هي ردع لهذا التورط.

علينا أن نحيل هنا على أن فعل البتر كان حاضرا على مدار تطور السرد فالنص يأتي على ذكر هذا الفعل بأوجه متعددة كانت بدايتها مع الفنان التشكيلي فان غوغ الذي نزع أذنه.

لذلك كانت علاقته بفتنة على الرغم من ارتباطه الشديد بها تحيله على إحساس بالبتر "أشعر بشيء مبتور، كيف تفتح فتنة كل هذه الفجوات عن آخرها دفعة واحدة، ثم تغلقها في وجهي كمن يصفع الأبواب في وجه إنسان لا يعرفه"[18].

و نجده يأتي من جديد في تمثال المرأة ذات الرأس المقطوع الذي يعبر عنده على حالة الخسران الدائمة  ففيه ثلاثة وجوه صنعت غياب الرأس فيقول :" فيه من روح امرأة لم أرها أبدا في حياتي.. و فيه من امرأة أحبتني ليلة واحدة بشكل جنوني، وعندما بحثت عنها لأحبها بدوري لم أجدها..و فيه من أختي التي علمتني كيف أكتشف سحر الأصابع و قدرتها على صناعة الدهشة "[19] فغياب ثلاثي نرجس بصمتها و فتنة برحيلها و زليخة بموتها شكل مرجعيته الأولى للفن، فالفن تعبير آخر على حالة الافتقاد و النقصان

كما يمكننا كذلك أن ننبه إلى أن كل من ياسين حنين نرجس و فتنة و زليخة يلتقون في قيمة واحدة هي الفن، أما الثلاثية الأخرى زليخة –عزيز-غلام الله فهي تحدد الجانب الآخر من علاقة الإنسان (الفنان) بالحياة و الموت، فقد كان أول فعل نحت قام به على قبر أخته زليخة، إنه نحت للحياة من جسد الموت "كان أول فعل نحت على صخرة ميتة أشعرني بقدارتي الباطنية"[20]

و موت عزيز كان فاتحا لشهية الكتابة عنده و فاتحا لأبواب الصمت و دهاليز المخاوف.

أما عزيز و غلام الله فلا يظهرهما المحكي إلا مرتبطين بكتلتي الممثل الجماعي ؛ الأبرياء و القتلة "لقد ذهب كل الذين أحبهم و انطفأوا واحدا واحدا و عاد القتلة إلى المدينة، يتسللون في الشوارع و يقفون عند مداخل العمارات كما كانوا يفعلون قبل عشر سنوات"[21]

إنهما نموذج للشعب في لعبة الموت و الدم، خرج من وطنه إما محمولا على الأكتاف ليوضع في القبر، أو منبوذا في المنفى.

*الزمن:

يتموضع هذا النص السردي  على مقولة الزمن كإطار كلي تنتظم فيه الأحداث  وتأخذ فيه الفضاءات أبعادها الكاملة و يتعالق فيه الممثلون كإطار عام للتقابلات، فالنص هنا يتأرجح بين الماضي و الحاضر، فما نلاحظه في رواية "شرفات بحر الشمال" أنها تمظهر كل عناصرها بالنظر إلى قطبين للزمن "الما قبل / المابعد" إنه داخل الذاكرة" كم أتمنى أن أغمض عينيا عن آخرهما و أجد نفسي خارج مرض الذاكرة "[22]

و مثال ذلك نجده في قول الراوي " قبل قليل كانت مدينة الجزائر تمتد أفقا بلا نهاية...... الآن كل شيء هادئ ضجيج المدينة انسحب تاركا متسعا أكثر لحركات الطائرة "[23]

إننا هنا بصدد قطبين شاسعين داخل الزمن:

الماضي:الذي يرتبط عنده بسنوات القهر و أيام الاستنفار و عوالم الانغلاق داخل الحفر للاستمرار "سبع سنوات و أنا كالفأر أبحث عن الطرقات ضمانا للحياة..."[24]، يصور لنا الخطاب هنا شكلا من الاحتراز ومن قهر الانسلاخ من كينونته كإنسان ليتساوى بعد ذلك بفأر في حدوده الضيقة.

كما نجده أيضا يربط سنوات الماضي بالسنوات التي عاشها محروما من النور السنوات التي جعلته يلتصق بالحفر كي يعيش" السنوات التي قضيتها في الظلمة سرقت مني الألوان الممكنة"[25]، و هذا يعني أن ما حمله الماضي لمسار هذا الممثل يتجه دائما نحو الموت –حضوره أو التوجس منه.

الحاضر

أما الحاضر فيتجه عكس الماضي تمام، إنه الانفتاح على الحياة و البحث عن الوجود من جديد، إنه الانفلات من رهبة الموت و قهرية انتظاره، و اختباره لأمكانية ظهور توجه آخر تستقل فيه حواسه و ذاكرتها عن مسلمات الوطن / الموت "لأول مرة أشعر أنني موجود بالفعل و حي يستقبل صباح الشمس و الضوء"[26] مع حمله لانكساراته من الوطن يشعر أن أمستردام تحمل الحياة له

* الفضاء:

تظهر أبرز مظاهر تموقع الفضاء داخل هذا النص انطلاقا من التقابل الكبير "الهنا/ الهناك"؛ إذ يظهر الخطاب من البداية خروج الممثل من دائرة الوطن إلى مسارات فضاءات أخرى "ياه ما أصغر العالم، هكذا دفعة واحدة من النسيان إلى مهاوي بحر الشمال البعيد، و أخيرا إلى شمس المحيط الهادي المنداة بعرق الشجر ورائحة الملح ؟ لا؟ لا بد أن يكون في الأمر لبس ما"[27].

يدفعنا الخطاب اللغوي هنا لقراءته مرات عدة لأنه يفتح لنا منذ بدايته أن ما سيتورط فيه القارئ فيه التباس معين لأنه لا يستقيم أن يفر البطل من الجزائر من سراديب النسيان إلى بوابة المتوسط في الشمال " أمستردام" و بعدها يرحل نحو آخر آفاقه ليكون هذا الأفق هو " لوس أنجلس"

إذ أن الخطاب يبدأ بغلق آخر المسار الذي يربطه بالمكان / الوطن، فالملاحظ أن ثنائية الوطن / لا وطن التي تقابلها ثنائية أخرى هي (القتلة و الأبرياء) طاغية جدا، فالممثل الجماعي الأول يكون طوال النص السردي بعيدا عن المكان الوطن مع اختلاف في التشكيل اللغوي الذي يحمله، و الممثل الجماعي الثاني يكون دائما المسيطر الأول و العائد في الأخير إلى الوطن، حيث نجد على لسان الراوي قوله "هي اليوم (الوطن) لمن صنعوا فراشها منذ الاستقلال و يرشونها كل ليلة لمزيد من العهر والقتل و السقوط "[28]

و تأتي المفارقة التي هزت إمكانية تصالحه مع الوطن هذا الذي يبرر للموت وجوده بين الأبرياء " لقد عاد القتلة إلى ذويهم و عاد أهل القتلى إلى المقابر التي سرقت منهم أجمل الوجوه و أكثرها دفئا"[29] فلا يمكن  أن يقبل أبدا دخول عزيز- الأبرياء/ الشعب- إلى القبر، و عودة القتلة (الموت) إلى الحياة.

*فعلاقة ياسين بالمكان / الوطن توطدت حين قرر الجميع الهروب لكن عندما عاد القتلة دون عقاب قرر الرحيل "مسافر غدا إذن./بلا رجعة هذه البلاد ليست لنا يا عمي الطاهر، أدركت هذه الحقيقة متأخرا و لكني أدركتها على الأقل"[30] و قد أعيد فعل قطعية اللا رجوع مرات عديدة.

و لكن الخطاب لا يتوقف عند هذا الحد، إنما يعطينا دوافعه للرحيل " لقد عاد القتلة هذا الفجر و استلموا بعض شرايين المدينة، و كأن شيئا لم يكن و انزوى الضحايا في بيوتهم يعيشون مشاهدهم الجنائزية و يتأملون تفاصيل القيامة من وراء زجاج النوافذ الموصدة و هم لا يصدقون"[31].

من هنا يتضح لنا من أغلق عليه السرد داخل الجدران (الأبرياء) و من فتح له أبواب المدينة (القتلة).

 يُظهر الخطاب تقابلا آخر بين الهنا (الجزائر) و الهناك (أمستردام) في علاقته بمسار الممثل ياسين بصور متعددة نذكر منها :

 1.تقابل بين العاصمة /أمستردام

نجد الخطاب في هذه الثانية يوجه تشكيل الصور الخاصة بالقطبين؛ حيث يظهر "المدن الأوروبية هكذا كلما عدنا لها بعد زمن، اكتشفنا أن بها شيئا لا نعرفه و مدننا كلما هجرناها و عدنا لها اكتشفنا أن جزءا آخر فيها قد مات"[32]، فتعكس لنا هذه الصورة إلى انفصال كبير يربط بين اتجاه المدن الجزائرية نحو الاضمحلال والموت وتوجه المدن الأوروبية نحو التجدد و الاستمرار.

ثم يعود ليمنحنا صورة أخرى" بدا كل شيء واسعا الطرقات، المحلات الممرات...في الوقت الذي تزداد فيه حياتنا كل يوم ضيقا... ماذا ينتظر من مريض بأرض و تربة و بلد لم ير منهم منذ سبع سنوات متتالية إلا بعض الأمتار.. سبع سنوات لا أنيس لي إلا الأجساد المحنطة بالطين التي كنت أصنعها من تربة القرية"[33].

و مقابلها هذه الصورة " كل شيء ضيق و عليك أن تعيش باستمرار داخل الحلم للتمكن و من السفر خارج حدود المربع الذي فرض عليك"[34]

هذه مقارنة بين عالم الحرية و عالم القهر ،ينفتح العالم الأول على الوضوح والاستقلالية و ينغلق العالم الثاني عند حدود الضيقة ليختزل حياة الفنان و الإنسان الجزائري في حفرة لا يمكنه التورط خارجه، لأن تورطه قد يحيله على الموت مباشرة.

2. الفوق - التحت

ثنائية الفوق / التحت: السماء / الأرض، "السماء ليست بهذا الجفاء الذي تصورته ما يزال هناك متسع للشفاء من جراحاتنا، كم تبدو الدنيا واسعة من الخارج هذه الرقعة الضيقة من التراب التي اسمها الجزائر، مساحة صغيرة تحاول أن تحتضن بحرا كلما امتدت نحوه زاد اتساعا و غموضا، يتطاحن داخلها القتلة والأبرياء، الباعة و المشترون"[35]

كما نجد أيضا "المدينة التي عذبتني منذ أكثر من أربعين سنة تبدو الآن مستسلمة تحتي تتضاءل كغيمة هاربة، كل ما كان كبيرا صار الآن في منتهى الصغر"[36]

3. التمثال بين الهنا و الهناك

 تتمثل هذه الثنائية في المقارنة بين وضع التمثال في الجزائر و وضعه في متحف أمستردام " كان تمثال المرأة التي لا رأس لها يبدو وحيدا وسط هذا العالم المتنوع، تحت إضاءة تجعل من ملامحه المعيقة تظهر بتدرج..الذي وضع كل هذه التدقيقات كان يملك قدرا كبيرا من الصبر و الحب لينجز عملا بكل هذه الروحية "[37] في مقابل "عندما أتذكر كيف كان هذا التمثال ذاته ينام كل مساء في الكراتين القديمة أو في الصندوق الحديدي كمومياء فرعونية وضعت في أكثر القبور رداءة لا أستطيع كتمان سخريتي"[38]

بين الارتقاء بما يصنعه الفنان و بين النزول به إلى الأماكن السحيقة أو بين أكياس القمامة

لكن كل هذا في الأخير و كل التداخل بين ما يحيل عليه الحاضر ضد الماضي وما يؤسس له الهنا ضد الهناك، تنكشف الحقيقة القاسية، و تنفتح على سؤال مهم    "هل يكفي أن نلتفت بوجهنا صوب الشمال لكي  تتهاوى كل المدافن فينا؟ و هل تساؤل يضرب بكل الانجراف السابق نحو الشمال و يؤكد الخطاب على ذلك بتكرار جملة فتنة " نحن لا نترك وطنا إلا لنتزوج قبرا في المنفى"[39]

في الأخير نقول إن هذه الرواية أسست لإمكانية الارتباط اللغوي بالبنيات القهرية، فاللغة في هذا النص تشكل أهم البؤر التي ارتكز عليها النص و تفصلها حسب استراتيجية الراوي بحيث أن التفاصيل الزمنية التي تقدمها يتحدد فيها التعدد الفضائي و تتأطر فيها أدوار الممثلين، و بالطريقة نفسها لا يمكن للزمن الخروج عن سطوة الأفضية و حدود الممثلين، إن هذه الرواية نسيج متكامل ينتج من مستواه الخطابي عوالمه و يبلور انطلاقا منه أنساقه.

                              الهوامش

 

* مكلفة بالدروس، جامعة عنابة.

[1] إيخنباوم، بوريس، نظرية المنهج الشكلي-نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة ابراهيم الخطيب، ط1، لبنان /المغرب، مؤسسة الأبحاث العربية و الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1982، ص.41.

[2] تودوروف، تيزفيطان، الشعرية، ترجمة: شكري المبخوت و رجاء بن سلامة، ط 2، الدار البيضاء-المغرب، دار توبقال للنشر، 1990، ص.23.

[3] Genette, Gérard, nouveau discours du récit, Paris, Seuil, 1983, pp.12-13.

[4] جون كلود، جيرو و لوي بانيه، السيميائية نظرية لتحليل الخطاب، ت: رشيد بن مالك، السيميائية أصولها و قواعدها، ط1، الجزائر، منشورات الاختلاف، ص. 107.

[5] الأعرج، واسيني، شرفات بحر الشمال، بيروت، دار الآداب، 2001.

[6] Greimas, J. et Courtès, J., sémiotique – dictionnaire raisonné de la théorie du langage, Hachette, 1993, p.07.

[7] ابن منظور، لسان العرب، لبنان، دار صادر، ط 3، 2004 ،ص.125

[8] المصدر نفسه،ص.ص.125-126-127

[9] واسيني الأعرج، شرفات بحر الشمال.

[10] المصدر نفسه، ص.ص. 12-13

[11] المصدر نفسه، ص.24

[12] المصدر نفسه، ص.138.

[13] المصدر نفسه، ص. 77

[14] ابن منظور، لسان العرب، ص.ص. 252-254

[15] الأعرج، واسيني، شرفات بحر الشمال، ص. 132.

[16] المصدر نفسه، ص. 188

[17] المصدر نفسه، ص.170

[18] المصدر نفسه، ص. 52

[19] المصدر نفسه، ص.117

[20] المصدر نفسه، ص.173

[21] المصدر نفسه، ص.ص13-14

[22] المصدر نفسه، ص.103

[23] المصدر نفسه، ص.16

[24] المصدر نفسه، ص.21

[25] المصدر نفسه، ص.72

[26] المصدر نفسه، ص.70

[27] المصدر نفسه، ص.08

[28] المصدر نفسه، ص.11

[29] المصدر نفسه، ص.183

[30] المصدر نفسه، ص.24

[31] المصدر نفسه، ص.09

[32] المصدر نفسه، ص.64

[33] المصدرنفسه، ص. 72

[34] المصدر نفسه، ص .72

 [35]المصدر نفسه، ص. 14

[36] المصدر نفسه، ص .14

[37] المصدر نفسه، ص. 116

[38] المصدر نفسه، ص .117

[39] المصدر نفسه، ص.55.