Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

يعد الخطاب السردي الروائي، من أكثر الأشكال التعبيرية تبليغا وتشخيصا، لمظاهر التحوّل في المشهد المغربي، خاصة منذ العقد الأخير من القرن العشرين.وهي مسألة مشروعة، انسجاما مع منطق الجنس الروائي المؤهل- بنيويا وتركيبيا- إلى احتواء المتغيّرات، التي تعرفها السياسة والاقتصاد والمجتمع والأخلاق. نظرا لتفاعل الرواية مع المستجدات، بفضل قدرتها على تنويع أساليبها السردية وأشكالها الحكائية.

وبالنظرإلى مختلف التوصيفات النقدية للرواية المغربية،وكذا البيبليوغرافيات[1] والمعاجم[2] التي تدخل في إطار توثيق اللحظة الروائية في التجربة المغربية، نسجل انخراطا ملحوظا للمبدع المغربي في الممارسة الإنتاجية الروائية. والتي تزامنت مع وضع تاريخي عاشه/يعيشه المغرب، في علاقته بالماضي أو ما سمي بمرحلة الاحتقان السياسي، من خلال اعتماد النظرة المستقبلية طريقا نحو طي ملف الماضي. أنتج هذا الوضع مناخا، تجلت مظاهره في عناوين كبرى، أهمها تفعيل ثقافة حقوق الإنسان، تحسيسا وممارسة. حرّر هذا الجو الإبداعية المغربية، من أشكال الرقيب التي كانت قد ميّزت مرحلة السبعينيات على الخصوص، وجعلت المتخيل الإبداعي يخضع إما لتوجيه إيديولوجي أو سياسي.

نلتقي في هذا الصدد، بظاهرتين مميّزتين للكتابة السردية المغربية وهما:

حضور الكتابة باعتبارها موضوعا للمتخيل الروائي، كما طرحتها مجموعة مهمة من النصوص الروائية، مثل رواية الكاتب "سعيد علوش" "تاسانو ابن الشمس ملعون القارات" الصادرة سنة 2007، والتي تنتج تصورا جديدا حول الكتابة الروائية، باعتماد أساليب جديدة في تشييد النص. كما تقترح تجنيسا مختلفا "رواية الرواية". إلى جانب إعلان الحكاية قبل النص، مما جعل السرد يدخل فيما أسميه بحكي الخيال للخيال[3].

دخل النص السردي الروائي المغربي، مغامرة التجريب، بانفتاحه على أسئلة الكتابة، التي أصبحت استراتيجية سردية، وموضوعا تشخيصيا لحالة/حالات الوعي المحتملة.

أما الظاهرة الثانية، التي باتت تعيّن المشهد السردي الروائي المغربي، تتعلق بمسألة النزوع نحو التذويت.وبروز الذات باعتبارها محورا نصيا ينبني عليه نظام الكتابة، وفعل السرد. وتجلى ذلك فيما يصطلح عليه بالمحكي الذاتي.

يبقى موضوع الذات، من أهم المواضيع التي أثّرت بحضورها، في عملية تجنيس النص السردي المغربي.إذ، تصبح الذات رهانا سرديا للكتابة الروائية. لا يتعلق الأمر في هذا المستوى، بما توافق عليه_ نقديا_ بالسيرة الذاتية، حيث الذات تكون معبرا لإحياء حكايتها بناء على مرجعية واقعية يدعّمها_ كتابة_ مبدأ التطابق التام بين المؤلف والسارد والشخصية، ولكن في مستوى نصوص المحكي الذاتي، نكون داخل زمن التخييل، وغير معنيين بسؤال التطابق، لأن سؤال المرجعية الواقعية غير مبرّر، مع مثل هذا السؤال.

لهذا نلتقي بنصوص قريبة/بعيدة من الرواية، على حسب حظوظ انتشار المنطق الروائي، في تجربة تشييد النص. وهي مسألة لا تعد استثنائية، تخص عددا قليلا من النصوص السردية، إنما أصبحت مسألة ملفتة للنقد، ومحفزة على إعادة طرح سؤال الأجناس الأدبية.

ولعل انبثاق الذات باعتبارها موضوعا محوريا للمحكي الذاتي، يفتت المنظومة الذهنية في الثقافة العربية، والتي جعلت الذات غير منظور إليها إلا في إطار الكل أو الجماعة أو الأمة.

نلتقي في هذا المقام التجريبي السردي، بنصوص تبدأ سيرذاتية، وتتحول إلى روائية (رجوع إلى الطفولة لليلى أبو زيد نموذجا)، وأخرى يهيمن فيها المحكي الذاتي، مثلما نجد في نص "مثل صيف لن يتكرر"[4] للكاتب محمد برادة. والملاحظ أن نصوصا سردية قد صدرت في سنة 2007 تحمل في أغلفتها، اسم المحكي أو محكيات بدل الرواية. 

إن تنويعات الكتابة التخييلية السردية في المشهد المغربي، مع ما يحدث من اختراقات على مستوى نظرية الأجناس الأدبية، قد أهل النقد المغربي_ على الخصوص_ إلى تطوير أسئلته والالتفات_ بواسطة اجتهادات نقدية _إلى ما يعبّر عنه النص السردي، من تحولات تقنية ومعرفية وجمالية وفنية. كما جعل هذا الوضع التركيبي للنص الروائي، مفهوم التجريب باعتباره تجاوزا للمألوف في نمط الكتابة، يأخذ بعض دلالاته المفهومية من التجربة المغربية.

تجعل هذه الاختلافات البنيوية، التي تعبر عنها هذه النصوص، نظرية الأجناس الأدبية موضع نقاش، تبعا للمستجدات التكوينية لنصوص تنزاح عن سياق ما تم تحديده من خصوصيات، تعين معنى الجنس الأدبي.لأن تحديد الجنس الأدبي يساهم في نظام تلقيه.

ولعل هيمنة المحكي الذاتي، في كثير من التجليات النصية السردية، ليس باعتباره مجرد عنصر من عناصر التشكل النصي، وإنما باعتباره قيمة نوعية واستتيقية، تحدد مجال التخييل في تجربة نص ما، يعلن عن هذه الاختراقات التي تحدث في مستوى ما تم تحديده في نظرية الأجناس الأدبية، والنوع السردي بشكل عام، والذي يؤثر _ لاشك في ذلك_ على منطق الجنس الأدبي.

من أجل الاقتراب من بعض مظاهر هذه الظاهرة، نقترح قراءة نص "امرأة من ماء" للروائي عز الدين التازي[5] الذي يعد من أهم الروائيين، الذين يتميزون بحضور قوي ونوعي، في مشهد الإبداعية الروائية المغربية.

1. "امرأة من ماء" وإشكالية التجنيس

تنتمي "امرأة من ماء"[6] للروائي المغربي "عز الدين التازي" إلى نوع الروايات التي تخرق بعض ما تم التوافق عليه في التحديد الأجناسي الروائي، لاعتبارات عدة نذكر منها:

- يعلن النص في غلاف الكتاب، عن انتمائه إلى جنس الرواية. وهو مظهر من مظاهر ميثاق التعاقد بين المؤلف والقارئ، والذي يساهم في توجيه القراءة، وتحديد إطارها النوعي. لكن قراءة النص تعبّر عن خلل في هذا الميثاق. إذ سرعان ما تكشف عن انزياح نصي عن مبدأ الجنس الروائي، والتحرك في مساحة نصية، شبيهة أو قريبة مما يعرف بالمحكي.

- نص يتشكل أفقه الأجناسي، من هذا الصراع بين ضمير المؤلفAuteur / وضمير السارد. تعودنا عندما يتعلق الأمر بجنس الرواية أن يتوقف المؤلف، باعتباره حالة واعية ملموسة عند عتبة الغلاف، لتبدأ الحكاية ثم السرد الذي ينجزه ضمير السارد. دون أن يعني ذلك انزياحا كليا للمؤلف، لكنه انزياح استراتيجي تتحكم فيه لحظة ربط الوصل مع التخييل. دون التعثر في منعرجات الواقع، والذي يصبح حضوره _إن استدعته لحظة الكتابة في النص_ حضورا مختلفا ورمزيا.

 في نص "امرأة من ماء" يحدث العكس. فالمؤلف لا يبقى خارج عتبة غلاف الكتاب، بل يخترق مجال الكتابة، ويدخل مجال السرد. غير أن الأمر لا يحدث من خلال إعلان مكشوف وصريح، ويحدد بشكل ملموس تمظهرات المؤلف، إنما إستراتيجية الكتابة السردية في النص، هي التي تجعل ضمير المؤلف هو محور الرغبة في الكتابة.

- "امرأة من ماء"حكاية السارد الذي يتماهى مع المؤلف، أو المؤلف الذي يتماهى مع السارد. محور الحكاية الذات المأزومة بسبب وضعيتها مع ذات أخرى (زهرة/الزوجة) وفضاء الحكي، مدينة طنجة التي تصبح هي الأخرى ذاتا مأزومة.

- الشكل السردي الذي تتم به عملية حكي الذات، هو الشكل المونولوجي، حيث تحاور الذات ذاتها، والذات الأخرى. مما جعل الأحداث تعيش الثبات، ولا تعرف الحركة، إلا في تنقلات السارد داخل الذاكرة، أو في أزقة وشوارع طنجة.

- نص يكشف عن سياقه الأجناسي. إنه محكي ذاتي بطريقة مونولوجية. نسبة الواقعي مكشوفة، ليس باعتبارها مادة مرجعية لفيض الحكي، إنما لكون حضورها يدخل عنصرا تكوينيا في النص. وهنا، تتجسد بلاغة الكتابة لدى عز الدين التازي، في قدرته على الارتقاء بالواقعي إلى مستوى إبداعي إيحائي.

والمؤشر على هذه البلاغة، أننا نشعر بالواقعي عنصرا محكيا، لكن النص ينجح في الإيهام بتخيل الواقعي، وليس الإيهام بواقعية ما يحكى. ولعل هذا هو عنصر التغبير الذي تشهده مجموعة من النصوص التي تشتغل على الحالة عوض الحدث، وعلى الذات عوض الموضوع العام، وعلى المحكي الذاتي- التخييلي عوض السرد الروائي الذي اعتمد في منطقه التأسيسي على الإيهام بواقعية ما يحكى.

1.1. تشكّل المحكي الذاتي في "امرأة من ماء"

 يشكل المقطع السردي الافتتاحي للنص، إطلالة على الجو النفسي للذات الساردة (التعب، الأرق، الصمت، الشرود، الإحساس بالفراغ، الغربة..)،إلى جانب تحديد فضاء الحكي (الفندق)، الذي تنطلق منه الذات، لكي تدخل في حوار مع ذاتها و الآخر.

ينقلنا السرد مباشرة بعد المقطع الافتتاحي، الذي يسرده السارد_ الذات المحكية، إلى مقطع سردي، تؤشر عليه علامة خطية تعبر عن انتقاله إلى سياق تلفظي مختلف.

يبدأ المقطع/ الملفوظ بالجمل التالية: "ارتد العالم بيني وبينها.استحال إلى عاصفة تعقبها عاصفة حتى تزلزل.أشعر أني أقف على فراغ. كيف أحمي نفسي من هذا الفراغ؟" (ص7).

تشخّص هذه الجمل في ترتيبها وتسلسلها، طبيعة الأزمة التي حلت بالذات، وذلك بسبب استحالة التوافق مع ذات أخرى، مما جعل ذات السارد تشعر بالفراغ، وتعلنه أزمة، ثم تبدأ في الحكي، من أجل فهمه وإنتاج تصور حوله.

نتقدم في التواصل مع هذا المحكي، عبر هذا الملفوظ الذي يقدم عيّنة من الإشارات الأولية، والتي تبدو غير مرتبة حكائيا، لكنها سرديا تشخّص الحالة التي يحكي من خلالها السارد.

يتعلق الأمر إذن، بمحكي السارد "زين العابدين" الذي اختار الإقامة في فندق بإحدى أحياء طنجة، بعيدا عن بيت الزوجية الذي يوجد في نفس المدينة/ طنجة. من أجل أن يغتسل من ثقل حجب عنه البصر.يقول: "ها أنا أحمل جبلا على ظهري وظهري ينحني للجبل والجبل يغطي ما أمامي فلا أعرف إلى أين أسير" (ص52).

لكن مع الانخراط في ملفوظ "زين العابدين" يتضح هذا التداخل بين المرأة/ الزوجة (زهرة)، وبين المدينة/طنجة، يقول: "كل شئ ممكن في عالم تقيمه أمامي امرأة هي زهرة، ومدينة هي طنجة.عالم يتبدد ليبدأ وجوده من الدهشة وكأنه لم يكن موجودا من قبل" (ص 8).

تصبح الكتابة بصيغتها المونولوجية، وطابعها الاعترافي، عبر انشطار الذات إلى ذاتين، محطة اكتشاف الدهشة، التي يحدثها التفكير في زهرة وطنجة "أبهاء المدينة وأبهاء زهرة كلاهما وإن تبدد فهو يبدأ وجوده من ذلك التبدد ليجعلني قريبا من ولادة أخرى لزهرة في ذاتي، ولطنجة أخرى أمام نظري." (ص8).

هكذا، تتحول أزمة الذات، عند الاكتشاف الجديد لطبيعة حضور الآخر، إلى دهشة تشعرالسارد بالولادة الجديدة.

ما بين الإحساس بالفراغ، والتعبير عنه بواسطة تغيير مكان الإقامة، والدخول مع الذات في حوارات داخلية، يحركها فعل التذكر من جهة، وواقع التحول الذي يشهده فضاء المدينة من جهة ثانية، تعيد الذات المصالحة مع ذاتها، ومع الذوات الأخرى. وهو تصالح يحدث بفعل مواجهة الذات، والآخر بمستويات مختلفة.

1.2. مظاهر اشتغال محكي الذات

"امرأة من ماء" حكي ينساب مع خطوات السارد في شوارع وأزقة وأحياء طنجة، ومع يقظة الذاكرة.

نبعان اثنان يحددان مرجعية المحكي الذاتي في النص هما: المرأة- الزوجة والمدينة- طنجة. يبحث السارد عبرهما ومن خلالهما، عن معنى لأزمة ذاته. نبعان لا يتعارضان، ولا يحدثان النفور من بعضهما. بل يتحول الواحد منهما إلى مرآة عاكسة للآخر.

يركز السرد على محكيين اثنين، يتجاوران في نظام الكتابة، ويتحاوران- حكائيا- عبر الملفوظ ، وينتجان أفقا يحدد مسار كل محكي على حدة.

يتعلق الأمر بمحكي ذات السارد/ زين العابدين ومحكي زهرة/ الزوجة. وإن كانت الهيمنة لسارد المحكي الذاتي، على اعتبار أن النص محكي ذاتي مونولوجي يأخذ طابع الاعتراف. تتحول الكتابة إلى واجهة للاعتراف، تدافع فيها الأنا التخييلية، عن أناها في الواقع. هي مواجهة للذات وللآخر في نفس الوقت.

تتحول الذات المحكية، إلى مرآة تنعكس عليها محكيات صغرى، قد لا تشكل ثقلا موضوعاتيا في النص بشكل مستقل، ولكنها بالنسبة لتاريخ الذات المحكية في علاقتها بذات المرأة، تشكل محطة ضرورية لتفكيك هذا التاريخ، ومرجعياته (محكي النضال في الجامعة- محكي الاعتقالات. محكي زوج الأم..). بالإضافة إلى توالي أخبار تتعلق بالموقف النضالي القوي لزهرة التي كادت ذات يوم أن تصبح فدائية فلسطينية. غير أن مثل هذه المحكيات، لا تشكل الأساس في حد ذاتها، وإنما تأتي عنصرا إلى جانب عناصر أخرى، من أجل تفكيك مكونات السارد والمرأة. لأن المهم ليس الماضي الذي جسّد المشترك بينهما، وتم التعبير عنه شعريا، حتى جاءت اللغة شفيفة، وكاشفة لهذه المرحلة، باعتبارها زمن انسجام، تولّد عن توافق عاطفي، وخيارات إيديولوجية، إنما التبئير يركز على الحاضر، لكونه يمثل زمن الأزمة. والحاضر يحرك فضاءات المدينة/ طنجة التي تكشف – بدورها – عن مظاهر تغييرها فتعمق – بدورها- الأزمة لدى زين العابدين. "فالمسرح العتيق المشهور هو (مسرح سيرفانتيس) الذي تحول إلى خراب بعد كل ما شهده من عروض مع بداية القرن الماضي وما عاشه من مجد."(ص 75).

تمثّل المقاطع المستحضرة من الذاكرة، والتي اتسمت ببلاغة التلخيص (ص 40)، عيّنة من العناصر التي تشكل أهم خطوات تحليل طبيعة الذات، وسبب الأزمة. مثل محكي موت الأب، ودخول زوج الأم إلى البيت،"هي نفسها فرحت بمغادرتي للبيت الذي أصررت على ألا أدخله أبدا. هي اختارت زوجها ولم تـخترني" (ص.55)، "لم أقاض السي ناصر حتى وأنا أراه يتمتع بثروة والدي. نهب كل ماتركه الوالد وجعله باسمه بعد أن أوكلته الوالدة عليها وعلي" (ص 55).

غير أن خطاب المحكي الذاتي لا تتضح أبعاده ومظاهره، إلا في طبيعة علاقاته بمحكي الآخر الذي يمنحه قوة التجلي.

 

 

1.3. محكي الآخر والبعد المرآوي.

يشكل محكي زهرة الآخر، الذي بواسطته يقام السرد، وتنشأ الكتابة ويتحرر التفكير من أزمة العتبة. ذلك، لأن استمرار زهرة في تفكير السارد، وحضور محكيها بقوة أثناء لحظة التذكر، مع ما ينتجه هذا المحكي من تطور سردي، يساهم في خلق حالة تلفظية – حوارية بين أنا المتلفظ وأنت /زهرة. فالخطاب وإن كان يتجه صوب الذات، في سياق انشطار الذات في زمن الإحساس بالفراغ، فإن هذا التوجه يحكمه استمرار زهرة بوضوح، باعتبارها ذاتا تعزز طبيعة هذه الأزمة.

 يشتغل محكي زهرة خطابا للمواجهة في النص. تواجه زهرة من جهة بملفوظاتها "زين العابدين" الذي ينتقي من الطفولة والشباب ومرحلة الزواج مجموعة من العناصر، تسمح له بصياغة تصور يضعه في صورة الضحية يقول ملفوظ زهرة:

"أنت لا تعرف إلا القليل مما عشته في طفولتي،(...)، لكنك تحكي لي عن طفولتك بكثير من الوجع، وكأنك وحدك من عاش في هذا العالم طفولة قاسية, اليتم يازين العابدين إحساس قبل أن يكون فقدانا لأحد الأبوين أو هما معا،هو الإحساس الذي ظل يرافقني حتى الآن. كنت أبحث عن ذاتي في النضال السياسي وأنا طالبة، وبحثت عن نفسي في الكتابة، وبحثت عن نفسي فيك وكل هذا انتهى إلى لا شئ. أنا تحطمت" (ص 84).

تناقش الذات الأخرى/زهرة في ملفوظها، تصور زين العابدين الذي يرجع مأساته إلى طفولته القاسية، في ظل زوج أم استولى على ميراثه وبيت والده. وأم تخلت عنه عندما دخل الزوج إلى حياتها. تشطّب زهرة على هذا التصور، من خلال إعطاء معنى لليتم، الذي يصبح إحساسا بفقدان الذات. إنها لا تجادله فقط في طروحاته، إنما تحوّل ذاتها موضوعا للنظر والسؤال أمامه، حتى لا يظل يعتقد أنه الوحيد الذي يوجد على العتبة، بل الأكثر من هذا، ترجع زهرة سبب فقدانها لذاتها، إلى زين العابدين.

إنها تذكره بجهله لطفولتها، في مقابل حكيه لطفولته بوجع كبير. تدعوه بهذه المقارنة إلى إعادة النظر في تصوراته، حول ذاته وحول ذاتها.

 ومن جهة ثانية، تصبح ذات زهرة هي ذات زين العابدين في وضعية الانشطار الذاتي، مع الحالة المونولوجية..إنها ذاته الأخرى التي يجادلها،ويحاورها ويعقّب عليها، وبسائلها ويستفزها، ويتأملها.

كما يتضمن ملفوظ زهرة ملفوظات زين العابدين، وأقواله التي تعبر عن رغباته وأحلامه ورؤاه، يقول ملفوظها:

"لم يزدك البحث الجامعي الذي سجلته حول التصوف والوجدان والكرامات في طنجة سوى انشطار على نفسك وتمزق بين ماتفكر فيه وبين ماهو موجود في الواقع" (ص 98).

تقدم الذات المتلفظة أخبارا ومعلومات عن زين العابدين، تخص مجال تكوينه العلمي (التصوف) والذي ساهم في خلق الفجوة بين ما يطمح إليه (أفكار مجردة)، وبين مقتضيات الواقع المعيشي.

 لهذا، فهو محكي أساسي في عملية تحرر الذات المتأزمة. ذلك، لأن حضور محكي زهرة بهذا التجلي الملفوظي، ومن خلال هذا النظام السردي، يسمح بتوسيع مساحة الحكي من خلال إمداده بمعلومات وأخبار تتعلق بحياة زين العابدين. كما أنه محكي يطوّر حالة الحوار المونولوجي للذات المأزومة، حين يغيّر طروحاتها، ويدفعها إلى إعادة النظر في مسار تشكل أفكارها. مما يجعله محكيا فاعلا ليس فقط في تحفيزالحكي، وطرح الأسئلة، إنما أيضا في قدرته على توجيه قرار الذات في نهاية النص. نلمس هذا بوضوح في الاختتام السردي للنص، حيث سيجد زين العابدين عند عودته إلى الفندق، رسالة من زهرة تدعوه فيها إلى الطلاق:

" أنا حزينة على ما ضاع.

أطلب الطلاق نلتقي صباح الاثنين في المحكمة الشرعية. على الساعة العاشرة صباحا." (ص 138).

تشخّص هذه الرسالة التي جعلت زين العابدين، يرتعش ويتهاوى على الفراش، ويصيبه دوار، ويستيقظ الحنين إليها، قدرة زهرة- المرأة على اتخاذ قرار الانفصال، قبل زين العابدين. بل الأكثر من هذا، تحدد تاريخ وزمن إجراء الطلاق. وهو سلوك يعبّر عن كون زهرة كانت – هي الأخرى- تبحث عن معنى لأزمة ذاتها. تدفع رسالة زهرة زين العابدين إلى إعادة النظر في الانفصال:

"لم أنم تلك الليلة. بقيت أحدثها طوال الليل، أقبل عينيها وأراها بعيون القلب.

أليس الغضب أعمى؟" (ص 139).

يختتم المحكي الذاتي أزمته بهذه الجملة، التي تجعل من زمن البوح الذاتي بصيغة الاعتراف زمنا للاغتسال، من مختلف معيقات التواصل مع الذات.

2. مستويات اللغة والحوار في محكي امرأة من ماء

تتغذى اللغة السردية في النص بإيقاع الحالة، التي تعيشها الذات في علاقتها بماضيها وذاكرتها. ولهذا، فهي لغة غير ثابتة المرجعية والمعجم، باعتبار تأثّرها بمختلف الوضعيات النفسية التي تكون عليها الذات لحظة البوح/الاعتراف. إنها تأخذ طابع الحالة. وتعبر عنها بمواصفات ذات علاقة بخطاب الحوار الداخلي والتذكر والمحكيات النفسية والإستيهامات والتساؤلات والرسائل والحوارت المستعادة والعجائبي والشعري والتصوف. مما يبعد عنها التقريرية، ويجعلها تنخرط في تعددية الإيحاء، الذي يتولّد عن شكل العلاقة بين الذات و هذه الخطابات لحظة الحكي. تغرف اللغة السردية من هذه الخطابات عناصرها التكوينية.

إن توحد الذات مع ذاتها، وهي تتعمق في أسئلة فلسفية، تخص الذات والوجود والبحث عن معنى، انطلاقا من مكونات الطفولة والشباب، جعل معجم التصوف يتسرّب إلى اللغة وتركيبتها، يقول: "كشف تكشف لي. راء أن ببصيرة طنجاوي مجرب حنكته التجارب ليستعمل نظرة في رؤية ما يراه، وقد أزاح عنه الغشاوة، ودربه على أن تكون الرؤية شهوة لا عادة للنظر" (ص 38). وتهيمن لغة التصوف خاصة عند حالة التماهي بين الذات والذوات الأخرى( زهرة/طنجة)، "حضرة في الباطن وحضرة أخرى في الخارج. حيرة لايمكن أن تخرج الحضرة منها، فهي حيرة لايهدئ من حيرتها غير حيرة أخرى"(ص 131-132).

كما يرافق التصوف اللغة الشعرية، التي تستحضر زمن اللقاء بالمرأة- زهرة. وذلك عبر صيغة الشذرات التي تعطي الانطباع بشطحات الذات، في زمن الحالة، التي يتعمّق تأملها في ذاتها مع لحظة تذكر عشق المرأة.

يقول : " امرأة من ماء ! ممكن أو مستحيل ؟

     هو بدء اللحظة من دعابة أو فكاهة أو ابتسام أو تعريض شئ.

     لا أدري كيف التقيت معها وأنا ذاهب إلى غير مكان.

     ( ....).

     لا نشعر بالغرق.

     نسبح كما تسبح الحيتان.

     المرأة بعيدة والماء يدفع بها وبي نحو أقاليم للماء" (ص 60).

تتأثر اللغة بشخصية المتكلم زين العابدين الذي يفكر ويحكي. تضفي عملية التفكير والحكي، على اللغة نوعا من المرونة والحيوية، وتبعد عنها التقريرية خاصة عندما تدخلها في منطقة التساؤلات.

 وتتميز عملية تسريد حالة المدينة- طنجة التي تشهد تحولا على مستوى الذاكرة، بتوظيف العجائبي الذي يتسرب إلى المحكي الذاتي، ليعمق سؤال الوجود. ويشخص بلغته ومنطقه حالة ذهول السارد- الذات من واقع التحول. يتم وصف المدينة بلغة العجائبي حكاية ولغة (الوحش- الثعالب)،"الوحش يقترب بفكيه المفتوحين وأنا مكتوف الأيدي كباقي سكان المدينة والمدينة تبتعد والوحش يقترب واللغط وصراخ الأطفال وبكاء النساء (...) والأرض ترتج."(ص 90). "كانت الثعالب تقترب من أبواب المدينة تشم بأنوفها وعيونها لامعة تتكئ على مخالبها عند الوقوف (...)" (ص 124).

تخضع لغة الحوار- بدورها- إلى نظام التشكل النصي للملفوظات. فالحوار يتشكل وفق العلاقة التجاورية _ نصيا_ بين الملفوظات. والقراءة هي التي تنتج شكل الحوار من مستوى قراءتها. على اعتبار أن الأحداث و الأفعال والوقائع لا تتحكم فيها حركية الحدث، وإنما كل شئ يتم استعادته في غياب حركيته. وهذا، ما جعل ملفوظات الشخصيات تهمين على منطق الأفعال وقوة الحدث. بل الأحداث التي يتم استعادتها باعتبارها وقائع حدثت في الماضي، لا يتم سردها على مستوى السرد العام للنص، إنما تخضع للتجزيء السردي في ملفوظات المتكلمين، وعلى القارئ أن يجمّعها ويرتّبها، ويشكّل منها قوة الحدث.

يصبح الحوار بهذا الشكل، فعلا إنتاجيا، تتحكم فيه لحظة الحكي الاعترافي. هناك حوارية ملفوظية تحدث إذن، بين زين العابدين وزهرة.

إلى جانب كون الأشياء المستعادة عبر التذكر، لا تأتي منتهية في الحدث. بل إن تدخّل ملفوظ الآخر (زين العابدين/زهرة) هو الذي يمنحها الوضوح.فعندما ينتهي ملفوظ السارد، يدخل ملفوظ زهرة بدون أن يكون هناك سند مرجعي للحوار الموالي.أو إحالة على الحوار السابق،لأنه حوار ملفوظي يحدث سرديا. وهو حوار يحرّر الحكي من التوغل في الحالة .

يحدث نوع من التناوب بين الملفوظات، ويتحكم محتوى الملفوظ الأول في دخول الملفوظ الثاني. هكذا،تتدخل زهرة بعد أن يحكي زين العابدين عن أزمته ، لتصحح أو تقترح مقاربة مغايرة لأزمته، حين تعلن بدورها عن أزمتها تقول:

"بدأ البعد بيننا على هذا القرب. صرت بعيدا يازين العابدين وأنا ماعدت أستطيع أن أقترب. الهوة اتسعت كما لم تتسع من قبل.لم أعد أقدر على أن أنظر إلى عينيك حتى لا أرى فيهما غربتي.أشعر بالمرارة. ليت المسافات قد فرقت بيننا ليذهب كل على حال سبيله ولكنها مسافات لإي إقامة في بيت واحد، تقع بين غرفة وأخرى، بين المطبخ والحمام." (ص14).

تشتغل تقنية الانشطار التي تصبح سمة مميزة للمحكي الذاتي المونولوجي، في أفق خلق تعددية ضمائرية. تفعل في تنوع الخطاب، وفي تركيبة اللغة، وتخلق حوارية داخلية من جهة (حالة انشطار الذات) وحوارية ملفوظية (تجاور الملفوظات). فانشطار الذات إلى ذاتين، سمح بتفعيل ضمير المخاطب، الذي يأتي بألوان متعددة. مرة يعبّر عن الذات الأخرى للسارد، الذي يتوجه إلى ذاته لمحاورتها ومساءلتها .ومرة يعبر عن زهرة الآخر- أيضا- التي يصبح حضوها ضروريا لإقامة المونولوجية الذاتية للسارد" زهرة أحبيني قبل أن يأخذني الموت. خذيني في حناياك. اجعليني أشم رائحتك الأنثوية. أمسكي بيدي وأريني أين الطريق حيث لا يبدو أن ثمة طريق." (ص 33). فالمخاطب يأتي متعددا ومتنوعا، استجابة للوضعية النفسية التي تكون عليها الذات الحاكية_المحكية، عندما تدخل في علاقة مونولوجية مع حالتها.فهو يحيل مرة على المتكلم موضوع المحكي الذاتي، الذي في إطار انشطار ذاته فإنه يتحول_ في الوقت نفسه_ إلى ضمير متكلم ومخاطب. ثم ضمير الآخر الذي يشكل إحدى موضوعات أزمة الذات ضمير أنت / زهرة، ثم القارئ الذي يحضر_ أيضا_ في النص تحت ضغط تأزم الحالة.

- "امرأة من ماء" مكاشفة حكائية من الكاتب "عز الدين التازي" إلى القارئ.من الكاتب الذي تعوّد إدخال القارئ في لعبة الانفتاح على الدلالات والتأويلات، بفعل اشتغاله على صنعة روائية تعتمد استثمار النصوص، واللغات وأشكال التعبير المختلفة، والتي يتم توليفها بشكل مركّب، يحفّز القارئ على تشغيل إمكانياته التأويلية، والتي توسع بدورها مساحة الإيحاء. أما في هذا النص فإننا نلاحظ أن الكاتب يبتعد كثيرا/قليلا عن إدخال القارئ منعرجات الغموض. ذلك، لأن المقصدية مكشوفة، ومعلن عنها من البداية، والسر مفضوح، واللغة كاشفة، والسرد يمتثل في لغته وحكيه وتركيبته، للحالة أكثر من الحدث.

 الهوامش

[1] ظهرت مجموعة من البيبليوغرافيات المغربية التي تحاول رصد حضور جنس الرواية في مشهد الإبداعية المغربية. وحسب بيبليوغرافيا الأدب المغاربي الحديث والمعاصر للدكتور الباحث محمد قاسمي فإن عدد الروايات الني ظهرت من 1941 إلى 2003، وهي سنة عمل البيبليوغرافيا قد وصل إلى حدود 429 رواية. هذا فقط بالنسبة للرواية المكتوبة باللغة العربية.

للمزيد من التوضيح أنظر" بيبليوغرافيا الأدب المغاربي الحديث والمعاصر" تأليف د محمد قاسمي

 منشورات سلسلة الدراسات 2، منشورات ضفاف، الطبعة الأولى، 2005

[2] حسب المعجم الذي نشرف عليه في إطار مشاريع اعتماد البحث العلمي بجامعة ابن طفيل (البرنامج الموضوعاتي لدعم البحث العلمي_PROTARS 3) حول إنجاز معجم المؤلفين والروايات بالمغرب من 1980 إلى 2000، باللغتين العربية والفرنسية ، والذي سيشمل الروايات المكتوبة بالعربية والفرنسية، فإن عدد الروايات بالعربية يبلغ تقريبا 281 رواية، وبالفرنسية تقريبا 195 وذلك من 1980 إلى 2000. مع العلم أن هذا العدد مؤهل للارتفاع ، خاصة وأن العمل في المشروع ما يزال قيد الإنجاز، بالإضافة إلى  نصوص متفرقة للكتاب المغاربة المهاجرين. مع تسجيل ملاحظة كون أن هذا العدد للروايات المغربية تندرج فيه نصوص على شكل محكيات، وأخرى تزاوج بين السيرذاتي والروائي. وهو وضع تكويني للممارسة الروائية بالمغرب، يدعو إلى دراستها وفق مستجداتها التكوينية.

[3] انظر دراستنا المنشورة في مجلة الرافد تحت عنوان : التجريب السردي في الرواية المغربية، العدد 119، يوليو 2007.

[4] للمزيد من التعرف على طبيعة اشتغال المحكي في نص محمد برادة، يمكن الرجوع إلى دراسة الباحث المغربي رشيد بنحدو "هذا أنا_هذا غير أنا" الموجودة ضمن الكتاب الجماعي" الشكل والدلالة قراءات في الرواية المغربية"منشورات نادي الكتاب لكلية الآداب بتطوان_الطبعة الأولى 2001، ص.ص. 32-44

[5] بدأ المبدع عز الدين التازي الكتابة سنة 1966 بقصة قصيرة تحت عنوان" تموء كالقطط".

صدر له من بين الرويات:

_ أبراج المدينة، 1978

_ رحيل البحر 1983

_ المباءة 1988

_ فوق القبور، تحت القبور 1989

_ أيها الرائي 1990

_الخفافيش 2002

_ بطن الحوت

_ امرأة من ماء 2005

إلى جانب نصوص روائية أخرى ومجاميع قصصية وكتب نقدية.

[6] التازي، عز الدين، امرأة من ماء الناشر سيليكي إخوان، الطبعة الأولى، 2005.