Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

مقدمة

قد عرفت الكتابة النسوية عدّة أقلام في الساحة الأدبية، أمدت اللغة بحياة تمتد في التاريخ والذاكرة، فأسست بذلك حقلا اجتماعيا و أدبيا، تجتمع فيه أصول الكتابة بصور مختلفة، حاولت فيه المرأة إثبات وجودها و صمودها أمام الرجل، الّذي همّ بجعلها أداة لكتاباته، محملا إياها بأحداث و أقوال و صفات تجعلها المحرك الأساسي في الرواية، لكنّها أداة تعمل تحت سيطرته فتأتمر بأوامره و تنتهي عن نواهيه، و تسعى لتحقيق رغباته و سعادته، فكانت المرأة ملاذا للرجل يعيش فيها حياته و يرى ذاته.

هكذا وُجدت المرأة حاملة لغتها على جسد قلمها، معبرة عن أنوثتها جاعلة نفسها محور الوصف و التعبير، فهي ليست الأداة الّتي يكتب بها، بل هي الكاتبة و المؤلفة، ترى ذاتها في الجنس الآخر الّذي ظلت لفترة غير قصيرة مدينة له، خادمة لطموحاته فأرادت التغيير بجعل ذاتها شخصية فاعلة لا جسدا صامتا، ينظر إليه على أساس لذة بل جسد يتفاعل مع الحياة يُحدث و يخلق ويبدع، له مجاله الخاص و كيانه الواقع لا ينازعه فيه الآخر.

هذا ما جاء بقلم الروائية أحلام التي أفردت روايتها للأنثى واضعة فيها أحلامها، حيث جعلت الرجل شخصية انكتابية بعضو ناقص تتقاذفه أعاصير الحياة، محملة إياه هموم النجاة ضمن لغة سردية تخاطب الآخر، و تجعله يعيش في دائرة تخيلاتها مخرجة إياه من عالمه الخارجي لتدخله عالم النّص الّذي تقلب فيه المعايير، و تحقق فيه الأنوثة عالمها الخاص الرامي إلى خلق فضاء أنثوي، عرّف المرأة و أحصى ميزاتها، و أفرد لها لغتها الّتي عادت إليها.

1. ماهية الخلق و الإبداع

الحب هو ما حدث بيننا و الأدب هو كل مالم يحدث.

إنها أبدع جملة تبدأ بها الكاتبة روايتها، جملة تدل على تحول و حركة كبيرة في حياتها، فالحبّ هو ما حدث بين شخصين ذكر و أنثى، التقيا لفترة من الزمن دامت لسنين، فترة كانت منذ الولادة إلى الكهولة، فترة شهدت المـيـلاد و الـبـلـوغ، و عاشت أحلاما تبادل فيها الاثنان أسمى المشاعر وأنبل الكلمات ليصلا حتما إلى مرحلة تكون هي النهاية و لتعنون بكلمة واحدة هي الحبّ.

أعطت الكاتبة للحبّ عدّة دلالات متجلية في الحياة بحلوها و مرها، في تجاربها و أحداثها فكل ما هو حياة داخل في كلمة الحبّ، ليكون بعـد ذلـك مـا هـو أوسـع و أغور إنه الأدب فهو كل ما لم يحدث، إنه الخيال و الوهم الّذي يحيل إليه، فالأدب أكبر من أن تحويه صفحات الحياة، هو خلق جديد من فكر عظيم حتى لأنه يقارب المعجزات، فيصبح بذلك المبدع خالقا، و إلها له من القوّة والقدرة ما يبهر به السامع و القارىء.تقول الكاتبة" فالّذي يجلس أمام مساحة بيضاء للخلق لا بد أن يكون إلها أو عليه أن يغير مهنته"[1] و ذلك بخلق عالم جديد، يحمل المتلقي من عالم الحقيقة إلى عالم النص المفروض عليه." ظهرت باعتبارها أكثر نظم التمثيل اللغوية قدرة في العالم الحديث من حيث إمكاناتها في إعادة تشكيل المرجعيـات الـواقـعـيـة و الثقافية و إدراجها في السياقات النصية و من حيث امكاناتها في خلق عوالم متخيلة توهم المتلقي بأنها نظيرة العوالم الحقيقية و لكنها تقوم دائمـا بـتـمـزيـقـهـا و إعادة تركيبها بما يوافق حاجاتها الفنية، دون أن تتخلى في الوقت نفسه عن وظيفتها التمثيلية"[2] هكذا أعطت الكاتبة وجها جديدا للرواية العربية، حيث جعلت أحداثها تتصل بما حولها، و تحوّل ما خالفها إلى ما يوافقها، فتكون الرواية بذلك حديثة زمانها معاصرة له، فمهما تغير الزمان و المكان تبقى الرواية قائمة بصفتها آلية التعبير تتماشى وفق تطور العصر و مسايرة الذهنية الشعبية، بسردها لكل مشاغلها واصفة إياها ضمن معركة الحياة، و حياكتها بخيوط لغوية هادفة.

"فالرواية أقامت رهاناتها على العلاقات التفاعلية و التواصلية، بين العوالم الخارجية و العوالم النّصية و ذلك على سبيل التمثيل السردي، الأمر الّذي جعلها نوعا متجددا له القدرة على إعادة النظر في كل ما يتصل بالوسائل الّتي تستعين بها"[3].

لقد كان توظيف العوامل الإنسانية و الاجتماعية ضمن إطار لغوي سردي، اتّسم بالعفوية و دقة التمثيل فجاء الاغتراب و الحنين إلى الماضي، الّذي تتسع دائرته للمدينة، و للأم و للبيت الّذي تربي فيه، و السفر إلى بلاد الغرب، كلها عوامل فاعلة في الخطاب السردي حاملة الكتابة إلى فضاء يتسع لها و لمعانيها، فهي خلق واسع تخرج ساردها من دائرة العادي إلى دائرة اللاعادي، ليكون وحيد عصره، "فالّذي يخلق لا يمكن بحكم منطق الإبداع نفسه أن يكون إنسانا عاديا بأطوار عادية وبحزن و فرح عاديين بمقاييس عادية للكسب و الخسارة..... للسعادة و للتعاسة"[4].

هذا الفضاء السوسيوثقافي الّذي تحويه الرواية هو ما يبرز أثر الإبداع الّذي يتجلى في خلق ترابط بين الشخصية المحركة، و يجعل البطلة تتحـكـم فـي زمـام الأمـور، و المحركة الأولى لكل أحداثها، فكل الشخصيات تتفاعل و تتكامل لتخدم شخصيتها، فكل من شخصية خالد وأخيه وزوجته وسي شـريـف و سـي الـطـاهـر و زياد و كاترين و حسان، كلها شخصيات متفرعة عنها.

كما تجمع الرواية بين الواقع و الحلم، و تجعل التيهان في الحلم أمر مـحـبـوب و مرغوب فيه، فلا تجد له درب واضح يسير عليه، فتتـسـع بـذلـك دائـرة الـوهـم و التخيّل و تكثر التأويلات، فتتجدد بذلك الصور و يتغير الخطاب، و ذلك ما يجعله يساير العصرنة فيتغير بتغيراتها، و يحلم بمستقبلها، و قد يكون هو المـغـيّـر و الفاعل، مرغما الآخر على اتباعه.

فاكتساب القدرة على التغيير أمر غير ميسر للجميع، بل هو لذوي الكفاءة" لقد هزمت من مرّوا قبلي و صنعت من جنونهم بها أضرحة للعبرة، و أنا آخر عشاقها المجانين"[5] إنها تتذكر الماضي فتبث فيه القوّة و تنفي الضعف، حاملة بذلك الجنون الّذي تراه أساس الإبداع لتكون عاشقة، و ما العشق الشافي إلاّ جنون ما له حدود، جنون يحمل على رؤية الأشياء بانفتاحية أكبر، و القدرة على توظيفها فـي الـحـيـاة و إدماجها في النفس و الحلم على دربها، حتى ليصير هذا الحلم هروبا لكنّه ليس هروبا للاختفاء بل للظهور و البروز" تراني لا أفعل شيئا بكتابة هذا الكتاب سوى محاولة الهروب من صنف المرضى إلى صنف المبدعين"[6]، هنا تفصح الكاتبة بأنها هي الكاتبة و هي الفاعلة، ليست هي موضوع الكتابة كما أُلف ذلك. "في هذه المسافة المكانية و الزمانية تمت إعادة صياغة الفحل، و جرت انكتابية الكاتب و تأليفية المؤلف، و تحررت المرأة من كونها موضوعا للّغة لتكون الفاعلة و المؤلفة و منتجة النّص"[7]، بعد ما قيل الفحل من الفحولة الّتي كانت للذكر الّذي اشتغل بالـكـتـابـة و التأليف، و جعل المرأة موضوعا لكتابته، فقد أعيدت صياغة الفحل و لم تعد للذكر بل للأنثى حظّ فيها.

هي ذي المرأة الّتي ترومها الكاتبة، المرأة الّتي تؤسس لكتابة نسوية معاصرة، تحمل الأنوثة إلى أعلى مستوياتها، و تحقق بذلك حريتها و انطلاقها المفتوح إلى الأمام في اعتلاء عرش الكتابة، و التعبير على الحياة في أدبها بصفتها جنس مستقل بذاته، صانعة بذلك فضاء روائيا يعرّف بالأنثى و يعيد لها مجدها أو يؤسسه لها. "إنّ الكتابة النسوية سوف تتحقق حريتها و انطلاقها كلما تيقنت المرأة من قوتـهـا، و كلما كتبت المرأة بوصفها امرأة و كلما أصرت على أنوثتها، فإنها ستزداد قوّة في نفسها وإن قدر لهذه العملية الاستمرار و كاستجابة لمفهوم أن الفن انعكاس للحياة، فإننا سنرى اليوم الّذي سندرك فيه المعنى الحقيقي لكون المرأة أنثى، و لكون الرجل ذكر، و المعنى الحقيقي لكلمة إنسان"[8].

ما يزيد من قيمة الإبداع و ظهوره في الخطاب السردي الروائي، هو الجرأة على التعبير و إظهار الحقيقة، بجعل الأمور تظهر على حقيقتها، و عدم الخوف مما هو مخيف، كالإقبال على الموت بشغف، فتزداد بذلك قيمة الموت، كما تزداد قيمة المقبل عليه لهذا نرى أسماء الأبطال و العظماء الّذين واجهوا المصاعب وويلات الموت، فالتاريخ يؤثرهم على غيرهم و قد فازوا بصفحات عدّة، وأسيلت عليهم بحارا من مداد الأقلام، و حفظتهم الذاكرة ذكرى للأجيال الصاعدة.

إن رسم الجسد عاريا يدّل على إبراز حقيقة الشيء، و لمس ما هو عـظـيـم فـيـه و عدم الاكتفاء بالمظهر الخارجي، فكثيرا ما يكون مخادعا، نلمـس هـذه الـعـفـويـة و الصراحة الّتي تزيد من انفتاحية الخطاب السردي، و تطلق العنان للخيال، لكون الرواية تنطلق من الواقع لتصل إلى الخيال وتكسب بذلك فنيّة التمثيل، و براعة التركيب. ولا يجب أن تعود للواقع كي لا تعود لنقطة الصفر.

و يكون ذلك بفرض عالم لاانتمائي تنتمي إليه الذات، خروجا من الانتماء لتجد في ذلك مجالا فسيحا للتعبير، و مقاربات تمثيلية للواقع و الخيال، فتنتج بذلك سردا روائيا بديعا تتزاحمه واقعية الذات و رومنسية الخيال و براعة التركيب، فيكون بذلك خلقا جديدا و إبداعا فريدا.

2. صورة الماضي و الحاضر

تعرف الرواية بحبكة الزمان فيها، الّذي نراه يتغير من مرحلة لأخرى، و من حادثة لأخرى راسما بذلك وتيرة تواصلية تسير بداخلها مجموعة من الشخصيات، محدثة التطور المحوري للحوادث.

لذا نجد الزمن الماضي يذكر باستحضار حوادث و تاريخ ماض، وذلك راجع لغيابه النهائي بالدرجة الأولى و للاعتبار به ثانيا، فيكون ذلك خادما للخطاب السردي، مخرجا إياّه من السرد العادي إلى السرد ذي الزمن المتباين، و ذلك واقع عن قصد بغية حمل المتلقي على التفكير و ربط الحوادث، في حين نجد كتابة الرواية كلها استحضار للماضي، و كأنها سرد تاريخي تتخلله جمالية اللفظ و بداعة الصورة و سحر البيان.

" كان لا بدّ أن أضع شيئا من الترتيب الداخلي.... و أتخلص من بعض الأثاث القديم، إن أعماقنا أيضا في حاجة إلى نفض كأيّ بيت تسكنه و لا يمكن أن أبقى نوافذي مغلقة هكذا على أكثر من جثة..."[9].

قد جعلت الكتابة قراءة جديدة للماضي، بأخذ ما صلح منه و أفاد و ترك ما رث منه، فلم يعد له بدّ من بقائه، و في نفس الزمن يكون نافذة نبصر بها إلى الحاضر، فنحدث التجديد، موقفة في الزمان نفسه حياة شخصيات و أبطال تراهم قد أنهوا مهمتهم و لا بدّ من قتلهم، و القتل وارد بدلالة الكتابة عنهم، فلا يبق لهم صيت يسمع و لا حركة تنظر، هو قتل للذكر الّذي طالما قتل الأنثى في كتابته، لتبرز الأنوثة كذات مستقلة و ككاتبة حيّة،" إنّنا نكتب الروايات لنقتل الأبطال لا غير وننتهي من الأشخاص الّذين أصبح وجودهم عبئا على حياتنا، فكلما كتبنا عنهم فرغنا منهم...وامتلأنا بهواء نظيف..."[10]، إنّ الزمن الحيّ هو الّذي يملؤه الهواء النظيف الّذي يؤسس لحياة قوية و يبعث إبداعا شاملا، لا تعيقه أية جثّة.

في حين يعود الخطاب السردي إلى ذكر الزمان الماضي، و ذلك باستحضار الماضي الّذي نرى فيه بعض وجودنا الماضي البطولي الّذي دوما نشيد به و نعمل على مواصلة مسيرته." هناك أسماء عندما تذكرها تكاد تصلح من جلستك و تطفىء سيجارتك تكاد تتحدث عنها و كأنك تتحدث إليها بنفس تلك الهيبة و ذلك الإنبهار الأوّل"[11]، كثيرا ما نجد في الماضي ذواتنا فالأنثى تعود لماضيها حاكية حاضرها، مبرزة بذلك صورة فنيّة تسمو بالخطاب السردي، و هذا ما زاد من رابطة العلاقة بين المرأة و اللغة."لقد تسنى حدوث هذه العلاقة العضوية الأنثوية، ما بين المرأة و اللغة و كلتاهما أنثى، حينما تم تكسير الفحولة و فك العلاقة العضوية القديمة ما بين الرجل و اللغة، و أخذت رواية ذاكرة الجسد أوثق عرى الالتحام الجديد بواسطة توحيد الذات الأنثوية، لتكون صفة التأليف هنا هي صفة الارتباط القاطع و الواضح، و أحلام المرأة المنفية عن موطنها(اللغة) تعود إلى أرضها لتكون علامة أولى في واجهة النّص، لتكون نواة فاعلة داخل التفاعل النصوصي الممتد من أوّل كلمة الرواية إلى آخر جملة فيها، و قد اكتنز النّص بها و بفعلها"[12].

تزيد المرأة من اقتناء اللغة و مصاحبتها حتى تود قتل الرجل فيها، لتبقى الساحة لها شاغرة و الكل يسمع دويّ الفشل، لا كما قُتلت هي بصمت" و لكنّني لن أستعمل معك مسدسا بكاتم صوت على طريقتك، لا يمكن لرجل يحمل السلاح بعد هذا العمر أن يأخذ كل هذه الاحتياطات"[13]، هي تلك المـرأة الّـتـي أحـبـت الـلّـغـة و تمكنت من امتلاكها، فجعلتها فنّا يطرب حتى لو لم تفهمه، و تمتد في تاريخ اللغة لتذكر المرأة الّتي سبقتها، و تدرجها في الخطاب السردي" مددت يدي إليك دون أن أرفع عيني تماما عنه، و في عمر لحظة عادت ذاكرتي عمرا إلى الوراء إلى معصم (أما) الّذي لم يفارقه هذا السوار أبدا"[14]، إنّ المرأة تمتد جذورها في اللّغة فهي دوما قائمة، الجسد فيها متحرك والذاكرة راسخة و ما الحاضر إلاّ دليل على ما كان و مؤكد له.

و تكون للمرأة تلك السمة الدالة على البعد السيكولوجي، الحامل و باعث اللّغة إلى المستقبل لتحكم العلاقة لأجل بعيد، فتربط أحلامها برسام يحكمه الجنون متطرّف و مخيف، يحملها إلى توسيع دائرة الإبداع و يطلق العنان للتعبير، حيث تحل الألوان و الخطوط بدلالات متباينة حاملة الذات على أكثر من صفة، و هذا ما يبث الحياة فيها. فالمرأة لغة الماضي و الحاضر و المستقبل"كنت أحلم أن يحبني رسام، قرأت عن الرسامين قصصا مدهشة، إنهم الأكثر جنونا بين كلّ المبدعين، إن جنونهم متطرّف ...مفاجىء و مخيف"[15]، قد تمكنت المرأة من ذوات عدّة و امتلكوها في نفس الزمن، لكنّهم لم يتغبلوا عليها، بل خرجوا ذوي عاهات دامت ماثلة على أجسادهم، فبقي الجسد لهـا ذاكـرة و الـلـغـة إلـيـهـم كـاتـبـة."أحـبّـك الــســراق و القراصنة...و قاطعوا الطرق و لم تقطع أيديهم ووحدهم الّذين أحبوك دون مقابل، أصبحوا ذوي عاهات"[16].

هي تلك المرأة الّتي احتلت الزمن و امتلكته، و تلاعبت بأقداره فكانت كاتبة على صفحاته مستعملة في ذلك لغة سايرت الأحداث، و أينعت الأنوثة خالقة بذلك مناخا ملائما لخصوبة اللغة في رحم المرأة.

الزمن الّذي ساد الخطاب السردي كان فيه للمرأة قوّة واجهت بها قوة الرجل، محاولة قمعه وكسر فحولته، فالزمن هو دليل اللغة، و شريان حياتها إن هو قطع أو انعكس مساره، انقطع و انعكس مسار اللغة، لهذا نجد المرأة تنهي زمن الفحولة للرجل محاولة إعادتها لنفسها، و لو كان ذلك على حساب الخيال الّذي يتحول إلى واقع يسرد و يؤسس على منواله "إن تحويل الرجل إلى مادة كتابية ليس لمجرد الانتشاء بفعل الكتابة و لكنه تغيير جذري في علاقة الجنسين مع بعضهما، و الكتابة هي تحويل للواقع إلى خيال أو حسب تعبير القرطاجني هي تخييل مما يعني تحويل الكائن البشري إلى كائن من ورق، من موجود عيني إلى تصوير ذهني و إلى مادة لغوية، هذا ما تفصح عنه بطلة الرواية بقولها: "نحن نكتب الروايات لنقتل الأشخاص الّذين أصبح وجودهم عبئا علينا...نحن نكتب لننتهي منهم"[17].

و كي يبقى الزمن حافظا للمرأة عاملا على تخليدها في الذاكرة، جاءت شخصية أحلام متوارية خلف شخصية الرسام خالد، حيث جاء الخطاب ذكوريا يواري خطابا أنثويا، و هذا يدّل على إثبات ذات و حياة في زمن الغير، فيكون المجد للعمل الفني، و هذا ما يزيد الفنان رفعة و مفخرة، فعمله هو أساس نجاحه و زمانه أداة إبداعه و لغته سلاح على ساحة كتابته.

"إن الفنان يستمد قوته الآسرة من الفن كما يحقق لنفسه الخلود و ليس لهذه القوّة معنى إلاّ قوة جمال العمل الفني الّذي يأسر الناس إليه، و ليس لهذا الخلود معنى إلا أن يظل الناس في كل زمان ومكان أسرى لهذا الجمال، فرضاء الفنان عن نفسه (أي نرجسيته) لا يستمد من إعجاب خاص بذاته نتيجة حلم يقظة كان هو فارسه، بل يستمد من بطولة عمله إذا صح التعبير، و هذا يفسر لنا لماذا يحبّ الفنان دائما أن يتوارى خلف عمله الفني، إنه لا يريدنا أن نراه هو، و إنما يريدنا أن نرى هذا العمل"[18]، هذا ما رامت إليه الكاتبة أحلام بأن تصنع نجـاحـا فـي روايـتـهـا، و تبلغ بذلك مرادها حاملة المرأة إلى لمس ذاتها، و تحقيق كيانها فأحكمت الزمن خادما لها، آخذة إياه من جميع منابعه لتجري فيه رواتب أحداثها، و تغوص في أعماق أحلامها، لامسة بذلك لغة عربية اتسمت بالفحولة مهديـة إيـاهـا لـلـمـرأة، و خلقت لها زمانا تبدع فيه ليكون لها صيتا لغويا يعيد ذاكرة قائمة لجسد قرب من الفناء بين سطور الفحولة.

3.الكتابة و إثبات الذات

لا شك في أن كل عمل تقوم به الذات البشرية إلاّ و له دافع قوي يتغير بتغير الغايات، و التكوين الاجتماعي و الكفاءة المكتسبة، و هذا ما يحكم قـيـمـة الـعـمـل، و ما ينطبق على العمل الأدبي و يظهر فيه بصور جلية، ففي الخطاب السردي يفصح الكاتب عمّا يريد و عمّا أخفاه مواجهة، ليظهره في كتابته الّتي تولدت بحكم الدافع القوي الّذي أثر فيه.

تلك هي ذات المرأة الكائنة ضمن الخطاب السردي الروائي، فهي تعبر عن آلام عارضتها في الحياة و عن فقدان للذات و للأنوثة، فهي تسترجعها و تسترجع ذاتها بما يوحي إليها، فماثلت بذلك الشاعر حين ينظم قصيدة يبث فيها أحزانه و آلامه شارحا لذاته.

"فعندما تنتهب نفس الشاعر الآلام يجد عوضا عنها تلك اللذة الّتي يستمتع بها، و هو في نشوة الوحي، و في هذه النشوة يكمن مرض الشاعر و دواؤه، و لا بد أن يعي هذا أنه بسبب تلك الآلام كان الوحي و مع الوحي كانت النشوة، أي أن المعاناة كانت السبيل إلى الوحي، أي الإبداع و كان الإبداع وسـيـلـة لإخـضـاع تـلـك الآلام و التلذذ بها، فلولا الآلام ما كان الوحي ولولا الوحي ما كانت اللّذة"[19].

إن الذات تتوق لبلوغ أسمى درجات الإبداع، حتى تحقق آمالها و تشفي غليلها من اللّغة، فيصل بها هذا إلى حدّ الجنون، و احتقار المنطق و عمل ما هو خارج عن المعقول، كلّ ذلك يندرج تحت ما يسمى بإثبات الذات، فالكتابة ولادة جديدة، إنها عملية ولادة الذات بالذات، و هي معرفة الذات على مستوى آخر، و خلق المتعة من جديد إنها عملية جنسية (الحبر الّذي يدخل في الورق) إنها أخيرا ازدواجية الكائن، أن تكون في الخارج و الداخل معا، أو تزاوج ما لا نهاية بين الذات والآخر فلا تستطيع الكتابة خارجا عن الذات و إن حاولنا استبعادها فذلك أمر عسير، فالكتابة ذاكرة للماضي، و إدراك للحاضر، و تفكير في المستقبل، تفكير في الآخر ذلك الرجل الّذي طالما لامس الفؤاد، و أحكم سجن الأنوثة، فلا بدّ من تحرر معـلن و إن أدى ذلك إلى ارتكاب جريمة، فالذات هي الأولى، "في الحقيقة كل رواية ناجحة هي جريمة ما نرتكبها تجاه ذاكرة ما...و ربما نجاه شخص ما، نقتله على مرأى من الجميع بكاتم صوت، ووحده يدرس أن تلك الكلمة والرصاصة كانت موجهة إليه"[20]، هي كتابة لاسترجاع ما سلب عنوة، و تعبير عن رغبة.

" تطرح مارغريت دوراس المسألة بكلمات أخرى" لا نكتب البتة في المكان ذاته الّذي يكتب فيه الرجال، عندما لا تكتب النساء في مكان الرغبة، فإنهنّ لا يكتبنّ بل يسرقن، ليس الفارق في الكيف، بل في الأين، إنهنّ لا يكتبن بشكل مختلف، بل في مكان آخر مختلف"[21].

الكتابة إبداع صادر من إفصاح عن رغبة، نكتب حين نرى الواقع يتنـكـر لـنـا، و تلك هي الأنوثة تكتب لتعبر عن واقعها "أفضل تواطؤ الورق و كبرياء صمته"، "كل شيء يستفزني الليلة...وأشعر أنني قد أكتب أخيرا شيئا مدهشا لن أمزقه كالعادة..."[22]، حب الإبداع سرّ تواطأ عليه القلم والورق، و إبعاد الخوف من الآخر، و عدم تمزيق ما كتب، فذلك بعث قوّة في الذات و خلق جسر لغوي بيـن الـجـسـد و الفكر، فتأسس بذلك ذات واعية.

و كثيرا ما يكون الماضي الغالب على الكتابة، فهي تدارك لما فات و ضرب من ضروب التحرر من الزمن الماضي، فالمبدع يستفيد من الماضي لكنه لن يكون أسيرا له.

عادت الكاتبة إلى الماضي بذاكرتها و بثت فيها روح الحياة الجديدة، خالقة بذلك روح الأنوثة في الخطاب السردي مواجهة في ذلك الفحولة الذكورية.

"جاءت الأنوثة لتطرح ذاتها كقيمة شعرية (شاعرية) في الخطاب الأدبي، و هذا يقتضي من الكتابة النسائية دورا مزدوجا فيه، أولا تأسيس لخطاب أدبي أنثوي حقيقي الأنوثة، و لكن هذا لن يتحقق حدوثه إلاّ بتخليص اللّغة من فحولتها التاريخية، و هذا ما سعت هذه الرواية إلى فعله، حيث أخذت بمهمة تفكيك الفحولة و تكسيرها، و في الوقت نفسه راحت اللّغة تكتب نفسها، تنقش صورتها على الورق بوصفها أنثى تتكلم بلسان المرأة، و تكتب بقلم المرأة فتسترد اللّغة بذلك أنوثتها الّتي سرقت منها و تتخلص من المستعمر الفحل الّذي احتل المساحة و تحكم بفعل الكتابة و فعل القراءة و فعل التأويل، و هي أفعال كانت جميعها من حق الرجل و محتكراته"[23]، تلك الأنوثة الّتي رسمت ملامح الذات و مجدتها لتنسخها في الذاكرة، راسمة من الخيال حقيقة تبلغ به سنام الرغبة و إشباع اللّذة، و تعويض ما غاب أو ما سرق منها.

"رحت أنحاز للحروف الّتي تشبهك،لتاء الأنوثة لحاء الحرقة، لهاء النشوة،...لألف الكبرياء....للنقاط المبعثرة على جسدها خال أسمر....هل اللّغة أنثى أيضا، امرأة ننحاز إليها دون غيرها نتعلّم البكاء و الضحك و الحبّ على طريقـها، و عندما تهجرنا نشعر بالبرد و باليتم دونها"[24].

ترى هذا التجسيد للّغة و الغوص في أغوار الخيال الّذي تجد فيه ذاتها، فتصبح اللّغة أنثى و الأنثى لغة، فتحقق بذلك كيان الذات و ترتفع عن الدونية و الوهمية.

نراها تكتب و تتساءل عن كتابتها أهي فعلا مدهشة، و هل وجدت قارئا يترجم ما كتب تلك هي وظيفة الكاتبة تكتب للمجتمع و تنتظر نتيجة ما، فتدرك درجة إبداعها و ترتشف نسمة نجاحها.

" فالفنان يؤدي وظيفة اجتماعية لا تتحقق إلاّ بأن يستقبل الجـمـهـور مـا أبـدع و تحقيق الفنان لذاته بأن يبدع عملا فنيا لا يتم مطلقا إلاّ إذا كان هناك من يتلقى هذا العمل"[25].

 صورة المتلقي و الآخر

إن القراءة الموجهة للخطاب السردي الروائي هي قراءة تأويلية لمعاني الألفاظ المكونة لهذا الخطاب، تختلف هذه التأويلية من قارىء لآخر، و ذلك راجع لتباين الثقافة و الحالة الاجتماعية، و الجنس و العوامل النفسية، فـيـخـتـلـف الـمـعـنـى و يتسع، ليجد استحسانا عند هذا و قبولا من ذاك و هجاء من آخر و المبدع أو المرسل مبصر و منصت للحكم الّذي يخص عمله.

"فالمعنى إذا غير مطروح في السوق كما يقولون، و إنما همّ ما ينتجه القارىء أو المتلقي عامة سواء كان العمل لوحة تشكيلية أو نصا أدبيا أو لحنا أو حركة..الذات المتلقية هي الّتي تصنع له معنى"[26].

الفن أداة تشكيلية تستمد معانيها من الواقع، خاضعة إلى بداعة ابتكار، و بلاغة تنسيق تمتزج فيها قوّة اللغة و قوة الذات، و المتلقي من هذا متذوق ذو إحساس مرهف و فكر عامل، محكم ذلك إلى واقعه و ذاته، فتنتج ذاتين و واقعين يتجاذبهما النّص السردي و بين هاتين الذاتين و اللّغتين يكمن الإبداع بين مرسل و مستقبل يتوجه الجمال.

يقول فرويد" الانفعال الفني هو أعمق شيء في أعماقنا، و هو أحد أشكال الاندماج الاجتماعي بل أقواها، فالإعجاز في الفن يتمثل في أنه يرد إلى أنفسنا عن طريق مزجنا بالآخرين كليا و كذا نجهلهم جهلا تاما"[27].

من هنا نلمس التربية الجمالية، الّتي تتوحد قواها أمام قراءة النص، فيكون للنص دورا في تقويمها و هو في الوقت مُقوَم بها، و بهذا تنمو الروح الانفعالية للمتلقي و يعتلي السمات العليا الّتي جبل عليها فيكون لخياله امتداد، و لواقعه ترتيب و للغته حياة تتولد عن امتزاج الثقافات، و تعارف الحضارات، "ينبغي تقدير عمق التفهم الفكري لعلاقة التأثير و التأثر الطبيعية بين الثقافات و الشعوب، فمن خلالها تتفاعل الأفكار و المفاهيم و التصورات ثم تنقح و تهذّب و تبدأ بإنتاج المعارف الحقيقية و الحال أن بلاد العرب كانت مكان استقطاب لاهتمامات الأغراب منذ القرن السادس عشر وذلك لأغراض مختلفة دينية و تـجـاريـة و اسـتـيـطـانـيـة و عسكرية و ثقافية، فمعرفة الآخر تشكل هاجسا ملازما للشعوب و الـحـضـارات، و مهما كانت أهداف الآخر فإن الأغراب الّذين يمثلونه قد تركوا أثرا حيثما حلّوا طوال تلك الحقبة، و هو أمر عرفته الشعوب جميعا في حقب مختلفة و لم يختص به العرب دون سواهم"[28].

فد لامست الكاتبة ذلك الآخر الغريب، الّذي طالما ألفته أمامها كأب و أخ و زوج ذلك الذكر الّذي كتب أنوثتها محاكيا في ذلك كيانها، راسما لذاتها حياة يحق له فيها إحياءها و إماتتها، فحاورته و أرجعت فحولته إلى كتابة، و مارست عليه فنون المعاني فكان هو حياتها، و لها فيه حق التصرف فعملت على إنقاص أحد أعضاءه، و هوت به في جب الخفاء فعاش مهمشا راجيا رضاها، خلقت له واقعا الأنوثة رائدته، و المرأة ملكته تلك.

قد استيقظت الذات النائمة على نبرات الفحولة، و استمدت قواها من أنقاضها، فتحويل الواقع و جعل المتلقي يدخله و يعيشه ناسيا واقعه الّذي يندثر عبر السرد الخطابي ليصبح فكره و ذاته ملكا للنّص، ليكون بذلك سلطة للنص قائمة و ما عليه إلاّ الطاعة، و تحيا الذات في سفرها لبلاد الغرب "باريس" حيث تجد موضوعيتها خارج وطنها، فترى حقيقتها برؤية الآخر الّذي يقوّم أعمالها و يفرض لغته و يرسم ألفاظه، و هذا ما امتثلت له الرواية الحديثة، فقد حاكت الغرب و سارت على دربه، فاكتسبت حرية التعبير و شساعة المعنى و موضوعية الذات، تقول" اكتفيت بالتساؤل...أين يبدأ الفن ترى؟...و أين تبدأ النزعة السادية عند الآخرين...؟ كنت أعتقد أن هذه الجدلية لا علاقة لها بالواقع و لا بالفن، و إنما بطبع الإنسان لا أكثر، نحن ساديون بفطرتنا، يحلو لنا أن نسمع عذابات الآخرين و نعتقد عن أنانية أن الفنان مسيح آخر جاء ليطلب مكاننا"[29].

إن القرب من الآخر يحتم القرب من فكره و اعتقاده، و حتى الحلم بحلمه، هذا الهاجس الّذي ظلّ مخيما على الرواية فحملها على رؤية جديدة للذات، و مواجهة متلق بفكر جديد، متلق أمام ذات عربية بصورة غربية. فما هي مقومات استقبـالـه؟ و أين مكان ذاته من هذا؟.

قد يصبح يرى عالمه أسطورة وواقعه خرافة تلحفها جمالية عالية و خيال شفاف تلك ميزة تُحييه في عالم الرواية الّذي تنبعث منه بوادر الحياة المعاصرة، حيث تصبح الرواية شكلا فنيا اجتماعيا يشخص و يدرس لكن يُبقى الخلاصة للمتلقي.

"ففي النهاية ليست الروايات سوى رسائل و بطاقات نكتبها خارج المناسبات المعلنة، لنعلن نشرتنا النفسية لمن يهمهم أمرنا و لذا أجملها تلك التي تبدأ بجملة لم يتوقعها من عايش طقسنا و طقوسنا و ربما كان يوما سببا في كل التقلّبات الجوية"[30].

هي الرواية نشرة نفسية لذات لامست الآخر و خبرته، و عادت لقريب منها تخاطبه بلغة لم يألفها و بواقع لم يعشه، ليعرف ذاته وواقعه، فلطالما كان الحـاكـم و المغيّر، فاكسب بذلك الرواية جرأة و مغامرة تحكمها حبائل الشكوك، و شباك الضياع في ظل إنسانية سادها ظلام دامس.

"كانت الرواية العربية مجالا لهاجس العلاقة بالغرب، وظل هذا الهاجس حاضرا فيها مؤثرا في بنية خطابها عبر مراحل تطورها المختلفة، منذ المحاولات الجنينية الساذجة و المباشرة، و حتى أخذت التجارب الّتي تتسم بالجرأة و المغامرة الفنية من ناحية، و برؤية متميزة من ناحية ثانية، و لعل استمرار الرواية في التعامل مع هذا الهاجس مع تعدد و تنوع الرؤى و التجارب، ينبت حصانة الفكرة القائلة إن الرواية تستحق أن تكون هي الجنس الأدبي الأقدر على التعبير، عن علائق الإنسان الحديث المعقدة، سواء على صعيد الذات أو على صعيد فـهـم الـمـجـتـمـع و الكون، و استيعاب التحولات المتسارعة"[31].

فالخطاب الروائي هنا عمل إبداعي، تتجلى فيه خفايا الذات حيث يتعامل المبدع مع الأشياء من حيث ما تمثله لأناه و من حيث تبدو مقدرته على إمتاع المتلقي و جذبه نحو الموضوع، ومن حيث قدرته على أن يجعل لموضوعه لدى المتلقي الوظيفة نفسها أو قريبا مما يراه هو أو يخلعه عليها.

"فالأثر الإبداعي ولادة حية و إحضار فاعل لللاوعي الجماعي، و المبدع يقوم بدور الأم في حمل هذا اللاوعي جنينا ثم ولادته بعد أن يكون قد تكامل نموا و نضجا في رحمه"[32]

قد تلخص الوعي الاجتماعي صاحبا في ذلك اللاوعي الّذي ظل وهما قاطنا بالذات، بعيدا عن معركة الحياة في الرواية الّتي مدت يدها له لتحمله بين طياتها، معلنة صوته للخارج، و كاشفة صورته للآخر فالرواية "هي كتابة واعية هي وعي بالمفقود ووعي بالمطلوب لذا فإنّ هذه الرواية تأتي كمثال قوي و دقيق على الكتابة النسائية، و على المجاز الأنثوي في مواجهة الفحولة و مجازاتها كما تأتي الرواية تتويجا لجهود عظيمة في مجال الكتابة النسوية و اقتحامها عوالم اللّغة بخطابيها السردي و الشعري"[33].

هي الرواية الّتي بنت أسسها على محاكاة الواقع و الذات متخذة من الجمال منهجا و من الآخر مثالا تسوغ على منواله، فقد رأت فـيـه فـردوسـهـا الـمـفـقـود، و مارست شتات أحلامها ضمن حروفها، فرسمت من الحرف إحساسا، و من السطر قلبا نابضا، ومن الصفحة جسدا قائما، تقيم فيه ذات تحيا متسائلة عن كيانها بين جمال مرغوب، و حلم ممنوع، و طقوس أحاطت بحرية ساجنة إياها في ظلال قداستها، فأبت هذا و راحت تكسر قيد العبودية، و تسدل ستار الخفاء، لتظهر جرأة يافعة و نهارا مشرقا، كاتبة لأنوثة حديثة، و حاملة للغة خطابية مباشرة، تحاكي فيها مجدها و تخاطب آخرا ظلّ يرمقها بنظره، و يسجنها بقلمه و يرسمها بريشته.

خطت واقعا يخاطب الفكر الإنساني المعاصر عارضة عليه صورته واضعة إياها تحت مجهر النقد ليعرف أناه و يُحكم عقله، غير راضخ لأساطير شعبية ظلت تحكمه لزمن غير قصير.

هي الرواية الحديثة و المعاصرة الّتي رسمت الآخر، و نظرت إليه بعين ثاقبة، فألمت بما حوى آخذة ما يحملها على فهم الذات، و يعمل على تحريرها من قيود التقليد إلى حياة الإبداع، و لازالت الطريق أمامها ممتدة و المناهج عليها قائمة، هي الخطاب الإنساني للإبداع الّذي زاوج الذات بموضوعها و نظر إلى الآخر، الّذي يعدّ منبعا لإبداعها.

هوامش

[1] مستغانمي، أحلام، ذاكرة الجسد، الجزائر، موفم للنشر طبع المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية وحدة الرغاية، د.ط، 1993، ص.207.

[2] ابراهيم، د.عبد الله، السردية العربية الحديثة، بيروت والدار البيضاء (المغرب)، المركز الثقافي العربي، ط.1، 2003. 

[3] المرجع نفسه، ص.50.

[4] مستغانمي، أحلام، ذاكرة الجسد، ص.164. 

[5] المرجع نفسه، ص.343.

[6] المرجع نفسه، ص.388.

[7] الغذامي، عبد الله، المرأة و اللغة، بيروت والدار البيضاء (المغرب)، المركز الثقافي العربي، ط.1، 1996، ص. 185.

[8] المرجع نفسه، ص.54.

[9] المرجع السابق، ص.22.

[10] المرجع نفسه، ص.23.

[11] المرجع نفسه، ص.33.

[12] الغذامي، د.عبد الله، المرأة و اللّغة، ص.192.

[13] مستغانمي، أ. ذاكرة الجسد، ص.55.

[14] المرجع نفسه، ص.61.

[15] المرجع نفسه، ص.161.

[16] المرجع نفسه، ص.209.

[17] د. الغذامي، عبد الله، المرأة و اللّغة، ص.189.

[18] إسماعيل، عز الدين، التفسير النفسي للأدب، مكتبة غريب القاهرة، ط.4، د.ت، ص.26. 

[19] المرجع السابق، ص.22.

[20] مستغانمي، أ.، ذاكرة الجسد، ص.23.

[21] مجلة الثقافة النفسية، تصدر عن مركز الدراسات النفسية و الجسدية، المجلد2 العدد السادس، دار النهضة العربية للطباعة و النشر، بيروت، 1991، ص.66.

[22] مستغانمي، أ.، ذاكرة الجسد، ص.29.

[23] د. الغذامي، عبد الله، المرأة و اللّغة، ص.181.

[24] مستغانمي، أ. ذاكرة الجسد، ص.250.

[25] إسماعيل، عز الدين، التفسير النفسي للأدب، ص.24.

[26] الملحم، إسماعيل، التجربة الإبداعية، دراسة في سيكولوجية الإبداع و الاتصال، دمشق، منشورات اتحاد كتاب العرب، 2003. 

[27] ذكره، المرجع نفسه، ص.58.

[28] د. ابراهيم، عبد الله، السردية العربية الحديثة، ص.34.

[29] مستغانمي، أ.، ذاكرة الجسد، ص.163.

[30] مستغانمي، أ.، ذاكرة الجسد، ص.15.

[31] لبيب، الطاهر، صورة الآخر ناظرا و منظورا إليه، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط..1، 1999، ص.814.

[32] الملحم، إسماعيل، التجربة الإبداعية، ص.76.

[33] د. الغذامي، عبد الله، المرأة و اللّغة، ص.181.