Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

إن الفضاء هو مجموع الأمكنة، فهو أكثر شمولا و اتساعا من المكان و الفضاء الروائي غير الفضاء الواقعي، لأنه حامل لقيم فنية تتماهى فيها وجهات النظر لكل من السـارد و الشخصيات، و تتفاعل فيه مجمل الأحداث و الحوادث الواقعة في زمان معين. هو فضاء يظل متخيلا على الرغم من الالتباس الواضح الذي يحاول الروائي الإيهام به عند المتلقي، ذلك لأن فعل الإيهام بوجود فضاء روائي كثيرا ما يستند على أسلوب للوصف لأجل تجسيد مشهد من العالم الخارجي، و هو وسيلة لا غاية في عـمـلـيـة الـتـصـويـر و التأطير للوحة المرسومة التي يسعى الروائي لعرضها في روايته للقارئ."إن الوصف يتناول الأشياء فيرسمها بوساطة اللغة و هو عنصر أساسي في الرواية، فإذا كان السرد يروي الأحداث في الزمان فإن الوصف يصور الأشياء في المكان"[1].

إن الوصف يؤدي وظيفته الأساسية في الاحتمال على غرار ما قد يكتنف القصة أو الرواية من مغامرات و أحداث...و يعود السبب إلى تلك المرجعية التي ينتسب إليها الوصف و هي صفة الكونية المتأصلة فيه، التي تريد أن تضع المرء في وسطه الفيزيـائـي و وفق إطار زمكاني محدد، "فلقد أقر الروائيون منذ زمن طويل بضرورة إقامة توافق بين القصة و وسطها المحيط، كما أقروا بالآثار التي يمكن أن تنتج عن ذلك، لكن طرأت تحولات كثيرة منذئذ على مفهوم الوصفية و مفهوم "الفضاء" الروائي بشكل عام، فقد كان وصف الأمكنة في روايات القرن السابع عشر يختصر في معظم الأحيان في عبارات عامة.[لكنه] أصبح في القرن الثامن عشر و بصفة خاصة في القرن التاسع عشر من الأهمية بحيث لم يعد مجرد خلفية...فما عادت مجرد ديكورات، يمر عليها الأشخاص بنظراتهم اللامبالية أو الشاردة، بل إنها لتسبح فيها كأنها وسطها الطبيعي و وطنها الأثير الذي تنشرح فيه و تنفتح"[2].

يعد الفضاء من العناصر البنائية في المحكيات عموما و في الروايات خصوصا و الذي كان من أقل القضايا إثارة للبحث و الدراسة، ذلك لأن جـل الاهتمـام عنـد المـنـظـريـن و الباحثين كان قائما على تحليل الأحداث و مكوناتها و دراسة الشخصيات و وظائفها و البحث في الرؤيات و وجهات النظر و غيرها.

هو الفضاء بكل تداعياته الذي نظر إليه البعض من هؤلاء نظرة أحادية الجانب، تتمثل في كونه ثابت غير متحول و موجود بوجود الزمان و الأحداث و الشخصيات حتى ظن البعض منهم أن هذه البنيات هي سبب وجوده و ليس العكس و لم يكن حظ الدراسات الحقة بوافر في تبيان معضلات الفضاء من تحلـيل لـتشـكـلات المـكـان فـيـه و دراسة أبعاده الطوبوغرافية و الدلالية و الرمزية و الإيديولوجية.

للفضاء شعريته و هي خطوة أولى لدراسة الجمالية بالبحث في القيم و الموجهات التي يتفق فيها السارد و شخصياته و القارئ معا بوجود تعارضات أو تناظرات ما بين الأمكنة، و أن النفس ميالة إلى هذا المكان دون ذاك و إلى هذا الفضاء لا إلى سواه، لما يثيره فيها من دلالات انفعالية و وجدانية، إيديولوجية و سياسية، ثقافية و دينية.

يرتبط المكان بخيال الإنسان و أحلامه مما يجعله قابلا للتحول إلى رموز و دلالات، يطلق عليها الانزياح أو العدول، فحتى و إن كان الشخص في مكان معين فإنه قد يعيش في مكان آخر غير مكانه الحقيقي، و هذا ما نلمسه في رواية "ذاكرة الجسد" من خلال الشخصية المحورية و يمثلها "خالد بن طوبال" الذي يعيش في باريس واقعيا، لكنه مرتبط بقسنطينة المدينة الأم و الوطن من خلال خياله و شعوره و إحساساته و ذكرياتـه و عبر وعيه الذي يعود به إلى طفولته بالمكان الأصل، و هذا ما تعكسه لوحاته الزيتية التي يرسمها و التي تظهر الجسور المعلقة المعروفة بقسنطينة و كذلك بشخصية حياة التي تربطه بتاريخه النضالي و مكانه الأليف.

يتم استدعاء المدينة بوصفها حلما ضائعا أو فردوسا مفقودا لتتحول من شكلها الهندسي المرئي إلى شكل ذهني يفهم منه أنها الوطن الذي ينتمي للمدينة لا المدينة التي تنتمي إلى هذا الوطن و أنها الحبيبة التي يعشقها السارد لحد الجنون لقوله:"كيف أنت؟.يسألني جار و يمضي في السؤال عنك.كيف أنا؟ أنا ما فعلته بي سيدتي فكيف أنت؟ يا امرأة كساها حنيني جنونا و إذا بها تأخذ تدريجيا مدينة و تضاريس و وطن"[3].

تتماهى المدينة مع الشخصية لتوسم بطابع الآدمية، حيث شخصتها الروائية في روايتها و اعتبرتها محورية و أساسية كما أنها عكست صورة شخصية من شخصياتـهـا و هي حياة الطالبة و أسقطتها على المدينة، مما سمح لها بالتلاعب على وترين حساسين لجذب المتلقي حتى يتفاعل مع الرواية: فحياة المرأة الجزائرية التي يبشر اسمها بتباشير الأمل و الحيوية و العزة و السؤدد..و حياة الجزائر التي لا تموت كما أن المدينة جزائرية و هي ممتلئة حياة أيضا لأنها خالدة في الذاكرة و باقية، جالسة على كرسي عرشها المصنوع من جسورها.

ليأخذ فضاء المدينة أبعادا متعددة الدلالات هي سياسية و دينية و خلقية و عقائدية لقولها:" منذ انحزت لهذه المدينة الملتحفة –حماقة- بالسواد منذ قرون و التي تخفي وجهها –تناقضا- تحت مثلث أبيض للإغراء. سلاما أيها المثلث المستحيل. سلاما أيتها المدينة التي تعيش مغلقة وسط ثالوثها المحرم" الدين، الجنس، السياسة"[4].

الجسد هو الحامل للذاكرة لكن المدينة في الرواية أيضا لها جسد من أخاديد الشوارع و البيوت و الأمكنة المتنوعة التي تجعل منها هيكلا قائما بذاته، ثم إن الجسد ميت إن كان بلا روح، و روح قسنطينة في ذاكرتها، في ماضيها و تاريخها، تاريخ مرير شهد فيه البطل أعنف الثورات التي مرت بها البلاد إبان الاحتلال الفرنسي.

و فضاء قسنطينة حينما يقرنه خالد بن طوبال بالذاكرة فذلك لأنه متصل بكيانه، ساكن بروحه، متعلق به إلى حد الذوبان، حيث يقول:"لا تحاولي أن تعودي إلي من الأبواب الخلفية و من ثقوب الذاكرة و ثنايا الأحلام المطوية و من الشبابيك التي أشرعتها العواصف. لا تحاولي. فأنا غادرت ذاكرتي يوم وقعت على اكتشاف مذهل لم تكن الذاكرة لي و إنما كانت ذاكرة مشتركة أتقاسمها معك. ذاكرة يحمل كل منا نسخة منها قبل أن نلتقي."[5].

و من المدينة الذاكرة التي تشد الكاتبة إليها شدا حسيا راسخا في أعماقها إلى المدينة اللوحة الزيتية التي تشد بطل الرواية "خالد بن طوبال"إليها بصفة مادية، رسمها ليخلد روعتها و يبرز روح الوطنية التي تعني أنه و قسنطينة واحد لا اثنان، لقوله: " رسمتها منذ 25 سنة و كان مر على بتر ذراعي اليسرى أقل من شهر، لم تكن مـحـاولـة للإبـداع و لا لدخول التاريخ. كانت محاولة للحياة فقط و الخروج من اليأس"[6] هي لوحة سماها "حنين" ملأها حياة، فتحولت من لوحة للمدينة إلى شخصية آدمية يخاطبها، يغازلها و يعاملها بلطف و احترام، و تلك هي جمالية الفضاء الروائي التي سعت الروائية للوصول إلى ما يؤلف بين ما هو حسي مجرد و معنوي و بين ما هو مادي ملموس، حيث تقول على لسان بطلها:" اتجهت نحو لوحتي الصغيرة –حنين- أتفقدها و كأنني أتفقدك." صباح الخير قسنطينة.كيف أنت يا جسري المعلق.يا حزني المعلق منذ ربع قرن؟.ردت علي اللوحة بصمتها المعتاد و لكن بغمزة صغيرة هذه المرة.فابتسمت لها بتواطؤ.إننا نفهم بعضنا أنا و اللوحة-البلدي يـفـهـم مـن الـغـمـزة- و كانت لوحة بلدية مكابرة مثل صاحبها، عريقة مثله تفهم بنصف غمزة.."[7].

إن العلاقة الروحية بين الشخصية و الفضاء تخفي وراءها سيلا من العلاقات العاطفية و الودية و الحميمية و الإنسانية أيضا، لقوله:" نظرت إليك خلف ضباب الدمع، كنت أود لحظتها لو احتضنتك بذراعي الوحيدة كما لم أحضن امرأة.كما لم أحضن حلما."[8] و هي مشاعر صادقة، في مجملها تعبر عما تكنه الكاتبة أحلام من حب دفين لمدينتها خاصة و أنها تعيش بعيدة عنها، و ما شاعرية تلك اللغة الروائية و جودة أسلوبها و دقة التصوير زيادة على عمق الدلالة فيها إلا تأكيد واضح و صريح على تفاقم الأحاسيس النفسية المليئة بالحنين و الشوق لقسنطينة، و لربما لو شاءت الأقدار أن تبقى أحلام بهذه المدينة لما تسنى لها أن تكتب بهذه الفصاحة و الطلاقة و الشاعرية، لذلك يمكن القول بأن الغربة بما تعنيه من مظاهر للعيش المضطرب و المؤلم، بعيدا عن الموطن أو المكان الأصل، كان لها وقع إيجابي في التبليغ و التواصل.

الفضاء و الأمكنة

1 .الجسور

يقترن فضاء المدينة بالجسور المعلقة و هي رمز من رموزها التي تحدد واقعها الجغرافي ماضيا و حاضرا و مستقبلا و الجسر هو وصل بين ضفة على اليمين و أخرى على الشمال، قد يأخذ له أبعادا و دلالات هي: سياسية حينما يـتـم ربـطـه بـصـالـح بـاي و تاريخية متعلقة بماضي الجزائر الأليم لوجود الاستعمار، و بأبعاد أخرى نفسية تتجلى في الزمن الحاضر، حيث تقول الكاتبة: "كان الجسر تعبيرا عن وضعي المعلق دائمـا"[9]، و بالفعل يثير الجسر نوعا من الخوف و الرهبة، فهو ممر له بداية و نهاية، لكن ما يتخللهما هل يدعو إلى بر الأمان؟ يظل هذا الجسر طريقا غير مضمونة، فهو معلق و ما هو معلق مشدود لا يتيح لنا السير قدما نحو تحقيق ما نسعى إليه بسلام، إنه جسر الضباب الذي يجعل الرؤية شبه منعدمة ليرمز إلى حاضر المدينة القاتم الذي يخلو من الشفافية و النور، بحيث غدا شبابها ضائعا تائها، لا هدف له و لا حياة..شباب بلا أمل..معلق مستقبله مثل جسر المدينة المعلق..

2 .الصخرة

قرينة أخرى لقسنطينة، ذلك لأنها مدينة قائمة أصلا على صخرة، مدينة داخلية تقول عنها الروائية:" وقع حكمك علي أيتها الصخرة..أيتها الأم الصخرة. فاشرعي مقـابـرك و انتظريني سآتيك بأخي..افسحي له مكانا صغيرا جوار أوليائك الصالحين و شهدائـك و باياتك" [10].

قسنطينة الصخرة لما تتصف به من صلابة و قوة و قسوة أيضا، إنها أم صخرة جمعت بين تناقض في المفاهيم و المعطيات إذ هي أم تؤم أبناءها و تحويهم في هذا الفضاء المنشق إلى منطقتين، ليحمل اسم قسنطينة،الطينة التي قسمت إلى قسمين-قسم الطينة و بفعل النحت و التركيب صارت قسنطينة-، و هي صخرة لأنها قاسية بحجارتها لا بتربتها، هي صخرة ثابتة لا تخضع أو ترضخ لانكسارات الزمن، رافعة همتها و حافظة كرامتها و عزتها بدليل أنها لا تزال حريصة على حفظ تراثها الروحي و المادي كي لا يكون مآله الزوال و الاندثار.إنها أم محافظة على أصالتها بتشبثها بالتقاليد و الطقوس و الأعراف.

  1. 3. الشوارع و المنازل

إن مكانا مثل الشارع له سيميائيته فهو فضاء مفتوح و محصور في آن واحد، له دلالته التي تميزه، فهو في انفتاحه تنشرح له النفس من خلال التنزه و التجوال أو البحث عما ترغب فيه، و في انحصاره يـأتـي الانـغـلاق بـتـمـوضـع جـدران الـبـيـوت و المحلات و وجود أسوار و أسيجة من كل جانب، حتى و إن تم تجاوزها، فلم يعد الشارع شارعا و المكان مكانا و إنما هو مكان آخر مختلف عنه.

إنهما ثنائية متلازمة و لأن وجود الواحد هو ما يبرر وجود الآخر، "و إن كانا ينتميان إلى أنموذجين مختلفين، فإنهما يشكلان مجتمعين:مركبا-مركبا محينا...إن الشارع يكون في إطار البنية الفضائية وحدة في الإمكان رصد سماتها"[11] من بين هذه السمات توجد تلك التي هي لغرض تبيان القيم المجتمعية، فهناك شوارع معروفة بانحطاطها و تدهور حال سكانها و شوارع مشهورة بنبل أهاليها و أخرى غير معروفة، إذ لا يمكن الجزم فيها بتقييم إيجابي أو سلبي، و شوارع يشار إليها بأصبع الاتهام لأنها مأوى للمكرة و اللصوص و لمرتكبي الجرائم و الآفات الاجتماعية، ضف إلى ذلك هنالك شوارع معروفة بنظافة أحياءها و أزقتها ما يسقط على السيرة الحسنة لسكـانـهـا و هي عادة ما تكون واسعة و فخمة و شوارع تقابلها بالقذارة و القمامة ما يعني سوء الأحوال الشخصية من الناحية الأخلاقية و الاجتماعية و حتى الثقافية. و هي في مجملها ضيقة.

تتمظهر الشوارع في الفضاء القسنطيني متشابهة، لا تثير الدهشة أو الغرابة.تصفها الكاتبة بالعادية و بأنها لا تؤدي إلا إلى حلقة مفرغة و هنا لا يجد بطلها "خالد بن طوبال" تفسيرا لها سوى ما سجله مالك حداد كعنوان لرواية"الأصفار تدور حول نفسها".

و أما المنازل و معها المساجد فما أكثرها، تسرد الروائية تناقض المعمارين و من ثم الحياتين الاجتماعية و الدينية بهما، حيث تقول:" لا تصدق المظاهر أبدا في هذه القضايا، الإيمان كالحب عاطفة سرية نعيشها وحدنا في خلوتنا الدائمة إلى أنفسنا، إنها طمأنينتنا السرية، درعنا السري. و هروبنا السري إلى العمق لتجديد بطاريتنا عند الحاجة، أما الذين يبدو عليهم فائض من الإيمان، فهم غالبا ما يكونون قد أفرغوا أنفسهم من الداخل ليعرضوا كل إيمانهم في الواجهة لأسباب لا علاقة لها بالله"[12].

فالإيمان قناعة عند الأهالي و لا يمكن إلا أن يكون كذلك و هو و الزيف/الزيغ خطان لا يلتقيان، ثم إن تناقضا آخر يؤخذ على المنازل و المساجد و يتمثل في تراص الصحون الهوائية معانقة المآذن دونما اهتمام بالقيم الروحية المعارضة لمفاهيم التحضر و العصرنة في بعدها السلبي اللاأخلاقي." هذه هي قسنطينة. لا فرق بين لعنتها و رحمتها، لا حاجز بين حبها و كراهيتها، لا مقاييس معروفة لمنطقتها..فمن يمكن أن يحاسبها على جنونها و من يمكن أن يحسم موقفه منها حبا أو كراهية. إجراما أو براءة. دون أن يعترف أنها تحمل في كل الحالات ضدها."[13].

4 .المقاهي

تتشابه المقاهي و كأنها تحيل على مكان واحد مكرر، لأن الصورة العاتمة في الوجوه واحدة، هي صورة حزينة كئيبة، لا توحي بالجديد لأنها تعبر عن حاضر هو لهذا " الزمن الذي كبرت فيه المقاهي و كثرت لتسع بؤس المدينة حتى تلك الهيبة التي كانت سمة أهل قسنطينة و ذلك الشاش و البرنس المتألق بياضا أصبح نادرا و باهتا اليوم."[14].

و لعل المرجعية التي تستند عليها الروائية لرسم و تصوير هذه المشاهد تعود للظروف الاجتماعية السيئة و تدني المستوى المعيشي و تدهور الأحوال الثقافية و المبادئ الأخلاقية و لتراجع القدرة الشرائية عن مستواها المعقول و لأسباب سياسية حكمت على البلاد بالتقهقر و التخلف، ما ولد أزمات كان أولها ظهور ظاهرة الإرهاب مبكرا في البلاد، و الذي صعد من وتيرة الاضطراب حينما استغلت العقول الساذجة باسم الدين الإسلامي لأجل التحايل عليها و توريطها فيما سموه بتصفية "أعداء الله" أو "الطواغيت".

بيد أن المقاهي في الحاضر غير المقاهي في الماضي، إنها أمكنة للإئتلاف لا للاختلاف و هي لامعة بأسماء روادها من مثل ابن باديس و بلعطار و باشتارزي. الذين يعودون كل مرة بذاكرة خالد حيث يقول:" ها هي الذاكرة سياج دائري يحيط بي من كل جانب تطوقني أول ما أضع قدمي خارج البيت و في كل اتجاه أسلكه تمشي إلى جواري ذكرياتي البعيدة. و الأكثر بعدا. فأمشي و الماضي مغمض العينين. أبحث عن المقاهي القديمة العديدة التي كان لكل عالم أو وجيه مجلسه الخاص فيها حيث كانت تعد القهوة على الوجاق الحجري و تقدم بالجوزة. و يخجل النادل أن يلاحقك بطلباته كان يكفيه شرف وجودك عنده" [15].

إن المقهى لصيق بالذاكرة الرجولية لأنه معلم من معالم الوقار و الاحترام و القناعة ففيها كانت تعقد المجالس و الندوات بين العلماء و الشيوخ الأجلاء لتقرير مصير الشعب وقت الاستعمار، و لأن هؤلاء من الصفوة و الأخيار كانت المقاهي تسمى بأسمائهم، إذ لولاهم لما ذاع صيتها و لما ارتادها الرجال من مختلف الأعمار و الجهات.

و قرائن أخرى للفضاء القسنطيني هي للمطار و المقابر و الأضرحة و اللبـاس الأسـود و سجن الكدية و للعادات و التقاليد.

جمالية الفضاء القسنطيني في رواية ذاكرة الجسد تحمل أهمية كبرى للتأسيس للحدث و الشخصية، لذلك فاختيار الروائية لمجموع الأمكنة لم يقم بصفة اعتـبـاطـيـة أو جزافية، إنما هو تحديد دقيق يبرز التقاطعات الهندسية لنسيج المدينة الدال على مدلولات متعددة تأخذ لها طابع التضاد أو التـنـاقـض، مـا بـيـن الأمـكـنـة و الأزمـنـة و الأحداث و الشخصيات.

لهذا فإن فضاء المدينة يتشكل بأكثر من دراسة بعيدا عن كونه موضوعا للوصف، إنه مكون رئيسي في الآلة السردية و لا يمكن في أي حال من الأحوال إغفال أهميته و دوره من خلال تقصي البحث في شعرية جديدة لجزئياتـه و عـنـاصـره بـكـثـيـر مـن الـدقـة و الموضوعية.

هوامش

 [1]زياد محبك، أحمد، مقدمة لدراسة المكان في العمل الروائي، مجلة البحرين الثقافية، ع24، المجلد 6، السنة السادسة، المنامة، أبريل 2000، ص.108.

 [2]رولان، بورنوف، ريال، أويلي، معضلات الفضاء، ترجمة عبد الرحيم حزل، عن مؤلف الفضاء الروائي لنخبة من المؤلفين، الدار البيضاء، إفريقيا الشرق، ط1، بيروت، 2002، ص.ص. 104 - 105.

 [3]مستغانمي، أحلام، ذاكرة الجسد، الجزائر، موفم للنشر، وحدة الرغاية، 1993، ص17 و ما بعدها.

[4] نفسه، ص.400.

 [5]نفسه، ص.449.

 [6]نفسه، ص.68.

 [7]نفسه، ص.91.

 [8]نفسه، ص.133.

 [9]نفسه، ص.238.

[10] نفسه، ص.467.

[11] مجموعة من المؤلفين، الفضاء الروائي، ترجمة عبد الرحيم حزل، ص.139.

[12] ذاكرة الجسد، ص.ص.279-278

[13] نفسه، ص.351.

[14] نفسه،ص.368.

[15] نفسه، ص.368.