Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

" نحن نكتب لنستعيد ما أضعناه و ما سرق منا خلسة"

تؤسس هذه العبارة المأخوذة من رواية "ذاكرة الجسد " لأحلام مستغانمي لما اصطلحنا على تسميته بسرد الأنوثة، و هو ذلك الفضاء الذي سعت من خلاله أحلام مستغانمي لاستعادة تأنيث اللغة الضائعة، تأنيث اللغة التي قال عنها ابن جني أن أصلها مذكر[1] فارتكب جناية في حق اللغة و المرأة و في حق الكتابة كذلك.

لقد كانت أحلام مستغانمي واعية تمام الوعي في روايتها المذكورة أن تأنيث اللغة كان قد أفرز لنا معادلة ظالمة، معادلة منقوصة، و بطرف واحد هو ثقافة الفحل بكل ما فيها من تاريخ و تقاليد و رسوخ، ولقد سعت الروائية الجزائرية إلى الوقوف عند هذا الموضوع الشائك و البالغ التعقيد من خلال سعيها الحثيث إلى بلورة كتابة روائية متميزة، تعلو على الثقافة المهيمنة و تتجاوزها غير مكترثة تماما بلغة التخاطب الموروثة، ففي ذاكرة الجسد هناك كتابة تؤكد على" أن انعتاق المرأة فكريا لن يحصل إلا إذا تحررت لغويا"[2]، لذا كان من الضروري أن توجه هذه الروائية، دفعة واحدة، كتابتها أولا نحو رجل، و ثانيا نحو مؤسسة اجتماعية مدنية، و ثالثا نحو الذات، وهذه هي الموجهات التي صدر منها خطاب "ذاكرة الجسد"، مما جعلها أي هذه الموجهات تتحكم بشكل أو بآخر في رؤية أحلام للكتابة الروائية، تلك الرؤية التي جعلت من أحلام مستغانمي امرأة حاملة لقضية، عكس المرأة بدون قضية، ومن خلال تلمسنا لخصائص الكتابة السردية في الرواية المذكورة و جدنا الروائية تدافع عن أحلام المرأة بقضية و تناضل سعيا منها إلى خلخلة المؤسسة الثقافية على أكثر من صعيد، و الدليل على ذلك أن كل حيلها الروائية توحي بأنها ترمي إلى التغيير، ترمي إلى خلخلة المؤسسسة الثقافية، و الاجتماعية و التاريخية، باستخدام أدوات معرفية مغايرة للأدوات التي يستخدمها الخطاب السائد، أي ذلك الخطاب المتوارث و النابع من الذاكرة العربية، تلك السلطة المرجعية التي تمتعت بكامل شخصيتها تحت اسم ثقافة الفحولة.

قلت أن كل الحيل الروائية الموجودة في" ذاكرة الجسد" توحي بأن هناك، امرأة ككينونة اجتماعيـة و ثقافية استطاعت من خلال تأنيث السرد هذه المرة الكشف عن كل المكبوتات التاريخية و الاجتماعية و السياسية التي تخص المرأة و الرجل معا على حد سواء.

و هذه الحيل الروائية قد أضفت بظلالها على خصائص الكتابة السردية في "ذاكرة الجسد "، إذ لونتها بمرامي السرد و مقاصده، فجعلته أي السرد ينحو نحو مواجهة آلية استبعاد المرأة من الساحة الأدبية العربية، قصد تغيير ما تراكم في الذاكرة و البنية المعرفية العربية، ومن تلك الخصائص وجدنا :

 

إن أحلام مستغانمي في "ذاكرة الجسد" هي الكاتبة و المكتوبة ، فالروائية اسمها أحلام و البطلة اسمها أحلام وهي التي شاء خالد أن تكون موضوع روايته، يقول خالد العائد بذاكرته إلى الوراء، ومستعيدا ذكرياته مع سي الطاهر والد أحلام : وعاد بعد لحظات و كأنه نسي شيئا ليضيف شبه مرتبك و هو يلفظ ذلك الاسم لأول مرة.

لقد اخترت لها هذا الاسم. سجلها متى استطعت ذلك و قبلها عني.و سلم كثيرا على أماّ كانت تلك أول مرة سمعت فيها اسمك. سمعته و أنا في لحظة نزيف بين الموت و الحياة، فتعلقت في غيبوبتي بحروفه، كما يتعلق محموم في لحظة هذيان بكلمة.

كما يتعلق رسول بوصية يخاف أن تضيع منه.

كما يتعلق غريق بحبال الحلم.

بين ألف الألم و ميم المتعة كان اسمك.

تشطره حاء الحرقة. ولام التحذير. فكيف لم أحذر اسمك الذي ولد وسط الحرائق الأولى، شعلة صغيرة في تلك الحرب، كيف لم احذر اسما يحمل ضـده و يبدأ بـأح الألم و اللذة معا. كيف لم أحذر هذا الاسم المفرد – الجمع كاسم هذه الوطن، وأدرك منذ البدء أن الجمع خلق دائما ليقتسم ؟"[3].

وهي العاشقة و المعشوقة، أحلام مستغانمي العاشقة للغة العربية و لرجالات اللغة العربية، العاشقة للذاكرة و التاريخ، وهي كذلك المعشوقة، فالبطلة هي المرأة التي حلم بها خالد أن تكون له زوجة في يوم من الأيام، أي المرأة التي عشقتها ثقافة و كانت على الدوام متنكرة لها، و هي كذلك النص و لا النص، النص لأنها استطاعت أن تكتب نفسها و لا نص لأنها لا تزال "زلة قلم "، شخصية مصنوعة من ورق ليس إلا، تقول الروائية " ألم تكوني امرأة من ورق، تحب و تكره على الــورق، وتهجر و تعود على الـورق، وتقتل و تحي بجرة قلم "[4].

ونستطيع أن نفسر التطابق الحاصل بين اسم المؤلفة بمفهوم الكتابة الإبداعية عند أحلام مستغانمي، فهي، أي الكتابة، ناتجة عن مشاعر و أحاسيس بداخل الفرد، يريد أن يعبر عنها، ويظهرها مهما كانت فاضحة لأسراره، مادامت له الرغبة في الإفصاح عنها من خلال ما يقوم به من إبداعات كتابية فنية وأدبية، ذات صورة رائعة الجمال لان لحظة الكتابة هي لحظة جنون، فأحلام تتألق و تمتاز بلغتها الساحرة، المغرية، تقول: " و رحت استجوبك بحثا عن ذاكرة مشبوهة، قلت : لا تبحث كثيرا، لا يوجد شيء تحت الكلمات ،عن امرأة تكتب هي امرأة فوق كل الشبهات لأنها شفافة بطبعها، إن الكتابة تظهر ما يعلــق بنا منذ لحظة الولادة "[5]

إن عملية الكتابة في نظر أحلام مستغانمي هي وسيلة للتعبير عما يدور بداخلنا، وما يختلجنا من حالات فرح و حزن، تقول " عليك أن تختار ما هو أقرب إلى نفسك، و تجلس لتكتب دون قيود ما يدور في ذهنك، ولا يهم نوعية تلك الكـتـابـة و لا مستواها الأدبي، و المهم الكتابة في حد ذاتها كوسيلة تفريغ و أداة ترميم داخلي"[6] .

إن مسألة اختيار اسم الشخصية الحكائية مهم جدا، لذا لم يفت أحلام مستغانمي، المؤلفة في "ذاكرة الجسد "أن تسمي البطلة باسمها لأنه تعتقد أن " هناك شيئا اسمه سلطة الاسم "[7]، لم يفت أحلام أن تسمي البطلة باسمها، أملا في مشاركتها أحلامها، لتكون البطلة جـزء منها، ومن تاريخها و من ثقافتها، شاءت لها أحلام أن تكون أحلام ثانية تساندها في قضيتها، في رحلة إبداعـها، تساندها في بحثها عن الذاكرة المستلبة، إنها أي أحلام مستغانمي تريد صوتا نسائيا إلى جوارها، هي لا تريد رجلا بقدر ما تريد أنثى، من دمها هي و فقط، تريد صوتا إلى جوار صوتها، إلى جوار أحلامها، ولتأكيد المعنى السابق لمدلول شخصية أحلام في رواية "ذاكرة الجسد" و جدنا أن الكثير من النقاد يراهنون على أسماء الشخصيات خاصة تلك التي " تستخدم كنقطة إرساء مرجعية كما تشير في نفس الوقت إلى ادوار مبرمجة بشكل سابق أو ذلك الأسلوب الذي يكمن في إدخال اسم تاريخي في لائحة من الأسماء الخيالية ( أو العكس ) " [8] .

إن ثبات اسم شخصية أحلام في المحكي السابق يكون قد أدى وظائف سردية في هذا العمل الأدبي، منها " نقط إرساء مرجعية لفضاء يمكن التأكد من وجوده، ( وهو الكتابة كفضاء أنثوي ).

-التركيز على قدر شخصية معينة، و هي شخصية أحلام مستغانمي الروائـيـة، و أحلام الشخصية الورقية، المتخيلة التي أصبحت مشكلة لنسق العمل الأدبي بأكمله، بل أصبحت منتمية لبنيته الداخلية .

-تكثيف اقتصادي لأدوار سردية مقولية، و تكون الروائية باختيارها لاسم أحلام قد عملت على تكثيف هذا الاسم آلاف المرات، فسيبقى الأدب أحلام ما لم يعترف بأحلام[9] ".

و من هنا نؤكد على أن اختيار أحلام مستغانمي لاسم أحلام يفسر بالاختيارات الجمـالية و الثقافية عند هذه المبدعة، أي تلك الاختيارات المرجعية التي وضعتها في مواجهة مباشرة معها.

كما أننا نؤكد على أن التطابق الحاصل بين اسم المؤلفة و اسم البطلة يعطي قوة للرواية لم نعهدها من قبل، لان وضع الروائي اسمه كقرين لاسم البطــل لم يكن أمرا مألوفا في الكتابة الروائية، فأحلام لم تشأ التستر خلف اسم يحميها من كيد الكائدين، و هي لم تكن لتتردد في اختيارها و هذه النقطة تحسب لها، لأن الكثير من الروائيين الكبار " كانوا يترددون في اختيار اسم العلم "زولا تردد كثيرا وهو يهيئ مابين لويز و ذنيز كاسم للبطلة "[10].

ولم تكن لتسند هذه الروائية نفس أوصاف شخصية أحلام لشخصيات أخرى كما كان يفعل " (بكيت، روب قرييه )، حيث عملا على نقل هذه اللاستقرارية إلى النص التام فالشخصية الواحدة تحمل أكثر من اسم، شخصيات مختلفة تحمل نفس الاسم هناك تغير في الديمومة، فنفس الشخصية قد تكون تباعا امرأة أو رجل أشقر أو أسمر، ديمومة في التحول ( شخصيات مختلفة بنفس الفعل أو تتلقى نفس الأوصاف) "[11] ، فأحلام لم تشأ التظليل و التعتيم على شخصيتها وهي لم تختر لها حرفا كذلك، تحتمي به، "(وهذه التقنية الأخيرة يلجأ إليها بعض الروائيين مثل حرف k عند كافكا، الكونت p مدام N في بعض نصوص القرن الثامن عشر)"[12] لأنه لا التستر، ولا التمويه، و لا الاختزال أصبحوا مجديين لوضعها ،إنه وضع مشبوه في كتابة ملتبسة كهذه، نعم يصبح وضعا مشبوها في ثقافة كتلك التي ننتمي إليـــها، وهي لا تريده أي هذا الوضع أن يكون كذلك ( مشبوها )، تريد العلن، تريد الجهر، تريد أن تقول أن كل ذلك أصبح تقاليد بالية يجب تجاوزها و لا ينبغي التوقف عندها، فلا يكفي أن تكون شهرزاد مخلصتنا، بل يجب أن نطلب الخلاص لذواتنا بأنفسنا. يجب أن نسمي الأمور بمسمياتها.

إن الكثير من الروائيين ما كانوا ليستطيعوا بأن يصرحوا بأن أبطالهم هم فلذات أكبادهم، عليهم بالدفاع عنهم، و إعطائهم المزيد من حرية التعبير، ولكن عند أحلام فالأمر يختلف، فقد آثرت العلن، و آثرت أن تكون الكاتبة و المكتوبة في الوقت نفسه، و قد ساعدها هذا التكنيك على تجاوز الحاجز النفسي و الاجتماعي و حتى العسكري، فكل هذه الحواجز آلمت أحلام المرأة كثيرا، فكانت مسؤولة بالدرجة الأولى عن السبل التي اختارتها للمواجهة وإعلان التحدي، تحديها الكبير للمجتمع الأبوي الذي منحها اسمها مرتين، مرة كروائية و مرة كبطلة، مرة كابنة و مرة كمعشوقة، موجودة فقط في عالم الأدب الأثير، ولم تكن هذه الوصاية الاسمية لتهز أحلام يوما، لأن العائق ليس في الاسم، ولكن في السلطة التي منحت الاسم هذه المرة خطأ، فكان لأحلام مستغانمي سلاحا آخر، استغلته لضرب السلطة الاجتماعية نفسها، هذه المرة، ولن تجد هذه الأخيرة مبررا لمحاكمة أحلام، لأنها أهدتها اسمها بالمجان، عندما منحتها عبثا اسم حياة لتحيا على الدوام، يـقـول خـالـد : "حياة، سأدعوك هكذا. ليس هذا اسمك على كل حال. إنه أحد أسمائك فقط. فلأسمينك به إذن ما دام هذا الاسم الذي عرفتك به، و الاسم الذي أنفرد بمعرفته. إسمك غير المتداول على الألسنة وغير المسجل على صفحات الكتـب و المجلات، ولا في أي سجلات رسمية.

الإسم الذي منحته لتعيشي و ليمنحك الله الحياة. و الذي قتلته أنا ذات يوم، وأنا أمنحك اسما رسميا أخر، ومن حقي أن أحييه اليوم لأنه لي و لم ينادك رجل قبلي به.

اسمك الطفولي الذي يحبو على لساني، و كأنك أنت منذ خمس و عشرين سنة، و كلما لفظته، عدت طفلة تجلس على ركبتي و تعبث بأشيائي و تقول لي كلاما لا أفهمه.

فأغفر لك لحظتها كل خطاياك كلما لفظته تدحرجت إلى الماضي، وعدت صغيرة في حجم دمية، و إذا بك ابنتي"[13].

إن تسمية الشخصية الروائية و وصفها وفق نعوت واقعية تجعل النص الروائي قريبا منا و توطد علاقتنا به، وأعتقد أن ذلك طموح كل نص و مبتغاه، و مع هذا فإننا نشدد على القول بأن تسمية الشخصية قضية نص بالدرجة الأولى و لا علاقة لها بالمكان الخارجي، لذا يفترض بنا أن نعزل كل ما نعرفه إن حصل التطابق لأن وسم الشخصية في جميع حالاته، وفي مستوياتها المختلفة لا يخرج عن نطاق التخييل، و تلك هي الوظيفة الأولى لهذه التقنية، لأنه هذا النعت " لا يكون صحيحا إلا من المنظور الروائي، و لا يدل إلا بصفته تلك "[14].

  1. 2. الكتابة بصوت رجل

"إن الكتابة قضية شائكة، مثلها في ذلك مثل المرأة العربية، لا يمكن إدراك جوهرها الباطن إلا من خلال تجلياتها السلوكية"[15].

و تظهر أولى التجليات السلوكية لهذا النوع من الكتابة في "ذاكرة الجسد" من خلال اختيار الروائية لخالد، الشخصية المركزية و الراوي و الكاتب المتخيل، فحتى يحسم الصراع بصفة نهائية و تتوضح دلالة "ذاكرة الجسد" بوصفها رواية خارجة عن الثقافة المرجعية، ومتمردة عنها، كان لزاما على الروائية أن تختار لروايتها راو أو سارد، رجل يكتب قصة حياته، راوي تملي عليه هي ما تريد أن تدونه ضده، وهو الذي لم يعترف بها يوما.

إذن، إن هذا التكنيك يضع كتابة أحلام مستغانمي في علاقة مباشرة مع كتابة أخرى لم تعترف بها يوما، إنها مسألة تبدو في نظرنا في غاية الأهمية، إذ الأمر أصبح متعلقا باكتساح قلعة الذكورة و سلطتها بأيسر الأشياء في نظر أحلام مستغانمي، و هو أن تترك لهذا الرجل أن يروي، و يروي، تتركه يكتب، و يـفـرح و يتألم و ينزف و يتحدى، ويقوى مرة و يضعف مرات، يقول السارد و هو البطل نفسه :" لأنني سأهبك كتابا، عندما نحب فتاة نهبها اسمنا، عندما نحب امرأة نهبها طفلا ، وعندما نحب كاتبة نهبها كتابا. سأكتب من أجلك رواية "[16] و في مقابل هذا الكلام نقرأ في الرواية نفسها :" في الحقيقة كل رواية ناجحة هي جريمة ما نرتكبها اتجاه ذاكرة ما، ربما اتجاه شخص ما، نقتله على مرأى من الجميع بكاتم صوت، ووحده يدري ان تلك الكلمة كانت موجهة إليه " [17].

ما أردت قوله من خلال هذين الشاهدين هو أن في "ذاكرة الجسد" و الأمثلة كثيرة جدا، هناك صرخة امرأة ضد سلوك، ضد فعل، ضد كتابة أخرى، تكشف هذه الأضداد مجتمعة بوضوح على أن " النمط ألعلائقي ( بين الرجل و المرأة ) سلوك قائم و راسخ في اللاوعي "[18]، إنه النمط الأكثر احتفاظا بالمـكـبـوتـات الـتـاريـخـيـة و الاجتماعية و السياسية التي تخص المرأة على وجه التحديد، واختيار أحلام للكتابة بصوت رجل هو نوع من التحرر من هذه المكبوتات، وذلك من خلال عملية تقويض الرجل نفسه، وقد قوضته أحلام في " ذاكرة الجسد " عندما جعلته يكـتـب بـيـد واحـدة، و يعشق بيد واحدة، و ببعد واحد، جعلته يكتب باليد المفقودة لا باليد الباقية، جعلته يكتب بالذاكرة عن الذاكرة، ويحسم في رأينا هذا الاختيار، أي اختيار المؤلفة لرجل ناقص، بصفة نهائية قضيتها، إنها قضية مواجهة، إذن، قضية تحدي، فهي لا تستطيع التراجع لذا عليها بتلوين خطابها أو قضيتها بالشوكة التي تؤلم كل تلوينات الخطاب العربي، تلك التي تجعل من المرأة كائن ناقص، فباختيارها لنفس الشوكة تكون قد تمكنت من توجيه طعنة لثقافة الـفـحـل و للغتها و لأدبها " هكذا كتبته، و جعلته ينكتب ناقصا و خاسرا و جعلت لسانه يـجـري ضـد فـحولـتـه "[19] و هي نفس الفحولة التي كانت مسؤولة بشكل أو بأخر عن نزيف ذاكرته.

و أكثر من هذا جعلت أحلام هذا الرجل الناقص يختار الرواية كوسيلة لإخراج ذاكرته المليئة بالأشواك و المطبات و الزلات، وهذا يتجلى في قول خالد:" و رحت أطارد دخان الكلمات التي أحرقتني منذ سنوات، دون أن أطفئ حرائقها مرة فوق صفحة "[20]، هي تريده ان يعاني، و أية معاناة أكبر من أن نستولي على من نحب، فنهيمن على لغته و خطاباته و علاقـاته و ذاكرته و حتى تاريخه، هكذا كان مصيره (خالد) في "ذاكرة الجسد"، و الأمر مخول لأحلام لأنها المالكة فهي التي صنعته من ورق، فإن شاءت قتلته أو أبقته حيا. تقول على لسان خالد: "و لا بد أن أعثر أخيرا على الكلمات التي سأنكتب بها، فمن حقي أن اختار اليوم كيف أنكتب. أنا الذي لم اختر تلك القصة "[21].

إن اللعبة الروائية التي اختارتها أحلام تمثل بكل أبعادها و تجلياتها، أداة معرفية مغايرة كليا لتلك الأدوات التي ظل يستخدمها الخطاب الروائي السائد في الوطن العربي. ذلك أن النموذج الذي قدمته في "ذاكرة الجسد" كرسـتـه كـتـجـربـة و كممارسة و كوضع قائم، ثم تجاوزته و انتصرت عليه غير آبهة تماما بالوسع الثقافي و الجغرافي الذي افترشته لروايتها، وقد كان لزاما عليها أن تنطلق من هذا الوسع الجغرافي و الثقافي حتى تستتبع مسيرة كفاحها على الصعيد الاجتماعي، فكان أن اختارت بكل جرأة العشرية السوداء، لتكون الأرض التي عليها فقد البطل ذراعه، فمزيد من الألم هو بنظر أحلام قوة أخرى تضاف إلى ذاكرتهما معا، و هذا الاختيار هو نوع من التحدي و محاولة للخروج بصفة نهائية من الشرنقة الحضارية التي كبلت المرأة طوال عصور مضت فالعودة إلى هذا الوسع بكل أبعاده و تناقضاته، مكنتها بامتياز، من التقاط عناصر التناقض التي يمتلئ بها الواقع الجزائري، وإظهار صراع النساء ضد القهر، فهي قادرة أيضا على تشخيص ما حدث وقول رأيها بكل صراحة.

و ما يزيد الروائية قوة هو أنها اختارت من هذا الوسع أقوى المؤسسات و أشدها للمجابهة و إعلان التحدي، اختارت السلطة العسكرية كسلطة ذكورية أو كقلعة ذكورية تمارس من خلالها، و على مرأى منها طيشها النسائي غير مكترثة تماما بالطريقة التي مارست بها سلطتها تارة كأنثى أثبتت قدرتها على التحدي و المقاومة و إبراز الذات ثم من خلال الكتابة كسلطة ثانية، سلطة مكنتها من استباحة اللغة لما يزيد عن أربعمائة صفحة، فضحت بتقاليدها الراسخة منذ عصور، واستباحت أيضا التقاليد السردية الموروثة، فحولت فيها الرجل إلى راو يحكي حكايته، و أخذت هي بالمقابل دور الحارس و المستمع لهذا الراوي، فكان المروي أو المحكي هو قصة حياة لغة أنثت بالرغم من أنها مؤنثة في أصلها.

هوامش

[1] ابن جني، الخصائص، م2، تحقيق محمد النجار، بيروت، لبنان، دار الكتاب العربي، 1952، ص.415.

[2] أبو النجا، شيرين، مفهوم الوطن في فكر الكاتبة العربية، بيروت، لبنان، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2003، ص.15.

[3] مستغانمي، أحلام، ذاكرة الجسد، ص.36.

[4] المرجع نفسه، ص.16

[5] المصدر نفسه، ص.335

[6] المصدر نفسه، ص.61

[7] المصدر نفسه، ص.28

[8] Barthes, Roland, et al, poétique du récit, Paris, Edition du Seuil, 1977, p.127.

[9] المرجع نفسه، ص.127

[10] المرجع نفسه، ص.144

[11] المرجع نفسه، ص.145

[12] مستغانمي، أحلام، ذاكرة الجسد، ص.ص.42-43

[13] Barthes, R et al, poétique du récit, p.145.

[14] كريفل، شارل، المكان في النص، ترجمة عبد الرحيم زحل، بيروت، لبنان، منشورات إفريقيا الشرق، 2002، ص.76.

[15] معتصم، محمد، المرأة و السرد، الدار البيضاء، المغرب، دار الثقافة، مؤسسة للنشر و التوزيع، ط1، 2004، ص.18.

[16] مستغانمي، أحلام، ذاكرة الجسد، ص.23

[17] المصدر نفسه، ص.18

[18] معتصم، محمد، المرأة و السرد، ص.23

[19] الغذامي، عبد الله محمد، المرأة و اللغة، بيروت، لبنان، المركز الثقافي العربي، ط1، 1996، ص.184

[20] مستغانمي، أحلام، ذاكرة الجسد، ص.09

[21] المصدر نفسه، ص.09