Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تتمحور إشكالية الموضوع في مدى تحول اللغة في الرواية النسوية من مستوى الخطاب التواصلي الآني إلى لغة تحطم و تهدم وتتحول لتعطي شكلا جديدا للغوص في متاهـات الذات والكشف عن المتناقضـات النفسية و الاجتماعية و هدم الموروث الثقـافي المتمركز في سلطة ذكـورية اللغة.

لقد كانت المرأة في معظم الخطاب الروائي العربي مجرد دمية تحركها أصابع الكتابة الذكورية، مسلوبة الإرادة بدون وعي و لا شعور خاضعة إلى قرارات أملتها عليها ظروف قاهرة مستسلمة إلى مصير فرضته عليها قوة الأشياء و سلطة المواقف التي وجدت المرأة نفسها مقحمة فيها بدون مبررات و لا اعتبارات لأسباب وجودها.

لم تكن الوضعيات التي وجدت المرأة نفسها فيها مناسبة تماما لكيانها ووظيفتها في المجتمع على الأقل كما تتصوره في قرارات نفسها كإنسان له الحق فـي الحـيـاة و الوجود إلى جانب الرجل.

من هنا يمكننا أن نطرح جملة من التساؤلات حول اعتبارات وجود الكتابة النسوية و مشروعيتها الفنية كنمط جديد في الكتابة الروائية المعاصرة، و إذا كان الأمر كذلك فعلى أي مستوى من المستويات يمكننا التوصل إلى هذا النمط الجديد؟

لا يمكننا اعتبار المحتوى أساسا للبحث عن هذا النمط في الكتابة الروائية، كون المضامين والمحتويات تتحدد في القصة التي هي بدورها ملفوظ موضوعي، فعلى مستوى الشكل إذن تندرج المشروعية الفنية للكتابة النسوية.

و هنا أشير إلى أن البحث في هذا المستوى يأخذ حيزا كبيرا ومكثفا من الدراسة والبحث لذا سأتناول قضية واحدة منه فيما يتعلق بتحولات اللغة في الخطاب الروائي النسوي. وقد اخترت رواية "فوضى الحواس" لأحلام مستغانمي كأنموذج لذلك.

فعل السارد واغتصاب الكلمة

إن التجربة الفنية لا تعترف بالصدف، فهي تخبئ لنا ما ليس في الحسبان، فالإنسان كما يرى (غاستون باشلار) يمتلك مقدرة نفسانية عظيمة تتجلى في إنتاجية التخيل[1]، هذا التخيل الذي يؤدي إلى طمس المعالم التي تفصل بين ما هو ذاتي وبين ما هو موضوعي، فالشخصيات الروائية ما هي إلا نماذج اجتماعية تتحرك في عالم لا يختلف بكثير عن العالم الذي نعيش فيه. إنها شخصيات تتحرك و تنفعل وتصارع من أجل إثبات الذات. إنها وجدت لتواجه مصيرها بنفسها، غير أن هذا المصير في الكتابة الذكورية هو بيد السارد يفعل به ما يشاء ويرسم له الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه بل ويجعل شخصياته تقول ما يشاء، و هنا نلاحظ أول تمرد ضمني في الكتابة النسوية على هذه الطريقة تقول الساردة:"قبل هذه التجربة لم أكن أتوقع، أن تكون الرواية اغتصابا لغويا يرغم فيه الروائي أبطاله على قول ما يشاء هو، فيأخذ منهم عنوة كل الاعترافات والأقوال التي يريدها لأسباب أنانية غامضة، لا يعرفها هو نفسه، ثم يلقي بهم على ورق، متعبين مشوهين، دون أن يتساءل، تراهم حقا كانوا سيقولون ذلك الكلام، لو أنه منحهم فرصة الحياة خارج كتابه؟"[2].

لقد فتحت الساردة شكلا جديدا في التعامل مع شخصياتها فهي لا تحركها و لا توجهها و لا تدفع بها إلى الخطأ، لقد اندهشت لما قرأت قصتها مرة ثانية و ثالثة، و لكنها لم يحدث يوما أن تعرفت إلى رجل يشبه هذا الرجل و لا إلى امرأة تشبهها، هي، إنها تنطق بعكس ما كانت ستقوله الساردة و تتصرف بعكس ما كانت هي ستفعله[3].

تقابل الأنا والآخر وتحولات اللغة

إن مقاربة الأنا بالآخر تفترض وجود علاقات يحكمها الموقف الخطابي و يحدد شروطها أيضا، ففي الكتابة الذكورية يتجسد الأنا فـي الرجـل و الآخـر فـي المـرأة، و العكس في الكتابة النسوية، و يتحدد الخطاب الموقفي[4] هنا بمدى فهم الأنا للآخر و فهم الآخر للأنا، وليس ذلك فحسب بل لا بد أن يعرف كل منهما الفكرة التي يحملها كل واحد منهما على الآخر.

إن إقامة جسر من العلاقات للفهم لا يقوم إلا بواسطة الكلمات، فالكلمات وحدها هي التي تغوص في عمق الذات لتكشف كيانها و أفكارها و رؤيتها لما يجري حولها لتكتشف الساردة بعد ذلك أن تلك الكلمات، ما كانت لغة الآخر فحسب بل كانت أيضا فلسفته في الحياة[5].

لقد حاولت الساردة أن تشرح شخصية الآخر عن طريق تشريح الكلمات عندما تصبح الكلمات هي السبيل الوحيد لذلك، لقد"كان هو رجل اللغة القاطعة كانت جمله تقصر على كلمات، تتراوح بين "طبعا" و"حتما" و "دوما" و "قطعا"... أحيانا كان يبدو لها طاغية يلهو بمقصلة اللغة. كان رجلا مأخوذا بالـكـلـمـات الـقـاطـعـة و المواقف الحاسمة. و كانت هي امرأة تجلس على أرجوحة (ربما).فكيف للغة أن تسعهما معا؟"[6].

إن اللغة في إطارها التخاطبي أثناء وضعيات خاصة تفقد كثيرا من عناصر الوضوح ليختفي كل طرف وراء الكلمات فجملة: كيف أنت تحيل الساردة إلى جملة ثانية يفرضها الموقف الخطابي بقوة و هي: كيف أنت من دوني أنا؟[7] لتشير بذلك إلى تحول الخطاب من مجرد تواصل حميمي إلى صراع فاتر خفي يتدحرج بيـن الـكـلام و الصمت "كانت تفاضل بين جواب و آخر عندما تنبهت إلى أن جلستهما قد أصبحت فجأة معركة عاطفية صامتة تدار بأسلحة لغوية منتقاة بعناية فائقة"[8].

إن الصمت هنا نوع من اللغة، ألم يقولوا أن الصمت علامة الرضا؟ لقد حولت الساردة هذا الصمت الوديع المكلل بالرضا و القبول إلى عنف قاهر تسترد به سلطة الكلمة. تقول الساردة:"الصمت لا يزعجني و إنما أكره الرجال الذين في صمتهم المطبق يشبهون أولئك الذين يغلقون قمصانهم من الزر الأول حتى الزر الأخير كباب كثير الأقفال و المفاتيح بنية إقناعك بأهميتهم"[9].

إن هذا التحول في استرداد حق الكلمة كان من أساسيات الكاتبة النسوية. وعلى حد تعبير الكاتبة (أوديل أزناف Odile Cazenave):"إن سياق الكتابة و أخذ الكلمة قد تغير فالمرأة أقدمت على الكتابة بقوة[10]". و هنا بدأت الكتابة النسوية تشق طريقها نحو تجسيد شكل جديد فقد أصبحت الآن المرأة الكاتبة تعبر عن أفكارهـا و آرائها و طموحاتها دون أن تكون للكتابة الذكورية وصاية عليها، بل أكثر من ذلك أصبح للكتابة النسوية موقع تتحكم فيه باللغة. تقول الساردة:"و هذا الرجل الذي كان يصر على الصمت و أصر أنا على استنطاقه ...ها قد جعلته ينطق أخيرا يقول كلاما أردته أنا، فهل هزمته حقا؟"[11].

لعبة المحادثة وتحول اللغة في الحوار بين الأنا والآخر

إن الموقف الخطابي هنا يستلزم وجود قواعد لعبة تفرضها ضرورة التعايش بين الأنا و الآخر، فتصبح اللغة حينئذ غطاء يخفي وراءه حقائق قاسية أو ربما غير مناسبة في المواجهة بينهما، فالرجل كما تقول الساردة: "هو الذي تنطبق عليه دوما مقولة (أوسكار وايلد) خلق الإنسان اللغة ليخفي بها مشاعره"[12] و إن كان الموقف يكشف و يعري الحقائق بين الكلمة والصمت "مازال كلما تحـدث تـكـسـوه الـلـغـة و يعريه الصمت بين الجمل"[13].

إن هذه اللعبة التحاورية قلبت و حولت موازين المنطق في الخطاب بين ما نقوله أي ما تعنيه الكلمات ظاهريا و غالبا ما يقع تحت طائلة ما يمكن شرحه و فق شروط الحقيقة، و بين ما نعنيه نحن أي التأثير الذي نحاول متعمدين إحداثه في المتلقي من خلال إدراكه لهذا المقصد. إن الحدث الكلامي من الوجهة التداولية يفترض حسب (غرايس Grice) أربع قواعد تتحكم في هذا المبدأ[14]:

قاعدتا كيف للخبر

أ ـ لا نقل ما نعتقده خطأ.

ب ـ لا نقل ما يعوزنا في البرهان الكافي.

قاعدتا كم للخبر

أ ـ لتكن إفادتنا للمتلقي على قدر حاجته.

ب ـ لا نجعل إسهامنا أكثر إخبارا مما هو مطلوب.

قاعدة علاقة الخبر بمقتضى الحال

ـ و هي أن نجعل إسهامنا على صلة مباشرة بالموضوع.

مبدأ الأسلوب / الكيفية

ـ أن نكون واضحين في : ـ تجنب الإبهام ـ تجنب اللبس ـ الاختصار ـ الانتظام.

إن المنطق الذي يفرضه الموقف و الأداء الكلامي ـ حسب التداوليين ـ حولته الساردة إلى منطق آخر فرضته قوة الأشياء و سلطة المواقف، منطق تتحول فيه القواعد المنطقية إلى قواعد لغة تهدم و تحطم من أجل قلب موازين التحكم في اللغة و الحوار بل و امتلاك اللغة كلها. تقول الساردة:"يومها حفظَت الدرس جيدا و حاولت أن تخلق لغة جديدة على قياسه، لغة دون علامات استفهام تلك اللعبة تناسبها تماما هي المرأة التي تقف على حافة الشك و يحلو لها أن تجيب ((ربما )) حتى عندما تعني ((نعم))، و ((قد)) عندما تقصد ((لن))"[15].

إن الدور اللغوي الذي كان ذلك الرجل يتقمصه في استعماله للغة القاطعة التي تتراوح بين "طبعا" و "حتما" و "دوما" و "قطعا" تقمصته الساردة فأصبحت هي صاحبة اللغة القاطعة[16].

لقد استرجعت الساردة كل اختيارات استعمال الكلمات فتحكمها في طريقة الحوار جعلها تستقصي المجهول من خلال بطل روايتها. هذا البطل الذي يحمل سمات شخصية خالد بن طبال أحد أبطال روايتها الأولى تقول: "استوقفني حاملا ذلك الكتاب، قال مازحا وهو يمدني به يبدو لي الآن أيضا أنني أتطابق مع خالد في تلك الرواية."[17].

و بهذا تصبح الكتابة النسوية في مجال الخطاب الروائي نمطا جديدا على مستوى تحول اللغة من الاستعمال الخطابي الحيادي إلى مستوى التحكم في مسار الرواية عبر تلك الكلمات التي تستكشف المجهول للوصول إلى استقصاء متاهات الذات و البحث عن حقائق الأشياء بين المعقول و اللامعقول.

هوامش

[1] ينظر غاستون، باشلار ،شاعرية أحلام اليقظة، بيروت لبنان، ترجمة جورج سعد الطبعة الثانية المؤسسة الجامعية للنشر، 1993، ص.51.

[2] مستغانمي، أحلام، رواية فوضى الحواس، بيروت، دار الآداب الطبعة العاشرة، 2000، ص.28.

[3] المرجع نفسه، ص.26.

[4] voir Dubois, Jean, Dictionaire de linguistique Matière Situation.

[5] الرواية، ص.20.

[6] المرجع نفسه، ص.ص. 18 ـ 20.

[7] المرجع نفسه، ص.20.

[8] المرجع نفسه، ص.21.

[9] المرجع نفسه، ص.35.

[10] voir Cazenave, Odile, Vingt ans après Mariama Bâ, nouvelles écritures au feminine.

http://www.arts.uwa.edu.au/AFLIT/OdileCazenaveAC.html.

[11] الرواية، ص.32.

[12] المرجع نفسه، ص.11.

[13] المرجع نفسه ص.11.

[14] عن مجلة اللغة والأدب لقسم اللغة العربية، جامعة الجزائر، عدد، 17 جانفي 2006، ص.17.

[15] الرواية، ص.18.

[16] المرجع نفسه، ص.72

[17] المرجع نفسه، ص.185