Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تندرج رواية عابر سرير لأحلام مستغانمي ضمن مسار من الكتابة الروائية أصبح يعرف في الأدب الجزائري برواية الأزمة، و هو نوع من الكتابة الروائية التي تحاول أن تمارس نوعا من الشهادة المتخيلة عن زمن العنف، انطلاقا مما يعرف - سياسيا في الجزائر- بالعشرية السوداء، ولكن الكاتبة - وبحساسية الأنثى المبدعة المثقفة - تجعل هذا الموضوع يتجاوز طرح المؤرخين و السياسيين، و يبرعم داخل الذاكرة ليشمل حقبتي الثورة والاستقلال في شكل فلاشات أو مشاهد تستدعيها الكاتبة بطرائق شتى و تجعلها في مواجهة القارئ من خلال خلق نوع من التوتر الجمالي يجعله يتجاوز حدود المشاركة في الشهادة على أزمنة العنف إلى الحلول في هذه الأزمنة و معايشة أحداثها في شكل أوقاع تجعله يتنقل بين وسائط سيميائية شتى، كاللوحة الفنية و الأعمال الروائية السابقة، و الشهادات الحية و الآراء و التجارب الحسية و الوجدانية داخل محك شعري يحاول أن ينفتح على أشياء كثيرة ومتناقضة تشكل نوعا من المواجهة بين بلاغة العنـف و الـمـوت و بـلاغـة الـحـب و الافتتان و حديث الشوق و الرغبة، الذي شكل بصمة خاصة في رواية عابر سرير.

تتبنى أحلام مستغانمي في تشييد عالمها الروائي استراتيجية تقوم تارة على المخاتلة - انطلاقا من العنوان الذي يشي بنوع من الكتابة المفعمة بالغرائزية، ولكن هذه الغرائزية سرعان ما تتلاشى وتضمحل عندما يجد القارئ نفسه داخل عالم روائي يسكنه الحب و يبرعم داخله مثلما يسكنه العنف بمظالمه و فواجعه، حيث يتسنى للكاتبة أن تمارس نوعا من الشهادة المجازية عن الحب في زمن الموت، وذلك من خلال كتابة روائية شاعرية بالغة العنف و الابتهاج، بدون أية مواربة أو مخاتلة فاتحة بذلك مسارا جديدا لنوع من الكتابة تحاول أن تتجاوز مجرد الرغبة في التحرر إلى ممارسة التحرر و الاختلاف عبر كتابة لا تشكل فيها اللغة مجرد وسيلة تعبير أو أداة للتواصل و تبادل المشاعر والأفكار، و إنما وسيلة لصياغة خطاب تحرري، تعمل من خلاله أحلام مستغانمي على إضفاء بصمتها الخاصة بطريقة واعية، و مدركة لدلالات الرموز والحركات التي ينطق بها جسد الخطاب الروائي، و تعبر عنها اللغة، و تشييد عالمها الروائي الخاص حيث تصر على أن تكون أحد نزلائه، من خلال نزعتها إلى إقامة جسور بين المتخيل و الواقعي، و بين معرفة الحدث وإعادة إنتاجه، من منظور يجعل الكتابة الروائية تقيم نوعا من الحوار الشامل بين الهيئات السردية، تديره بلباقة و مرونة، و تحل فيه كلما عنّ لها ذلك، مستثمرة في ذلك سيرتها الذاتية و أعمالها الروائية وكل ما يحيل عليها كمؤلفة حقيقية و ليست مجرد كينونة ورقية داخل عملها الروائي، و لذلك نجدها تشيد فضاء روائيا لا يسكنه إلا المثقفون، و كأنها باختيارها هذه الفئة المأزومة و المطاردة و الهاربة بآرائها تختار عالمها الخاص، و تكتب عن أزمة أناس تعرفهم و تحبهم، أناس ظلمهم التاريخ، و قست عليهم الظروف فلم يجدوا ملاذا لممارسة الحب سوى خارج خريطة العالم العربي، فكانت لذلك باريس و جهتهم و فضاؤهم الحميمي، حيث لا يعود الواحد منهم إلى الوطن إلا نعشا مكفنا كما عاد الفنان زيان و غيره من المثقفين ممن يحملون أطروحات سياسية أو فكرية أو ثقافية .

1. الخطاب الأنثوي والبحث عن لغة وهوية

يعد الحديث عن الكتابة النسائية وعلاقتها بالمتخيل الأدبي حديثا مؤدلجا أكثر منه مقاربة أو إجراء تحليليا لاشتغال خطاب المرأة داخل المسارات النصية الأدبية، و لذلك فإن سيمون دي بوفوار ترى أن " قضية المرأة كانت دائما قضـيـة رجـل "[1]، و هو ما سوف يجعل المرأة - بطريقة أو بأخرى - تقاوم هذا المصير، وتسعى لإنتاج خطاب مناوئ للهيمنة الذكورية، و ذلك على الرغم من أن النساء لا يستطعن إنكار أن بعض أساطير الذكورة ما يزلن يشعرن بها و كأنها أوامر أخلاقية[2]، و قد أسهم ذلك – حتى لدى الكثيرات من الروائيات من أمثال فيرجينيا وولف و جورج إليوت و غيرهما – في تكريس الاعتقاد بأنه لا وجود لرواية نسائية، و أن هذه الرواية مجرد مسخ للرواية الذكورية ؛ انطلاقا من أن التجارب و القيم الإنسانية مشتركة يين الرجل و المرأة،وهو ما تؤكده م. يورسنارM.Yourcenar بقولها " كل من عاش المغامرة الإنسانية هو أنا "[3]، و هو قول يتضمن الكثير من التعميم، و لكنه يشير أيضا إلى أن هذا الأنا متعدد داخل فضاء متعدد الأبعاد هو فضاء المغامرة الإنسانية؛ كل بعد من أبعاد هذا الفضاء يشكل مكانا للإدماج و الـتـقـاطـع و مـلـتـقـى للعـلامـات و الخطابات و الثقافات، و هو ما يحتم علينا طرح موضوع الكتابة النسائية و لكن من منظور متفرد و خاص، حيث تقول فرجينيا وولف V. Woolf " لا تعط أوامر لمؤلفك، حاول أن تصبح هو؛ و أن تكون مساعده و شريكه "[4] ؛ و في هذا إشارة إلى أهمية القراءة التفاعلية التي تقوم أساسا على اللاتمـاثـل بـيـن هـيـئـات الـتـلــفــظ و التلقي أي بين النص والقارئ والمحافظة على هذه العلاقة الخلافية من أجل سيرورة فعل القراءة و التحقيق الجمالي لعملية التلقي عبر بناء دلالات موازية للنص الأصلي، تتحقق بأشكال مختلفة فتصبح إنتاجا آخر يكون ما يمكن أن نسميه النص الموازي"[5]، أو النص الناتج عن الاشتراك التأويلي بين النص و القارئ

معنى ذلك أيضا أنه على الرغم من أن النـص يـتـضـمـن قـارئـه و يـسـتـدعـيـه و يستحضره بطرائق شتى، فإنه يظل يمارس الاختلاف عبر المرور إلى الآخر - القارئ - و عدم التماهي في خطابه، فهناك دائما لغة معينة قابلة للتأويل و لكنها " شبه عصية على الترجمة "[6]،لكونها هوية و بصمة ثقافية و جمالية و امتدادا وجوديا لذات الكاتب التي لا يمكن حصرها " في مجرد الكشف عن أناها ومسرحها الداخلي [ كما ] لا يمكن لأية معرفة على الإطلاق ادعاء تجميد لا نهائية النص بصيغة تجريدية "[7] و هو ما يفسح المجال أيضا للحديث عن خصوصية التجـربـة الـفـنـيـة و تمفصلاتها داخل النص من خلال كتابة ليست أكثر من تدوين للجسد الكاتب متبخرا في ذاته الفنية من أجل الوصول إلى لذة الكشف والحلول فيها، وهو ما جعل ج كريستيفا ترى أن "التجربة هي التصور المتفرد الذي نصل من خلاله إلى بهجة ما فعند تخوم الجسد، في الصمت أو في غلواء الجنس، بين العالم وما يمكن أن أقول عنه، تغدو التجربة هذه السيرورة للحب و الحقد، التي تجعل مني شخصا حيا، إنها تفتحني على ذاتي، و تدفعني إلى أقصى ذاتي، و تخرجني منها، مما يمكنني في النهاية من أن ألتقي الآخرين فيها، و من أن أضيع فيها أيضا، و هذه فرصة "[8].

و لذلك فإنه مهما تكن مواقفنا و اقتناعاتنا الجمالية أو الإيديولوجية فإن الكتابة الأدبية - على الرغم من كونها سفرا و حوارا مفتوحا بين الظاهر والباطن وبين الذات و الآخر و نزوعا دائما لخرق الجماليات القائمة و تجاوز المؤتلف و إنتاج المختلف، و الإمعان في إثارة الدهشة و الارتياب لدى القراء - لا يمكن أن تكون إلا امتدادا وجوديا للذات الكاتبة و بصمة فنية لها، و لذا فإنه مهما تكن العناية فائقة بالأبعاد الفنية و الجمالية للنص الأدبي، فإن الأديب " لا يمكنه أن يكون محايدا في مسارات الوجود الإنساني، أو أن يخفي موقفه في غموض الكلمات "[9]، و هو ما يحتم علينا أن نتعامل مع النصوص الأدبية شعرية كانت أو نثرية على أنها تجارب فنية و جمالية خاصة و لكنها - في الوقت نفسه - نتاج تجارب إنسانية حقيقية أو متخيلة، تنزع باستمرار " لتحويل الصراخ إلى كلام، و جعل الصمت صارخا "[10].

هكذا يمكننا أن نقول إن الحديث عن خصوصية التجربة الفنية يشكل مدخلا إلى الحديث عن الخطاب الأنثوي أو الخطاب النسائي كونه خطابا تنتجه ذات سيميائية بإمكانها اختيار الأشكال و الأساليب الكلامية التي ترغب فيها أثناء التلفظ، و هذا انطلاقا من كون " المتلفظ ينجز ملفوظه حـسـب تـجـربـتـه الـذاتـيـة و رصيده اللساني المكتسب "[11]، و هو ما يجعلنا نتجاوز أطروحة بلاغة الفحولة التي تحاول أن تسقط عن الخطاب الأنثوي كل مزية تجعل منه إبداعا يضاهي إبداع الرجل، إذ بالإضافة إلى الهيمنة و الجنون الذكوري " هناك شيء لا واع في الرجل يقاوم الاعتراف بقدرة ما يمكن أن تحوزه المرأة، اللهم إلا القدرة على الخيانة والكذب، هي إذن لا تقدر على الكتابة أو الإبداع، هي تضع و تلد فقط أما فعل الإبداع و الكتابة فهو المجال الخصوصي للرجل"[12] و هو ما تؤكده الضجة الإعلامية التي شككت في نسبة رواية ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي، و استمرت هذه الحملة عنيفة إلى أن نشرت روايتها الثانية فوضى الحواس حيث لم يستطع النظام الرمزي الذكوري المتمثل في المؤسسة الأدبية الذكورية إلا أن يتقبل أعمال هذه الكاتبة و أن يقر بتفرد و خصوصية تجربتها الإبداعية؛ و الملاحظ أن " مساهمة المرأة في هذا النظام، من خلال فعل الكتابة،لا يمكن أن يتم [ قبولها ] إلا بعد تقديم تضحيات لا حصر لها بحيث تعرف مسبقا أن هذه التضحيات هي قدرها "[13]، لذلك فإن خير من يدافع عن المرأة هو ما تتميز به كتاباتها من شعرية و تفرد.

و نحن إذ نتحدث عن خطاب أنثوي أو عن رواية نسائية فإننا لا نعني أن خطاب المرأة يشكل جنسا خطابيا قائما بذاته أو أن ما تكتبه المرأة من روايات يشكل جنسا روائيا متميزا عن الرواية الذكورية، و هو ما تؤكده مارغريت دورا M. Duras في كتابها المتكلمات، حيث تقول : ليست لي نظرية للرواية، هذا يجعلني أمزح، فلا يوجد شيء سوى الفكرة "[14]، لكن هذه الفكرة هي دائما فكرة الكاتبة الروائية التي يمكن أن تعبر وتكتب بشكل آخر وذلك " أن النساء يحسسن بـطـريـقـة مـعـايـرة، و عليه يعبرن بطريقة مغايرة، و لهنَّ علاقة مختلفة بالكلمات و الأفكار التي تحملنها"[15]، وهو ما تؤكده لسانيات التلفظ التي تجعل المتكلم مرتبطا من ناحية بالمجموعة اللسانية التي ينتمي إليها، و تمنح من ناحية ثانية للتجربة الفردية دورا فاعلا " إذ للفرد قدرات ذاتية تجعله ينجز كلامه وفقها، و هذا ما يميز فردا عن آخر وطبقة عن أخرى "[16]، و هو أيضا ما يجعل خطاب المرأة منضدا و محملا بقيـم و رغبات، تحاول من خلالها المرأة أن تمارس اختلافها كقضية وجودية و ثقافيـة، و ليس كمجرد خصوصية أنثوية، و هو ما تلح عليه جل الكتابات الروائية النسائية التي تحاول أن تقيم علاقات حوار أو مواجهة مع الرجل تختلف باختلاف طرائق استدعائها للمكبوت على مر الزمن وتوظيفه من أجل تكريس خـطـاب الـمـواجـهـة و العنف، أو تبني حوار يكشف من خلال اختلاف الجنس عن بهجة الأعماق و عن الانجذاب المتبادل بين الجنسين الذي يصل إلى درجة الاتحاد؛ حيث ينوس كل كائن إنساني من قطب لآخر، فلا يبقى من الذكورة و الأنوثة إلا الانطباع الذي تحافظ عليه الملابس، و فوق الجنس العميق (المتحد) ينتفي الجنس المتجلي على السطح[17]؛ هذا الحوار تديره أحلام مستغانمي بين شخوص المتخيل الروائي لعابر سرير عبر مختلف عوالمه الممكنة و فضاءاته المتخيلة و بلغة مجازية شاعرة تتضمن مختلف أنواع الاستعارات التي تعلي من حس المواربة و المخاتلة المجازية التي تسعى إلى معانقة حقائق الأشياء و ليس الأشياء في حد ذاتها، حيث تتجلى هذه الحقائق في الفن على أنها أحداث و أفعال تنتظم داخل مسار نصي تهيمن عليه بلاغة المفارقة، و تتجاور داخله فضاءات الخوف و العنف و الموت مع فضاءات الحس و الرغبة و الشوق العامرة بالحياة، حيث تتوج المفارقة بانتصار الموت الذي يأتي متسللا في لحظة من لحظات الفرحة الغامرة و السعادة الهاربة و المراوغة للعسس و محترفي الموت ليضفي على نهاية المسار الروائي جوا جنائزيا حزينا يلفه صمت رهيب " يكاد أن يتحول إلى صراخ مكبوت وغمغمات مبحوحة بإمكانها أن تتجسد في لغات متعددة للإدانة و الشهادة المجازية على أزمنة الموت و النفي؛ و إذ تختار أحلام مستغانمي هذه النهاية التراجيدية، فإنها تسعى من وراء ذلك إلى تحقيق غايتين؛ أولاهما تتمثل في الإشارة المجازية إلى اكتمال و انغلاق المسار النصي للجزء الأخير من ثلاثية ذاكرة الجسد، فموت الفنان زيان كان بمثابة البرنامج السردي النهائي الذي تتجه عبره مصائر الشخصيات نحو غاياتها؛ و يشكل فيها الموت نهاية حتمية لكل المصائر، و ثانيهما تتمثل في محاولة الكاتبة للتأسيس لنوع من المصالحة على مستوى المتخيل بين الذات و الوطن، فالعودة إلى قسنطينة قد تعني الرغبة في الشفاء و تجاوز الأزمات، و التخطيط لمشروع حب جديد خارج مدارات الرعب و الموت و المنفى

2. بلاغة خطاب المناصصة

ينفتح محيط النص على كل هجين و متعدد من الخطابات المصاحبة تمثل عتبات منفتحة على معلومات شتى بإمكانها أن تكيف عملية القراءة ضمن منظور تأويلي "يروم الإمساك بالمقاصد الأصلية للمؤلف"[18] انطلاقا مما يوفره محيط النص من المعطيات المتنوعة و من العلامات اللغوية و غير اللغوية التي لا يمكن للقارئ أن يتجاهلها في بحثه عن قصدية النص التي يتعذر الوصول إليها إلا من خلال تبني استراتيجية سيميائية يتم التعرف عليها –أحيانا– انطلاقا من أسس أسلوبية متداولة[19] أو من خلال بنية نصية فوقية موازية أو مصاحبة تحف بمتن الرواية؛ تتقدمه و تحاول أن تجعله منفتحا على الواقع الذي يتناسل داخله في أبعاده الثقافية و الإيديولوجية كما تشكل وسائط دالة يمكن الولوج من خلالها إلـى داخـل الـنـص و يبدو أن أحلام مستغانمي كانت مدركة للوظيفة الجمالية و الثقافية لهذا الحيز النصي الذي جاء مشتملا على اسم المؤلف و على نبذة من تاريخه و هويته وصورته الشخصية، و على العنوان الرئيس مسبوقا بما يدل على هويته الأجناسية ( رواية عابر سرير) يعلو مستنسخا من لوحة للفنانة صوفيا مستغانمي، لها علاقة مباشرة بمضمون العنوان؛ يتلوه إهداء حميمي إلى الأب و الحبيب، ثم استشهاد يتناول موضوع الحقيقة مقتبسا من إيميل زولا، و أخيرا تأتي شهادة الرئيس أحمد بن بلة والتي تندرج في مجال التقريض والمجاملة في الصفحة الأخيرة لغلاف الرواية، كخاتمة تتوج خطاب المناصصة فتنتهي بذلك مسؤولية المؤلف و الناشر والطابع بانغلاق هذا الخطاب و اكتماله، و تبدأ بعد ذلك مسؤولية القارئ التي تكمن في ضرورة التحقيق الجمالي للنص، من خلال قيام تعاضد تأويلي أو تفاعل جمالي بين النص والقارئ.

و قد أبرز خطاب المناصصة أن أحلام مستغانمي تتبنى إستراتيجية سيميائية تحاول من خلالها أن تجعل القارئ لا يلج إلى النص إلا عبر محيطه الدال، والذي يشكل ميثاقا مصاحبا غايته تدعيم الميثاق الروائي و الإسهام في عملية التأويل النصي، و محاولة توجيهها عبر نزوعه إلى الكشف عن بعض المرجعيات، التي تنطلق منها المؤلفة و الرؤى والمقاصد التي تسعى إلى تحقيقها

1.2. اسم المؤلف

يعلو اسم المؤلفة الواقعية أحلام مستغانمي الصفحة الأمامية لغلاف الرواية، ثم يأتي أسفل صورتها الفوتوغرافية في الصفحة الأخيرة للغلاف، متبوعا بنبذة مختصرة و دالة من سيرتها الذاتية، متعلقة بكفاءتها المعرفية و الثقافية و بشهرة أعمالها وترجمتها إلى الكثير من اللغات، كالكردية و الفرنسية و الايـطـالـيـة و الـصـيـنـيـة و الإنكليزية. ويبدو أن اختيار الكاتبة لهذا المقطع من سيرتها الذاتية كان بهدف التأكيد على أن شهرتها تجاوزت حدود اللغة و الثقافة العربية، و أنها ليست في حاجة إلى الرد على خصومها، و في هذا السياق تقول الكاتبة "أقول دائما إنني لا أدافع عن كتاب، أنا أدافع عن شرف الكتابة، نحن نكتب الكتب لتدافـع عـنـا"[20] و هو ما دفعها أيضا إلى إدراج شهادة الرئيس أحمد بن بلة في نهاية الصفحة الخلفية للغلاف، و التي تجعل منها شمسا جزائرية أضاءت الأدب العربي و رفعت بإنتاجها الأدب الجزائري إلى قامة تليق بتاريخ نضالنا ...الخ، حيث ترد هذه الشهادة في سياق العلاقة بين المؤلف الواقعي و القارئ الواقعي باعتبارهما شخصيتين تاريخيتين لا تنتميان بصفة مباشرة إلى العمل الأدبي، و إنما تتموقعان داخل العالـم الـواقـعـي و تمارسان حياتهما في استقلال عن النص و عن المتخيل الأدبي، و على الرغم من أن القارئ قد لا يشاطر المؤلف بعض رؤاه و انشغالاته الإيديولوجية أو الجمالية، و هو ما يدفع المؤلف – باستمرار- إلى مناوأة هذا القارئ و خرق أفق انتظاره، إلا أن تأويل الرسالة الأدبية يقتضي قيام علاقة جدلية بين القارئ و المؤلف تجعل القارئ على معرفة بالسنن الجمالي و الأخلاقي و الاجتماعي و الإيديولوجي...الخ[21] للمؤلف، و ذلك من أجل تحقيق تلقي جمالي فعال للنص الأدبي، و هو ما دفع هانس روبرت ياوس إلى تفضيل و تقديم القراءات المعاصرة للنص على غيرها من القراءات اللاحقة و المتواترة عبر الزمن، و لذلك فإننا نتعامل مع شهادة الرئيس أحمد بن بلة من منظور يجعلنا نتجاوز الوظيفة الإشهـاريـة لـهـذه الـشـهـادة، لأن ورودها في نهاية الصفحة الأخيرة لغلاف الرواية مع تعيين مكان الشهادة "جنيف" وتاريخها "12 يوليو 2002" يضفي عليها أهمية إستراتيجية تجعل من خطاب المناصصة شهادة واقعية و مرجعا من مراجع المتخيل الروائي، بخاصة و أن مكان الشهادة يشكل قبلة و منفى للسياسيين الجزائريين، أما التاريخ فإنه يشير إلى أن المتلقي الواقعي اطلع على نص الرواية قبل نشرها وأقر ما يتعلق به من إحالات استعملت كتغذية ارتجاعية للمتخيل الروائي، و هو ما تؤكده الإشارة إلى تاريخ الانتهاء من كتابة الرواية في آخر صفحة من الصفحات التي تمتد عبرها الكتابة على مدى الفضاء النصي لرواية عابر سرير، حيث تعلن الكاتبة أن الرواية " انتهت في 10 يوليو 2002 الساعة العاشرة و النصف صباحا "[22] و هذا يشير أيضا إلى أن الكاتبة - و بالإضافة إلى ما يطبع كتابتـهـا الـروائـيـة مـن لـغـة شـعريـة و مـن مـجـازيـة و استعارية متعالية و متأنقة في رشاقة و حيوية - تتميز بنزوع مهيمن يشكل بصمة خاصة في كل أعمالها الروائية و يتمثل ذلك في تماهي و تمازج المتخيل فـي الـواقـع و تقويض أية حدود فاصلة بينهما بطريقة تتميز بنوع من المخاتلة و التغنج الخطابي، و القدرة على استعمال الكلمات من أجل الإغواء الكلامي الذي يشكل بصمة خاصة بالخطاب الأنثوي منذ أن بدأت شهرزاد في سرد لياليها، حيث يعمل هذا الخطاب على صرف المتلقي/ الرجل عن همومه و محنه ليعيشها وجدانيا ورمزيا على مستوى المتخيل السردي، و هو ما ألحت عليه كثيرا الكاتبة المجردة ( حياة ) التي تحترف كتابة الرواية على مستوى المتخيل الروائي لعابر سرير، و تنسب إليها أعمال الكاتبة الواقعية أحلام مستغانمي، فهي بذلك تشكل أناها الثانية أو الأنا العميقة أو الكاتب الضمني – بحسب اصطلاح بوث Booth - الذي يختار بوعي أو بدون وعي ما نقرأه، فنستنتج أنه ترجمة مثالية وأدبية مبدعة للإنسان الواقعي - أي المؤلف الواقعي - الذي يشكل المؤلف الضمني خلاصة اختياراته الخاصة[23]، والعميقة التي قد تتعارض - أحيانا – مع انتماءات المؤلف الواقعي.

2.2 بلاغة العنوان

يشكل عنوان رواية " عابر سرير " عتبة لعبور مجازي نحو عالم الرواية أين يكون بإمكان المتلقي تجاوز مواربة العنوان، و تفادي الوقـوع فـي حـبـائـل الخـداع و الغواية الموصولة به، حيث يمارس العنوان لونا من ألوان الاستهواء المضلل، ذلك أن عبور فعل القراءة و التلقي يكون لكتاب و نحو عالم متخيل، مثلما كان عبور فعل الكتابة و الإنتاج الفني من تجارب العالم الواقعي نحو بناء الفضاء النصي و تشييد العالم الروائي المتخيل، و لذلك فإن الخداع الذي تمارسه أحلام مستغانمي على القارئ باختيارها لهذا العنوان المجازي الموارب و ما يترتب عليه من إيهام يصل إلى حد الاستفزاز و الريبة المغوية؛ و الريبة في هذا المقام ضرورية، فهي تحفز على القراءة و التلقي و تدعو إليهما، و تجعل المتلقي / قارئا أو مستمعا يتـرك الـتـحـفـظ و يتخلى عن مراقبته لذاته و يقبل على كل ما يستملح و يتعجب منه، و بذلك يكون العنوان قد حقق بلاغته و أنجز شعريته بخرقه و تجاوزه لوظيفة التعيينla fonction dénominative du titre التي تجعله يحدد و يعين و يشيـر إلى مـجـمـوع الـنـص[24]، و تبنيه لوظيفة التحريض والغواية la fonction incitative التي تجعل العنوان يمرر تعاقدا فنيا إلى المتلقي الذي يشتري الرواية و إلى القارئ المنتظر لها يعد فيه – كخطاب إنجازي – بنقل المعرفة و تحقيق المتعة و إرضاء أفق الانتظار و الرغبة بالإضافة إلى ما يتضمنه أو يحيل عليه من قيم إيديولوجية، و يبدو أن أحلام مستغانمي تتعمد في اختيارها لعناوين مجازية ملفتة للانتباه " ذاكرة الجسد،فوضى الحواس، عابر سرير " إثارة فضول القارئ العربي و ترغيبه، تقول :" إن ما يهم بالنسبة لي هو الأحاسيس[25] التي تتركها الرغبة، أنا كاتبة الرغبة و لست كاتبة المتعة "[26] و هي بذلك تصر على اتباع طريقة في السرد العربي تقوم علـى الاسـتـهـواء و الترغيب أتقنتها شهرزاد، واعتمدتها أحلام مستغانمي استراتيجية فـي الـحـكـي و السرد، تقوم على العدول و التحريف و الخرق و التجاوز تقتضيها جماليات الكتابة النسوية، و ما حققته المرأة من هامش واسع للحرية في العصر الحديث؛ و هو ما يجعل حياة الكاتبة المجردة L'auteur abstrait في الرواية تتماهى مع شهرزاد في احتراف السرد والحكي، توظفه شهرزاد للمحافظة على استمرار حياتها ومداواة شهريار و ترويض الوحش المستبد بالمرأة في نفسه متبنية في ذلك استراتيجية تقوم على الاستجابة و الإيهام بالخضوع لأهواء شهريار، لكنه خضوع مغلـف بـالـخـداع و المكر والغواية: أما حياة فإنها في علاقتها بزوجها - الضابط السامي الذي لا يقل في دمويته وجبروته و طغيانه عن شهريار - تتوفر على هامش من الحرية يخول لها و بحذر شديد أن تكتب و أن تحب وأن تسافر يقول عنها الراوي " في الواقع، كنت أحب شجاعتها عندما تنازل الطغاة و قطاع طرق التاريخ، و مجازفتها بتهريب ذلك الكم من البارود في كتاب و لا أفهم جبنها في الحياة عندما يتعلق الأمر بمواجهة زوج "[27]، لكن مواجهة هذا الزوج تقتضي مكرا و دهاء لا يقل عن مكر و دهاء شهرزاد الذي استمر و تواصل عبر السرد ألف ليلة و ليلة، أنجبت خلالها من يرث عرش شهريار، و استطاعت بذلك أن تواجه شهريار بهذه الحقيقة التي قد يكون غافلا عنها، بعد أن جعلته يعيش محنته ثانية و بصورة رمزية فيما سردته عليه من حكايات، فكان لفعل السرد و التلقي أثرا تطهيريا شفاه من عقدة كـرهـه للـنـسـاء، و هو ما لم تحققه حياة و لم تسع إليه، و لا كان الضابط السامي مهووسا بالحكايات، و لكونها عقيما فإنها لم تمنحه ما منحت شهرزاد لشهريار من مشاعر الأبوة و الرجولة بإنجابها له من يرث عرشه من الذكور.

و الملاحظ أن ما يتميز به العنوان من اختصار و تقنيع مجازي يدفع بنا إلى تجاوز خرافة المعنى الخاص و البحث عن معان ثوان أو مصاحبة يمكن أن يفترضها هذا العنوان أو يستتبعها و يستدعيها على امتداد النص الروائي، و ربما كان هذا الجانب الإيحائي هو الدافع الذي جعل أحلام مستغانمي تسارع إلى تحديد الهوية الأجناسية لهذا النص بوضع كلمة " رواية " و باللون الأحمر في مقدمة عبارة العنوان للتقليل من تضليل هذا العنوان الذي يبدو أقرب إلى العناوين الشعرية، لما يتميز به الشعر من نزوع نحو التشكيل و التكثيف اللغوي الذي يفرغ الشعر من المعنى أو يجعله مدركا بصعوبة، و قد يعود هذا إلى أن الشعر لم يترك أحلام مستغانمي على الرغم من احترافها كتابة الرواية و اعتبارها الرواية الشكل الأكثر مرونة و استيعـابـا لـتـعـقـد و شمولية التجارب الإنسانية.

و إذا ما حاولنا رصد تكرار عبارة العنوان "عابر سرير" و تردد صدى معانيها داخل النص الروائي كعلامة مهاجرة من فضاء المناصصة إلى فضاء النص، فإننا نجد أن هذا التوسع الدلالي الذي يحاول العنوان أن يجسده و يحققه داخل النص، انطلاقا من كون النص يمكن أن يكون امتدادا للعنوان أو توسيعا له، لا يتجاوز الإحالة على الإحساس بالفقد و عدم الاستقرار و الوجود المؤقت في المكان و الـزمـان و الاستعداد للرحيل، و هي حالات متعلقة ببعض الذوات المتـكـلـمـة فـي الـروايـة و بخاصة الراوي و"زيان " الرسام الجزائري المهاجر الذي لم يقر له قرار منذ أيام الثورة، و كأن كل الأسرة لم تكن بالنسبة إليه إلا محطات مؤقتة تشبه محطات التحويل و الانتقال في المطارات، حيث كان سرير المرض بأحد مستشفيات باريس آخر سرير انتقل منه إلى سرير الأبدية؛ و هي نفس الحالات السيكولوجية التي مر بها الراوي و المصور الصحفي الذي يقاسمه الاسم " خالد بن طوبال " و أشياء حميمية أخرى كحبهما المشترك للكاتبة المجردة " حياة " و انشغالهما بهموم الوطن و بالفنون التشكيلية، و انتمائهما إلى قسنطينة، حيث كانت الأسرة بالنسبة إليه محطات عبور لم يستطع أي منها أن يشده و يمنحه الإحساس بالاستقرار حتى سرير الزوجية، و لذلك فإنه يعد نفسه عابر سرير منذ أن غادر سرير أمه رضيعا إلـى حضن جـدتـه، يـقـول: " النساء جميعا كن يختصرن في جدتي لأبي، المرأة التي احتضنت طفولتي الأولى مذ غادرت سرير أمي رضيعا و انتقلت للنوم في فراشها لعدة سنوات على فراشها الأرضي بدأت مشواري في الحياة كعابر سرير ستتلقفه الأسرة واحدا بعد الآخر حتى السرير الأخير "[28]، و إن مثل هذه الحالات لا يمكن أن يعبر عنها إلا شعرا أو بواسطة نثر ينفلت من مواضعات النثر و ينقلب عليها إذ الشعر وحده القادر على التعبير عن تمزق الوجود و التحول إلى علامة ذات إيقاع منسجم مع إيقاع الوجود ولما كان الشعر أقرب فنون القول من الفنون التشكيلية و من الرسم بخاصة؛ كونه يعبر عن حالة شعرية أكثر مما يقول، لذلك فإن إلحاق صورة السرير الفارغ التي تشكل المضمون السطحي للوحة المصاحبة للعنوان، يعد علامة إيقونية مجسدة للفراغ و الخواء ومعمقة للإحساس بالفقد و اللامعنى، و هو تصور خاص في إدراك العالم لدى جيل من المثقفين الجزائريين الذي ارتبطت أزماتهم الذاتية والاجتماعية والوجودية بأزمات تاريخ الجزائر الحديثة.

2.3 خطاب الإهداء

يفترض أن خطاب الإهداء يندرج ضمن خطاب المجاملات و التوقير الموجه إلى فرد أو مجموعة واقعية أو مثالية أو إلى كينونة من نظام آخر[29]،وقد يكون متعلقا بإهداء أو بيع فعلي لكتاب، أو يكون إهداء رمزيا لشخص أو بمناسبة ذكرى حميمة، و يبدو أن أحلام مستغانمي توخت أن يكون إهداءها خاصا بأبيها و زوجها، وأن يكون في الوقت نفسه عاما و رمزيا موجها " إلى شرفاء هذه الأمة و رجالها الرائعين، الذين يعبرون بأقدارهم دون انحناء، متشبثين بأحلام الخاسرين "، و قد جاء هذا الإهداء في شكل رسالة شعرية تجمع بين جمال العبارة و بلاغة الإشارة، لكنها بلاغة تبدو من الناحية الأسلوبية متورطة، فاستعمال أحلام مستغانمي صيغة الإطلاق " إلى أبي دوما " في توجهها بالإهداء إلى أبيها و تضمن عبارة الإهداء لفراغ بان يمكن ملؤه بما لا حصر له من عبارات الحب و الاحترام و التوقير يخفي وراءه انجذابا بيولوجيا و سيكولوجيا للبنت نحو أبيها، و كل فتاة بأبيها معجبة، و هو في الوقت نفسه يعبر عن انجذاب الأنثى نحو الذكر أو نحو الأب في مقابل انجذاب الذكر نحو أمه التي تسكن لاشعوره.

لذك فإن ما يتميز به خطاب الإهداء من تخصيص يجعله موجها للأب و الزوج أو الحبيب و إلى شرفاء هذه الأمة و رجالها الرائعين دون النساء الشريفات الرائعات من هذه الأمة، و هن كثيرات بل إن بعضهن أكثر تشبثا بأحلام الخاسرين من الكثير من الرجال، و هو ما يجعلنا نفسر هذه الإغفال بكونه لغزا لا تستطيع إلا المرأة حله.

و الملاحظ أن هذا الإهداء و على الرغم من خصوصيته فإن وروده في عتبة النص الروائي يثير نوعا من الغموض يتعلق بالقارئ الذي يمكن اعتباره شاهدا على مضمون الإهداء الذي قد يتجاوز حدود التباهي و التفاخر و التوقير المبالغ فيه، ليتحول إلى رسالة ضمنية بإمكانها أن تمارس حدا أدنى أو أقصى من التحريض على القراءة انطلاقا من كون النص بإمكانه أن يقول ما يسكت عنه خطاب الإهداء، و لو بطريقة لا يمكن للقارئ أن يتوقعها.

2.4 خطاب الاستشهاد

يعد خطاب الاستشهاد أقرب خطابات المناصصة من النص، " يأتي غالبا بعد الإهداء و قبل المقدمة "[30]، و يشكل جسرا تعبر عليه القراءة من الفضاء المحيط بالنص إلى الفضاء النصي، يصل النص بنصوص الثقافة و بعيـون الأعـمـال الأدبـيـة و الفلسفية السابقة، ويسعى لإقامة حوار مع القارئ و من خلاله مع النص حول الحقيقة كأطروحة فلسفية متعالية و مطلقة، و كمعنى مجازي يـمـكـن اسـتـقـصـاؤه و محاصرة تجلياته الدلالية داخل العالم الروائي المتخيل، الذي يعد قبل كل شيء نتاج ممارسة دالة؛ و لذلك فإن تبني أحلام مستغانمي للمضمون الرمزي لخطاب الاستشهاد "عابرة سبيل هي الحقيقة. و لا شيء يستطيع أن يعترض سبيلها " المنسوب إلى إيميل زولا، ينطلق مما يكتنف موضوع الحقيقة من التباس و من معان مصاحبة متعددة، تجعلنا نشعر بالعجز عن قول الحقيقة و ادعاء البراءة، و قد فصل النقد الجديد المنفتح على التأويل في هذه القضية منذ أكثر من نصف قرن من الزمن، و قد شكل كـتـاب بـارت "النقد والحقيقة "[31] مدخلا لدحض كل المقولات التي تدعي الصرامة و الدقة و الحقيقة، فكل هذه المصطلحات تتعارض مع الطبيعة الرمزية و الخاصية المجازية للغة الأدبية، كما أن الخاصية الإيحائية التي يتميز بها الخطاب الأدبي، تجعل من تأويله تأويلا متطرفا يخرق و يتجاوز كل ما هو شائع في الممارسات النقدية المحافظة التي تستند إلى مرجعيات جمالية و إيديولوجية تقوم على العلاقات الاستتباعية و وهم يقينيات القول.

و إذا ما حاولنا قراءة هذا الاستشهاد في علاقاته بمحيطه النصي فإننا نجد نوعا من التواصل و التراسل الدلالي بينه و بين عنوان الرواية " عابر سرير" ذلك أن العبور الذي يستدعيه و يستحضره كل من العنوان و الاستشهاد هو عبور من حالة اللااستقرار و الشعور بالافتقاد إلى حقيقة ما يتم البحث عنها فيـمـا بـيـن الـعـنـوان و الاستشهاد و المتخيل النصي حيث يمكن أن تفضي سيرورة القراءة في تعانقها وتقاطعها مع المسار النصي إلى نهاية مفتوحة على كل الاحتمالات، فلا الموت بإمكانه أن يحل أزمة هذا الوطن، و لا العودة إليه يمكن أن تشكل منعرجا جديدا بإمكانه أن يبشر بحل ممكن، لأن العودة ارتبطت بظروف حتمية و تراجيدية.

و لذلك فإن الحقيقة كما يقدمها و يشيدها المتخيل الروائي تشمل مجموع البرامج والمسارات السردية التي تنجزها الذوات والهيئات المنتمية إلى الـعـالـم الـمـتـخـيـل و المسهمة في بنائه و تشييده، أي أن الحقيقة المنجزة سرديا تتموقع داخـل الـسـرد و تتعدد بتعدد الرؤى و المنظورات السردية من حيث انسجامها و تكاملها أو تعارضها و تناقضها. و هذا يعني "استبعاد كل علاقة أو مماثلة مع المرجع الواقعي"[32] و بالتالي فإن الحقيقة التي تسعى رواية عابر سرير إلى قولها و مواجهة المتلقي/ القارئ بتعددها و بتناقض أطروحتها تقوم أساسا على التعارض بين الـرؤى و البرامج الإيديولوجية و كيفيات رؤية العالم و القصديات المتـوخـاة مـن وراء ذلـك و يقتضي هذا التعارض قيام مواجهات سجالية أو تبادلية مباشرة أو غير مباشرة بين الذوات حول موضوعات القيمة المرغوب فيها من كل أقطاب الصراع، و لما كانت الرؤى المتصارعة لم تنته إلى حسم ما للمواجهة، فإن المسار السردي انتهى كذلك إلى تبني نهاية مفتوحة مشرعة على أكثر من توقع للحقيقة، حيث تبدو هذه الحقيقة المتعددة عابرة سبيل بين القراء، لا يستطيع أي تأويل أن يعترض سبيلها أو يدعي امتلاكها و استنفاذها.

هوامش

[1] Mercier, Michel, le roman féminin, P.U.F, 1976, p.11.

[2] Op. Cit, p. 11.

[3] Op. Cit, p. 09.

[4] Op. Cit, p. 09.

[5] بلمليح، إدريس، القراءة التفاعلية، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط1، 2000، ص.09.

[6] دريدا، جاك، الكتابة والاختلاف، ت كاظم، جهاد، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط1، 1988، ص.53.

[7] الخطيبي، عبد الكبير، الاسم العربي و الجرح، بيروت، دار العودة،ط 1، 1980، ص.ص. 20-22

[8] جوليا، كريستيفا، الطوية الهائلة، عن الأدب بوصفه تجربة ضمن كتاب ومض الأعماق، مقالات في علم الجمال والنقد، ت. د علي نجيب إبراهيم، دمشق،دار كنعان، ط1، 2000، ص.110.

[9] نجمي، حسن، الشاعر و التجربة، الدار البيضاء، دار الثقافة، ط1، 1999، ص.18.

[10] المرجع نفسه، ص.21.

[11] الميساوي، خليفة، خطاب الفرد وخطاب الطبقة، أعمال ندوة : قضايا المتكلم في اللغة والخطاب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، مارس 2004، تونس، دار المعرفة للنشر، 2006، ص.71.

[12] أفاية، محمد نور الدين، الهوية والاختلاف، في المرأة، الكتابة والهامش، إفريقيا الرق، الدار البيضاء، 1988، ص.32.

[13] المرجع السابق، ص.33.

[14] Michel, Mercier, le roman féminin, p. 9.

[15] ياغيلو، مارينا، الأنوثة والبحث عن هوية ثقافية، ت أحمد الفوحي، مكناس، المغرب،مجلة علامات، عدد 24، 2005، ص.122

[16] الميساوي، خليفة، خطاب الفرد، خطاب الطبقة، /.س، ص.72.

[17] Woolf, Orlando, V., p.152, in Michel mercier, le roman féminin, p.14.

[18] أمبرتو، إيكو، التأويل بين السيميائيات و التفكيكية، ت. سعيد بنكراد، الدار البيضاء، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط1، 2000، ص.23 .

[19] المرجع السابق، ص.78.

[20] حوار أجرته مجلة الاختلاف مع الكاتبة، عدد 3 الجزائر، ماي 2003، ص.28.

[21] Jaap, Lintvelt, Essai de typologie narrative, le point de vue, Paris, librairie José corti, 1981, p.16.

[22] مستغانمي، أحلام، عابر سرير، منشورات أحلام مستغانمي، ط2، بيروت، 2003، ص.319.

[23] Lintvelt, Jaap, Op. Cit, pp. 18-19.

[24] Mitterand, Henri, les titres des romans de Guy des cars, in sociocritique coll- dirigeé par Duchet, Claude, Paris, Nathan, 1979, p. 90.

[25] Op.cit, p. 91.

[26] حوار مع الكاتبة، مجلة الاختلاف، م س، ص.29

[27] الرواية، ص.17.

[28] الرواية، ص.ص.47-48.

[29] Genette, Gérard, Seuils, collection points, Paris, Editions Seuil, 1987, p. 120.

[30] Genette, G., Seuils, p. 152.

[31] Barthes, R., Critique et verité, coll. Tel- Quel, Paris, Ed, Seuil, 1966.

[32] Greimas, A., J. et Courtès, J., sémiotique dictionnaire raisonné de la théorie du langage, Paris, classiques Hachette, 1979, p. 420.