Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

التفكير ضد التسمية / ضد "الأدب النسوي"

بادئ ذي بدء نتصور أن النص الابداعي لا يصنف نفسه إطلاقا ضمن جنسيته البيولوجية، فهو فوق التصنيف. و تسمية من قبيل "أدب نسوي/ نسائي"، هي تسمية مضللة أحيانا، لأنها تحيل إلى أدب يَتَصَوَّر نفسه أنه يُكتب من امرأة تتحدث عن هموم المرأة و اهتماماتها المختلفة – و هذا ما لا نجده دوما في هذا النوع من الأدب حصرا. ماذا عن رواية "ليلة القدر"La Nuit Sacrée للكاتب "الطاهر بن جلون"، حتى لا نذكر غيرها من الروايات. أليست هذه الرواية تشخص واقعا رمزيا لمرأة اسمها "زهرة" أُريد لها أن تكون رجلا "أحمد": فماضيها هو تاريخ رجل مصنوع من قبل والد اختلق وهما صدقه مدة عشرين عاما و لما قرب أجله أراد أن يمحو الوهم الذي سيطر عليه كل هذه السنين؟ في المقابل يبتدئ تاريخ حاضرها من ليلة السابع و العشرين من رمضان و هو التاريخ الفعلي لأنوثتها، أي لحظة اكتشاف جسد المرأة خارج الشرنقة الأبيسية (بالمفهوم الاثنوغرافي) و ميلاد الرواية بعد حقبة طويلة من التجارب اليومية في الحياة. هذا هو العالم العجائبي الذي ينسجه سارد الرواية أو على الأصـح رَاوِيـة "قـدرهـا". و مصادفة لغوية عجيبة أن يلتقي معنى "القدر" بليلة القدر، فتمتزج دلالة العنوان بذلك الإيحاء الكثيف لما يلقاه الإنسان طيلة حياته، بتلك القداسة الدينية الخاصة بليلة السابعة و العشرين لدى المسلمين.

فأليس بالإمكان أن نصنف هذا النص ضمن "الأدب النسائي" على الرغم من كونه مكتوبا من قبل ناص هو رجل؟ و هذا يدعو إلى التفكير في تصنيف آخر بحسب المحتوى إذا ما افترضنا معيارا آخر يقوم مقام هذا التصنيف.

يقول "مارتن هيدغر" في كتابه "أصل العمل الفني": " عندما تُسمي اللغة الموجود لأول مرة، فإن تسمية من هذا النوع تحمل الموجود إلى القول و الظهور. هذه التسمية تُسمي الموجود من أجل وجوده من هذا الوجود. هذا النوع من القول هو تصميم النور، الذي يعلن فيه أي شكل يصل به الموجود إلى المنفتح. الالقاء هو تحرير القذف، يرسل فيه الكشف نفسه إلى الموجود بصفته هذه. و الاعلان المقذوف به يصبح في الحين رفضا لكل فوضى صماء، ينسحب إليهـا الـمـوجـود و يحتجب فيها"[1].

هكذا يصير النص موجودا لقاء تحرره من ربقة صاحبه: نص يفتح نفسه لمكتشفه كي يقف عند حدود الموجود فيه. نص يَرْشَحُ بالمعنى الجمالي الذي يقذف بنفسه إلى متلقيه كي يمنحه إدراكا جماليا يتجاوز كل تصنيف لا يتركنا نفتتن بغـيـر الـنـص و أفقه الأدبي. و لعله من هذا الجانب، نقدم هذه الورقة في عنوانين روائيين: رواية "بعيدا عن المدينة - بنات إسماعيل"Loin de Médine, Filles d’Ismail (1990) للروائية آسيا جبار و رواية "الرحالة" Les hommes qui marchent (1990) للروائية مليكة مقدم. و نبتغي في هذين العنوانين الروائيين قراءة شكل الكتابة التي يقتفيها صوت الراوية في السرد. ذلك أن هذين النصين يتركان القارئ أمام نص أقرب ما يكون للشهـادة مـن أي شـيـئ آخـر، و كأن "الراوية" في كل من نص "بعيدا عن المدينة" أو نص "الرحالة" لا ترى في أفقها السردي غير العبور المجازي للغة من غياب الحضور إلى حاضر لا يزال مفتونا بسيرة الغياب.

قد تكون ما تنتهي إليه رواية "بعيدا عن المدينة"، من خلال النص المعنون"الصوت الحاضر"، قد يكون لحمة النص السردي كله كونه يختزل الرؤية الفنية السائدة للرواية انطلاقا من مشهد "هاجر" في سعيها ما بين الصفا و المروة.

"مذاك، و في قفر الحياة كلها نذهب و نجيئ، نرقص و نُجن ما بين الربوة الأولى و الثانية دوما "[2].

هو نص يستعيد فكرة الطواف تجاه المعنى المفقود إلى غاية العثور عليه : إذ كل الراويات اللاتي تعاقبن في السرد (حكي السيرة بضمير الأنا على هامش "سيرة ابن هشام و ابن سعد و الطبري)، قد وقع لهن ما وقع لهاجر يوم اضطرابها في سعيها الدائم ما بين الصفا و المروة. هو إذن السعي الدائب نحو المعنى و ما يحصل إثره من فتنة البحث عليه. فإذا كانت ساردة "بعيدا عن المدينة" تتوقف عند ما لم يقله نص الإسناد (مرجعية الطبري تحديدا) عن نساء دخلن في حيثيات الحدث التاريخ الإسلامي و وقائعه. و لأجل ذلك يأتي النص السردي المروي بأصوات سردية نسائية هامشا مقتطعا من السيرة من جهة و هامشا مُضافا (مستدرَكا) من جهة أخرى. نقول هامشا مستدرَكا لأن الناصة تتعقب المسكوت عنه في كل صوت سردي لم يأخذ حقه من الرواية لكي تسائل ظلاله الخفية وراء انحباس الكلام عنه. و كأن المسكوت عنه لا يحتج إلا عن حضور المرأة التي لا تكاد تكون غير "وسيلة" لنقل الحدث( سِند الرواية)، فإذا تم الحدث فلا نجد لهذه المرأة ذِكرا لأن مُسنِد النص لا يهمه غير تأكيد الخبر و إثبات مرجعيته الاسنادية. هذا ما وقع " للملكة اليمنية" التي تعين المسلمين على قتل زوجها "أسود اليمني" الذي ادعى النبوة. و إذ يتم الأمر، لا نجد لهذه "الملكة" خبرا في "سيرة الطبري". هذا ما وقع أيضا "لنَوَار" زوجة طلحة الذي ادعى النبوة و التي يأتي على ذكرها نص السيرة مرة واحدة خلال المعركة التي تجري بين "طلحة" و "خالد بن وليد".و قائمة أخرى من الأصوات النسائية التي شكلت معينا لا ينضب بالنسبة لذاكرة المسلمين كأم المؤمنين "عائشة"-رضي الله عنها- و" فاطمة الزهراء" ابنة و حبيبة الرسول صلى الله عليه و سلم.

هكذا ينفتح مشهد الكتابة في رواية "بعيدا عن المدينة"على القول، أي على رواية المقول الذي وقع في حياة الرسول (ص) و في عهد خلافة أبي بكر الصديق- و الرواية " الشفوية" هذه تجسدها نساء تحديدا. و كأن الراَوِيَة " لا تحتفل-كما يقول "رولان بارت"- إلا باللغة"، أي بحضورها في اللغة، لأنه خارج اللغة لا تستطيع أن تصنع وجودا . فهي – أي راوية الحديث أو الحدث أو مَنْ كانت جزءا من تفاصيل هذا الحدث- تمنح لنفسها تحررا من قيد الموجود الجغرافي الضيق إلى ممرات أفسح أفقا : سلسلة متوالية من الحضور الإسنادي الذي يتجاوز دوما زمن القول. و من ثمة يكون هذا الحضور بمثابة شهادة أو نص/شهادة Texte/Témoignage يرتجي من ورائه الأفق السردي تحريك الانتظار (أفق انتظار القارئ) تبعا لتخمينات أخرى ظلت غائبة في أثناء عبور الرواية عبر عدد من الإسنادات.

هل كانت الرَاوية، ما بين الحضور الفعلي و الحضور التخيلي – كما تشير إلى ذلك قائمة الشخصيات المذكورة في آخر الرواية- تبحث عن حصانة لغوية تمنع عن نفسها ما قد يصيبها من فعل الرواية نفسها ؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون غواية لنص أراد أن يجد له معنى مغايرا بعيدا عن المعنى المألوف لنص "السيرة"؟

ذلك ما لا نستطيع البثّ فيه الآن إلا إذا انتقلنا إلى أفق سردي آخر يحاول أن يضع نفسه ضمن هذه " الغواية" (غواية الرواية الشفوية)أيضا. و يتعلق الأمر بنص "الرحالة" للروائية "مليكة مقدم".

و قد تكون نهاية رواية" الرحالة" معبرا لقراءة مشهد الكتابة كله في هذا النص. إذ يصور بداية تدوين "ليلى" لسيرتها الذاتية و ما اكتنفها من محطات ابتداءً من الأربعينيات إلى غاية أواسط السبعينيات و هي الفترة التي تصبح فيها "ليلى" طبيبة "ببشار".

هو نص إذن يتعقب الأفق السردي فيه إيقاع "قوافل الملح" التي عايشتها الجدة "زهرة" حين ترحالها ثم استيطانها "بقنادسة" ثم التحاقها " بالرجال الزرق" حيث تنتهي حياتها. و تكاد أن تكون الجدة "زهرة" مُلْهِمة هذا الأفق السردي كله، كونها تمثل نسيج الحكي الذي احتضن مُخيلة "ليلى" و مارس فتنته العجائبية على تكوينها الشخصي. و تأتي لأجل ذلك الوقائع التاريخية من حياة القرية أو الوطن، لتعين الساردة على متابعة الـحـكـي بـشـكـل مـتـواصـل و ممتد، كامتداد الرمل في الصحراء.

إن المتتبع لأحداث الرواية، يلاحظ أن النص يتحرك بدافع العبور إلى الذاكرة دِرْءًا للنسيان أو لِما ألحقه الغياب في أولئك الذين عبروا ذاكرة "ليلى" بالاستعارة الرمزية. و من ثمة فالنص شهادة عن حدث مر غُفْلا من نساء لم يكن لديهن سلطة القول أمام ما يقع لهن. و كأن الشهادة انتقام للقول و تفكير ضده، لأنه إذا أظهرته الرواية ( رواية قوافل الملح) انصرف عنه سكوت الصمت. هكذا كانت تنسج"زهرة" خيط مسارها في الصحراء من شدة حنينها إلى الترحال، و تنعم باحياء المخيال وسط الظروف القاسية للاحتلال الفرنسي.

من هنا فإن النص يتوسل الحكي لبعث ما انطـمـر وراء الـعـادات و التقـالـيـد، و وراء الكثبان المتحركة، ومن ثمة ما احتجبت خلفه النساء و تركهن في الظـل. وهو لأجل ذلك، نص يتعقب أشكال الغياب في "وشم" الذاكرة: غياب الجسد عن ذاته أمام تاريخ قهره (غياب "سعدية" عن عائلة "العجال" بسبب ما جرى لها بعد اغتصابها ثم عودتها إلى العائلة بعد فترة متأخرة).

 إن الأفق السردي ليستحضر ممرات الغياب التي عبرتها قوافل الرحالة. ذلك أن فصول الرواية قوافل تعبر المجال السردي و تترك من ورائها آثارا تنتظر اقتناص علاماتها قبل محوها/طمسها.

لماذا إذن هذا العبور نحو الغياب ؟ أليست قوافل الملح نصوصا إسنادية تسند بعضها بعضا ؟ بمـعـنـى ألا يكون إيقاع العــبور يحمل في ذاته نَــفَــس العبـــارة Le souffle لرواية تراكم جمعا من الأصوات التي لم تستطع أن تحضر بغير هذا الإسناد المتواصل خارج الزمن؟ فالهامش المستدرَك من نص سيرة الطبري في رواية "بعيدا عن المدينة" هو امتداد أيضا لتلك القوافل من الرجال الزرق التي انضمت إليهم "زهرة" في "الرحالة" كي تُسلِم روحها إليهم بسكينة. فالامتداد موجود في النصين، كونه يرافق الأفق السردي السائد، لأن هناك دوما معنى خفي يرابط ظهور الأنثى في رحلة القول. و هو ما يجعل من سيرة الغياب نصا ضمنيا يستشرف أفقا لا تزال أطواره تنتظر تجلياته اللغوية للظهور، كي يَعْبُرَ القول طريق القوافل/ المسندات ويكون شهادة عن ترسبات موغلة في الكتمان.

هوامش

[1] هيدغر، مارتن، أصل العمل الفني، تر: أبو العيد دودو، الجزائر، منشورات إختلاف، 2001، ص.97 .

[2] Djebar, Assia, Loin de Médine, 2ème Editon, ENAG Editions, 1994, pp. 341-342.