Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تثير سيرة فاطمة المرنيسي : نساء على أجنحة الحلم المكتوبة أصلا باللغة الإنقليزية و المترجمة إلى عديد اللغات، من المسائل ما يتجاوز الجانب الشخصيّ إلى مسألة الذات بكلّ التباساتها و تهويماتها، و "حقائقها " و أقنعتها، ذلك أن المرنيسي قد حرصت على تقديم نفسها و الإفصاح عنها في سياق سرد روائي، متعدّد الروافد، منفتح على تجارب الآخر التي تشكّل سندا لتجربة الذات، و في أسلوب يعتمد التخييل و يفترضه، يطمس بذلك صلة النصّ بالمرجع، و يسم الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه بالالتباس و انفلات الحدود، مقدّرا وجود الذات في إطار النصّ، مشرّعا لأفق من الدلالات، فطالما كانت الوسائط بين الإنسان و العالم هي الكلمات، فإن هذا يتّصل بمسألة الكتابة نفسها، باعتبارها تمثيلا استعاريّا، يكسوننا بقدر ما يعرّينا، و يسترنا بقدر ما يفضحنا، و نظنّ ونحن نكتب أنّنا نمسك بناصية الكلمات فإذا هي ماسكة بزمامنا، تعيد تشكيلنا، و ترسم ملامحنا، من جديد.

و رغم ما يبديه النصّ من طغيان للمنحى الحواري الذي أشار إليه باختين من حيث تناوب الذوات المتحدّثة، و تنزيل الذات من خلال التبعيد و الوسائط[1]، فإن الذات المتلفّظة تخترق نظام النصّ، و تطبعها بميسمها الخاصّ، و قد حاولنا أن نبحث عن ملامحها في نسيج النصّ وسياقه الخاص من خلال تعدّد الأصوات، ثمّ نظرنا في حركة الذات في نظام الفضاء و كيفيات تشكيله، و أخيرا في السياق الإنشائي و مثلنا عليه بنموذج شهرزاد، رامين في كلّ ذلك إلى الإجابة عن بعض الأسئلة :

كيف تكتب المرأة نفسها؟ و ماهي حدود السلطة التي تفوّضها لها الكلمات؟ وما هي الأصداء التي نسمعها في صوت فاطمة و هي تكتب عن حياتها ؟

1 . تعـدّد الأصوات

تتكلّم فاطمة المرنيسي في السيرة بضمير" الأنا "، و الأنا في حدود الأحداث زمنيا طفلة في سنواتها السبع الأولى، و هو " ما يتيح للراوي أن يعرض، بوصفه طرفا مساهما في حكايته، لطفولته وتكوينه أو المرحلة المفضلة من حياته[2]، و لذلك فإنّ السرد لا يصنعه الحدث بقدر ما يصنعه الوعي به، ومحاولة استعادته ضمن بناء يقدّم الذات التي تعيشه مرّة أخرى من خلال الكتابة، غير أن فاطمة المرنيسي تكسر في هامش الفصل الثالث الإيهام بالمطابقة لتعلن أنها سيرة متخيّلة، فالأم ّ شخصيّة خياليّة "مثل الطفلة التي تتحدث ويفترض أن تكون أنا، لو حاولت أن أحكي لكم حكايتي لما استطعتم إتمام الفقرتين الأولتين لأنّ طفولتي كانت مملّة إلى حدّ كبير"[3]، وسنقف عند " يفترض " لأنها تثير عدّة مفارقات دالّة:

  • المفارقة الأولى تتمثل في الالتباس الحاصل في هويّة الشخص المتلفّظ، فهو في الآن نفسه " أنا " و ليس "أنا"، إنها ليست الذات الكائنة في الواقع و التاريخ، بل ما يفترض بها أن تكونه، لا تعيّن الكتابة بذلك ذاتا واضحة الملامح والمرجعية، مكتملة الهويّة، لا لبس و لا اشتباه فيها، فالنصّ منذ البداية يفترض الـتـضـلـيـل، و المراوغة، و يعلن عن نوايا مبيتّة في المكر بالقارئ، فيحذره سلفا من مغبّة اتخاذ الواقع مرجعا له ممّا يجعل الأحداث متردّدة بين أرض الـواقـع و سـمـاء الـحـلـم، و يقطع الطريق على كلّ فضولي يريد أن يعرف ما هو شخصي في حياة الكـاتـبـة[4]، و إذا كانت تعلل ذلك بأن ما حدث مملّ ورتيب ولا يصلح أن يكون مادّة للقراءة، فإنه قد أتاح لها أن تلبس ما شاء من الأقنعة وفقا لشروط لعبة التخييل المعلنة في بداية النص، مما يجعلها ذاتا مقدّرة، منفتحة على التأويل، تـقـرأ داخـل الـنـص لا خـارجـه، إذ: " ليس همّ الكاتب إخضاع النص لحقيقة مستقلّة عنه كائنة في ذاتها، وإنما حمل القارئ على الإذعان، بفضل المؤثرات النصّية، للتخييل الذي يخلقه "[5]، و عليه فإن كل إحالة أو إجراء من شأنه أن يطابق بينهما يبدو بـاطـلا، و لا يقدّم هذا التحذير صورة لفضاء الكتابة، بقدر ما يوجّه عملية القراءة، ويعطينا مفاتيحها.
  • المفارقة الثانية تتصل بالزمن: فإذا كانت السيرة عودة لزمن ولّى، يوهم بالمطابقة بين ذات الكاتب والذات التاريخية، و يوفّر بعض العناصر الدالة على حياته التي عاشها، فإن سيرة فاطمة إعادة تشكيل للماضي و خلق له من جديد، ممّا يحوّل الإمكان من زمن المستقبل إلى زمن الماضي، إنها شهادة على شيء لم يحدث وكان يفترض به ذلك، فالكتابة ليست إحياء أو بعثا للمنسيّ، و المتخفّي في الذاكرة، بقدر ما هي نبوءة وحلم، حلم النساء بالحرّية الذي تحقّق في شخص فاطمة.

و يمكن تعليل اختيار الزمن الذي انتقي ليكون ممثلا لهذه الذات بأسباب متعدّدة لا يلغي أحدها الآخر، فقد تكون الطفولة الزمن الأثير و المفضل لأنه الفردوس الذي نحلم بالعودة إليه، أو لأنه متضمّن للبنات الأولى الفاعلة في الشخصيّة الواعية، و قد يكون قناعا يقدّم لنا المرأة الناضجة في شكل حالم يطمس حدّة الصراع ومشقّته.

 المفارقة الثالثة هو الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النصّ، إذ تتقاطع مع قصّة الكاتبة المفترضة قصص أخرى بعضها من التراث وأخرى من التـاريـخ الـمـعـاصـر، و تلتبس بالقصة الأصلية، مشكّلة بذلك روافد متعدّدة تغنيها و تضاعفها، و تتداخل أصوات على مدارها منها ما هو منسوب لفاطمة الطفلة و هو صوت وعي هشّ وساذج تصوّره بأسلوب ساخر لا يخلو من ودّ وتعاطف، و أصوات أخرى أكثر نضجا هي ترجيع لصوت فاطمة الباحثة والدارسة المحلّقة، و أصوات النساء التي ترتفع منادية بالتحرّر على مدار التاريخ، وإعلان المرنيسي بأن ّما كتبته ليس سيرة، لا يلغي انتماء الكتابة لهذا الجنس، و لكنها ليست تلك السيرة التقليدية التي يتابع فيها راو معلوم خطّا زمنيا متصاعدا، كاشفا بذلك عن صورة نموذج جدير بالاحتذاء[6]، إذ تمّ كسر الخطّية الزمنية، بضروب من التشابك، كما أن الفصول بادية الاستقلال عن بعضها البعض في الظاهر، و تعدم الروابط السببيّة والمنطقيّة، و لكنها تلتئم بفعل رابط خفيّ و نظام رفيع، وما يجمع بينها قصص النساء على اختلاف اللون واللغـة و الدين و التاريخ، إذ لم تقدّم لنا المرنيسي معركتها هي بل معركة النساء عـمـومـا، و في حين اكتفت هي بطرح الأسئلة، أسئلة كبيرة حول المسلّمات والبديهيات في مجتمع عربي إسلامي محافظ، فإنها كانت محمولة في الغالب بفعل الأخريات، مستفيدة من هامش الحرّية أو المعرفة الذي تصطنعه النسوة لأنفسهنّ، ممّا يجعلها سيرة نسائيّة عامّة، و إن كانت المرنيسي تقدّم نفسها كنموذج فبصورة مواربة جدّا، فهي التي حقّقت وعود المرأة الحالمة بالانفلات، وهي التي كسرت جدران الـسـور، و حلّقت فوقه.

و نلتمس من هذه المفارقات أمرين اثنين :

أوّلا: التحرّر من عبء الوقائع و مطابقتها للحقيقة، و هو ما يجعلنا نتعامل معها كعلامات و نظام سيميائي تمّ انتقاؤه بوعي أو دون وعي ليكون معبّرا عن هذه الذات المفترضة.

ثانيا: تكشف السيرة بانتسابها إلى عالم التخييل وعدم تقديمها لضمانات الصدق زيف القراءات التي تبحث عن مضمون متجانس، و عن حضور ممتلئ للذات الكاتبة التي تمثل الواقع، و تفوّض لقول الحـقـيـقـة، وفـقـا لـنـظـريـة الـتـمـثـيـل و الانعكاس، وتعلن بانخراطها في لعبة الممكن و المفترض و الاحتمالات قدرة الذات على استبدال الأقنعة و على تحريك الشخصيات وفق إرادتها .

و بقدر مضاعفة الذات لذاتها من خلال النسوة سواء من يعيش مع الكاتبة أو هاتيك اللواتي استدعتهنّ السيرة، فإن هذا يجعل القراءة تسير في طرق وعرة لأن نتائجها تظل ضمن نفس شروط الكتابة، إمكانا لا حقيقة، و مع ذلك نظن أن مبدأ التخييل و لعبة الأقنعة و تعدّد الأصوات لا يفلت تماما من سلطة الواقع، و إذا كان الكتاب في مجمله مترددا بين السور و الجناح فـإنـنـا نـفـتـرض (لكي لا نستعمل أفعالا تدلّ على وثوق وهمي) أن الواقع يـتـجـسّـد فـي صـورة الأسـوار و الـجـدران و الحواجز في حين كان الجناح بكلّ تجلّياته و صوره معبّرا عن الحلم، و هو ما يدعونا إلى البحث في صور تشكّل الفضاء و دلالاته.

2. في تشكّل الفضاء ودلالاته السيميائية

تكشف لنا السيرة عن وعي طفولي بقدر ما ينفتح على العالم بعينين مندهشتين بقدر ما يواجه إشكاليات الفصل و صدمات الحدود و الأسوار و الحواجز و هي في الأصل من وضع الكبار و الرجال منهم خاصّة، و لا يرسم المكان الحدود فحسب إنه يهندس الرؤية، و يشكّل الثقافة و يوزّع المهام و الوظائف، و يستغرق المسافة بين الرجل و المرأة، بين القوي صاحب القرار وبين الضعيف المحكوم، كما يرسم أيضا جغرافية البلدان و مجال سلطانها.

ليست العودة إلى زمن الماضي و الطفولة حنينا و لا شوقا إلى حميمية فضاء البيت بقدر ما هو استعادة لفعل الارتقاء و الصعود و التحليق، إن المكان يسترجع في شكل قفص ساهم في خلق جناح بدأ يكبر و ضاق عنه المكان، و آلية الوصف دائما تبدأ بنقطة صغيرة و مكان ضيق يتضخّم و تتّسع أبعاده ليتحوّل إلى فضاء رحب، و هي نفس حركة الوعي: دائرة الذات ثم ما يلتبس من الآخر ويتقاطع معها، و نظن ّ أن ما يرسم ملامح المكان ليس وضع الطفلة السجينة، بل وعي المرأة التي تمكّنت من فكّ الحصار عليها، فليس وضع السجن هو الذي يكتب السيرة بل وعي الـجـنـاح، و هذا ما يجعل للسجن صيغة و وقعا أقلّ بؤسا.

و قد تتبّعنا حركة الجناح فوجدناها تطير وفق اتجاهين كبيريـن فـي الـغـالـب، و ضمن مجموعة من الثنائيّات مثل: المركز و الهامش و الداخل و الخارج، و الأعلى و الأسفل.

 ثنائية المركز والهامش

تتعدّد الإشارة في السيرة إلى الأماكن الخلفية التي تقطنها النسوة في البيت الكبير و مقارنتها بالساحة مجال السلطة الذكورية، بحيث يبدو الرجال مخلوقات نهاريّة مجالهم الصدارة والواجهة، في حين تكون النساء مخلوقات ليلية عليـهـن الـتـواري و الاحتجاب، وراء أشكال مختلفة من الأقنعة، وسواء كانت الأقنعة جدرانا أو ثيابا، فإن اختزال المرأة في جسدها هو الذي جعلها فتنة يجب اتقاؤها، أو عيبا يجب إخفاؤه، غير أنّ ترتيب هندسة المكان لا يخضع إلى هذا التقسيم فحسب بل خضع إلى مقاييس أخرى مثل الغنى و الوضع الاجتماعي، على هذا الأساس احتلّت الفخامة ساحة البيت، و الأثاث الذي بدا ثقيلا دالاّ على الغنى و الوجاهة في الأرضية يصبح أكثر تقشّفا في الطوابق العلوية :

" كانت غرف الدور الأول بالغة البساطة، ذات أرض عارية و جدران مـبـيـضـة و أثاث بسيط، مضربات ضيقة محشوّة بالحلفة، و حصائر من الدوم الذي ينظف بسهولة، و لذلك لم تكن الأقدام المبتلّة أو الأحذية أو كأس الشاي المندلق لتؤدّي إلى النتائج المأسوية كما هو الشأن في الطوابق السفلية ".(ص.24)

تشغل النساء في الطوابق العلوية " متاهة من الغرف الصغيرة "، وإذ تتوارى هذه الأمكنة عن الأنظار لتجعل وجود من يسكنها غير فاضح، موجود و لكن باحتشام من يخجل عن الإعلان عن نفسه، و كأنه يعتذر عن وجوده أصلا، فإن قاطنها كالأمكنة تماما يلفّه الصمت، و لا يجرؤ عن التعبير عن ذاته، لأن وجوده في الأصل منحة من الآخرين: " وحدهنّ اللائي تتوفّرن على قدر من السلطة مؤهّلات لمواجهة الآخريـن و التعبير عن اختلاف وجهة نظرهنّ، أمّا المرأة المطلّقة فلا تمتلك بيتا بالمعنى الكامل، إنها لاجئة وعليها أن تؤدّي ثمن إيوائها مقابل الصمت قدر الإمكان".(ص.49-50).

تتراتب المواقع وفقا للجنس، و حتى النساء اللواتي يسكنّ الغرف الكبيرة في ساحة البيت كالأم و الجدّة و زوجة العم، فإنهنّ في الصدارة منه بحكم صلتهنّ بأربابه من الذكور، و من ثم يبدو الرجل مركزا يقصي من لا يدور في فلكه أو لا يرتبط به بسبب وثيق، بيد أن الأمر يتغيّر إذا ما تعلّق الأمر بالفقراء خارج فضاء البيت، إذ يصبح عامل الجنس لاغيا، و يغدو فضاء الحريم المغلق امتيازا و علامة على الترف والرخاء، جاء على لسان إحدى المدافعات عن حياة الحريم: " يقدّم الرجال إلى النساء دورا رائعة مزلّجة بالرخام، و غذاء جيّدا و لباسا جميلا و جواهر، فهل تحتاج المرأة إلى أكثر من هذا لتغدو سعيدة؟ وحدهنّ النساء الفقيرات مجبرات على الخروج للبحث عن لقمة العيش شأن لوزة زوجة أحمد البوّاب، أمّا النساء الغنيات فلا يأبهن لذلك. (ص.54).

إن التخوم و الهوامش متعدّدة في نصّ المرنيسي، و تظهر فئة الهامشيين مثل العبيد و الفقراء و الزنوج بوضوح في حضرة سيدي بلال ضمن المقطع الذي عقدته لمينة المقطوعة، وهي أمة سوداء تقاسم ثلاث إماء غرفة صغيرة على السطح السفلي، و لا تلتمس نسوة الدار في هذه الحضرة مجرّد مؤازرة " الصديق " الذي هو مينة، إذ ليس هذا الفضاء لقاء بالآخر الغريب، بقدر ما هو تأنيس للمتوحّش من الذات، إنه الوجه الذي لاذ بالقاع العميق من النفس، و لكنه لم يمّح تماما، و لا يحتاج لبروزه إلاّ لدقّ طبول إفريقيّة تعلن احتفال هؤلاء النسوة بكلّ ما وارته الثقافة تحت ركام من الممنوعات والمحرّمات:

احتفال بالجسد وتحرير لحركته التي يلجمها العقل وتغلّها التقاليد، ورقص مجنون و طيران بفعل رياح وهميّة.

و لا يخلو الأمر من مرجع ثقاقي و لكنه موغل في القدم، عميق القرار، متصل النسغ بالجذور الأسطوريّة الثاوية التي لم يطمسها العقل و لم يفلح فـي احـتـوائـهـا و ترويضها:"كنّا منجذبين إلى هذه الحفلة التي تخرق العادات، حيث ترقص النساء خلالها و عيونهنّ مغمضة وشعورهنّ مسدلة تتطاير، ضاربات عرض الحائط بالوقار والحشمة".(ص.174).

إنها رحلة في الاتجاه النقيض تصبح النساء و الموسرات منهنّ على وجه أخصّ مركزا هامشه النساء الفقيرات، حيث أنّ " حضور نساء من الطبقات العليا يعدّ أمرا حيويا، إذ أنهنّ يأتـين محمّلات بالهدايا الثمينة، وحضورهنّ وكرمهنّ في رأي الجميع تعبير عن التضامن النسوي، و مساعدتهـنّ كـانـت ضـروريـة[7] ".(ص.174) و بذلك تكون الأحلام ومنة الآخرين هي كلّ فرص الخلاص[8].

و هنّ أيضا مركز هامشه هؤلاء الزنوج، وتتغيّر المعايير لتصبح الذكورة عاملا ثانويّا قياسا للون و العرق و العقيدة: " لقد كانت النساء يفضلن مجموعة كناوية أصيلة لأنهنّ لا يقبلن بأن يكنّ عرضة لفرجة مواطنيهنّ من عامة المدينة و هن في غمرة الرقص، بل كنّ يفضلن أن يشاهدن من طرف الأجانب الذين لا يعرفون عادات المدينة و ضوابطها" (ص.179).

إن الهامشيّ مؤشر قيمي يعترف في صمت أو عن طريق المحو و الإلغاء و التغييب بوجود قطب يستأثر بالحضور، و يحدّد المعايير و يفرض الرؤية، و لذلك لا يلغى الهامشيّ و ينفى تماما، و إنما يستخدم كوجود سلبي يؤكّد سلطة المركز ويقوّي حضوره، و يصبح الأمر أخطر إذا ما تعلّق الأمر بالثقافات، فالسيرة مؤشر على بداية تحوّل، و إذ تتحدّث الكاتبة عن غياب الأندلس وهزيمة العباسيين، و أفول نجم هارون الرشيد، و عن اعتلاء النصارى الأذكياء عرش السيادة، و عن حضور الأمريكيين العتاة إلى الدار البيضاء، فإن كل ذلك يعلن عن وجود مركز جديد بدأ يستقطب الفضاء، و أصبح يمارس من سحر السلطة على الثقافة العربيّة الإسلامية ما يجعله مرجعا للزمن الحاضر، و تبدو تأثيراته في السلوك و اللباس و الرؤية حتى إن الشوينقوم و السجائر الأمريكيّة يمكن أن تصبح علامات على تحرّر المرأة.

 و تبارك المرنيسي هذا الوافد الجديد فهو لا يخلو من فضائل، و الانتقال من ثقافة إلى أخرى سهل يسير، كمن يفتح بابا فيتجوّل من غرفة إلى غرفة في بيت واحد: " وكان يبدو بأن الحياة في عالمين أفضل منها في عالم آخر، كيف يصمد الواحد منّا أمام إغراء الانتقال من ثقافة إلى أخرى، من شخصيّة و قانون ولغة إلى أخرى. كانت أمي ترغب في أن أكون مثل الأميرة عائشة بنت ملكنا محمد الخامس التي تلقي خطبها بالعربية والفرنسية، وترتدي القفطان الطويل، أو الفساتين الفرنسية القصيرة." (ص.193).

و لا يحمل هذا الانتقال محمل الصراع بقدر ما نرى فيه معاني التجوال والنزهة، خاصة و أن صورة المستقبل أو المغرب المثاليّ الجديد الذي ستقتحمه الكاتبة سيكون على طراز أوروبي، و عناصر الانتماء إليه أشدّ و أقوى من الانتماء إلى الماضي، و إذا ما نظرت فاطمة إلى البيت في بداية السيرة، و كأنه غريب عنها فلكي تحفّز الذاكرة، و لكي تعلن بصورة مضمرة انقطاع الروابط التي تشدّها إلى هذا المكان. إذ تستهلّ الذكرى و يتمّ الاسترجاع عن طريق قادح متمثل في وصف البيت، و يقدّم الوصف في إطار لعبة لها من الشروط ثلاثة : أولا الوعي بالمحاصرة، ثانيا إدراك أن لا قيمة لوقتك، و هما لازمتان من لوازم السجن، أما الشرط الثالث فهو تزجية الفراغ بأن تنظر إلى المكان وكأنه غريب عنك، بهذه اللعبة ندرك قواعد الكتابة نفسها، أو الدوافع التي حفزت المرنيسي على كتابة هذا الزمن، و هي الوعي بضيـق الـمـكـان و انطباق جدرانه ثمّ الشعور بأن الزمن يهدر داخل الأسوار عبثا، و أخيرا تحقيق نوع من الانفصال و المسافة بينك و بين المكان.

و لعلّ هذه المسافة تتوضّح أكثر في ثنائيّة الداخل و الخارج.

ثنائية الداخل والخارج

حول مجتمع النساء المغلق حيث ترتج الأبواب وتعلو الأسوار تنعـقـد الـسـيـرة: " كان مدخل دارنا حدودا حقيقية محروسة. وكنا بحاجة إلى إذن للدخول والخروج، كلّ تحرك يستلزم تبريرا، وكان عليك احترام المراسيم كاملة للتوجّه نحو المدخل. إذا قدمت من الباحة عليك أن تسير في ممرّ طويل لتجد نفسك أمام " أحمد " البوّاب جالسا على حشيّته وكأنه يعتلي عرشا ". (ص.29).

 عرش البوّاب مبنيّ على العتبة، وهو لا يمتلك سلطة في حدّ ذاته، وإنما يستمدّها ممّن له القدرة على منع الإذن أو منحه، ووظيفته فصل النساء عن الغرباء في الخارج، إنه السجّان الذي يحرس ويراقب، ويجمع إلى المراقبة قدرته على العقاب، في حال وجود خرق، لا بيده ولكن بيد من فوّض له هذه السلطة، وتتمثل قدرته في السعاية والوشاية إلى صاحب الأمر وقبل كلّ شيء إحباط مشاريع الخرق ونوايا التجاوز، ومنعها عن التحقّق[9].

تتراوح الأمكنة بين حريمين : حريم آل المرنيسي و حريم آل التازي، وبينهما فوارق في الدرجة لا في النوع، ففي حين يبدو الأول سجنا بسور وسجان وقفل، يظهر الثاني في شكل ضيعة واسعة ولكن معزولة عن الأنظار والغرباء، ومن ثمّ فإن العزل هي السمة التي تطبع عالم الحريم و تفصله عن الرجال الآخرين، فالنساء مـلـكـيـة و حوز خاصّ لحساب رجل ما، وسواء كان الحريم بسور أو بغير سور، فإنه مجال داخلي غير منفتح على الخارج .

ينتظم الفضاء داخل البيت أيضا وفق داخل وخارج، وله نفس السمات، إذ تبدو الساحة مجالا لممارسة السلطة والرقابة، في حين تخفّ هذه الوطأة كلما ارتقينا في الفضاء عموديا، فإذا لم تتمكّن النسوة من اختراق سمك الجدار فإنهنّ قد تمكّن من اعتلائه، وهو ما يجعل السطح نقطة تقاطع بين داخل البيت وخارجه، ويمنح للمشاريع المحرّمة أن تنجز.

وحول آليات الانتقال في المكان نجد إشارات عديدة وغنية بالدلالات، فالأبواب والنوافذ ليست إلاّ مغلقة أو مشرّعة ولكن على الداخل ممّا ينقض وظيفتها الأساسيّة بما في ذلك الوظيفة اللغويّة التي تخصّ المفردات بمعنى دالّ وتتمّ الاستعاضة عن هذه الأبواب المغلقة بفتح أبواب سحريّة ونوافذ من خيال، ونسج أجنحة خفيّة.

والعتبات والدرج والسلالم هي مجال للرقابة والمراقبة المضادة: "وأنا أراقب الدرج حتى تتمكّن من تطريز طائر أخضر على المرمة السرّية التي كانت تخفيها في الزاوية المظلمة من غرفتها" (ص.227)، بحيث إن الصلة بين أفراد البيت تبدو أشبه بلعبة اللصوص والعسكر.

والمفاتيح هي دائما مخفيّة أو مسروقة إذ لا يطير الجناح إلا في غفلة أو إثر غياب الحارس:

 " كان أبي متأكّدا من أنه الوحيد الذي يمتلك مفتاح الدولاب إضافة إلى عمّي، إلاّ أن النساء وبطريقة غريبة كنّ يستمعن إلى إذاعة القاهرة بانتظام في غياب الرجال. وكانت شامة وأمي ترقصان أحيانا كثيرة على نغمات الراديو التي تصاحب صوت اسمهان في أغنية " أهوى " " (ص.15).

شخصيا لا أقرأ هذا المقطع دون أن تتبادر إلى ذهني تلك العلبة التي إذا انفتحت قفزت أمام عينيك راقصة صغيرة من الشمع تدور على وقع أنغام حالمة، لا يوجد في القمقم جن ولا مارد يحقّق المحال، ولا عفريت مسجون يتوعّد منقذه بالتلف، بل امرأة تفرد جناحيها لترقص أو تطير[10]، وهو فعل ذو دلالتين، أولاهما: إن حجرة الرجال باعتبارها "أكبر الحجرات وأفخمها " تعدّ امتيازا ذكوريّا من جميع الوجوه، لأنه يخصّهم دون النساء، وفيها يستمعون إلى نشرة الأخبار وهي البديل الثقافي لممارسة السلطة السياسية الفعلية، وما الاستيلاء على مفتاحها إلا نوع من اغتصاب هذه السلطة لا عن طريق المواجهة، وإنما عن طريق المكر والحيلة.

ثانيا: لا تعني سرقة المفتاح مجرّد استبدال للمواقع، إذ يتمّ عن طريقها تحويل تامّ لمفردات المكان ووظيفته، فيصبح فضاء لهو ورقص، بعد أن كان فضاء سياسة وجدّ، وهذا ما يجعل التواطؤ تاما بين النساء والأطفال، فكلاهما تحت الوصاية، ويشتركان في نفس القصد: اللعب ومحاولة الإفلات من قدر الجدار: " لقد كنّا نحن الأطفال نعرف هذا السرّ، لأنها كانت تعتمد علينا في مراقبة الساحة والدرج حين تشاء الصعود ". (ص.192).

لا يستحضر المكان بوصفه فضاء حميما وأليفا وظيفته الإقامة والسكن، وإنما باعتباره سجنا وقلعة، يجدر بنا، كلما وجدنا الفرصة، أن نهرب منه، طالما كان الفردوس يقع خارجه، ولذلك نظن أن الحلم والجناح وسرقة المفاتيح و اللعب وكل الأشكال الثقافية من رقص وغناء وفرجة مسرحية وحكي تؤدّي هذا المعنى: الإفلات من السور ومعانقة الفضاء الخارجي، وإذا كان الجدار يستمدّ قيمته وسطوته من رسوخه في مستوى الزمن، فإن الماضي بدوره يغدو قيدا وأغلالا لا مرئية: " الزمان هو جرح العرب، إنهم يرتاحون للماضي، أودّ أن أعيش في الحاضر ... فهل أقترف ذنبا " (ص.229).

لا تقف المرنيسي من مسألة الهوية والانتماء موقف المقدّس العابد لهذا الإرث، إنها ببساطة تعلن إمكانية تجاوزه لا محاورته، فهو يختفي متى نبتت لنا أجنحة وطرنا فوق الأسوار، وطويناها وراءنا:

" سأبهر الجماهير العربية وسأحدّثها عمّا تستشعره امرأة سكرى بالرغبة في الضحك في بلاد ترسّخ الحداد...سأغنّي لها ما هو فريد وما لا يمكن ضبطه، أي الحياة الوحيدة التي تستحقّ العيش دون حدود، حياة ذات آفاق جديدة لا تذكّر بالأسلاف ". (ص.ص.120-121).

القبلة هي السماء وما فوق الجدران، وحلم السفر حتى وإن ورد مجرّدا نكاد لا نقرأ فيه سوى وجهة واحدة هي بلاد الغرب، هذا الفضاء الذي يلقي بثقله على السيرة منذ بدايتها، رغم أنه مكان لم تتمّ زيارته بعد، فعلى هذا المقطع تنفتح السيرة:

" ولدت في حريم بفاس المدينة المغربيّة التي تعود إلى القرن التاسع وتقع على بعد 5 آلاف كلم غرب مكة وألف كلم جنوب مدريد إحدى عواصم النصارى القساة. مشاكلنا مع النصارى، كما يقول أبي، كما هو الشأن مع النساء تبدأ عندما لا تحترم الحدود، وقد ولدت في فترة فوضى عارضة إذ النساء والنصارى كانوا يحتجّون على الحدود ويخترقونها باستمرار." (ص.9).

 يتمّ تعريف الأنا في هذا المقطع بحدود المكان وهو ليس مجرّد دار عربية الطراز تقليدية الحياة، إن المكان موسوم بتاريخ قديم وحياة قد رعتها أجيال وقرون بتفويض من مكة المرجع الإسلامي في السلوك والمعتقد والتفكير، وقبلة الصلاة والحياة، في حين لا تمثل مدريد رغم قربها سوى عاصمة للنصارى القساة .

حول الأمكنة والفضاء تشتغل السيرة من بدايتها إلى نهايتها، وإذا كان الكلام قد أسند للأب حيث تشبّه النساء اللاتي يحاولن اختراق الحدود بالنصارى الذين يفعلون الشيء ذاته، وحيث تحلم النساء بدكّ الأسوار والرحيل خارجها، ويحلم النصارى بالدخول إليها إما مستعمرين ناهبين أو مفتونين بسحر الشرق متجوّلين في عوالمه الأسطورية، فإن الكاتبة تستبطن هذه التسوية ولا تعترض عليها طالما كانت حرّية الانتقال شأنا من شؤون السيادة ومظهرا دالاّ على ممارسة السلطة، بنفس المقطع تقريبا أو على ما يشبهه تنغلق السيرة: " هناك حدود حقيقية تقسم العالم إلى قسمين، وهي ترسم خطوط السلطة، لأن وجود الحدود أينما كانت تعني بأن هناك نمطين من البشر على هذه الأرض التي خلقها الله: الأقوياء والضعفاء...وإذا لم تتمكّني من مغادرة المكان الذي توجدين فيه ستظلّين إلى جانب الضعفاء". (ص.254).

يعكس تأمّل الفضاء تأمّل الذات وبحثا عن حدودها ومحاولة إيجاد سلطة لها توازي سلطة الأقوياء، كما يبدو السفر آلية انتقال من موقع المحكوم إلى موقع الحاكم، وهو قدر فردي نصنعه لذاتنا، فالسفر خلاص ذاتي، وعزف منفرد خارج السرب، وليس أبدا جناح الحمامة المطوّقة التي تطير بألف من أجنحة صويحباتها لتدرك النجاة، إذ يعني السفر وتفيد المغادرة أيضا أن نخلّف المكان، بما فيه وعلى من فيه، كما هو، إذ بقاؤه على هذه الحال شاهد على مقدرتنا وعجزهم، ونبوغنا وجهلهم، ممّا يوفّر معاني التمجيد للذات / الطائر.

 إن السيرة، بوصفها رسما لنموذج يحتذى، توحي به على نحو إشاري، وتجعل عناصر التمجيد خفية مستورة، ولكنها موجودة بكثير من ختل الكلام ومكره، وعادة ما يأتي في هيئة شهادة من الآخر .

وليس صدفة أن تقرن فاطمة قدرها إلى قدر أمها في خاتمة الفصل 19 :" إذا كانت أموري تسير على أحسن ما يرام بفضل أساتذتي الجدد فإن ظروف أمي كانت على العكس من ذلك تماما ... ثمّ تلتفت إلي: " أنت ستغيّرين العالم، أليس كذلك؟ ستقودين السيارة أو الطائرة كثرية الشاوي، ستخلقين عالما بلا أسوار ولا حدود، حيث يكون الحرّاس في عطلة دائمة" (ص.ص:213-214)، يبشّر تعلّم فاطمة بقدرتها على التحليق، ونفس الحدث يعسّر أمر العيش وسط الحريم على أمها، وعلى هذه البشرى التي أعلنتها الأم تعلّق الكاتبة: " ولكن جمال الصور التي ذكرتها يبقى سابحا في ساحة الحريم كعطر، كحلم خفيّ ولكنه بالغ القوّة "، ليس للجناح من قيمة دون سور يطاوله، ويتحدّى جبروته ويتمكّن من الفرار منه، ولكن على القفص أن يبقى مغلقا بعد ذلك علامة على قدر تمّ الانفلات منه.

ثنائية الأعلى و الأسفل

في حين تقدّم الساحة باعتبارها واجهة للحياة العامّة يسودها النظام ويحرسها الرجال وأعوانهم من النساء في حال غيابهم و " تبدو الحياة مسـتـقـيـمـة ومنـضـبـطـة " (ص.23) فإن الطوابق العلويّة تسكنها الفوضى ويسودها اللهو أو بالأحرى يأتلفها نظام خاصّ، ففي هذه الطوابق بنت المرنيسي بيت أحلامها حيـث" العلّية تقدّم الإطار لحلم يقظة متّصل"[11]، في تأليف وظيفيّ بين الخيال والذاكرة، ورغم أن الكاتبة لا تسعفنا بشيء حول الحدود بينهما، فإن باشلار يعطينا توضيحا مهمّا حول صلة الذات ببيت الطفولة، إذ يظلّ مرجعا يغذي يقظتنا بكثير من الأحلام، ولذلك فإن " الطفولة أكبر بكثير من واقعها الموضوعي "[12]، وليس اختيار الطوابق العلوية مسرحا للحلم واللهو مجرّد تقسيم اقتضاه المكان وإنما اقتضاه الحلم واستدعته بنية المخيال نفسها، إذ يحتاج الحلم لكي يتفتّق إلى مجموعة من الشروط توفّرها في الغالب منطقة علوية، وسواء كانت سطح منزل أو علوّ خيال فبإمكانها وحدها أن تقلب الأدوار وتهزّ أركان النظام، وفي حين ترى السماء من الساحة سجنا " بفعل الفخ الذي وضعها الإنسان فيه " (ص.13)، فإن الساحة الموسومة بالتقاليد السائرة حسب الأعراف وشرعية الأخلاق العامة، تغدو في عرف العلية هاوية وحضيضا.

العلية أشدّ انتماء للسماء وأقلّ تحرّرا من ثقل الواقع، وهي ألصق بالجناح والقدرة على التحليق، هذه العلية إذ توجد في البيت على شاكلة سطح فإنها تتشكّل خيالا في المرادف الرمزي للارتقاء ألا وهو الجناح، ولذلك يبدو السطح مرادفا للسعادة " فقد كنت ولا زلت أعتقد بأنه لا يمكن تصوّر السعادة بدون سطح"، إن السطح هو الذي يطاول الأحلام، ويتحدّى الجناح ليطير إليه، إنه دعوة صامتة ونداء للصعود، مباشرة بعد الملاحظة السابقة تعقد المرنيسي مقارنة بين سطوح النصارى الـمـدبّـبـة و" من المستحيل الاستلقاء عليها دون الانزلاق مباشرة نحو الأسفل " وبين " سطوحنا المنبسطة الجميلة المبيضة " (ص.157).

ولعلّها ليست محض ملاحظة لأوجه الاختلاف بين شكل العمارتين بقدر ما هي تصوّر هندسي لفضاء الحلم، حيث يبدو سقف الحرّية كما يعلن عنه السطح الغربي هاوية انحدار وعلامة على سقوط حرّ، في حين تمكّننا الأسوار في الفضاء الشرقي من اعتلائها " لنقيم " في مساحة من الحلم دون خشية من زلل السقوط.

يعطينا باشلار ملاحظات قيّمة في مجال سيكولوجيا البيت والكيفية التي نعيشه بها، فنحن لا نسكن البيت بقدر ما يسكننا، وقوله: " إن الحالم يبني ويعيد بناء الجزء الأعلى من البيت وحجرة السطح حتى تصبح متقنة " تنطبق تماما على سطوح الخيال التي أقامت فيها المرنيسي، لقد جوّدت بيت الحلم وأتقنته حتى أصبح السطح المجال الذي تتحقّق فيه الذات: ففيه تستعيد الأم ألق علاقتها بزوجها، فيوفّر لها سكنا فرديّا بعيدا عن الحريم، وهو فسحة للقاء بين الجنسين من الجيران، وهو المسرح الذي تقدّم فيه أشكال من الفنون كالحكي والرقص و الفرجة، وتستعاد قصص النساء الحالمات بالحرية، وحتى التطريز وهو فعل تقليدي يصبح فعلا مبدعا، " كان الخوف من للاّمهاني يدفع بعمّتي حبيبة إلى تطريز النماذج التقليدية في وسط الدار في حين تطرّز طائرا أخضر بجناحين ذهبيين في غرفتها فوق السطح " (ص.165).

 حتى إن السطح يعلو أكثر حتى كأنه جزء من السماء أو قطعة هاربة من قوانين الجاذبية في صورة سطح ممنوع، وتبدو المفارقة دالّة حيث أن الوسيلة التي تؤدّي للوصول إليه هو " السلّم الذي كان في حوزة أحمد البوّاب " (ص.159)، و بذلك يبدو البوّاب محافظا على نفس الوظيفة وهي تنظيم شأن الحركة والتحوّل من مكان إلى آخر بما في ذلك السطح الممنوع.

لا اختراق لحدود مطلقة في السيرة، والسطح لا يوفّر إلاّ حلما بمعناه الجمالي والفني وهو أقرب إلى الصياغة الفكريّة لمعنى التحرّر ف " حين نحلم بالارتفاع فنحن في المنطقة العقلانية للمشاريع الذهنية الرفيعة "[13].

وإذا كان السطح النقيض والمقابل للقبو الذي يمثل منطقة اللاوعي في بيت أحلامنا فإن فاطمة المرنيسي " بدلا من مواجهة القبو / اللاوعي لجأت إلى البرهنة على شجاعتها في العلّية "[14]، لا أنفاق في السيرة ولا سراديب ولا أقبية، والفضاء كله يتراوح بين الساحة والسطح، و يقاس في إطار من الشرعية والهيمنة الأبويّة المستورة والمواربة .

إنّ البيت فضاء تمارس فيه السلطة، ويخضع إلى تقسيم هرمي مـقـلـوب عـنـد آل المرنيسي، فإذا اعتدنا تمثيل رأس السلطة بقمّة الهرم فإنه يسكن القاعدة والأرضية ممّا يبديه ثابت الجذور، راسخ الصلة بالأرض، ويجعل الطوابق العلوية تفلت نسبيا من صارم رقابته، غير أن فاطمة التي تغنت بالسطوح السرية والممنوعة على مدار السيرة قد تشعر بتأنيب الضمير و وزر الإحساس بالذنب إذا ما تعلّق الأمر بغفلة الأب وجهله بما يجري، " إلى حدّ أنني كنت استشعر القلق لعدم إخباره بما يجري على السطح. لم أكن أريد خيانة ثقته بي، لقد كان يحبني بالغ الحب، ويفرض علي التحلّي بالأمانة "(ص.194) بل إن حلم التحرّر يجب أن يكون بكفالة من الأب / الخليفة وفي ظلّه وبرضاه.

النفق الوحيد الذي تذكره المرنيسي لم يكن إلاّ قاع جرّة تختبئ فيها حين تلعب الغميضة مع الأطفال، وتتقاطع مع قصّة مينة التي أخفاها مختطفوها في البئر. إن مينة التي تمثل فئة الهامشيين بامتياز عرقا ولغة ولونا وانتماء اجتماعيا وماديا، تستبدل معها الكاتبة دورا لم تفلح في التماهي معه، إذ تربط المرنيسي عن وعي وقصد بين اختفائها في الجرّة وإنزال مينة في البئر، " حرصت ألاّ أعترف بأن هناك علاقة للأمر باختطاف مينة، وحين سألتني رئيسة المجلس جدتي للامهاني عن السبب الذي يدعوني إلى أن أحشر نفسي في تلك الأواني الضخمة الفارغة، لم أنبس ببنت شفة عن علاقة انجذابي هذا باختطاف مينة " (ص.180)، وفي حين يبدو البئر تمثيلا حقيقيا للمخاوف من الظلمة بكل ما تعنيه من مشارفة لخطر مجهول ومحتمل في كل آن، نزلته مينة برغمها لتباع جارية عند النخاسين: " وأنزلوني في قعر بئر عميق ومظلم، ما كان بمقدوري أن أرتعش خوفا من أن ينفلت الحبل بين يدي وأموت... حرموني حتى من فرصة الخوف، كنت أعرف أني سأصل عمق البئر المظلم، ولكن كان علي أن ألغي رعبي... وبجانبي طفلة أخرى تعاني من رعب فظيع، في اللحظة التي سيغمرها الماء البارد المليء بالثعابين والحيوانات اللزجـة". (ص.182) لم يكن قاع الجرة سوى لعبة اختباء تنزلها فاطمة برغبتها، ويتمّ استبدال الرعب باللذة "كان الاختفاء في هذه الجرات يجعلني أشعر بلذة". (ص.180).

تتماهى فاطمة مع الأميرات من النساء أكثر من الجواري، ولذلك يتمّ استحضـار " حكايات السبي في قصص ألف ليلة و ليلة، حيث كانت الأميرات يبعن في سوق النخاسة بعد تعرّض القافلة الملكية الذاهبة إلى مكة من أجل الحج للنهب " (ص.182) وإذا كانت هذه الحكايات غير مؤثرة تأثير حكاية مينة المسبية، فذلك يعود إلى سببين:

أولا : إن الوضع قد يكون مهينا ومذلاّ بالنسبة إلى الأميرات اللواتي يتصدّرن سدّة العرش، ويحظين بإعجاب المرنيسي حتى إنها كتبت كتابا عن الملكات في الإسلام[15]، كما يشيع تشبيه المرأة بالملكة، وتشبيه الذات بها على وجـه أخــصّ : " وأنا متأكّدة أن جمالي يعادل جمال الأميرة بدور " (ص.192).

" كانت أمي ترغب في أن أصبح كالأميرة عائشة ابنة ملكنا محمد الخامس" (ص.193)، كما أن نماذج النساء اللواتي تتعاطف معهنّ، أو تذكرهنّ كعلامات تمثل تجربة التحّرر هنّ نساء أرستقراطيات أو أميرات، إذ تذكر الأميرة زوجة الملك فاروق، واسمهان الأميرة الفنانة، وهدى شعراوي "الجميلة المنحدرة من الأرستقراطية المصريّة" وطبعا أميرات ألف ليلة وليلة، ومن ثمّ يصبح الفوق والتحت علامة على تراتب الأدوار والمراتب .

ثانيا : إن المرنيسي تصطدم بهذا الخوف الذي تستعيره لنفسها، فليس في البئر أو في هذه المنطقة المظلمة من النفس سوى جارية سوداء مهمّشة وضعيفة وخائفة وعاجزة، هي بوجه من الوجوه صورة المرأة المستعبدة والمضطهدة وهذا المصير بالذات هو ما تقاومه وتتصدّى له.

لا تقيم الكاتبة طويلا في هذه المنطقة السفلية، وكأنّ ما تخشاه هو مواجهة هذا الرعب المتأصّل فينا متى حفرنا داخل أنفسنا، ولذلك سرعان ما يصبح الحلم الذي عادة ما يتّخذ شكل نبوءة بالتغيير وتحوّل الأوضاع أداة للتجاوز: " وحينها يتحوّل قعر البئر تلك الحفرة القاتمة إلى لوحة قفز ترمي بك حتى السحاب ... سأتعلّم ذلك وأنا أزلق في جرّات الزيتون، سأتدرّب لكي لا أواجه الرعب القادم، سأتعلّم كيف ألمع مثلك رغم كلّ شيء ". (ص.183).

ولعلّه لذلك استبدلت مينة من بئر طفولتها وشقائها سطحا للعبادة ومن ظلام القبو منارة راهب، وبذلك يتضاعف الخلاص في صورة نزوع نحو الأعلى سواء كان نورا صادرا من أعلى البئر، أو نسكا وتقرّبا من الذات الآلهية المقتدرة. وفي الحالين في شكل نزوع نحو المطلق.

وبقدر ما تنفتح السيرة على الجناح والرغبة في اعتلاء الأسوار والفضاءات الرحيبة والواسعة والحلم بالسفر، فإنها تنغلق على أشدّ الأمكنة ضيقا وألصقها بالثقافة العربية والفلكلور الشرقي في نظر الغربيين ألا وهو الحمّام. إن الحمّام بإحالاته المتعدّدة يحدث نوعا من الانقلاب في السيرة على نحو عجيب، إذ تنتهي بإعلان القطيعة بينها وبين سمير ابن عمّها ورفيق طفولتها، تعلنها فاطمة باختيارها، تترجم بذلك قبولا ذاتيا لقدر الفصل بين الجنسين : " ركزت بصري على نقطة في الأفق وهمست بصوت لا يكاد يسمع، كنت آمل أن يشبه نبرات اسمهان : " يا سمير، إني أعرف بأنك لا تستطيع العيش بدوني، ولكني أعتقد بأنه آن الأوان لكي تدرك بأنني غدوت امرأة "، ثم أردفت بعد وقفـة قـصـيـرة : " يـجـب أن نـفـترق " لتقليد اسمهان " (ص.234).

استبدلت فاطمة اللعب مع سمير عناية بجمالها، وفارقت الطفل لتستعدّ للقاء الرجل، وتستفيض السيرة في الفصلين الأخيرين في الحديث عن وصفات الجمال وطقوس الاغتسال في الحمّام، ويغدو سمير بعد أن كان صديق لهوها وأمين أسرارها خطرا، فقد اكتشفت رجولته من خلال نظرته الإيروسية لنهدي امرأة في الحـمّـام : " إنه لم يعد طفلا صدّقوني ...قد يكون عمره أربع سنوات، ولكنني أقول لكم بأنه نظر إلى نهدي كما ينظر إليهما زوجي" (ص.252)، " وهذه اللحظة التي يطرد فيها طفل من حمّام النساء هي نفسها التي يبدأ فيها البحث عن سبيل إلى حمّام الرجال، وتبدو المسألة كطقس احتفالي للدخول إلى عالم الذكور"[16].

على الحمّام، الموطن الذي نعيد فيه اكتشاف الجسد، وتعلن فيه القطيعة بين الرجال والنساء، تنغلق السيرة، إن الحمّام إحالة على المكبوت في الثقافة والمجتمع، "وبالنسبة إلى الصبي هو المكان الذي يكتشف فيه جسد الآخر، والذي منه يطرد بعد أن يتمّ اكتشافه "[17]، أمّا بالنسبة إلى الطفلة فهو فضاء يغذي الاستيهام، لأن جسد الرجل يظلّ مجهولا أو يجب أن يكون كذلك إلى أن تتزوّج، في حين يصبح جسدها العاري موضوعا إيروسيا لأنه مثار شهوة الرجل.

ولعلّ احتفاظ فاطمة من حياة الحريم بالسطح والحمّام يعدّ اختزالا لثنائيّة الأعلى والأسفل، فهما على نقيض ثنائية الداخل والخارج ليس بينهما عداوة، وإنما جدل وحوار لأن أحدهما وهو الأعلى يصنع سكنا لإقامة الروح في حين يهيئ الأسفل مجالا لتحرّر الجسد، وكلاهما تعبير عن فاطمة: المثقّفة والمرأة: " كان الذهاب إلى حمّام حينا يغمرني بالمتعة...إلى حدّ أنني قرّرت يوما في غمرة تلك المتعة أن أجد وسيلة عندما أكبر لكي يكون الحمّام قريبا منّي، وأن يكون لي سطح، لقد كانت أمي تقول بأن الحمّام والسطح من أجمل الأشياء في حياة الحريم. " (ص.192)

ليس الحمّام إحالة على مكان خارجي، ولذلك نحن لا ندخله في ما يقول بوحديبة بل " نغوص فيه "، وملاحظتنا حول غياب الأماكن العميقة والسفلية لا ينفيها الحمام بل يعزّزها، ففاطمة تخاف من الحجرة الثالثة، وإذا " كان البخار يتصاعد في القاعة الأولى دون مبالغة، وكنا نمرّ عليها بسرعة لنتعوّد على الحرارة الرطبة و القاعة الثانية كانت مدعاة للمتعة بقدر قليل من البخار، يغلّف العالم الخارجيّ بقناع سحري " (ص.248)، فإن الغرفة الثالثة يفصلنا عنها حديث طويل عن الغسول وكيفية تحضيره، وكأن طول الوصف إرجاء وتأجيل للوصول إلى " غرفة التعذيب " أو " الجحيم " (ص.250) وقد وجدت حيلة للامتناع عن دخولها تمثلت في تصنّع الإغماء.

ولسنا أمام خوف طفولي من مجرّد غرفة ساخنة بقدر ما هو رعب متأصّل من مواجهة الأعماق والنظر داخلها، ماذا يوجد في حمّام المرنيسي ؟ ولماذا تحتال لكي لا تدخل الغرفة الساخنة ؟

ببساطة يوجد "رجل " واختيارها لمرحلة الطفولة في ما نظنّ ليس إلا احتيالا آخر لعدم دخولها هذه الغرفة، فقد وفّرت لها هذه المرحلة البقاء في " القاعة الثانية " التي يغلّفها السحر، لأنها منطقة وسط بين برودة القاعة الأولى وسعير الثانية، إنها كالمرحلة التي اختتمت بها السيرة بداية نضج ومشارفة للأسرار التي نطويها لأنها حميمة ومخيفة في آن، شأنها في ذلك شأن القاعة الساخنة، وهو إجراء نظنه حذرا جدّا " نظرا لخطر الانزلاق على الرخام وكثرة البشر في هذه القاعة " (ص.251).

إن امرأة قضت مسافة ما يربو عن 250 من الصفحات تنسج جناحا لتطير يكون عسيرا عليها مواجهة خطر الزلل والسقوط، وهنا قد نقرأ المكان بمعادله الرمزي، حيث " يميل الموقف التخييلي للارتفاع والذي هو في الأصل نفسي / فيزيولوجي، نحو التطهير الأخلاقي، نحو الملائكية، ويتّصل بالوظيفة الاجتماعية للسيادة "[18]، في حين يكون الاتجاه السفلي نقيض ذلك تماما، و "إذا كانت الصفة السماوية هي الصفة الأخلاقية للطيران، فإن الدنس الأخلاقي هو صفة السقوط "[19].

ولذلك فإن القاعة الوسطى مثل السن الذي هو بين جهل الطفولة الأولى وغفلتها، وبين معرفة مرحلة الشباب وانكشافها على أسرار الجسد وحقيقة الصلة بين الجنسين هي منطقة شبه آمنة، مجازفة دون طيش، حذرة وقلقة، تواجه باحتشام خطر الدلالات لمفردات الرجولة والأنوثة، وتقاربها بأسلوب ساخر سخرية طفلة ما تزال تقف عند العتبة متردّدة بين البقاء في هذه القاعة وبين اقتحام الغرفة الساخنة.

3. شهرزاد ووعي الأنوثة

تتّخذ مجابهة الأسوار شكلا تاريخيّا وتمثل شهرزاد أحد رموزه الأثيرة لدى فاطمة المرنيسي، إذ لا يخلو كتاب من كتبها من الإشارة إليها أو التمثل بها[20]، ويتمّ تقديمها باعتبارها " رائدة " الدفاع عن حقوق النساء، وسيلتها في ذلك قدرة خارقة على خلق عجيب القصص، وليست المرأة التي تتوق إلى الحرّية سوى إعادة إنتاج لهذا النموذج بمن فيهنّ الكاتبة نفسها، ففعل الحكي يكون ليلة الجمعة وكأنه طقس مقدّس: " وكنّا لا نكاد ننام ليلة الخميس من شدّة لهفتنا على حضور سهرات الحكي ليلة الجمعة " (ص.25) والطواويس والطيور الكبيرة المجنّحة التي تطرّزها النساء مستوحاة من قصص ألف ليلة وليلة، وإذا كان النصّ المكتوب من إنتاج الثقافة الأبوية التي ترسّخ هيمنة الرجل وتعطيها طابعا قانونيا، فإن الحكاية الشفوية تصبح أداة تحرّر حيث للكلمة قدرة سحرية على خلق أفق من خيال وجناح حالم بالسفر، على غرار شهرزاد التي أنقذت حياتها وحياة كل النساء بفضل فتنة الكلمات: " كنّا نمتطي صهوة الكلمات، فنجتاز الهند والسند تاركين وراءنا ديار الإسلام (رغبة ملحّة حتى في قصص شهرزاد) ونعيش مخاطر المغامرة، ونلتقي بالنصارى واليهود ... أحيانا كنا نسافر بعيدا جدّا إلى مكان ليس فيه إله، وحتى الوثنيون الذين يعبدون الشمس والنار ينالون تعاطفنا حين تصفهم لنا عمتي حبيبة. كانت هذه الحكايات تزرع فيّ الرغبة لكي أكبر حتى يمكنني أنا الأخرى تنمية مواهبي كقصّاصة، كنت أودّ أن أتقن مثلها فنّ الحكي ليلا " (ص.26).

بين شهرزاد وفاطمة أكثر من آصرة قربى، فكلتاهما تنحدر من أصل أرستقراطي نبيل، وبإمكانهما ممارسة فنّ الإغواء عن طريق الحكاية، إذ " لم يكن سلاح شهرزاد في الإغواء هو الجسد بل الكلام "[21]، ووراء الرغبة في تحرير الرقاب تكمن لعبة السلطة وفنّ قيادة الآخر وترويضه، ليس فن الحكاية والكلام اللذين تتقنهما المرأة سوى إعادة تشكيل لمجالات السلطة، فالسلطة النهارية المرئيّة يشكّلها شهريار/ الرجل والسلطان، والسلطة الليلية المحتجبة تمثلها شهرزاد/ المـرأة العبد والمحكوم، وعن طريق ختل الكلام يمكن الاحتفاظ بشكل النظام الظاهر وحسب، فالمحكوم يتحوّل إلى فاعل ماكر لأنه بالإضافة إلى سلطانه الليليّ والخفي عن الأنظار بإمكانه أن يوجّه السلطة المرئيّة وفق إرادته وعلى هواه[22].

تعطينا شهرزاد صورة مثلى عن المؤنث الأبدي[23] كما رسخته الثقافة، بالكيد تتمكّن المرأة من الانتصار على الرجل، وبالمراوغة والدهاء تجابه قوته وبأس سلطانه، ويعرض هذا النموذج عادة من وجهة نظر ذكورية مدعومة بأصل أنطولوجي يربط بين كيد إبليس وكيد المرأة، ويسمه بطابع شرّير غايته إيذاء الرجل، مستعيدا بذلك خروج الأب الأول من الجنة بسببها، وكيد المرأة في ألف ليلة وليلة تمثيل ملطّف، يعمد إلى قلب الأدوار بتمثيل المرأة في دور المنقذة لبنات جنسها من أذى الرجل، وهو قصاص يبدو عادلا في الظاهر، غير أنه يرسّخ السلطة من حيث يوهم بتجاوزها، فشهرزاد التي تثور على واقع قتل النساء، وترفض إدانة بنات جنسها، واعتبارهن مسؤولات عن الخطيئة، ترضي السلطة الذكوريّة وتحافظ على أسباب هيمنتها، والقصص بمختلف تنويعاتها وتناقضاتها واختلاط الواقع بالعجائبي فيها تبقي على التقسيمات الهرمية بين السادة والعبيد، بين السلاطين والشعوب، وخواتيم الحكايات تنصر الأفراد في صورة خلاص شخصي. إن وجه الحكاية الذي تستثمره المرنيسي يمكن اختزاله في ثلاث نقاط :

* شهرزاد نموذج للمرأة التي تثور على ظلم السلطة الذكرية مستعملة المكر الأنثوي، وتتبنّى المرنيسي هذا النموذج: ف " حياة المرأة سلسلة من المكائد " (ص.70) وفي موضع آخر: " بكيت حين صمتت أمي عن حكاية شهرزاد: ولكن كيف نتعلّم الحكي لكي ننتزع إعجاب ملك؟ همست والدتي، وكأنها تخاطب نفسها بأن ذلك قدر النساء، إنهن يقضين حياتهن في إتقان مثل هذه الأشياء " (ص.23) إن سعادة النساء كما تقول الأم رهين القدرة على استعمال الكلمات.

* الكلمات هي سلاح المرأة وفنّ التشويق وتوظيف المخيال هي الإستراتيجية التي استعملتها لإلهاء الرجل وصرف نظره عن محنته، ليعيشها بصورة رمزيّة في الحكايات، وكأنه استشفاء بالقصّ، أو نوع من أنواع التداوي بالكلمة، وهو استشفاء لا يخاطب شهريار الملك، ولا فساد الحكم، ولا يحاكم نزوات السلطان الذي قد يبيد ويقتل من أجل متعته أو انتقامه الشخصيين، فشهريار عومل معاملة الوحش المريض، أو المستبدّ المسكين، وتستبطن فاطمة هذه الصورة: " ستشفى روح الملك الحائرة، وهي تقصّ عليه شقاء الآخرين، سترحل به إلى بلاد بعيدة يجد فيها عادات غريبة حتى تمكّنه من فهم الغرابة التي يحملها في ذاته، ستساعده على أن يدرك بأن كرهه للنساء إلى حدّ الهوس سجن يقيّده " (ص.22).

لا تعامل المرنيسي الرجل معاملة العدوّ كما فعلت نوال السعداوي خاصة في كتاباتها الأولى، وكثيرا ما يشبّه الرجل بالخليفة أو الآلهة كرمز للقدرة المـطـلـقـة: "وكنت مبهورة بشخصيّة ابن عمّي وأناقته، إنه مثال للرجال الذين يثيرون إعجابي، أقرب إلى الآلهة منهم إلى البشر" (ص.98).

وإن طبع التخيّل المرأة بصفة خاصة، وجعلها حالمة وأنطقها بالرؤى الدالة على التحرّر (حتى إن مينة وهي الأمة الجاهلة تنطق بما في نفس فاطمـة مـن هـواجـس، و بإمكانها أن تصوغ رؤية واضحة عن شرط التحرّر ) فإن الرجل حافظ على صورته النمطيّة وعلى اختلافه الجوهري عن المرأة، فالانشغال بالأمور السياسية والوطنية هو شأن رجالي محض وهو شأن مملّ إذ " من المستحيل بعث أي سحر حين يتحدّث الرجال في السياسة أو يستمعون إلى الراديو أو يقرأون الصحف الوطنية والدولية " (ص.95).

بل إن وعي الذكر يتفتّق في سن مبكّرة عن نضج سياسي واضح، فحينما سألت فاطمة سمير الذي يقاربها عمرا عن ما إذا كان الجنود الأمريكيون قد أتوا إلى الدار البيضاء من أجل النزهة، يردّ الطفل : أنت تخلطين بين الأشياء فالحرب حرب والنزهة نزهة ... أنت تتخيلين بأنّ الجنود أتوا لرؤية الورود ... في حين أنهم قد يزحفون على فاس لقطع رقبتك، مليكة الأكبر مني سنا تقول تفاهات من هذا النوع، وأعتقد أن الأمر يعود إلى أنكن نساء. تضيف فاطمة: لم أجد ما أعقّب به على هذه الكلمات التي بدت لي غريبة ولكنها صحيحة " (ص.ص :198-199).

ولا تهتم ّ النساء بالشأن السياسي في ذاته إلا إذ تقاطع مع همومهنّ الذاتية. حتى إن هذا الاهتمام غايته تجميل المرأة في عيني الرجل (ص.95).

وفي حين يبدو نموذج الرجل المرغوب أقرب إلى " الجنتلمان " الغربي، فإنّ النموذج الموجود الذي قدّمته ملطّف عن الإله المطلق في مملكة البيت، أو الخليفة بين الجواري، كما أن نساء البيت المتعطّشات للحرّية لا يناضلن من أجل نيلها، فهي تأتي في صيغتين: إمّا في صيغة الهرب والحيلة والمداورة وإمّا في صيغة منحة يهبها الأب، وفي الحالتين نرى الأب مستبعدا من دائرة الصراع، إذ يواجه بديله ورمز ملكيته، الحارس المكلّف بمراقبة المدخل والمؤتمن على حريم البيت، " ومن ثم فإن مواجهة أحمد البوّاب كانت العمل البطولي الوحيد والفريد من نوعه " (ص.70)[24].

وقراءة المرنيسي تفترض أن الرجل حرّ، قوّام، مسؤول، ذو سلطة قويّة وعليه أن يتنازل عن قسط من هذه الحريّة والسلطة لفائدة المرأة، وهي قراءة لا تتساءل عن حدود هذه السلطة، ومن فوّضه ليمثلها، وهل امتياز الذكورة فحسب هو المسؤول عن هذا التقسيم .

* تتماهى فاطمة المرنيسي مع شهرزاد، ويستدرجها النصّ دون أن تستدرجه، وتحافظ على سحر تأثيره مثبّتة أخصّ مقوّماته الإغوائية الساحرة التي فتنت الغرب، على عكس رشيد بوجدرة[25] الذي عرض الحكاية في روايته ألف وعام من الحنين من وجهة نظر مختلفة معتمدا البحث في آليات المخيال وخلفيّاته دون أن يقع في دائرة سحره تماما، فإحدى وظائفه كما فعلت شهرزاد هو الإلهاء عن القصد والتغييب وتمويه الصراع الحقيقي: " ينبغي الحذر من الأساطير. أتريد الوجه الآخر من المرآة؟ إنه لا يعدو أن يكون حكاية اعتيادية من حكايات الحكم. كانت الممالك تغلق على نفسها داخل تناقضاتها... ينبغي عليك أن تقرأ بين السطور كما يقال، البقية كلها عبارة عن الأحلام التي تراود الفقراء وهي أشدّ ثراء مـن أحـلام الأغـنـيـاء... تلكم هي ألف ليلة وليلة استعملها العباسيون كإشهار دعائي و خصّوا أنفسهم بالدور الأجمل فيها "[26].

تختلف القراءتان اختلافا واضحا، ففي حين نرى المرنيسي محمولة بالمخيال الذي أنتج النصّ، قد استبقت الأبعاد الجمالية وربطته بالواقع النسائي فحسب، فإن بوجدرة قد نظر في مساربه المعتّمة ودروبه السرّية، وتجاوز سطح النصّ إلى غوره في ربط دالّ بينه وبين الواقع السياسي والاقتصادي، موجّها السلاح الذي استخدمه النصّ ضدّه، فالمخيال يتحوّل في روايته عن طريق السخرية من أداة تعتيم إلى فعل يقظة.

وما نختم به أن سيرة فاطمة المرنيسي تحتاج إلى قراءة أكثر تأنّيا وتظل هذه السيرة الروائية نموذجا شيّقا لأنه يأخذ بأسباب الرواية بقدر ما ينخرط في جنس السيرة الذاتية، ويعطينا صورة جليّة لمشاغل المرأة الأرستقرطية المنادية بالتحرّر في الأربعينات من القرن الماضي، ونرى أن الكثير من الهموم التي شغلت المرأة ما يزال قائم الذات رغم مرور ما يربو عن نصف القرن من إثارته، ما يجعل كتابة فاطمة تحيينا مستمرّا لهذه الهواجس التي لا تخصّ المرأة بقدر ما تخصّ المجتمع التقليديّ الذي يواجه رياح التغيير .

المصادر والمراجع

المصـدر

المرنيسي، فاطمة، نساء على أجنحة الحلم، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، المغرب، المركز الثقافي العربي، نشر الفنك، 1998.

المراجـع

باختين، ميخائيل، مسألة النص، الفكر العربي المعاصر، عدد 36، خريف 1985.

باشلار، قاستون، جمالية المكان، ترجمة غالب هلسا، بيروت، المؤسّسة الجامعية للنشر والدراسات والتوزيع، ط. 4، 1996.

بوجدرة، رشيد، ألف وعام من الحنين، ترجمة مرزاق بقطاش، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1981.

بوحديبة، عبد الوهاب، الجنسانية في الإسلام، تونس، سيراس للنشر،2000 حسين، طه، الأيام، القاهرة، دار المعارف، 1978، ط 55.

دوارن، جيلبار، الأنتروبولوجيا : رموزها، أساطيرها، أنساقها، ترجمة مصباح الصمد، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1991.

زيتوني، لطيف، بناء المرأة المغوية في النص السردي العربي، مجلة فصول، عدد 66، ربيع 2005.

المرنيسي، فاطمة، سلطانات منسيات، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي ونشر الفنك 2000.

المرنيسي، فاطمة، شهرزاد ترحل إلى الغرب، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي ونشر الفنك، 2003.

Marcuse, H, Eros et civilisation, Paris, Minuit, 1963.

Rivara, R, La langue du récit / Introduction à la narratologie énonciative, Paris, L’Harmattan, 2000.

Zink, M, La subjectivité littéraire, Paris, P .U.F, 1985.

هوامش

[1] باختين، ميخائيل، مسألة النص، الفكر العربي المعاصر، عدد 36، 1985، ص.43.

[2] Rivara, R, La langue du récit / Introduction à la narratologie énonciative, Paris L’Harmattan, 2000, p. 23.

[3] المرنيسي، فاطمة، نساء على أجنحة الحلم، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، المغرب، المركز الثقافي العربي، نشر الفنك، 1998، ص.255.

[4] كلّ الصور التي جاءت في الكتاب (ما عدا صورة فاطمة في طفولتها) تخدم هذا المسار، مسار الشهادة على واقع لا تريده الكاتبة شخصيا صرفا، فكل النساء اللواتي وردن قد التقطت لهن صور جانبية أو صور من الخلف، أو بفعل لعبة تقنية قد تمّ محو ملامحهنّ، بحيث إننا ندرك الإطار دون إدراك الجزئيات والتفاصيل .

[5] Zink, M, La subjectivité littéraire, Paris, P.U.F, 1985, p. 77.

[6] هذا النموذج نجده في كتاب الأيام لطه حسين.

[7] إن ملاحظة الأستاذ رشيد بوجدرة تصف هذا الوضع بشكل جيّد وهي أن الشعوب قد وجدوا ليدلّلوا على كرم السلاطين .

[8] إن عيني مينة التي ومضت في البئر وقصدت بذلك أن تخيف جلاّدها إنما فتحت نافذة من الأمل، و بذلك تغدو الأماني كلّ حيلة العاجز في الخلاص.

 [9]لقد بيّن فوكو أن المراقبة والعقاب سمتان أساسيتان تطبعان السلطة وهما غير منفصلتين : أنظر كتابه

Surveiller et Punir, Paris, Gallimard, 1976.

[10] إن صوت الغناء وحركة الرقص تعليان من مبدأ اللذة في حين تمجّد الثقافة دائما صوت العقل ومبدأ الواقع، وما ذكره ماركيز حول المقارنة بين المبدئين يصحّ على هذه الصورة، فقد أعلى الفكر من شأن برومثيوس باعتباره بطلا ثقافيا تمكّن من تشييد الحضارة ودفع ثمن تضحيته ألما، في حين هوّن من شأن أورفيه ونارسيس لأنهما يمجّدان واقعا نقيضا هو واقع اللذة والبهجة، وشأنهما شأن هؤلاء النساء، فحركتهما رقص وفرجة معبّرة وكلامهما أشعار ومناجاة وأحلام و" صوتهما ليس ذلك الصوت الذي يأمر بل الصوت الذي يغنّي ".

Marcuse, H, Eros et civilisation, Paris, Minuit, 1963, p. 144.

[11] باشلار، قاستون، جمالية المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسّسة الجامعية للنشر والدراسات والتوزيع، بيروت، ط. 4، 1996، ص.44.

[12] نفسه، ص.44.

[13] جمالية المكان، ص.46.

[14] نفسه، ص.ص.46-47.

[15] أنظر كتابها سلطانات منسيات، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، المغرب، نشر الفنك، المركز الثقافي العربي، 2000.

[16] بوحديبة، عبد الوهاب، الجنسانية في الإسلام، تونس، سيراس للنشر، 2000، ص. ص. 220-221 .

[17] نفسه، ص.218.

[18] دوارن، جيلبار، الأنتروبولوجيا : رموزها ،أساطيرها، أنساقها، ترجمة مصباح الصمد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1991، ص.112 .

[19] نفسه، ص.108.

[20] أنظر كتابيها : شهرزاد ترحل إلى الغرب، و سلطانات منسيات لنفس المترجمة وعن دار النشر نفسها .

[21] زيتوني، لطيف، بناء المرأة المغوية في النص السردي العربي، مجلة فصول، عدد 66، ربيع 2005، ص.132

[22] هذا ما فعلته شهرزاد فزمنها الليل ومكانها الحريم والمخدع، ولكنها حوّلت شهريار من سفّاح إلى طفل وديع يجلس عند قدميها ليسمع حكاية مشوّقة، وهذا ما تفعله النساء في أكثر الأسر في مجتمعاتنا الشرقية، فهي في خلفيّة الصورة، والرجل في الواجهة، ولكنها فاعلة في أكثر القرارات مصيريّة، إنها ترضي غرور الرجل في الظهور وحبّ القيادة، ولكنها صاحبة سلطة الفعل الحقيقي .

[23] لقد بينّا في بحثنا: شعريّة الجسد في الشعر العربي القديم من الجاهلية إلى القرن الثاني ملامح هذا النموذج، فله ثلاثة مقوّمات رئيسية وهي الجمال والإغواء والمكر، وشهرزاد الصورة المثلى للمؤنّث الأبدي في أدبنا العربي، أطروحة دكتوراه قيد الإنجاز بإشراف أستاذنا أحمد حيزم .

[24] هذه المواجهة نادرة حدثت عندما حاولت شامة الذهاب إلى السينما صحبة أخويها ولكن أحمد البواب أرجعها إلى البيت كمجرمة، ص.127.

[25] لا نقارن بين الرؤيتين باعتبار أن الأولى صادرة عن المرأة والثانية صادرة عن الرجل، وإنما باعتبارهما تصوّرين مختلفين دون اعتبار الجنس.

[26] بوجدرة، رشيد، ألف وعام من الحنين، ترجمة مرزاق بقطاش، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1981، ص.ص.164-172.