Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

يتناول هذا المبحث الصغير، السيرة الذاتية لفاظمة عمروش سيدة قبائلية عاشت من نهاية القرن التاسع عشر إلى غاية نهاية الستينات تقريبا من القرن العشرين. هي أول امرأة جزائرية – في حدود معرفتي – تركت لنا سيرتها الذاتية . هي والدة الكاتب والشاعر جون الموهوب عمروش وطاوس عمروش التي ورثت عن والدتها حب الأغاني و الأشعارالقبائلية و التي تركت كتابا يمزج بين الرواية و السيرة الذاتية "شارع البنادير" Rue des tambourins.

ما استهواني في السيرة التي كتبتها الأم، الشفافية والصدق و أحيانا الصراحة الكبيرة التي عبرت بها فاظمة عن همومها و قلقها، أحزانها و المصائب والمشاق ورؤية الآخرين التي لم تكن دوما حانية و عطوفة اتجاهها .

والسيرة الذاتية على العموم هي محل افتنان و فضول من قبل القارئ. و هنا تجدر الإشارة إلى أن السيرة الذاتية وإن انتشرت في الغرب و تطورت في الآداب الغربية منذ القرن التاسع عشر، إلا أنها ظلت في الوطن العربي محدودة الإنـتـشـار. و إن شاهدنا في الأعوام الخمسين الأخيرة كتابات سيرية عديدة لأدباء ونقاد وشخصيات عامة، إلا أن ما ميز الكثير منها قلة الشجاعة والذهاب بعيدا في الاعتراف، لأن ثقافة البوح وكشف الذات، غير متأصلة في العقلية العربيـة عـمـومـا و الإسلامية خصوصا، و القائمة كما يرى البعض- على مبدأ أستـر مـا سـتـر اللـه، و التغاضي عن ذكر العيوب حتى لا يسئ صاحب السيرة إلى العائلة أو حتى لا تتشوه صورته لدى الرأي العام، خاصة إن كان صاحب السيرة ذا تاريخ ثقافي وأدبي أو نقدي كبير . و هذا ما حدث بالفعل مع سهيل أدريس الروائي و الناقد وصاحب دار النشر المعروفة عندما قام بنشر الجزء الأول من سيرته و ما أثارته من ردود فعل عنيفة و سببت حرجا لعائلته بما كشفه من أسرار تعد لحد الآن من الطابوهات في المجتمعات العربية كحديثه عن الشذوذ الجنسي لوالده، و خيانة الكاتب نفسه لزوجته. لكن السؤال الذي لم يطرحه المعاتبون على أنفسهم هو لماذا عملية التعرية هذه و الكشف؟ مما يحدو بنا إلى طرح سؤال آخر هل يجب على صاحب السيرة أن يضع لنفسه خطوطا حمراء ؟ هل يمكن أن نصرح بكل الحقائق؟ بالرجوع إلى سيرة فاظمة عمروش نجد عدة أسباب و دوافع تقف وراء مشروعها. لعل الدافع الأكبر أو الحقيقي هو العار الذي لحقها منذ ولادتها، إذ هي ثمرة لعلاقة غير شرعية و لم يرد الوالد الطبيعي أن يقر بأبوته. و كما هو متوقع وقع اللوم و العقاب على الأم التي تحملت نتائج هذه الخطيئة لوحدها و جابهت العادات القاسية للمجتمع القبائلي. أما الدافع الثاني هو أن فاظمة أرادت أن تترك لابنها المفضل جون تركة معنوية حتى يعرف لماذا هو جون عمروش. هو نفسه طلب منها ذلك حاثا إياها على أن لا تحذف أي ذكرى أو حادثة لأنه كان يعتقد أن من سيقرأها سيستخلص عبرا ومواعظ من حياة فئة من الناس تميزت حياتها بالفقر والحرمان، و لم يفهم باقي أفراد عائلتهم المسارات التي اتبعوها و الخيارات التي قاموا بها.

و قبل تقديم قراءة لهذه السيرة أود أن أشير إلى قراءات أخرى لسير ذاتية، شفاهية و كتابية لسيدتين مصريتين الأولى تدعى كوكب حفني ناصف، أول امرأة مصرية درست الطب ومارسته في النصف الأول من القرن العشرين والثانية نبوية موسى أول فتاة تحصل على شهادة البكالوريا في مصر و أول امرأة تعمل معلمة للغة العربية، ثم أول امرأة مصرية تعين ناظرة، و لعلها أول امرأة مصرية تنشئ وتدير مدرسة أهلية للبنات1.

تقول الباحثة هدى الصدة في قراءتها للسيرة الشفاهية لكوكب حفني ناصف أن الاهتمام بتاريخ النساء الشفاهي و بكتابات المرأة بعامة و بكافة أشكال التعبير النسوية إنما مرده الرغبة في تقديم وتوصيل أصوات النساء العام، و ذلك من خلال التركيز على تجارب النساء و وجهات نظرهن في عرض رؤيتهن عن العالم.

و الهدف الأكبر هو " كيفية فهم أشكال التعبير المعقدة و المتداخلة عن الذات؟ إلى أي مدى يتسنى لنا أن ننتهي إلى استنتاجات عامة من واقع التجارب الفردية؟ ما هو السبيل إلى تفادي قولبة التجارب في أطر جوهرية "2.

و أرادت الباحثة أن تعثر على ما يميز المرأة العربية و ماهيتها و هل توجد هوية تميز المرأة المصرية عن غيرها من النساء؟ خرجت الباحثة في مقارنتها للسيرة الشفاهية لأول طبيبة مصرية بجملة ملاحظات و استنتاجات منها أن السرد الشفاهي لكوكب حنفي ناصف يتيح لنا قراءاته باعتباره قصة نجاح حديثة a modern success story، لكن بالتركيز و الرجوع إلى التجربة في سياقها الجغرافي و المعرفي. كانت كوكب تتصرف وفقا للمنطق الذكوري حتى تحقق ذاتها كأول امرأة مارست مهنة الطب في مجتمع شرقي محافظ حتى النخاع لا يقبل بفكرة تعليم المرأة بالأساس، فكيف بخروجها للعمل و التحرك في حيز رجالي بامتياز. حاولت كوكب طوال حياتها أن تحافظ على اتزان دقيق بين ممثلي السلطة الاستعمارية الإنجليزية والمسؤولين المصرين المتعاونين معهم و بين الحركة الوطنية و النسائية، و لولا دعم أسرتها التي ضمت عدة أفراد مثقفين ووطنيين لما استطاعت أن تحقق ذاتها. ما كان يهمها هو مستقبلها المهني و على المستوى الشخصي فإن حصولها على لقب الأم، ولو في سن متأخرة مقارنة مع بنات جيلها، لم يبهرها ذلك كثيرا و لم تلح " على أمومتها أو عدم شعورها بضرورة تقديم أوراق اعتمادها كأم صالحة "3، عندما وصلت إلى خاتمة الورقة التي قدمتها هدى الصدة تبادر إلى ذهني عدة أسئلة عن الجزائرية / القبائلية فاظمة آث منصور عمروش، كيف تنظر هي الأخرى إلى نفسها، ما هي أنواع العقبات التي واجهتها بحكم أنها هي أيضا، عاشت تحت نير الاستعمار الفرنسي، أي صورة شكلتها عن مجتمعها و عن بنات جنسها؟ هل هي صورة حقيقية يمكن الاطمئنان إليها؟ هل أحست أن لها كيانا مستقلا و شخصية متفردة مقارنة مع مثيلاتها؟

قبل محاولة تقديم إجابات عن هذه الأسئلة أود أن أشير إلى السيرة الثانية و التي تخص نبوية موسى. تناولت الباحثة هالة كمال سيرة نبوية موسى " تاريخي بقلمي" من زاوية " الوعي النسوي ". و ركزت هالة كمال على أهم قضية تناولتها الدراسات النسوية و هي مسألة علاقة المرأة بالحيزين العام و الخاص، كتبت تقول " فإذا كانت السيرة الذاتية النسائية تعكس اهتماما يتناول علاقة الذات بالآخر في سياق "الحيز الشخصي" ممثلا في علاقة الذات (المرأة) بأفراد أسرتها، فإنه لا يمكن إغفال الصراعات التي تعكسها تلك الكتابات و المتمثلة في الصراع بين الحيزين العام والخاص، بين ما هو شخصي و مهني وهي صراعات تكشف عن ذات متعددة الجانب و الأدوار الاجتماعية...تحكم المرأة في فعل الكتابة و الكلام يجعلها تعكس ذاتا تجمع بين الفردية و الجماعية، أي تتضمن جوانب مشتركة من خبرات النساء في المجتمع، جنبا إلى جنب تعبيرها عن خصائص فريدة مرتبطة بخبرات تلك الذات، الكتابة و خصوصية تجربتها "4.

السيرة الذاتية تتيح، من ضمن أنواع أخرى من الكتابات الوقوف على وعي المرأة، التي تكتب سيرتها بنفسها على كيفية استخدامها لسلطة و قوة الكتابة لتعيد بناء ذاتها، و أيضا ذوات أخرى وتخط لنفسها موقعا ضمن نظام اجتماعي قهرها على الدوام و لم يعترف بذكائها و قدرتها على اتخاذ قرارات تخصها وتخص أسرتها و" مع اتضاح استعانة النساء بالمقاومة (مقاومة التهميش و الإخضاع على مستوى المجتمع، و مقاومة التجاهل و الاستبعاد و التشويه على مستوى الكتابة، تصبح كتابة السيرة الذاتية النسائية بمثابة فعل مقاومة ينتمي إلى "أدب المقاومة ")5، فكانت قراءة هالة كمال لكتاب "تاريخي بقلمي" لنبوية موسى من خلال مفاهيم المقاومة، التاريخ العام و التاريخ الشخصي، الوعي النسوي و الحيز العام و الخاص، مما سمح لي أن أعيد قراءة سيرة فاظمة عمروش بشكل مختلف.

طريقة تقديم السيرة

تجدر الإشارة إلى أن فاطمة كتبت سيرها في مدة لا تتجاوز الشهر بدأتها الأول من أوت وانتهت منها في نفس الشهر في اليوم الواحد والثلاثين من عام 1946. وأضافت الخاتمة سنة 1962 في السادس عشر من شهر جوان أي خمسة أعوام تقريبا قبل وفاتها.

قسمت السيرة إلى ثلاثة محطات كبرى أو إن شئنا ثلاثة أقسام يمثل كل قسم مرحلة من الحياة الطويلة والشاقة التي عاشتها الكاتبة، لا نعرف إن كانت العناوين من وضعها أم من وضع ابنتها ماري لويز طاوس.

عنوان القسم الأول : طريق المدرسة le chemin de l’école. كان من الممكن ان يكون العنوان النشأة الأولى أو البدايات أو شيء من هذا القبيل، لكن بعد الانتهاء من قراءة هذا القسم اتضح أن لولا هذه المدرسة لما عرفت هذه السيرة النور ولبقيت حياة وذكريات فاظمة وأسرتها مجهولة للأبد. فضلت فاظمة أن تحكي عن والدتها تحت العنوان الفرعي الأول " أمي" ( ma mère ): تقول عنها أنها امرأة جميلة جدا ومن عائلة ذات صيت حسن اسمها عيني. زوجت وهي صغيرة من رجل مسن، إن لم نقل عجوز، أنجبت معه ولدين محند ولعمارة و لم يلبث أن مات زوجها. ستمثل وفاة الزوج البداية الحقيقية لمتاعب الأرملة الشابة. إذ رفضت أن ترجع مع أخيها إلى بيت العائلة مما حدا به إلى التبري منها علانية6.

بقيت عيني لوحدها مع الطفلين وأن احتاجت إلى معونة أحد كان عليها أن تدفع أجرا مرتفعا. و تمهد الكاتبة للحدث الذي حول حياة والدتها و حياتها هي أيضا، إذا تتعرف عيني على رجل من أقرباء زوجها وتنشأ عن هذه العلاقة غير الشرعية، الطفلة فاظمة. لم يرد الوالد الطبيعي الاعتراف بها و لنا أن نتخيل حجم العار و الكارثة التي ستوصم بها كلا الأسرتين، أسرة عيني و أسرة الزوج المتوفي. دون الذهاب في التفاصيل سنقف على قوة شخصية عيني، ستواجه رفض المجتمع وقسوة الأسرة و رغبتم في طردها من البيت وتجريدها من أملاكها. سينبذها كل أهل القرية و تضع مولودتها لوحدها. رفعت عيني بعد تسعة أيام من الوضع دعوى قضائية ضد الوالد و بعد ثلاثة أعوام لن يجبر إلا على دفع مبلغ صغير كتعويض، سترفض عيني أخذه هنا تكتب فاظمة : " و وصمت على جبيني بوصمة العار "7.

أصبحت فاظمة الطفلة / اللقيطة محل كره واحتقار من قبل أهل القرية، تنهال عليها الضربات و الشتائم لذنب لم ترتكبه. في الواقع تكشف فاظمة سلوكا لم يتغير كثيرا في مجتمعنا و هو رفض للأبناء غير الشرعيين رفضا تاما و عدم الاعتراف بأي حق من حقوقهم.

للحفاظ على حياة الطفلة تقرر الأم تسليمها أول مرة للآباء البيض و هذا لمدة عام فقط ثم ستعيد وضعها لاحقا بعد أن أعادت الزواج في المرة الثانية ستمكث فاظمة ما يقارب العشر سنوات، ليبدأ الجزء الثاني من القسم الأول والمعنون (2. تادرت أوفلة). وهو اسم القرية وملجأ الأيتام الذي ستعيش فيه فاظمة و تتعلم فيه الكتابة والقراءة. في هذا الجزء تروي فاظمة بتفاصيل مدهشة وكثيرة كل ما شاهدته، تتذكر أسماء صديقاتها و الأشخاص الذين سيروا الميتم. تتوالى الأحداث و التواريخ و الصور و الأسماء و نقف عند أول حدث هام، تذكره صاحبة السيرة دون أن تتوقف عنده طويلا، مع أنه ذو دلالة رمزية وعميقة:

إعادة التسمية: لقد قام المسؤولون عن الميتم بإعادة تسمية كل البنات اللائى كن تحت إشرافهن، بدعوى أن عدة فتيات يحملن الاسم نفسه8. مع أن الهدف كان واضحا و هو بداية تحويل الفتيات عن هويتهن و من بعد عن دينهن ودين آبائهن.

وهكذا ستحمل فاظمة اسم ثانيا هو مارغريت. تروي عن الأيام والسنين التي قضتها، عن جمال الطبيعة، عن الجدول الصغير الذي تدعوه " جدولها"، عن توالي الفصول خاصة فصل الشتاء. وتكشف عن جانب شخصيتها بقولها: " عندما كنت صغيرة، لم أكن أخش أي شيء وكنت دوما أنا التي تجيب إن تطلب الأمر ذلك "9. تكتشف التلميذة فاظمة عن حبها للتاريخ و اللغة الفرنسية. و كيف أن الميتم بعد ذلك بفضل كفاح مديرته ارتقى من ميتم إلى مدرسة عادية (cours normal) تشرف عليها الدولة الفرنسية و تحضر فيها الشهادة الأساسية. لكن الفرحة لم تدم طويلا لرفض الأهالي القبائل فكرة أن ترتقي الفتيات في التعليم و أن تحصلن على شهادات أخرى، فأغلقت المدرسة رغم معارضة الفتيات و تمردهن10.

فاظمة نفسها رجعت إلى البيت و كلها خيبة و حزن على مفارقة المدرسة. إذ في المدرسة اكتشفت فاظمة و قرأت لعدة كتاب فرنسيين كفكتور هوغو، ألفونـس دودي و فرنسوا كوبيه Coppee ودرست موليير وراسين ولا فونتين. عن هذه الفترة والتي تبدو أسعد فترة في حياتها تقول فاظمة أنها لم تكن حزينة لكن تتساءل دوما ماذا سأفعل؟ ماذا سأكون مستقبلا؟ إلى متى أستطيع البقاء في هذا البيت؟11. تكشف هذه التساؤلات عن قلق عميق يسكنها. الفتيات اللائي كن في سنها (خمسة عشرة سنة تقريبا) لا يطرحن أسئلة من هذا النوع لأنهن يعرفن حتما أنهن سيتزوجن ويؤسسن بدورهن أسرا. بينما فاظمة وبحكم الظرف الخاص الذي تعيشه و لشخصيتها القلقـة و الذكية في آن، يبدو المستقبل أمامها غامضا ومخيفا. وعندما يعاد فتح المدرسة يرجع بعض الأمل. كتبت تقول أنها لم تشعر ولو لبرهة بأن لها بيتا أو مكانا تنتمي إليه وينتمي إليها، سيلاحقها طول حياتها ذاك الإحساس بأنها دائما منفية، غير مفهومة، وغير متأقلمة مع محيطها. و مما عمق من هذه الهوة هو كونها مسيحية. أي تنتمي إلي أقلية غير معترف بها ونظر إليها دوما نظرة شك و ريبة و نفور من قبل باقي المجتمع القبائلي الذي لا يزال معتزا ومحافظا على دينه الإسلامي.

بينما هي الفتاة، اللقيطة و هي معلومة ستعرفها لاحقا – المتعلمة والمسيحية العقيدة و تظل طوال هذا الجزء تعيد الحديث عن قلقها من المستقبل12. لم تجلب عودتها إلى المدرسة أي فائدة تذكر على الصعيد المعرفي وفي نهاية 1897 ستترك المدرسة نهائيا. ستترك هناك كل ذكريات الطفولة و المراهقة. لقد فهمت بعد ذلك مثلما سترويه في الجزء الرابع (4.قريتي كما عرفتها) أن الفرنسيين سينظرون دوما لها ولأترابها نظرة دونية، إذ لو تعلق الأمر بفتيات فرنسيات لما تخلت عنهم الدولة الفرنسية لذلك قررت أن " تطرد من ذاكرتها كل طلاء للحضارة [الغربية] بما أن الرومين رفضونا. لقد اتخذت قرارا بأن أعود قبائلية"13.

و طلبت من والدتها أن تلقنها كل الأعمال التي تخص البيت أي الحيز الخاص ما دام الحيز العام الذي مثلته المدرسة الفرنسية قد رفضها. كان لزاما عليها ابتداء من تلك اللحظة كما قالت أن تنسى أنها متعلمة14.

وتمضي فاظمة في الحديث عن قلقها من المستقبل وستكتشف فاظمة بعد أن أصبحت أكثر قربا من والدتها اسم والدها قاسي والذي ستضيف له وصف الملعون. لم تذكر هذا الوالد إلا مرة ثانية وأخيرة عندما زارت والدتها لآخر مرة بعد زواجها ورحيلها إلى تونس كتبت تقول هذه المرة أن الله قد غفر له لأنه كون أسرة وولد له طفلان هما مفخرة والدتهما.

أعادت عيني في هذا الجزء من السيرة قصة مجيئ ابنتها إلى الدنيا والصعاب والآلام التي عانتها بسبب تلك الخطيئة. تتحدث فاظمة عن لحظة الكشف هذه بكونها اللحظة التي انسدل عنها ذلك الستار العميق الذي كان يغطي عينيها، كيف أن أمورا عديدة أخذت لها معنى بعد أن كانت رموزا يصعب حلها15، وطفحت إلى السطح ذكريات مؤلمة عن نظرات الناس إليها وهمساتهم عن تلك الكلمة الجارحة التي تتفوه بها البنات أمامها كلما تشاجرت معهنّ.

أثمرت اتصالات فاظمة مع الآباء البيض عن استدعائها للعمل في المستشفى. وتعترف – للقارئ- أنه لم ينقصها شيء في بيت الأم الكل يعاملها بلطف و لم تعد تلك المنبوذة.

لكن تقول: " فهمت أن هذه الحياة لن تكن لتدوم، كانت أمي حاميتي الوحيدة"16.

هذا الإحساس بانعدام الأمان جعلها تبحث عن مكان آخر تحقـق فـيـه ذاتـهـا، "يجب الذهاب! الذهاب مرة أخرى! الذهاب دوما!، هذا هو قدري منذ ولادتي لم يكن لي بيت في أي مكان ذهبت إليه ! "17.

ويبدأ الجزء الخامس والأخير من الجزء الأول والذي يعد أهم قسم في السيرة عنوانه " مستشفى آيت منقلات ". الذي ستعمل فيه كخادمة. و سيكشف الموقف الأول الذي تتعرض له عن نبذ آخر وليس أخير من قبل من اعتقدت أنها منهم، عندما تسأل عن اسمها تجيب: "مارغريت" فيكون الرد الذي سيصعقها، بأنه لا يحق لها في أن تحمل اسما مسيحيا لأنها لم تعمد بعد و سينادى عليها باسم فاظمة من تاقمونت (نسبة إلى قريتها)18.

ستكتشف فاظمة الدين المسيحي من خلال الصلوات الصباحية ومن خلال الترجمة التي قام بها الآباء البيض للصلوات من اللاتينية إلى القبائلية للأناشيد الدينية " الكل يتحدث عن الرب وكل شيء يجب أن يتم محبة في الرب، لكن كنا نشعر أننا دوما مراقبون وكلامنا موزون ويتم تبليغه إلى الأخت الكبرى"19.

 شعرت فاظمة بإحباط شديد من المناخ العام للمستشفى. كانت تبحث عن ذلك الجو الأخوي الذي عرفته في الميتم ولما كانت تعلن صراحة أن كل الأديان لها جوانب حسنة. يتم نهرها و الرد عليها بأنها تهين الدين. وبعد أن كانت تتحاشى الذهاب إلى القداس قررت أن تحضره و مع ذلك وجدت ضيقا و تبرما من بعض المعتقدات المسيحية وأعلنتها صراحة أنها لم تكن في أعماقها شديدة الإيمان قالـت: " عندما كان الآباء يؤكدون لنا أن المعمدين وحدهم يدخلون الجنة لم أكن أصدقهم . لأنني كنت أفكر في والدتي، في آلامها، للشهور الثلاثة من السنة التي كانت تقضيها في الصيام"20 و إلى قيام والدتها بتزويد مسجد القرية بالماء، كل يوم، أبعد كل هذه المعاناة لن تذهب والدتها إلى الجنة؟. ترفع فاظمة الستار عن جانب آخر من شخصيتها و هو الجانب النقدي، لا يقبل عقلها الكثير من معتقدات المجتمع الذي تعيش وسطه تحاول أن تعرف كل شيء و أن تتمرد على ذلك الواقع. و نقف على اضطراب كبير عانته فاظمة من المسألة الدينية ففي نهاية السيرة تروي واقعة أخرى تقول " سفر آخر حملنا إلى لورد (Lourdes) سنة 1953، كان زوجي يعتقد أن السيدة العذارء ستعيدني إلى العقيدة، لكن العكس هو الذي وقع " إذ صعقت للتجارة وللنشاطات التي كانت و لا تزال قائمة حول ذلك المحج. كان الأمر شاقا بالنسبة لها بل وأسوأ عندها من سماع الأب وهو يحدثها عن الزجر العقلي أو عن الكذب المنمق بخصوص الاعتراف (la confession)21 و مع ذلك اعتبرت نفسها دوما مسيحية.

لم تكن السنتان اللتان عاشتهما فاظمة بالمستشفى بالسعيدتين. إذ أحست فاظمة أن الجميع يعاملها بحذر و أنها محل شك و غيرة. و أخيرا تقدم لها شخص بطلب الزواج وتم بالفعل زواجها من بلقاسم الذي يكبرها بسنتين ونفهم أنه لم يكن في وفاق كبير مع عائلته ربما لتخليه هو الآخر عن الإسلام و مع ذلك لم يطردوه بل رحبوا به و بزوجته.

عرفت حياة فاظمة منذ زواجها ببلقاسم عمروش عدة أحداث، الرابط بينها هو عدم الفهم الذي عانته. وعدم تقبلها لوضعيتها. و المحزن في كل هذا أن من اعتقدت أنها منهم و أقرب إليهم بحكم الدين المشترك، يعاملونها معاملة دونية22. و حتى بعد الذهاب إلى تونس والذي تعتبره منفى. لم تستطع التأقـلم، بـل زادت الـعـزلـة و القطيعة بسبب عامل اللغة، فهي طوال حياتها لم تتكلم إلا القبائلية و التواجد وسط مجتمع عربي ومسلم عزلها أكثر وزادت المعاناة بسبب الدخل الضعيف لزوجها وتروي بحسرة كيف أنها وزوجها ومع بداية كل عام جديد يكتبون رسائل التهنئة لعرابي أبنائهم ولكل معارفهم أملا في أن تحمل الردود مساعدة مالية23.

حاولت فاظمة أن لا تزعج أحدا أو تشعر أحدا بوجودها. بل كانت تخشى سخرية الناس منها لفقرها و لكونها لا تعرف العربية و لكونها تخرج سافرة الوجه24.

تقول في نهاية سيرتها وبعد حياة طويلة شهدت خلالها موت أبنائها الستة من مجموع السبعة الذين أنجبتهم وأيضا وفاة الزوج: " أحيانا أتساءل أي نوع من الموت يمكن أن أختار، لأختفي بدون ألم، بدون أن أرى نفسي تموت على مراحل " لكن أقول لنفسي ربما أكون ذات منفعة لابنتي وأحاول مواساتها قليلا. أريد أن أترك لها أكبر عدد ممكن من الأشعار و الأمثال و الحكم، آه ما أجملها اللغة القبائلية كم هي شاعرية و متآلفة إذا ما عرفناها... الرجال عندنا مقاومون جدا للتعاسة وخاضعون جدا لمشيئة الله ولكن لن نفهم هذا جيدا إلا إذا ولجنا هذه اللغة، التي آستني طوال المنافي العديدة التي عبرتها "25.

وحدها اللغة شكلت الوطن والملجأ والصاحب لهذه السيدة كانت حياتها سلسلة من الحرمان، الفقر، عدم الفهم، و الحداد. أيام قليلة من السعادة إن قورنت بأعوام الشقاء. ما يثير انتباهنا عند الانتهاء من قراءة سيرتها الصراحة الشديدة التي ميزتها في مقابل النفاق والكذب والافتراء الذي عاشت و واجهته طوال حياتها.

في الحقيقة يمكن أن نصنف هذه السيرة أيضا ضمن أدب المقاومة. الذي تحدثت عنه هالة كمال مقاومة امرأة لعادات وتقاليد مجتمعها، للتواصل وسوء الفهم. وللشك والريبة والحذر لكن هل يمكن لنا أن نطمئن – كما يعترض البعض ولهم الحق في ذلك- إلى أننا أمام الحقيقة المطلقة – إذ من الممكن أن تكون فاظمة قد نسيت بعض الأحداث، قد تكون غير موضوعية تماما فيما يخص جوانب من حياتها. و لأن السيرة الذاتية هي بالقوة اختيارات وهذه الأخيرة ذات طبيعة ذاتية. و إن أردنا إجراء تقييم عام لهذه السيرة، نقول أن أهميتها تأتي من كونها أول سيرة ذاتية تصلنا لامرأة جزائرية. سمحت لنا أن نلتفت و نسمع صوتا حديثا لأقلية يحاول البعض تجاهل وجودها و تاريخها. فهذا الكتاب بمثابة مصدر تاريخي إضافي، يضاف إلى مصادر أخرى تتناول حياة وتاريخ المسيحيين الجزائريين. قد يساعدنا من جهة ثانية إن توالت سير ذاتية أخرى في المستقبل على الوقوف على رؤية النساء لذواتهن و لمجتمعهن و ذواتهن- من دون شك – علئ تطور المجتمع وتحولاته العديدة .

بقي لنا أن نشير إلى دلالة العنوان : " قصة حياتي " بما يحمله ذلك العنوان من وعي من قبل فاظمة بأنها تؤرخ أو تحاول التأريخ لحياتها بقلمها فكلمة histoire، قد تحمل معنى التاريخ أيضا.

وكأنها تريد إعادة الاعتبار لنفسها و لأمها و أن لا تترك لأحد يصدر أحكاما مسبقة، دون أن يعرف الدوافع والأسباب التي قادتها إلى تبني خيارات معينة. و أن نقف على التناقضات و الصراعات التي عانتها و جعلتها تعيش مشتتة الذات. لعل الكتابة سمحت للذات بأن تلم شتاتها". في عيون القبائل كنا روميين، من أهل الردة... و بالنسبة للجيش الفرنسي كنا عبارة عن أهالي أو أوغاد كالآخرين (bicots) ". لعل الصورة الآن قد اتضحت.

هوامش

1 النساء العربيات في العشريان : حضورا وهوية، تجمع الباحثات اللبنانيات إعداد وتحرير مجموعة من الباحثات (جين سعيد مقدشي، ناديا الشيخ، نازك سابا يارد، نهى بيومي، وطفاء حمادي) لبنان بيروت د.ط.و.ت ص.193 و ص.214

2 المصدر السابق، ص. 194.

3 م.ن، ص.209 .

4 م.ن، ص.ص. 212 – 213.

5 م.ن، ص.213.

6 Aith Mansour Amrouche, Fadhma, histoire de ma vie, préface de Vincent Monteil et Kateb Yacine, Alger, Edition Bouchene, 1990, pp. 23-24.

7 Amrouche, Fadhma, op. cit, p.26.

8 Op. cit, p.32.

9 Idem, p.36.

10 Idem, p.42.

11Idem, p.46.

12 Idem, p.49 et p.47.

13 Idem, p.56.

14 Idem, p.58.

15 Idem, p.68.

16 Idem, p.70.

17 Idem, p.70.

18 Idem, p. 72.

19 Idem, p.73.

20 Idem, p .75.

21 Idem, p.202.

22 Idem, p.126.

23 Idem, p.142.

24 Idem, p 147- 18.

25 Idem, p.208.