Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تكشف مداخلتنا عن لحظتين فكريتين مهمتين كثيرا ما غفل عنهما الباحث الجزائري، و لم ينته إلى ما يحملانه من أهمية بالغة و التي تكمن في قدرتهما على إيجاد كيفيات شق الطريق نحو إنقاذ الذات الجزائرية من عيائها الفكري وألمها الهوياتي identitaire الذي طالها منذ زمن الدم و الرماد أي منذ التسعينيات، وهما لحظتان مرتبطتان بما ينتجه الأديب الجزائري من أبعاد إنسانية مفتوحة على إمكانات الإنتاج المعرفي داخل نصوصه.

اللحظة الأولى: لحظة إيقاظ، إيقاظ عقل الباحث الجزائري من غفلته عن أرض جد خصبة لإستثمار أرض المعرفي داخل الموقف الفلسفي وهي أرض الأدب التي تحمل نصوصا متعددة و مختلفة خاصة تلك المكتوبة سواء تعلق الأمر بالرواية أو القصة أو الشعر…إذ نكاد الجزم أن القراءات النقدية المنجزة إلى غاية اللحظة لم تحاول الانفتاح على الأبعاد الفكرية، الفلسفية، و حتى العلمية المتضمنة للكتابة الأدبية التي أدخلت من كل عمق وراحت تؤسس لقراءة سطحية أحيانا ومتسرعة أحيانا أخرى، قراءة تحاصر المعنى وتسيج المبنى وتأسر حرية الجسد (النص) بخطابات إيديولوجية تتفنن في توزيع الثقافة الصدامية و الصراع مروجة لفكر كارثي دوغمائي[1] بتعبير محمد أركون M.Arkoun، فأوجدت بالتالي ذات جزائرية مهزومة لا تأبه للعقل بقدر ما تلتزم برد الفعل، فصارت ذات ارتكاسية réactive و سلبية passive لا تنتج إلا الإخفاقات و الهزائم كما وجدنا بعض الأعمال البحثية المنجزة داخل الجامعة مفرغة من كل حيوية و فاعلية إذ أسهمت هي الأخرى في تكريس هذا المشهد الكارثي و بدلا من أن تعمل على لم الشتات الفكري و لأم جروح الجسد الجزائري، راحت تدير ظهرها له، مكتفية بتباهيها المزيف بامتلاكها أحدث المناهج العلمية الحداثية لقراءات النصوص الجزائرية كالشكلانية، الوصفية، الوظيفية، السيميائية و البنيوية …فاهتمت بقضايا التنظير المتخشب أما اللحظة الثانية : فهي لحظة اليقظة بضرورة الإسهام و المشاركة في بناء عالمية الفكر الفلسفي و أهمية تأصيله داخل الفضاءات المعرفية المنتجة محليا (أي الجزائرية)، إن تأسيس لموقف فلسفي عالمي لا يبلغ اكتماله في اعتقادنا إلا إذا أخذ على عاتقه مسؤولية فهم خصوصية المعرفة المحلية و منه كان نداءنا الدائم المصر على ضرورة الالتفات إلى ما ينتجه أدباؤنا من نصوص، نرى أنها كانت الوحيدة التي تمكنت من الانفتاح فعليا على معاناة الإنسان الجزائري، و من أن تشكل الصورة الحقيقية لذاته المتأزمة، تحمل طبقاتها تصدعات طالت هويتها و فكرها و ثقـافـتـهـا، تـشـقـقـات وسعت من هوة وفجوة الشقاق بين الجزائريين. فما كتبته اليد الجزائرية منذ بدء التراجيدية الوطنية يفوق ما أبدعته منذ الاستقلال من نصوص، طبعا لا يتعلق الأمر بالنسبة لنا بمجرد تضخيم كمي و إنما يرتبط بوثبة عظيمة على مستوى الكيف حيث قدرة النـص الفائقة على الإنتاج، لقد أصبحنا أمام كتابة عارفةune écriture savante يختلط فيها المعرفي بالجمالي والايتيـقي éthique بالأنطولوجي ontologique، فاخترنا مفهوما يميز هذا النوع من التقارب والتي تستمد أصلا نيتها intention من الفلسفة القارية من جهة و من الكتابة الأدبية الجزائرية من جهة أخرى، رافضة كل كتابة تؤسس للخطابات المفحمة و المضخمة التي تدعو إلى الإعلاء مـن شأن هويـات أرشـيـفـيـةLes identités archiviques ، تلك التي ساهمت بدورها في تعميق الهوة بين أبناء الوطن الواحد.

نسائيـة الكتابة وبدء التفكيك

إن اكتشافنا للأفق الإيتيقو-أنطولوجي داخل النص الأدبي الجزائري سيحقق بدوره فتوحات مهمة على مستوى فهم حقيقة الذات الجزائرية، و لأجل ذلك اخترنا لأنفسنا نصوصا روائية كتبت تحديدا في زمن الدم و الرماد لاعتقادنا أنها الفترة الأكثر خصوبة على الرغم مما حملته من مأساة يصعب علينا حصر أسبابها ونتائجها بصورة كلية، الفترة التي لو قمنا بإحصاء النصوص الأدبية التي كتبت فيها لوجدنا أنها تفوق كما أشرنا ما كتب منذ فترة الاستقلال، بالإضافة إلى ذلك فضلنا الاشتغال على حقل معين من الكتابة الأدبية الجزائرية و المتمثل في الكتابة الأدبية النسائية المنجزة داخل اللغة الفرنسية، و بعد الحفر الجينيالوجي و التنقيب الأركيولوجي استقر عملنا على نص محدد، نص يقترب من اكتمال نضجه، نص مكتوب بجسـد امرأة تحمل همها الأنطولوجي وهاجسها الإيتيقي، إنه نص آسيا جبار و مثل هذه المهمة الفلسفية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر الذهاب إلى حيث مناطق تكون في جوهرها لا-فلسفية Non-philosiphique، إنها الحركة القادرة على منح للجسد الفلسفي بهاءه المفقود وأن أي حديث عن نهاية أو موت للفلسفة سيكون مجرد لغو لا طائل منه، فنحن لا نعتقد بخطاب يقول النهايات و يؤمن بدنو الكارثة و إنما نؤكد أنه ثمة صور من التفكير عرفت أفولها وتركت فرصة تواجد لصور تفكير أخرى وهكذا تبقى متوالية الكشف و اكتشاف فضاءات إنتاج الصور المعرفية مفتوح على اللانهائي، فالذي انتهى بالنسبة لنا هو أسلوب معين من التفكير و ليس التفكير عينه، أسلوب كان قد تبناه فلاسفة بلغوا بالفلسفة الأولى لحـظـة الاكـتـمـال و جاء دور تناول الخطاب الفلسفي بكيفية مغايرة لأجل رؤية عمل فلسـفـي هـو الآخـر مغـايـر و كثيرا ما أكدنا على ضرورة الذهاب بصورة أدق إلى مجالات الأدب و النقد الأدبي آخذين بتجربة جاك دريدا Jacques Derrida و ما تمنحه إستراتيجية التفكيك من إمكانات اختراق خطابات المركز فإذا كان دريدا قد أنجز تفكيكا لمركزية اللوغــوس و لمركزية الصوتHomocentrique فلربما سيكون مـن الضـروري إنـجـاز و داخل لغة مخالفة (لغة محلية) تفكيكا لـ " مركزية –الكتابة و لمركزية الأنا-التقليدية، أنا تعاني بؤسا داخل لغتها. و إن اختيارنا للتفكيك باعتباره إستراتيجية لقراءة و لكتابة نصوص جديدة داخل نصوص تقليدية لا يقوم أبدا على الـمـحـاكـاة و التقليد السلبي لتلك القراءات المنجزة في الضفة الأخرى، ذلك أن التفكيك في ذاته يمتنع عن أن يكون تفكيكا أي يمتنع عن الكلام داخل اللغة الواحدة، فتفكيك نصوص آسيا جبار إنما يتم داخل لغتنا (أي لغة الانطلاق) التي تحاول الذهاب بها إلى لغة الوصول، لهذا نصر على أهمية امتلاك لغة الأصل من دون قداسة، و لا الإدعاء بأنها خالصة و طاهرة إذ ليس ثمة في اعتقادنا وجود لغة محضة لكي نتمكن لحظتها من الحديث بلغة الوصول و عدم السعي لامتلاك لغة واحدة، إن التفكيك يبعدنا عن الجدل الهيغيلي القائم على صراع منطقي يؤسس للمواجـهـة بـيـن الأنـا و الآخر إنما ينجز في إطار الأنا – أنا ذاته، لأنه تفكيك يكشف عن الوجود أنا-تقليدية لا تزال تهيمن و تحتكر لغة تعتقد بأنها الأصل، أنا-تقليدية تعيش سلبيتها بكل ما تحمله السلبية من دلالات العجز و الهزيمة كما تكشف في الوقت ذاته عن وجود أنا-مقاومة تفتقد لآليات المقاومة لم تتمكن بعد من الحسم في هيمنة مركزية الأنا-التقليدي و منه يكشف التفكيك المنجز داخـل لغتنا، على أنه ثمة غموض يحمل ألغازه، فتفكيـك أي نص من نصوصنا المحلية هو بمثابـة إعلان عن ضرورة البدء في إنتاج المعنى من خلال وعي قصدي بإمكانه أن يعي التناقض أو التعارض أو الغامض في النص ذاته، مع العلم أن كثيرا ما يغيب عن النص الوعي بما يقوله. إنه لا يقول ما يعيه فهو الممتنع عن قول المعنى، تاركا للمفكك فرصة بلوغ معناه لحظة إنتاجه له. وهذا ما يجعل للتفكيك امتياز جذري على خلاف الممارسة الهرمينوطيقية herméneutique التي تحاول البحث عن المعنى المفقود وتفترض وجوده داخل النص و منه يكون من السهولة بمكان إيجاده عبر ممارسة القراءة، إن الهرمينوطيقا تسلم سلفا بمعنى معطى داخل النص، في حين التفكيك لا يقر بذلك، إذ ليس ثمة معنى بإمكان النص أن يمنحنا إياه، لأن النص هو ما يتعذر عن التحديد و التعيين، فكل نص مشكل من نصوص لا متناهية من طبقات نصية، النص يحمل تناصيه مما يمكنه أن يحظى بامتياز ما نسميه بـ : فو-نصية textualité hyper- ممارسة تناصية في الجمع تجاوزا كما هو مألوف لدى جماعة نظريـة النص الذين يصرون أن النصية textualité تتم داخل تنضيدات لنصوص عديدة، فالنص الذي يعترف به التفكيك هو النص الذي يمرجع نفسه، و يحيل إلى داخله ما هو خارج النص، كل نص هو بمثابة ميتا-نص Méta-texte أي نص كلي، إنه اللاحسمية In-décidabilité المنفـتـحـة عـلـى إمـكـان اللامـمـكـن،Le possible de l’impossible إذ لم يعد مجديا القول أن اللغة تقيم داخل الوجود بل صارت الوجود ذاته جاعلة منه وجود نصي. هنا تكمن بالنسبة إلينا أصالة التفكيك المرتبطة بمفهوم الاكتشاف invention فهو أي التفكيك إما أن يكون اكتشافا أو لا يكون إنه لا يطمئن للإجراءات المنهجية بل نجده دائما يشق لنفسه طريقا، إنه سير ووسم. إنه ليس ثمة منهج méthodos يقول دريدا، كل ما هنالك الطريق [2]odos و كتابة التفكيك لم تكن أبدا غاية في ذاتها بإمكانها أن تعرف اكتمالها بل تنتج على الدوام قواعد لامتلاكها، قواعد لإمكانات جديدة و لا يتوقف عن السير عندما تحصل له الطمأنينة النظرية بل انطلاقته تلزمه بحركة إثباتيه، إن كل تفكيك إثباتي يعيد باستمرار اكتشاف المستقبل[3] إنه (أي التفكيك) حركة لا تعرف القرار و الاستقرار بقدر ما يندفع بنشوة أيروسية مفرطة نحو الـفـرار و الاستنفار، كثيرا ما أكد دريدا أن كل تفكيك هو لا-تفكيك، تفكيك يفكك التفكيك عينه، إنه ممارسة مفتوحة و الغرض من هذا الانفتاح اللا-نهائي الإبقاء على إنتاج المعنى طبعا الأمر لا يتعلق أبدا بعدمية nihilisme سلبية و لا بشكوكية scepticisme نسكية و إنما هو الإثبات الجذري على الاكتشاف و إعادة الاكتشاف للاكتشاف ذاته، إذ لم يعد في اعتقاد دريدا ما يتم اكتشافه و إنما كل ما نحن مطالبون به لحظة الذهاب إلى التفكيك أن نعتقد بأننا سنكتشف الاكتشاف نفسه، اكتشاف مكرر، إن التفكيك هو اكتشاف للاكـتـشـاف[4] و هو لا يطمئن للإجراءات المنهجية، يشق بأناة و صبر طريقه المفتوح على كل الإمكانات، كتابته ليست منحازة و لا تستقر أبدا عند حدود الطمأنينة، التفكيك لا شيء يقول دريدا، و لهذا لم يكن يوما منهجية و لا مذهب واضح المعالم يمكننا من ممارسة أسلوب ما على نص يخطئ عن حقيقته[5]، ليس التفكيك ممارسة سلبية قائمة على خلق بؤر للصراع و المواجهة بل نكاد الجزم أنه لن تقوم له قائمة إلا بفضل المحب، الحب هذا اللا-متجلي، المقيم حيث أفق اللانهائي الرافض الإعلان عن نفسه، إنه اللغز الذي يرتب مواعيد اللقاء الأول و الذي يفضل الإبقاء على الانتظار مرجئا ومؤجلا أي مفتوح على الانتظار عينه، هكذا يبدو هاجس آسيا جبار صوت ينتظر الانتظار ذاته[6] إنها تترقب تـشـكـل الـلـغـة، الـلـغـة الـقـادمـة La langue à venir اللغة الراقصة التي تتداخل فيها لغات ثلاث: اللغة البربرية، اللغة العربية، و اللغة الفرنسية.

كتابة اللغة…اكتشاف الجسد

إن لحظة اكتشاف الجسد هي اللحظة التي يسبقها اللقاء بالآخر، لقد حدث اللقاء مند الطفولة، عبر لغة الأخر التي منحها إياها الأب، إن لغة الأخر هي بالنسبة إلى آسيا جبار لغة الأب، هبة تأتي دائما لتضعنا أمام نداء إثبات الذات، وشق الطريق أمامها قصد بلوغ إعادة اكتشاف الذات لقد كان والد آسيا جبار يحترم الفرنسية أكثر من الفرنسيين أنفسهم لهذا تجعل منها لغة الأب، و في مقابل هذه اللغة ثمة لغة أخرى هي لغة الام اللغة المنهزمة التي لا تزال تعيش انكساراتها في صمت اللغة الأصلية التي تهيمن عليها أنا مركزية مجهولة الهوية، غير محددة المعالم أنا-تقليدية تنكر عليها أحقية ممارسة الكتابة لأنها لا ترى فيها، أي الكتابة إلا ممارسة ذكورية خاصة بالفحولة. فبين لغة أصلية جريحة ترابط أمكنـة الـذاكـرة و بين لغة متوهجة بحرقة شعريتها و بما تحمله من ارث معرفي حي لا يزال فاعلا ستختار أسيا جبار اللغة الفرنسية": أنا كتابة امرأة وليس لدي سوى كتابة واحدة، أي كتابة فرنسية. فأنا أقدم نفسي دائما لأول وهلة ككاتبة، كروائية لا تحمل إلا لغة واحدة هي اللغة الفرنسية[7]. تكتب أسيا جبار لغة غير لغتها تجد حضورها في حضورها. طبعا الأمر لا يتوقف على جعل الكتابة مجرد هوية، بقدر ما هي تجربة للتحول الدائم. والتوق نحو الإنعتاق من الأصوات التي تأسرها، أصوات أبناء بلدها. إن الآخر يعكس بالنسبة إليها فرصة بلوغ الحلم الأمل. سواء كان هذا الآخر بعيدا عنها أو قريبا منها لن يكون إلا مخلصا مانحا الكيفية التي عبرها تتمكن من شق طريقها نحو لغة موعودة، اللغة المنتظرة ": داخل الانتظار أجد نفسي انتظر الانتظار ذاته. عندما منح الآخر لأسيا جبار لغته، تمكنت بذلك من تحويلها إلى حجاب تتوارى من خلالها عن أعين أولائك الذين يعانون اقتصادا جنسيا رهيبا. إنها لغة الآخر الذي لا يزال يعدها بالاحترام داخل ضيافة لا-مشروطة. وهذا ما تؤكد عليه حينما تشير بأنها سارت محترمة من قبل مجتمعها حينما كتبت داخل اللغة الفرنسية لحظتها تمكنت من محو جذرية الخطاب الذي يجعل من الآخر مصدر الشر المطلق و أنه لا يأتين منه إلا الخراب والدمار. لن يغدو الآخر مع أسيا جبار ملتبسا و لا غامضا ومنه نكون مع آسيا جبار أمام ضرورة إعادة النظر في فهمنا وقراءتنا للغرب. ملزمة ضرورة التفكير في آليات جديدة تمكننا من تأكيد ذواتنا خارج مـنـطـق الـمـواجـهـة و الصراع. كما تصر آسيا جبار في آن معا على إعادة اكتشاف المرأة. المرأة التي تعبر عن صوتها داخل صمت الآخر (داخل صوته) إذ وعلى خلاف ما يؤكد عليه رولان بارت، بأن الآخر هو دائما الغامض و الحامل لأسراره[8]، وجدنا آسيا جبار تجعل منه الأنا المنحدرة منه جينيالوجيـا، هـو مـن يـحـمـل الـتـبـاسـه و غموضه مانعا عن الآخر الأحقية في اكتشاف مفاتيح أسراره، أنا تقليدية تهشم الهوية و تسم اللغة و تقوض الكتابة، جاعلة منها حكرا على جنسه فقط، هذا ما جعل حسب آسيا جبار اللقاء مع الآخر أمرا ضروريا، فهي فضلت الذهاب إليه حينما بدأت الدولة الوطنية الشاعرة بانهزامها في أول امتحان لها في تأميـم الـلـغـة و الهوية، فالإقـصـاء و الـنـبـذ و التهميش بدأت مع محاولات التعريب المجانـيـة و المتسرعة، لهذا أجد موقف آسيا جبار من اللغة العربية إنما يرجع أساسا إلى موقفها من التعريب و ليس من اللغة ذاتها، لحظتها رسمت لنفسها استيراتيجية شقت أمامها طريقا يمكنها من الانفلات من أنا مهيمنة، و لم تر من سبيل لتحقيق هذه المهمة إلا عبر الكتابة داخل لغة الآخر، جاعلة منها اللغة الوحيدة القادرة على تحقيق حلمها في التحرير لكن ما الذي يتبقى حينـمـا نـكـتـب داخـل لـغـة الآخـر و نتخلى عن لغتنا المحلية ؟ ما الذي سيكون عليه الأمر لحظة امتلاكنا للغة واحدة هي ليست لغتنا ؟ هل سنكون أمام فقـد للغة الأصلية لحظة الكتابـة داخل لغـة الآخر هي نفسها تمثل فقـدا آخرًا ؟ إننا أمام فقـد disparition مضاعف، إن آسيا جبار تجد نفسها في وضعية جد حرجة حيث يختلط عليها الأمر حتى و إن وجدناها و بصلابة تتبنى لغة الآخر التي تكتب داخلها، فكثيرا ما تقر بأن التصور بالفقد مرهون بعدم التواجد بداخلها إلا أنها تؤكد بأن اللغة الفرنسية تشكل خطرا عليها وفي الوقت ذاته نلمس لديها نوعا من الحميمية للعودة إلى الكتابة باللغة الأصلية على الرغم من عدم التواصل معها، فعلاقتها بها لا تزال متوترة توتر يحمل أنطولوجيته الشعرية " أن أكتب هذا يعني أن أسير وأن أمشي مشية جدتي، المشي كتابة و هو الوحيد الذي يجعلنا نعلن عن تواجد صوتـها حتى و إن كانت الأداة غير أداتها.

كتابـة الجسـد … [ اكتشاف ] حجاب الصمت

اللغة في الجمع لن تكون اللغة الجزائرية إلا تعددا، و أن أي حديث عن هوية بعيدا عن هذا التعدد حديث لا طائل منه، الجزائري و إلى يومنا هذا لم يمتلك بعد لغة واضحة تمكنه من التفكير والإبداع داخلها أو على الأقل لغة تمكنه من إنجاز تواصل قائم على التبادل و العطاء، إذ في غياب مؤسسات لا-سياسوية تفكر في هذا الوضع المأساوي لن يكون إلا الضياع حليفنا، إن المجتمع الجزائري تاريخيا مسكون بلغات ثلاث حسب آسيا جبار، و إنه خارج هذه اللغات لا يمكن أبدا حل سؤال الهوية الوطنية.

 اللغة الأولى: تلك التي ورثناها في الفترة البربرية، لغة قديمة، لغة يوغرطة، ذات أصول ليبية libyque و هي في الغالب لغة متمردة ومتوحشة، اللغة الثانية: لغة الكتابة، لغة الكتاب المقدس والصلوات الخمس، لغة الرسول محمد في كهفه، يستمع و يرى جبريل، إنها اللغة العربية، أخت الدارجة، اللغة الثالثة: و هي لغة سادة الأمس و الذين انتهى بهم الأمر إلى مغادرة الوطن بعد التواجد فيه لمدة طويلة، رحلوا و تركوا ظلالهم على هذه الأرض، لنقل أنها لغة فرانك[9].

و لن يتم التأسيس لأية هوية إلا عبر الإقرار بالاختلاف الحاصل داخل الهوية عينها، حينما تختلف الهوية، إن هويتنا هي الاختلاف عينه، الاختلاف المؤسس للذات الجزائرية، اختلاف رحيم، اختلاف مرح، يقيم حيث التعدد اللغوي، أما اللغة الرابعة المشكلة بعد أن يحدث مزجا انطولوجيا و إيتيقيا في آن معا بين الثالوث اللغوي، تمنح لها آسيا جبار تسمية " اللغة الراقصـة " لغة الجسد، ترى فيها اللغة القادرة على إبانة هوية هذا البلد، لغة الجسد من تعدد اللغات، ليس ثمة حساب أو تعداد للغة و ما الجمع إلا هوية يميز كنه الذات الجزائرية و لغة الجسد هي دوما لغة الكتابة، فحينما تمسك اليد باليراع لن تخط و لن ترسم إلا ترنحات وشطـحـات و جنون الجسـد، فالاختناق، الترنح، التيـه، الجنون، الوثب… هي بمثابة توصيفات لجسـد المكتوب برقصاته، الجسد باعتباره لغة لدى آسيا جبار، لغة الجسد هي هوية هذا الوطن، هوية جوهرها الماهوي eidétique هو الاختلاف، فالهوية هي عين الاختلاف. الاختلاف مع/ضد الذات في آن معا هذا ما توعدنا به آسيا جبار وهي تنجز كتابة حول الكتابة، إن الكتابة غياب يدعو إلى الكلام، يشجع و يحدد جوهر الكتابة ويكون في العمق تحركها النابض بالمعنى الذي يقصده مشال دو سارتو Michel de certeau في مقدمة عمله الموسوم بـ: La fable mystique[10] تندرج الكتابة في فضاء عدم التلاقي بين الكلام و الواقع، بين المعنى و اللامعنى، بين المتجلي واللامتجلي والشيء الذي يسمح لنا بالسكن إستعاريا فيما هو خارجي محض، خارج اللغة حيث لا يوجد إلا النص وحيث ندرك أن تمديد علاقة آسيا جبار بالكتابة كان أقوى من إبراز علاقتها باللغة الفرنسية حيث حملت هذه العلاقة بالنسبة لها بعدها الإيـتـيـقـو-أنـطـولـوجـي، كـتـابـة تـقـبـل بـالـلـغـة كـ: "حـجـاب"écriture comme voile تمارس التخفي القصدي أي المواراة escamotage أي تجلي اللامتجلي، والحجاب الذي اختارته آسيا جبار لم يكن مركزا بقدر ما كان هامشا لأن الهامش بصمة لها متسع من حرية الحركة والسير في حين يعرقلها المركز من فرط هيمنته وإكراهات الممارسة على جسدها من قبل أولئك الرافضين لأحقيتها في الكتابة، لهذا اختارت الهامش.

Sur les marges de la langue à traverser et à inscrire ce serait la seule marche, notre seul mouvement profond au creux même de la langue.

En action, les mots qui s’écrivant et qui se crient au-dessus de vide du vertige[11].

آسيا جبار لا تقدم نفسها باعتبارها كاتبة بلغة معينة، اللغة في بعدها الهوياتي identitaire المدافع عنه داخل أنظمة الخطابات المسيجة تارة باسم قومية هشة وتارة أخرى باسم حداثة رثة، هوية جبار هي اللاهوية، إنها الكتابة الممارسة داخل لغة اختارتها لأنها رأت فيها نموذج الاحتجاب الذي يمكنها من الانفلات من أعين الرقباء .

 « Je suis femme d’écriture, j’ajouterai presque sur un ton de gravité et d’amour ; je n’ai qu’une écriture celle de la langue française avec laquelle, Je trace chaque page de chaque livre[12]».

إن اللغة الفرنسية هي لغة العبور والاختراقpassage et transgression لم تكن أبدا مجرد لغة للتواصل مثلما يعتقد الألسنيون، وإنما هي العنصر الأنطولوجي القادر على أن يكشف وبصورة جذرية معاناة الكاتبة. تفضل آسيا جبار الإقامة داخل اللغة الواحدة، اللغة الأصلية، لكن في السكنى يقيم بدوره التعدد اللغوي الكفيل بإبراز هوية هذا البلد. إن قرار آسيا جبار الاضطراري كان ضروريا، كان لابد أن تفر إلى لغة غير لغتها الأم، اللغة الأصلية لكن هل ثمة فعلا لغة أصلية ؟ إن وهم الأصل هو ما يورط الكاتب في مأزق الإيمان بقداسة اللغة، كل قول بلغة أصلية، لغة محضة هو قول يحمل زيفه، ففي البدء لم يكن بدء وإنما كان اللا-بدء، إن قرار آسيا جبار هو نوع من التخفي، خفاء الصوت وذلك عبر تفضيلها الحفاظ على نفسها مرتدية حجاب اللغة، المرأة هنا تنسج أنوثتها عبر لعبة البينولوبية ruse pénolépéenne la، لكن وإن كانت بلا مقاومة فلأنها احتفظت لنفسها ما يجعلها أكثر قوة، لقد أبقت على الحقيقة وذلك عبر حفاظها على الحجاب الذي من خلاله تحدث لها المواراة القصدية منفلتة من مركزية الأنا، مركزية لم تكن أبدا مؤسسة فكريا بقدر ما كانت مجرد وهـم، إن لعبة النسـج tissage يقول دريدا هي لعبة بينيلوبية، اللعبة الرابعة التي تنسج نصا وعبر النص تنسج المرأة أنوثتها، هي ذي حقيقة الحجاب الذي تتخذ منه المرأة عنصر الاختفاء والتواري مفضلة الحجب والتستر دون فرض أو قيد، دون سلطة أو شرع[13]. الكتابة هي حجاب الصمت. أكتب لكي لا أصمت، فأنا أكتب هذا يعني أن نكتب نصا يصير أدبا، إننا في أول الأمر لا نكتب أدبا ولا فلسفة، إننا لا نكتب شيئا إننا نكتب فقط الكتابة، الهوية ليست مجرد ورق ولا مجرد عرق ولا حتى مجرد دم وإنما الهوية هي قبل كل شيء الكتابة، وإذا كنا في الغالب نجعل الكتابة للتواصل فإن آسيا جبار جعلت منها أداة للتحـول.transformation الحجاب الذي نتحدث عنه من هويـة الكتابة وليس من هوية اللغة، ذلك لأن كلا وحجابه ومنه كان لكل واحد منا كتابته، لذا تسبق الكتابة عندنا اللغة، إنها تقيم حيث الكتابة معبر عنها في الصوت الممتنع عنه أحقيته في التعبير عن كيانه ثم تحضر اللغة كلحظة للتواري والتستر وهذه اللحظة تجسدها حسب آسيا جبار اللغة الفرنسية، ويبدو أن لفظ الحجب voilé مرتبط عليه بلفظ اللا-حجب dé-voilé وهنا تكمن الحقيقة الضائعة والتي معها تبرز الكتابة الجبارية كلحظة محاولة بعثها من جديد. إن الحجـاب هو هذا التفريق séparation في الاصطلاح الليفيناسي (نسبة إلى ايمانويل ليفيناس [14]E.Lévinas)، المعطى من قبل الإله ون كل عطاءdonné هو بمثابة أمر ordonner إن حجاب آسيا جبار لا يهب لنا شيء، إنه كشف عن اللا-كشف، إنه حقيقة اللا-حقيقة، حجب دائم أي لا-نهائي وفي الحجـب ثمة كشف مستمر voiler c’est dévoiler، فبقدر ما تم الحجب بـقـدر مـا كـان اللا-حـجـب والـحـديـث عـن الــذات خــارج لـغـــة الأجــداد La langue des aïeuls يعني لا-تحجب، طبعا لا يتعلق الأمر بالخروج النهائي عن لغة الطفولة قصد إحداث نفي مطلق، إن الحجب هو أيضا بمثابة الحدث الذي يصير مثلما تشير إليه اللغة العامية "خلاه عاري" إن هذه العبارة ترجع بالتحديد إلى لغة الغازي إذ ومنذ أزيد من قرن وهو يستحوذ على الكل ما عدا شيء واحد لم يتمكن منه، جسد المرأة، فوحده مثلما تؤكد آسيا جبار لم يتعرض للمصادرة من قبل المستعمر، وهذا يرجع إلى قدرة المرأة على التخفي، فالحجاب كان ولا يزال منعا عن العدو من ملامسة جسد المرأة، فنحن لا نرى ولا نسمع الحجاب وإنما نلمسه، فالحجاب هو ما يمتنع عن الرؤية، وحدها المرأة انتصرت على عدو الكتابة لكونها لم تمنح فرصة تسمية ما جاء لأجله، فالاحتجاب يحرمنا من التسمية، إنه اللا-تسمية لكن ما الذي يعنيه شيء ما نقدم عليه من دون أن يحمل اسما ؟ إن في عدم تسمية الفعل إرجاء له، وها هنا بالتحديد يقيم الاختلاف النسائي. إن المرأة تقلق وتزعج إنها كائن ترفض أن تكون مجرد متفرج وتصر على أن تغدو الفاعل وفي آن معا ترفض أن تكون موضوع الفرجة ولقد مكنها الحجاب من أن تقف أمام الآخر القادم من الضفة الأخرى غازيا، من أن تحرمه من متعة الرؤية والاكتشاف:

Confirme le rôle du voile comme instrument de l’expression féminine, ici la ré- instance passe par une stratégie du non-regarde qui nie la victoire française elle-même, l’indigène même quand il semble soumis n’est pas vaincu, ne lève pas les yeux pour regarder son vainqueur, ne le reconnaît pas, ne le nomme pas[15].

تحاول آسيا جبار أن تنجز خطابا حول الاحتجاب عبر غيرية اللغة (الحجاب) إن الاحتجاب ملاذ جميل لكن اللا-احتجاب فرار مقيت ومرعب، كل كفن linceul يلخص جوهر احتجاب ما، هكذا لا تجد آسيا جبار أي قلق أو توتر وهي نتيجة نحو آخر اللغة L’autre langueوتستعيرها بكل ما تحمله كلمة الإعارة من استعارة لكن هذا الكفن هو بمثابة تجلي لما ينتظرها لحظة العودة إلى أولئك الذين يسعون من أجل إقصاءها، الكتابة ستكون بالنسبة لآسيا جبار الذهاب من دون التفكير في الرجوع، إنها ضد-حنين anti-nostalgie إلى وطن يوزع سياسته ورجال دينه خطابات الوهم، خطابات الهزيمة والانكسار، إن آسيا جبار لا تضطرب حينما تضطر للذهاب إلى حيث الضفة الأخرى، إلى حيث الأنا-الآخر l’autre-moi لكن قد يحزنها ما آل إليه وضع الوطن من دمار وخراب، والرعب كل الرعب إلى ما ينتظرها لحظة العودة إلى أرض الدم والرماد، يهيئ لها أبناء وطنها كفنا في وطن ينسج باستمرار كفنه، ومنفى يعدها باستمرار بالموت، فلا الذهاب يخلصها ولا الرجوع ينقذها فكل فرار يقيم حيث اللا-استقرار وكل قرار سيكون مصدره الاستنفار. إن المرأة هي عين الإقامة لهذا لا تجد لنفسها أية إقامـة، فإذا كانت السكنى habitable فهي تقيم من دون سكنى إن الحجاب الذي تتحدث عنه آسيا جبار ليس مجرد حجاب الاختفاء وإنما هو بالإضافة إلى ذلك حجاب الإيحاء، فهو على الرغم من كونه يمنع كل رغبة فهو أيضا حجاب شامل يخدش مباشرة رغبة الرجل، فهو حينما يفرض الحجاب على المرأة إنما يمنع نفسه من رؤيتها، إنه يحرم نفسه منها، يقمع رغبته بصورة إرادية فتصير لحظتها المرأة رائية لا مرئية، وكأنه بعمله هذا كان ولا يزال يعاقب نفسه. حينما يحرمها من رغبـة الرؤية لهذا يصير حجاب المرأة لا-حجاب بالنسبة إليها وإنما هو حجـاب على الآخر إذ كيف يعقل أن تتمكن آسيا جبار من الكتابة داخل مجتمع يمنع عنها هذا الامتياز ويريدها أن تصمت ؟ إنه حينما تعلن المرأة الجزائرية تقول آسيا جبار عن بدء مباشرتها تجربة الكتابة تكون معرضة للإقصاء من قبل مجتمعها، نحن نعلم أن العديد من النساء يكتبن داخل اللغة الفرنسية لأنها منحتهن إمكان التحرر، تحرير أجسادهن أي أن يحتجبن وعندما تريد المرأة الجزائرية التعبير عبر الكتابة فكأنها تحاول إنجاز تجريبية حول هذا الإقصاء، ففي الواقع المجتمع يريد الصمت أي إنه يريدها أن تصمت[16].

هوامش

[1] Voir Soukhalhal, Rabah, Le Roman algérien de langue française (1950 – 1990), Paris, Edition Publisud, 2003.

أنظر أيضا: منور، أحمد، الأدب الجزائري باللسان الفرنسي، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 2007.

[2] Derrida, Jacques, Moscou aller-retour, Paris, Edition de l’Aube, 1995, p.134

[3] Derrida, Jacques, Psyché, l’invention de l’autre, Paris, Edition Galilée, 1999, Tome 01, p.39.

[4] Voir Derrida, Jacques, Ibid, opcit, p. 45

[5] Derrida Jacques, dossier, in magazine littéraire, N° 430, Avril 2004.

[6] Une voix en moi, même pas ironique dans l’autre.

Je suis en attente « Voir Assia Djebar : la disparition de la langue française », Paris, Edition Albin Michel, 2003, p. 33.

[7] Voir Djebar, Assia, Ces voix qui m’assiègent, Paris, Edition Albin Michel, 1999.

[8] أنظر ادموند، جابيس، أسئلة الكتابة أو حوار الفلسفة و الأدب، ترجمة : إدريس كثير و عز الدين الخطابي، فاس، منشورات دار ما بعد الحداثة ، الطبعة الأولى، 2003، ص.ص. 20-21.

[9] Voir Djebar, Assia, Ces voix qui m’assiégent, Paris, Edition Albin Michel, 1999, pp. 54-56

[10] Voir De Certeau, Michel, La fable mystique, Paris, Edition Gallimard, 1980.

[11] Voir Djebar, Assia, Ces voix qui m’assiégent, Op.cit. , p. 28.

[12] Voir Djebar, Assia, Ibid, p. 42.

[13] Voir Jacques, Derrida et Céxous, Héléne, Voiles, Paris, Edition Gallimard, 1997, p. 27.

[14] عن فكرة التفريق séparation، أنظر العمل الرئيسي لايمانويل ليفـيناس

 Totalité et infini, Paris, Edition La haye Martinus Nijhof, 1961, poche essais, 1990.

[15] Voir Djebar, Assia, Femme d’Alger dans leurs appartements, Paris, Edition Albin Michel, 2002, Edition des femmes, 1980, p. 69.

[16] Voir Djebar, Assia, « Entretien », in Le monde 29 mai, 1982.

– Please leave this line unchanged or subscribe for a premium HTML editor membership at htmlg.com