Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

إذا كان إنشاء الكون في نصوص العقيدة و الديانات قد ارتبط بالعناصر الأربعة (الماء- الهواء – النار- الشراب)، فإنّ إنشائية الشعر لدى آمال موسى قد تولّدت من تفاعل الماء و الأضواء فالنّاظر في ما أصدرته من دواوين[1] تبرز أمامه علامات عديدة دالة على تردّد الماء و الأضواء في قصائد الشاعرة، وفي عناوين الدواوين.

إنّ تخيّرها " أنثى الماء" عنوانا و اسما للديوان الأول، و تفضيلها " خجل الياقوت" عنوانا لديوانها الثاني ممّا يؤكّد جريان كلامها الشعري في جداول الماء و عالم الأضواء، فالتّسمية الواسمة لباكورة ما فاضت به قريحتها شعرا تؤكّد الجوهر المائي للشاعرة المتكلمة في قصائد الديوان، و تحوّل المعدن الأنثوي كينونة مائية انسيابية.

وأما عنوان الديوان الثاني فهو اشتقاق من صفات الأنوثة صفة لها اتصال بالألوان و عدول بها من تورّد البشرة حشمة و حياء لدى الإنسان إلى توقّد المعدن الثمين في عالم الأحجار الكريمة، وإذا كان عنوان الديّوان الثّالث لا يشي بالماء و الأضواء و بمتعلقاتهما، فإن تضاعيف قصائده تنطوي على ما في الماء و الأضواء من سيلان و لمعان.

لكن بماذا نفسّر تخيّر الشاعرة آمال موسى إجراء كلامها في سياقات الماء و جداول الأضواء؟ و كيف يتحوّل هذان العنصران وما دار في حوزتهما من عنصرين مألوفين في عالم الطبيعة إلى علامتين مؤسستين كيان القصيدة و تجربة الشاعرة في الكتابة؟

تخيّرنا إجابة عن هذين السؤالين و استجلاء لإنشائية الماء و الأضواء في مدونة الشاعرة عددا من النصوص و المقاطع التي بدا فيها كلّ عنصر منهما محور الكلام الشعري و قطب الرحّى في عملية الإبداع اللفظي فإذا كان ما جاء في تصدير محمود المسعدي[2] لديوان "أنثى الماء" مما يؤكد انبثاق قصائده من أسطورة نرسيس و من عجيب عرائس البحر، فإنّ تدفّق الماء- بما هو مكوّن شعري في ديوانين لاحقين بالأول- أمارة قوية وعلامة ثابتة على نهل الشعر في هذه المدوّنة التونسية المعاصرة من حبات الماء.

وإذا كان الماء دائم التدفّق بالشعر في أعمال آمال موسى، فإنّ عديد القصائد لديها تُشرق بالنار والضياء، و تمزج بين عنصرين يشتركان جوهرا و يختلفان صفات وهيآت.

  1. I. تجليات الماء و الحالات الشعرية المتولّدة عن حضوره

تجلّى لنا عنصر الماء الذي تماهت به الأنثى الشاعرة تجليا بارزا في أول الدواوين، إنّ قصائده حافلة بدوران هذا الدال الأكبر و جريانه في عناوين النصوص وفي تضاعيفها[3]، و إنّ هذا الدال كثيف الحضور في هذا العمل الشعري الأول، وهو منتشر في العمل الثاني لكن بنسبة تقل عن نسبة تواتره في "أنثى الماء". إنّ بعض قصائده ترشح ماء مثلما هي الحال في قصائد " المدللة"، " فرحة"، "الأنبياء في الخارج ينتظرون"، "عزف منفرد"[4].

و يبدو تراجع هذا الدال في" ثالث الدواوين" أمرا يسير الملاحظة إذ لم نجد فيه غير نصوص قليلة و مقاطع متباعدة جمعها لفظ الماء و متعلقاته وذلك في قصائد: "العيش بثلاثة عناصر"، "سكارى الصحو"، بيت الاستحمام المفضّل[5]. و إذا ما بدا الماء عنصرا غالبا في تكوين شعرية القصائد في الديوان الأول و أقلّ حضورا في العملين اللاحقين به، فلأنّ " الاشتغال" على هذا الدال الطبيعي يؤشّر على تنويع في الاستخدام، وعلى توسيع الدائرة التي يتحرك داخلها الكلام الشعري.

  1. 1. ماء التولّه و الاشتهاء

 للماء في الطقوس و الممارسات الرمزية التعبدية شأن عظيم و منزلة جلّى، وهو في الديانات السماوية وسيلة التطهر والطهارة وفي التقاليد المسيحية و اليهودية علاقة مباركة ربانية و تأييد إلاهي، وهو عند المسلمين مرتبطّ بالطهارة التي يستلزمُها أداء الفرائض الشرعية و بغسل الكعبة المشرفة التي يوليها المصلون و الحجّاج و جوههم و قلوبهم[6].

لكن كيف استدعت آمال موسى في شعرها هذا العنصر الذي حظي بالتقديس في الثقافات و الديانات؟

لعل قصيدة " أنثى الماء" التي جاءت واسمة لديوانها الأول تمثّل المفتاح الذي يساعد القارئ على ولوج عالم نصوصها و استدراج كلامها الشعري حتى يبوح بمكنوناته، وعلى استكناه طبيعة الإبداع اللفظي و التخيلي في شعرها.

ترد هذه القصيدة جملا شعرية أربعا تتصدرها جملة استفهامية وجيزة: لِمَ يأتينا الماء.

يجري متلظيا من شدة العطش.

و تتوزع بقية الجمل الشعرية في القصيدة إلى التمدّد محافظة على اللازمة الابتدائية فيتعدد الاستفهام البلاغي و تقوم بين وحدات القصيدة ظواهر التوازي النحوي- التركيبي، و يغدو الملفوظ دائرا على ذات المتلفظ فينساب الكلام الشعري انسياب الماء رقراقا بمثل قولها :

لم لا أصبح سرّ الماء ؟

لم لا أكون أنثاه ؟

أنتظره في الجرّة

حتى قدوم الصيف

إنّ البنية المقطعية المتعاودة بوجوه من التشابه حينا و التماثل حينا آخر تمنح القصيدة خصائص إنشائية تميزها عما سواها. وأمّا الاستفهام بخصوص الماء و التدرج بالسؤال المخصوص به من صيغة الجمع في أولى الجمل الشعرية إلى صيغة المفرد في بقية الجمل، فمؤشر على أن الماء هو الدال الأكبر في هذه القصيدة وعلى أنه الكلمة الموضوع فيها (Le mot thème du poème)، لكن ماهي الصّور التي تتشكّل بها صلة الماء بالشاعرة ؟

إذا تجاورنا الصورة الأولى المصوغة في أولى الجمل الشعرية و نبّهنا إلى طبيعتها المفارقة بسبب " جريان الماء متلظيا من شدة العطش"، و انقلاب العنصر على حقيقته بما هو عنصر إرواء للظّمأ، بدت لنا بقية الصّور مجسّمة لقاء عجيبا بين الماء والأنثى واشتهاء متبادلا بينهما، إنّ اقتفاء الماء لخطوات المتكلمة في الجملة الشعرية الثـانية و نسيانه مجرى السواقي و مسقط المطر ممّا يقلب العلاقة المألوفة بين الإنسان والماء، غير أنّ اشتهاء الماء لأنثاه سريعا ما يصير تشهيا تعبّر عنه هذه الأنثى بصورتين تودّ من خلالهما النفاذ إلى حقيقة هذا العنصر و الكشف عن سبب احتجابه، مثلما توّد الحلول فيه لتكون سرّه و أنثاه، تنتظر موعد مجيئـه و تسرّ بلقياه.

هكذا يحلّ الماء في القصيدة مكوّنا إنشائيا مهيمنا على معجمها، و بنية النحو و التركيب و التصوير فيها، و هكذا يتبادل الماء و أنثاه الأدوار و المواقع و تنغلق القصيدة على فعل الانتظار صيفا.

من إنشائية التصوير إلى إنشائية التخييل و التأويل

إذا تجاورنا التحليل الإنشائي الذي يقصر النّظر في الأشعار على الأنساق البنائية دون كبير عناية بأبعاد الكلام الشعري من شاعر إلى شاعر ومن قصيدة إلى أخرى، و تعمّقنا أبعاد "أنثى الماء" و جوّدنا النّظر في مرموزات هذا الدال الذي يحتوي النصّ، أمكننا العبور من التحليل إلى التأويل

إنّ الماء المشتهى، و الرّغبة الملحة في التخويض فيه بحثا عن سرّه و قصد الالتحام به لتكوين زوج من ذكر و أنثى يُشرع كلام الشاعرة على فضاءات عديدة و يفتحُه على مجازات متنوّعة.

- أول مجاز في هذه القصيدة هو مجاز الجسد و المقصود بهذا المجاز هو ماء الأنوثة وجريان صفاتها و قيام حالاتها و استواء هيآتها. فإذا اقتصرنا من الماء على قريب صفاته مجسّمة في صفاء اللون و لمعان السطح و عُذوبة المذاق حين ينهمر مطرا و يترقرق جداول و أنهارا، بان لنا أنّ تشهّي المتكلّمة حلولا في الماء و ذوبانا فيه يُصيّرانها سرّا له، تشهٍّ يعيد إلى الأنوثة منزلتها و يقرّها قيمة جديرة بالتجسّد في عالم نزعت فيه الحياة الحديثة إلى تشيئ الموجودات و الذوات وإلى امتهان الأنوثة بدعوى تحريرها.

إنّ تعشّق الأنثى أنوثتها يبرز في عيّنات أخرى من مدوّنة الشاعرة من قبيل "صلاة الجمر"، و "نافورتي" فهي حين تصدّر القصيدة الأولى بقولها:

مُتيّمـة

أغتسل بأنوثتي

جمرة مبلّلة

صابئة تعبد كوكبها[7].

تُصيّر الأنوثة مدار الكلام الشعري و تصوّر تولّهها بذاتها، فتستدعي النقيضين موصوفا وصفة في تركيب غير مألوف بين النار والماء، و تلتقط إشارة تومئ إلى تاريخ عقيدة آمن أصحابها بالتطهير و التعميد[8]، إنّ صورة التولّه بالجسد الأنثوي وقد آلفت فيها الشاعرة بين عنصرين من عناصر التكوين توحي بما لهذا البعد المحسوس من أبعاد الأنثى من تقديم و اعتبار، ومن حرص على إشراع عوالم التخيل فسيحة يصير بها المرجع في القصيدة إلماعا و تصير الذات المتكلمة مقدودة من مجاز ومن إيحاء قريب و بعيد.

وهذا شأن الكلام الشعري الأنثوي في قصيدة " نافورتي"[9] التي تنبني بهذا الدال المسيطر في الديوان و ترتبط بهذا الحيّز الهندسي الذي يتدفّق منه الماء غزيرا و الشّاعرة المتكلّمة في هذا النص الوجيز المتكوّن من جمل شعرية أربع تنتقل من زمـان بـعـيـد إلى حاضـر قـائـم، و تـوظّـف المشـيرات الـزمـانـيـة (Les déictiques) (كنت- لا أزال- و الآن) و تعقد الصّلة بين جـنـس الـمـؤنـث و جنس المذكّر، و تكثف التعبير عن حركة الصراع التاريخي بين الجنسين من خلال ما دار بينها وبين ضدّها الذي تركته يَخُطها و أورثته رياض الكلام فاكتمل.

إنّ الجملة الثانية " تركت ضدّي يخّطني فاكتمل" تصوغ شعرا طبيعة الصّراع التاريخي المديد الذي أدّى إلى تحكم الضدّ في ضدّه و إلى انقلاب وضع الأنثى بعد أن كانت " وحيا مسترسلا ونافورة أبدية" هكذا تنشئ الشاعرة بمجاز الكلام رؤيتها لتاريخ الأنثى و تستعيد بإشارات خاطفة و عبارات فيها إلماع، عديد الكتابات المندرجة في إطار " الأدبيات النسائية" تنظيرا و إبداعا وذلك من قبيل ما يوجد في تآليف سيمون دي بوفوار و نوال السعداوي و فاطمة المرنيسي من تأكيد لمنزلة الأنثى عبر التاريخ و سبقها الرجل إلى تأمين المعاش للعائلة في المجتمعات الأمومية.

والشاعرة حين تورد تاريخ الجنسين تركّز كلامها الختامي في ما تُبشّر به من استعادة لوضعية أنثوية بديعة تخيّرت لتشكيلها صورة الوحي يهبط على أنبياء الله و صورة النافورة بما ترمز إليه من ارتفاع البناء ومن حسن التّشييد وأناقة التّزويق لتجميل الساحات العامّة وإشاعة البهجة في نفوس البشر.

إنّ التوله بالذات و تعشّق الأنا يكاد ينظمُ قصائد الشاعرة في أعمالها و يوجد بينها لحمة متينة و حين لا تورد آمال موسى لفظ الماء و متعلّقاته في عناوين النّصوص، يجرى هذا الدال في شرايين قصائدها و يكون دمّ الحياة فيها و تشهد بهذا التشكّل المائي لشعرها نصوص من قبيل "المدللة"[10]، و" الأنبياء في الخارج ينتظرون"[11] و "العيش بثلاثة عناصر"[12].

يحدّد عنوان القصيدة الأولى طبيعة في الإنسان عامّة و في المرأة تحديدا، وإذا كان الماء هو العنصر الأوحد في عدد من قصائد الشاعرة فهو في هذه النصوص يلتقي بعناصر أخرى من أبرزها اللؤلؤ، فيجتمع بذلك بريق الماء ولمعان الضياء.

تُحدّد المتكلمة في قصيدة " المدلّلة" أناها بهذا الكلام الشعري:

لُـؤْلـُوَةٌ

خَولي أدورُ

و يطوفُ بشعابي المريدونَ

مائي اللؤلؤُ

حبةُ الرّمل نطفتي

تشكّـلتُ

في قَطرَةِ النَّدى![13]

وهي تجمع في تشكيل أنوثتها بين الماء والرمل والنّدى والحجارة الكريمة، و تحوّل الأنوثة محور دوران و مركز حركة صوفية و نقطة انجذاب، إنّ هذا الانزراع في الكون من خلال التشكّل في قطرة الندى، و توحّد ماء الأنوثة باللؤلؤ، و دوران الذّات حول ذاتها دوران الفراش حول الأجسام المضيئة تُمثّل استعارات شعريّة يحتجب بسببها مرجعُ الكلام فلا تتحدّد هويّة المتكلّمة رغم أسلوب الإثبات، واعتماد الجملة الإسمية المتكرّرة.

هكذا ينقلب " التدلّل" الذي أوهم به عنوان القصيدة و عُدّ من الصفات الأنثوية الحميدة في عالم العشق وفي قصائد التغزّل والنّسيب استكشافًا للذّات الأنثوية، لا بما هي تعداد لصفاتها البادية على محيّا النّساء وهيآتها الظاهرة في حركات الجسد، وإنّما بما هي جواهر وأسرار مخفيّة في عمق هذه الذات.

و تنحو قصيدة "العيش بثلاثة عناصر" هذا المنحى إلى استكشاف الأنوثة العميقة بإبراز مواد التشكّل، إنّ المقطع الذي تخيّرناه من هذه القصيدة[14] يتكوّن من ثلاث جمل شعرية ينتظمها الفعل المضارع المنسوب إلى ضمير المتكلم و المعبّر عن الاسترسال و المعاودة ( أسمع صورتي تردّدني- أتحسّس رخامي- أنادي الأصداف).

وما تقيمه الذّات الشاعرة من تجاوب بين أناها و صورتها من تجاوب في أولى الجمل ومن تمثيل له بصورة أهازيج القبيلة التي تناطح خيامُها السّحب والغمام المكتنز، وما تُثنّى به من تصوير لهذا التّجاوب في الجملة الثانية حين تتحسّس رخامّها تكنية عن نعومة الجسد و صفاء البشرة، و لمّا تشِفُ مادة الجسد بهذا التحسّس فتتحوّل فجأة من سكون التّراب إلى رفرفته، وما تُثلّث به من تصوير الفعل المجازي في الجملة الموالية حين تنادي العناصر البحريّة من أصداف وحيتان و سفن " صيّرتها العرائس غرقا في البحر"، كلّ هذا التلوين في التصوير يحمل القارئ إلى أجواء شعرية فسيحة فيصير الماء منشط ولذاكرته الأدبيّة و الأسطورية و موسعا دائرة تخيله.

  1. 2. ماء الاغتسال

لئن كان ماء التولّه والاشتهاء ماء مترقرقا في عديد القصائد "لآمال موسى" مُشّكلا لعديد التّصاوير في كلامها الشّعري، فإنّ ماء عن ماء يفرق لقد تفرّد الماء في " عزف منفرد3"[15] بلون آخر و طعم مغاير لما ألفناه من طبيعة له في سائر القصائد.

يندرج هذا النص الوجيز في " تشكيلة شعرية" كونّتها نصوص خمسة مرقّمة عدّتها آمال موسى " جملة موسيقية" و فيها عزف على أنغام تبدو متباعدة ينفرد داخلها كلّ عزف بنغم مخصوص به. و العزف المنفرد الثّالث يستقلّ عن سائر " المعزوفات" في هذه الجملة الموسيقية و يدور -خلافا لها- على ضمير المتكلم الجمع بهذه الصياغة:

كلّنا موعودون بالاغتسال الأخير

بالأثواب المزركشة بالبياض

كلّ ما فيها غرفة نوم

في حجم الجسد[16].

يبدو اللحن المعزوف في هذه القصيدة لحنا حزينا خاصّة لأنّ الوعد يكون عادة مما يُفرح الإنسان و يبهجه بينما كان وعدُ الاغتسال متعلّقا بالمصير الأخير مجسّما في حادثة الموت. إنّ إنشائية التأليف في هذا العزف تبدو مخالفة لما وجدناه في العيّنات التي اعتمدناها في تناول ما وسمناه بـ" ماء التولّه والاشتهاء"، كما تبدو حركة التّصوير في هذا النص الوجيز هادئة لا تمور بالكنايات المغلقة أو بالاستعارات البعيدة إن الاغتسال الأخير تعبير قريب عن الموت والفناء، والأثواب المزركشة بالبياض صياغة يُدرك بعدُها من أقصر سبيل، و غرفة النّوم الضيقة كناية قريبة عن القبر و يقترب هذا البعد الجنائزي للماء في قصيدة " عزف منفرد3" من شبيهه في قصيدة "مرايا الغياب" في ديوان" "يؤنثني مرتين" فإذا كان الماء هو العنصر المولّد لفكرة الانشغال بالموت واللّحد، فإن المرأة بما هي جسم صقيل تولّد في القصيدة الثّانية الفكرة ذاتها لمّا يتشخّص الغيابُ و يتشكّل في أكثر من هيئة و يستحيل على حدّ عبارة الشاعرة " لاعبا ماهرا، لا يسجّل في مرمانا سوى هدف الموت"[17].

إنّ شعريةَ الغياب و الموت التي يكون الماء أحد عناصرها شعريّةٌ متواترة في أعمال الأدباء عامّة و الشعراء تحديدا لكنّ صياغتها لديهم تختلف من تجربة إلى أخرى، فمحمود درويش حين كتب "جداريّته" سنة 1999 بعد أن واجه بياض الموت في غرفة المستشفى أحس بأنه " وحيد في نواحي هذه الأبدية البيضاء"[18]، وكانت هذه المواجهة العجيبة مما فجّر مطوّلة شعرية مليئة بالبوح والتذكّر.

و كان الشّاعر و القاص " إدغار ألان بو" من الأدباء الذين تأمّلوا طويلا مسألة الموت في صلته بالماء فشكّل من ذلك التأمّل لوحات تصور أفكارا فلسفية و مشاعر وجودية

لقد تولّى غاستون باشلار في كتابه " الماء والأحلام" تحليل شعريّة الحلم عند هذا الأديب استنادا إلى عنصر الماء و أورد جملة من الآراء لعلّ من أهمّها أنّ " قدر الصّور الخاصّة بالماء- لدى بو- تساير- تدقيقا شعرية الحلم الرئيسية التي هي شعرية حلم الموت" وأنّ " كلّ ماء أصله في البداية نقي هو – عند بو- ماء لا بد أن يصير داكنا، وأن يمتصّ المعاناة السوداء، و أنّ كلّ ماء حي هو ماء مصيرُه أن يغدو ثقيلا، بطئ الجريان"[19].

هكذا يكون الماء عنصرا من العناصر البانية لشعرية القصائد و مولّدا لإنشائية " الكلام السامي" (Le Haut Langage)، هكذا ينشأ ضرب من التوازي و التآلف بين أنوثة الطبيعة و أنوثة الجسد، وقد يؤول التعلق بالجسد و تملي مباهجه إلى الإقرار بنرجسية غالبة في هذا الشعر، مثلما ذهب إلى ذلك المسعدي.

لعلّ القراءة الأولى التي أنجزها محمود المسعدي و ضمّنها تصدير هذا الديوان و متابعة عدد من القصائد في العملين اللاحقين به تؤكّدان هذا المنزع في تقبّل هذا الشعر، ولعلّ ما ختم به المسعدي تصديره "أنثى الماء" حين قال: " و هيهات أن يسلم من عجبه الطاووس الكامن فيك وفيها و في جميع الناس على السواء"[20] يُسيّج قراءة هذا الشّعر و يوجّه فعلّها وجهة بيّنة.

قد يكتفي النّظر السريع في مدوّنة آمال موسى وفي ديوانها الأول على وجه أخصّ بردّ هذا الشّعر إلى أسطورة نرسيس وإلى عُجْب الأنثى بأنوثتها و تعشّقها لأناها، و قد يبدو أن الشاعرة المتكلمة بصوتها الفردي في جلّ نصوصها قد تخيّرت الماء والمرآة والقمر عناصر تتملي في ضوء صفائها صورتها التي تراها بهيّة، محاكية في ذلك نرسيس الأسطورة الذي وقع في المياه التي كان يديم النظر في سطحها المتلألئ ويُعجب لمرأى صورته منعكسة على هذا السطح تعبيرا عن الخيلاء والتولّه بالذات[21]، غير أن التمعّن في قصائد الشّاعرة التي تُظهر فيها احتفاء بأناها، و تُجري فيها كلامها الشّعري على ماء الأنوثة الذي يحتويها من كل الجهات، وفي جداول الافتتان بالجسد المزدهي، تمعّن آيل إلى اكتشاف أبعاد أخرى لهذا الشّعر.

إنّ قراءة عديد القصائد في ضوء أسطورة نرسيس التي عوّل عليها علماء التحليل النفسي ( فرويد – لاكان) و وصلوها بمسألة الليبيدو و باللاوعي و بحالات الحلم والهذيان و البارانويا (paranoïa)[22] تغيّب أبعادا إنشائية مهمّة لشعر آمال موسى وذلك من قبيل:

  1. 3. االبوح و المكاشفة

والمقصود بهذا البعد أن يتحوّل الصّوت الشّعري صوتا متوغّلا في الذات لاستجلاء باطنها و تصوير غورها فحين يدور الكلام الشعري في نصوص الشّاعرة على أناها دوما بمثل هذه المحاورة المغالية في الحميميّة:

أناي الجملية

الروايةَ المستفيضَة

أريدكِ هناك

في أعالي الزرقة

تسرقين البحر وفيه تختفين[23].

تنكشف حجب الذّات و تتراءى هواجسها فتصيرُ القصيدة مرآة صقيلة عاكسة لجوهر تنشُد الشاعرة تملّكه و التفرّد به. وهي إذ تُبدي تعلّقا بهذا الجوهر المائي و رغبة دائمة في أن يكون الماء عالم حلّها و ترحالها، وأن تكون قرينة الموجة و شبيهة عروس البحر، لا تنفكّ عن تقليب الصّور التي تعبّر بها عن هذا الجوهر المنشود.

إنّ المكاشفة و البوح البارزين في شعر آمال موسى يرتبطان بما اعتبرته جوهر الكتابة، وهو في تقديرها " تعريةُ للذات و للنفس وللوعي الفردي والجماعي المطلق"، بما عدّته كتابة الذات. وليست هذه الكتابة ترومُ تعرية الذات لمجرّد التعرية و كشف المستور من الجسد و السلوك. فالمشروع الإنشائي الذي وضعت الشاعرة معالمه الكبرى بتحويل الماء من عنصر طبيعي إلى مكوّن شعري مهيمن في عالم قصائدها، مشروع أساسه " الشّغف العاصف لابتكار كينونة أنثوية أساسيّة و مركزّية في عالم الشعر بدلا عن كينونة فرعية، تشغل موقع الموضوع الشعري في نسق قصيدة الرجل العربي"[24].

إنّ مشروعها الانشائي يقوم ضدّا لمشروع شاعر جماهيري سارت قصائده على ألسنة الناس، و تمكّنت من واسع الانتشار بفضل التلحين والغناء، فإذا عدّ نزار قباني شاعر المرأة و محرّرها من وضعية الحريم، فإنّ آمال موسى تروم بشعرها إنطاق الأنثى بصوتها الشّخصي و بشعرها السرّي.

وإذا كان الجسد هو المركزُ الذي عليه دوران هذا الشّعر فيما يشبه الطقس و الشعيرة، فليس القصد من ذلك أن يصير الجسد مصدر إغواء و إغراء وإنّما باعتباره معبرا إلى" روح الأنوثة" الخالصة.

لقد تحدّث علي حسن الفواز عن "الكتابة بشروط الجسد" باعتبارها " مغامرة في استجلاء هيولى الجسد و الوجود و فطرة اللغة و سرّانيتها وباعتبارها أيضا كتابة في نص الخصب والإرتقاء"[25].

وهو يعتبر هذه الكتابة بابا إلى ناسوت الجسد و إلى أسطورة خطيئته القديمة و حلوله في البحث عن طهرانية مضادة.

إنّ تركيز الكلام الشعري في الجسد و تجلّياته الظاهرة و المخفية يؤسّس لبناء نص الحرية التي تعلقت بها الشاعرة و داومت التعبير عنها في صياغات تتعدّد لكنها تتآلف و تتنادى في تجاوب مستديم.

و الشاعرة حين تتماهى بالماء المترقرق و بالموجة المتدفّقة و تغتسل بأنوثتها[26]، إنّما ترسم صورا موحية لمشروعها الشّعري الذي تُشيّده على مهل، وهي تسند هذا المعمار بركيزة فكرية حداثية تعدّ نقيضا لرؤية تمتهن الجسد والأنوثة وتعمل على حجبهما توقّيا من الفتنة والإغواء والوقوع في الدّنس، فحين تخاطب آمال موسى ابنة آدم الكامنة فيها وفي كل أنثى من البشر بهذه النّبرة المعاتبة:

طال تملمُلك يا ابنة آدم

تَعُدّين ذخائر التفاح:

خطيئة

خطيئة

خطايا[27]

و تستعيدُ أمشاجا من القصّة الدّينية على سبيل التّضمين أو التناص تحوّل مجرى الكلام و تشحنّه برؤاها رافضة أن تكون ابنة آدم " أنثى يخبّئ فيها ]آدم الذكر [الماء"، وأن يكون مصيرُ الإناث موتهنّ غرقى[28].

إنّ ماء عن ماء يفرق، فالماء الذي تتغنّى به الشاعرة و تروم أن " تُصبح سرّه" و "تكون أنثاه" هو ماء الأنوثة الحية، المتوثّبة. أما الماء الذي تُنبّه إلى خطره وعقيم جريانه بين النساء فهو ماء الفحولة الذكورية، وهو ماء الجسد البيولوجي الذي يُحقّق الإنجاب ويكون شرطا لتكرار الجنس البشري.

قد يُؤوّل فكر الشّاعرة على غير مقاصدها فتكون دعواها إفناء للسّلالة و إبطالا لوظائف الجسد، غير أنّ إمعان النّظر في ما تقترحه من بدائل للتعايش بين الجنسين ينفي هذا التأويل المغالي و يستشرف أفقا تتجاوز فيه الأنثى وضعية " الوعاء" الذي يخبّئ فيه "الذكر" ماء فحولته، و تخلّص من واقع تموت فيه الإناث غرقى.

على هذا النحو من بناء اللقطة الشعرية والومضة الفكرية يتجلّى الماءُ مولّدا إنشائيا يشحّن الكلام الشعري في قصائد آمال موسى تصويرا وتفكيرا، و يكون عنصرا ذا وجه وقفا، فوجه الماء و جريانه الخصيب هما مأمول الشاعرة و نشدانها منزلة أرقى للأنثى، وأمّا قفا الماء وسيلانه الرتيب فممّا تعايُنه الشاعرة و تعانيه معاناة شديدة.

  1. 4. ماء الفوز بالغرام الصافي

يتلوّن الماء في قصائد آمال موسى دون أن يفقد لمعانه وصفاءه و دون أن يتعرّى من غلالات الشّعر أو ينضب معينه.و الماء في مدوّنتها عنصر حركة ذاتية وحيوية أخّاذة تتجاوز أنا الشاعرة لتنصبّ على من تخاطبه فعلى غرار قصيدة " أنثى الماء" التي تشوّقت فيها إلى الذوبان في الماء و تلبّس سرّه والزواج به، تُشرع هذه الأنثى ذاتها على زمان الصيف في قصيدة "أنثى الصّيف"[29] و تستعيرُ لليدين نهرا في قصيدة " نهر اليدين"[30] وتعلّم معشوقها حقيقة الكلام الشاعري في قصيدة " بياض يزهو بالملائكة"[31].

تتولّد أولى هذه القصائد من لازمة تجئ في رأس كل جملة شعرية تدعو فيها المتكلمة- المتولّهة بصاحبها أن يفوز بمائها نداء متكررا ثلاثا: فز بمائي قنينة أنثى الصيف- فز بمائي جرة للارتواء فز بمائي رغبة تتلألأ بارقا.

وهذه المعاودة التي تصير بها الجمل الشعرية متوازيات بنائية و دلاليّة تبرز نزوع المتكلمة إلى المكاشفة والبوح وإلى تصوير ما تنشده من تلاق و وصال غير مألوفين.

إنّ تشكّل الأنثى المتكلمة التي تناجى صفيّها وحبيبها في صورة القنينة و الجرة و الرغبة تُجري الكلام الشّعري مجرى المجاز المنساب و تصوغ الاستعارات تباعا. و ليس يخفى أنّ تخيّر الشاعرة بناء الصّلات بين ماء الأنوثة من جهة أولى، و القنينة والجرّة و الرّغبة من جهة أخرى، بناء يتلبّس بالغموض و يتجاوز سطح الكلمات إلى عمقها و بواطنها. إنّ الجامع بين ماء الأنثى المتودّدة من جملة شعرية إلى أخرى لاحقة بها موسّعة دائرة الكلام والتصوير هو التكتمُ على سرّ مخفيّ.

فإذا كانت " قنينة أنثى الصيف" ترتبط- عادة- بالتعطّر وإشاعة الروائح الذكيّة، فإنّ "جرة الارتواء" تجىء عبارة مصوّرة لإشباع رغبة ليست من مألوف الرغبات، خاصّة حينما تعود الجرة من عمق البحار عند المدّ محمّلة بالأسرار مزركشة بالأصداف[32].

أمّا " الرّغبة التي تتلالأ بارقا و تمسك بذرى الشّمس" في الجملة الشعرية الثالثة فهي أمارة على تحوّل ماء الأنوثة عنصرا منبثّا في الكون والطبيعة و متسّربا إلى أغوار الصاحب المخاطّب في القصيدة.

يتواصل هذا البناء الشعري الاستعاري في قصيدة " نهر اليدين"، و تنحو صياغة النجوى والإسرار منحى المعاودة و دوران الكلام على ذاته موقّعا بصيغة الطّلب التي تتكّرر في بداية كل جملة من الجمل الشّعرية السّبع.

تقول آمال موسى في الجملة الرابعة:

دع أترابك العطاشى

يأتوا إليّ

يشربوا من نهر اليدين

يجري

يتعطّروا برائحتي

قبل أن تتبخّر[33]

إنّ الدعوة إلى النّهل من ماء الأنوثة حتى الارتواء و تخيّل نهر لليدين ...و الخشية من تبخّر رائحة الأنثى و استعجال الارتواء، تنقل النجيّ المخاطب إلى أجواء لا تُدرك حقيقتها ولا يعلم سرّها إلاّ أنثى الماء التي توسّع دوائر الكلام و تحلّق بصفيّها في مدارات المجاز.

وقد يتحوّل ماء الطبيعة الجاري في مسارب الأنوثة ومجازات العشق الخالص إلى ماء الكلام تتطّلبه الأنثى من معشوقها بوحا و تودّدا، إنّ فعل هذا الماء فعل خارق لأنّه يعيد تشكيل الذّات المتولّهة و يصيّرها ذاتا " مرتّبة من مجاز و رمز وحكم"[34]، فما ترجوه المتكلّمة في قصيدة " بياض يزهو بالملائكة" من بناء عميق الوشائح بين الكلام والماء هو تحقيق نشوة تحرّك أطرافها و تجدّد أقواس ماء الجسد.

إنّ المحاورة الأليفة والكلام الناعم الذي توجّهه هذه الأنثى إلى نجيّها يصعّد من حميمية اللّقيا التي تنشدها المتكلّمة في حضرة المعشوق و يسمو بهذه العلاقة إلى ذرى الوجدان، و يحوّل الأنثى من كائن مسلوب الإرادة ومن موضوع للقول ينتشي الرجل بصياغته، إلى ذات تؤسّس كيانها العاطفي و تحدّد لمعاشرها مراقي الغرام التي لا يبلغها إلا بعد طول تدّرب.

و المتكلمة بصوتها في هذه القصيدة وفي سائر كلامها الشّعري تتوق إلى تحويل الكلام المتبادل بين الجنسين حرير كلام وألفاظا رقراقة، وهي تجمع في إنشاء هذا الكلام بين سيولة الماء و جريان اللغة بخالص الشّعر. إنّها لا تريد كلاما مستهلكا أفقدته العادة كلّ حرارة و إنما تروم كلاما متفرّدا يزيد وعيها بأهمية الأنوثة و يحرّك " النرجس" المنزرع في جسدها.

بقي أنّ نشير إلى أنّ هذا الوعي لا صلة له بالغرور والمكابرة. إنّه وعي يستردّ ما فقدته المرأة من إشعاع وما أشاعته في عصور زاهية من بهاء الحضور وإذا استندنا إلى تحليل باشلار لشعرية "نرسيس" جاز لـنـا تـأويـل كـلام الـشـاعـرة و تودّدها لنجيّها بأنه تجاوز " النرجسية الأنانية" إلى "نرجسية كونية" إنّ حلولها في ماء الطبيعة برّا و بحرا، و تملّى صورتها في مرآة اللّغة وألفاظها الصقيلة، ممّا يعمّق وعيها بالانغراس في الكون و يقوّي نشوتها بجمال الحضور فيه. فالنرجسية المعمّمة كما يرى باشلار "تُحوّل كلّ الكائنات أزهارا، و تكسب كلّ الأزهار وعيا بجمالها"[35] ثم إنّ التغنّي بجمال الذات و دعوة المتكلمة صفيّها إلى ترقيق القول و غزل العبارة لنسج حرير الكلام موصولا بالعمليّة الإبداعية وبما يعدّ خيالا خلاّقا يتوسل أحلام النوم و أحلام اليقظة أيضا. ألم تقل آمال موسى في شهادتها الموسومة بـ" في حانة الذات": " إنّ مشروع الكتابة الإبداعية (...) وفي زمنه الأول، بدا لي و كأني أكتب في حالة منام غير مألوفة وما أنتجته في هذه الحالة، منحني ما يشبه العلبة السوداء التي تدلّنا على المفقودين والخريطة التي تريد ذاتي السير عليها والطيران فوقها، أي أنّ الكتابة في حالة منام غير مألوفة، قد هيأت لي ظروف وعي لكتابة القصيدة في اليقظة"[36].

II. إنشائية الأنوار والأضواء

للنور والضوء أبعاد ضاربة في عمق العقائد والأساطير وعالم التصوير و مجال العلم وهما موصولان بالانبثاق الصافي والخالص والعجيب للحياة ثم إن قيمة الأضواء والأنوار كامنة في أنها تجليات للذات الإلاهية المقدّسة، وفي اعتبارها رمزا للحياة السرمدية التي يتوق إليها بنو الإنسان، وفي اعتبارها كذلك تمثيلا رمزيا لقوى الخير التي تطرد قوى الشر[37]، والأنوار مرتبطة بالمعرفة العلمية و علم القلوب عند العارفين من أهل التصوّف من أمثال الغزالي وابـن عـربـي والحـلاج و الأنوار وثيقة الصلات بالأحلام، فحين يرى الرائي في منامه انبثاق النّور يكون ذلك أمارة حدث سعيد، و مؤشّرا على تجربة روحية حقيقية.

وأما " أنوار" العصر الحديث فهي طور من أطوار التاريخ الذهني والسياسي في أوروبا خلال القرن الثامن عشر تسمّى بـ"قرن الأنوار" (Le siècle des lumières)، وقد نادى أصحابه باستقلال العقل على نحو ما دعا إليه " كانط"، و قدّموا جملة من الأفكار من قبيل التسامح والحرية والمساواة ( لوك- فولتير- مونتسكيو) وتعلقوا بفكرة التقدّم في مجال المعرفة (ديدرو) وفي مجال الحضارة والرقي الأخلاقي[38].

إذا كانت الأنوار بهذه الشّساعة والامتداد الدلالي و تعدد الجداول فكيف تبدّت في شعر آمال موسى، وإلى أي مدى تشكّلت بها إنشائية قصائدها؟

يتوفّر هذا الدالّ المجاوب للماء والمرائي له في عديد القصائد والمقاطع و يفتح لهذه النصوص آفاقا إنشائية ذات تصاوير. وهو دالّ متوزع في الدواوين الثلاثة للشاعرة.

لعلّ أولى اللقطات الشّعرية التي تمهّد لانتشار الضوء والألق قصيدة " الضوء" و هي ومضة تقول فيها آمال موسى:

قلبي بسيط

كـأمّي

تكفيه نبضة من رجل غير بسيط

ليضيء[39].

يبدو تخيّر هذا الشكل الذاهب في الإيجاز مدى بعيدا يذكّرنا بقصائد الهايكو اليابانية تخيّرا مقصودا و موظّفا لتصوير حركة الضوء الذي يتسلّل في حيزات المكان و يتوزّع فيها بسرعة فينير ظلمتها. إنّ ضوء القلب – و هو ضوء مجازيّ- ينقل هذا العنصر من الحقل الكهرومغناطيسي المذكور في العنوان إلى مجال الشعور الرقيق والعواطف النبيلة، لقد تحوّل الضوء محرّكا للحب والمشاعر و قادحا للبذل والعطاء. وكما وجدنا الماء يتدفّق في قصائد الشاعرة ليجسّم بهاء الجسد و طهره و عنفوان جماله الأخّاذ، نكون إزاء الضوء هنا أمام بوح آخر ومكاشفة ناجمة عن استبطان الذات وعن النفاذ إلى أغوارها.

وإنشائية هذه اللقطة متولّدة من جريان العبارة ببسيط الكلام وواضح التّشابيه، وهي لا تعوّل على الوزن و القافية وهما عند ابن رشيق شريكان في الاختصاص بالشعر، وإنّما ينبثق الشعر من هذا المطلب الأنثوي البسيط و الملحّ في الآن نفسه.

وإذا كان ضوء القلب و الحبّ من عميق المشاعر التي تشعّ على الآخرين وكان هذا النّور مخفيّا في السّرائر، فإنّ للشاعرة أنوارا أخرى تتشكّل من بريقها صورة الأنوثة مشرقة جمالا، ففي نصّ مطوّل نسبيا مقارنة بالومضة السابقة تطل المتكلّمة من علياء الشرفة، شرفة الضباب حينا و شرفتها هي حينا آخر و تتشبّه بالشمس حبلى بأساور الذهب، مرصّعة بخواتم الراحلين[40] وهي حين تحلّ في قرطها " يبوح البرق بسرّ أنثى مكتملة" و " تتدلى ثمار الحب و يستدير منها الوجه و تستبد العينان".

وحين يكتمل تجملّ الأنثى بحلّيها و بخلخالها تحديدا تعبر إلى صحراء يرقص فيها الماء[41] فيكتمل بهاء الصورة و تزدهي عناصرها.

إذا جمع النّاظر عناصر هذا التجمّل الأنثوي الذي تتفتّن المتكلمة بلسانها الشّخصي في إعداده، وجد في هذا النصّ محفلّ الأنوار المتلألئة و الألوان المتناسقة، و شدّه هذا التصوير الذي تحلّ فيه أنثى البشر في أنثى الطبيعة (الشمس)، و يتجسّم فيه البرق فيصير له بوح، و تتدلّى ثمار الحبّ من قرط الأنثى، و يغدو "ضربُ المواعيد ضرب النّار بين أحشاء الحديد"[42]، إنّ هذه الصّور التّمثيلية و سلسلة الاستعارات و معاودة الأشكال البنائية التي تدور على مركز ثابت هو أنا الأنثى وذاتها الحميمية، تشكّل مجتمعة في هذه القصيدة إنشائية التجمّل تهيؤا للقاء خارق بهذا الجاهلي[43] الذي يعيد الحبّ إلى سابق عنفوانه و يفجّر في الأنثى مكامن العشق و قوي التولّه.

وكما أجرى الماء أنوثة الجسد وأعاد إليه القيمة والمنزلة، أجرى الضّوء أنوثة الطّباع والعواطف، و يتعمق هذا التولّه بالذات وهذا الإمعان في تلوين صورتها بعنصري الماء والنور في " خجل الياقوت" و "يؤنّثني مرتين".

ففي قصيدة " ذاكرة الماء" تقول الشّاعرة في المقطع الثاني:

أنا روح من ألق

شعري لؤلؤ

قدّي رحلة إلى ما وراء الكون

فهل تستطيع إليّ سبيلا؟[44].

وهي حين تقدّم لقارئها هذه الهويّة التي تؤكّدها الجمل الإسمية المتلاحقة تبرز العناصر الضوئية في تكوينها و تجرى العبارات مجرى الاستعارة لأنّ " الرّوح من ألق" و " شعر اللؤلؤ" يشعّان الأنوار و يجمّلان الكلام الشّعري بتملّي الذّات المتكلمة وارتياد الكلام عالم المرئي واللامرئي في الآن نفسه. إنّ تركيب الرّوح من الألق، و الشّعر من اللؤلؤ، و تمثيل القدّ رحلة إلى ما وراء الكون يتجاوز تجميل الذّات إلى أسطرتها و يتعدّى المحسوس إلى عالم التّجريد و يُصيّر الكائن البشريّ كينونة شعريّة يتعسّر الإمساك بها، لهذا ورد الاستفهام في آخر المقطع أقرب ما يكون إلى الإنكار و جحود الوصال بما هو التقاء بين الأجساد.

ثم إنّ الشاعرة حين تعزف " نشيد الرغبة" في نص متوسط الطوّل[45] توهم القارئ أنّ الرغبة تحقيق لمتطلّبات الحسّ و نزعات الجنس إلى الإرواء. لكن إيهام العنوان يتبدّد سريعا لأنّ الأنثى التي تنتمي إلى نساء السّلالة تتصوّر لهن سحرا و موجا ونورا على نور و تؤلّف إيقاعها من النّار و تستعذبها.

إنّ المتكلّمة التي تنشّط الذاكرة إذ تستعيد لقطة من سيرة قيس وليلى، و سيرة من تُسمّيهم "بنو يوسف" و تتماهى مع أمير العذريّين جميل بن معمر الذي دلّها على "مجاز الرغبة"[46]. تركّب كلامّها الشعري مـن النّـور الـذي سـارت بـهـديـه و أيقظ نساء سلالتها فقصدن ماءها و غزلن لعشقها تميمة.

قد يكون السّحر والنور والبحر والنّار التي تؤلّف الإيقاع من مكونات أنوثة متعددة جامعة تتوق الشّاعرة إلى بنائها بحرير الكلام. وقد يكون النور الهادي إلى السبيل رمزا للوعي المكتسب بفضائل الأنوثة المتآلفة مع الجنيس و مع من عُدَّ ضديدا أو عدوّا.

لكنّ المتحصّل من هذا التّعبير الذي يتحرّك من دائرة إلى دائرة ومن جدول شعري إلى آخر، هو أنّ الشّاعرة وهي تؤلّف نشيد رغبتها تطوف في ملكوت الجسد و ناسوت الذات، و تنشئ عوالم متخيّلة تتأبّى على التقييد والحصر شبيهة بما أقرّته حين أيقنت "أن الحبيب فكرة شريدة في نص العمر" و يزداد تلألؤ الأنوار وإشراق الضياء في شعر آمال موسى حين تؤسطر ذاتها و تحوّل أناها كائنا استعاريا و أبرز ما بدا هذا في قصيدة" نجمة القيامة" وفي قصيدة " يا ليتني كنت زجاجا"[47].

ليس يخفى جريان الكلام في عنوان أولى القصيدتين بماء المجاز، و تحرّر الأداء الشّعري من مواضعات القول المألوف. إنّ الاستعارة بادية من خلال الوصل بالإضافة بين ظاهرة فلكية لها صلة بالكواكب وظاهرة دينية لا يعلم أيان حدوثها، لكنّ المؤمن يسلّم بيوم البعث الذي يقوم فيه الخلق بين يدي الحي القيّوم.

إنّ الحلول في هذه النجمة العجيبة التي تسائلها المتكلّمة إطالة القامة والزيادة في استدارة الخصر هو نوع من تعشّق الأنوار ومراقي السماء. والأنثى النجمة في هذه القصيدة تشعّ من ذاتها و بهائها على الكون و تجعله مزدهيا ألوانا فتبدّد العتمة و ترسم لوحة مشرقة للدنيا:

نجمة أنا

ملأتُ الليل فضّة

منحتُ الصبح ذهبي

نزعتُ الظلام

وكسوت عري النّهار

مثلي تتلألأ هذه النجوم

تنطفئ في نعاسي[48].

و ليست جملة الأفعال التي تنجزها المتكلّمة في هذا المقطع وفي اللاّحق به حين تتشكل ثريّا و تتدلّى على الأرض فتتّسع دوائر النور ومساحات الضّياء، سوى تشكيل شعري لازدهاء الأنثى بأنوثتها و لمباهاتها بذاتها على نحو تتحرّر به الأنوثة من حسّيتها ومن مادية الجسد فتغدو قيمة معنوية وإيحاءات ببديع الحضور في الطبيعة و مونق الحلول في الكون خاصّة بانتزاع الظلام واكتساء النهار ما يسترُ به العري.

لقد غدا كلام الشاعرة المتحوّلة نجمة حينا و ثريّا حينا آخر أشبه ما يكون بإشارات الصّوفيين الذين طوّعوا العبارات فصيروها تلويحات وإشارات بعيدة.

وإذا كانت الكتابة لدى آمال موسى محكومة بشروط الجسد على حدّ ما تبيّن ذلك " علي فواز" في مقاله المذكور سابقا، فإنّ ميزة هذه الكتابة التي تنكتب بها الأنا الكاتبة (le moi-écrivant) " تعمل عبر هذه التوليفة على استحضار بنية طقوسية مجبولة على استحضار الذات الملتذة(...) و كأنها في نوبة من هذيان اللّذة. و أحسب أنّ هذا التوالي الانثيالي الحسي يكشف عن انزياحات ليست في المعطى الكتابي الذي تجاوزت به الشاعرة نمطا من كتابة البوح و المسكوت عنه إلى نوع من كتابة التصريح/ المكاشفة/التماهي مع تهويمات ما يقوله الصوفيون في كتابة ما بعد الحلول وكذلك في كتابة الشطحات "[49]، لكنّ صوفيّة الجسد التي تشكّلت في شعر آمال موسى بعنصري الماء والضياء من جنس الصوفية الوثنيّة التي لا تبحث عن مطلق خارج ذاتها وعن متعال يتجاوز أوساعها. إنّ "نجمة القيامة" التي شكّلتها الشّاعرة من تملّي أنوثتها المشعّة ومن انجذاب عناصر الطبيعة إلى أناها المضيئة لا تلتقي مع الخطاب الصّوفي إلا من جهة الصّياغات التي تعيد للغة طهريّتها وقدرتها على الانفكاك من مألوف التأليـف، و تمنحها طاقات الإيحاء والترميز. وأمّا الصّوفية بما هي تجربة البحث عن المطلق و التوحد بالذات الإلاهية و نشدان الحقّ فلا صلة لها بمنظور الشّاعرة التي تعيد إلى الجسد حرمته و تصيّره مجال انبهار ومكمن أسرار تجلّيها العبارة الشعرية حين تشفّ و تصفو بجمال الكلام.

وإذا دار كلام الشّاعرة في " نجمة القيامة" على ضياء الكواكب فهو في قصيدة يا ليتني كنت زجاجا" ينشدّ إلى جسم مشعّ غير النجمة والثريا.

قد يذكّر عنوان هذا النصّ المندرج في القسم الثاني من الديوان بما ورد في القرآن على لسان المشرك، وبما تضمّنه قول الشاعر العربي القديم[50] وأما متن القصيدة الذي تنزع فيه الشاعرة إلى تسريد كلامها و تصير راوية لحادثة دخول إمرأة الملهى الليلي عارية من أوراق التّوت[51] فيبدو على بعض الغموض.

إنّ ما تذكره السّاردة من تأطير لهذه الحادثة يبقي المشيرات الزمكانية غير متعيّنة، و أما فعل الدخول إلى هذا المكان المنزوي و المأهول بالأصوات العنيفة و الأضواء المشعّة فهو فعل قابل لعديد القراءات لعلّ أقربها بحث المرأة عن تجربة تكتشف إثرها عالما يظلّ محجّبا و اختيار هذا الفضاء المغلق الذي تتلاقى داخله الأضواء والعتمة و تبين فيه الوجوه والقسمات ثم تختفي، اختيار موصول بهذه التجربة.

وأعجب الأمور في أجواء هذا الحيّز وفي كيفّية حضور المرأة فيه أنّها " تحمل في رقصتها كلّ الوجوه التي في عدد الكؤوس المتمايلة في الأيادي"[52].

غير خاف أنّ ارتباط حركة الرّقص بقسمات الوجوه المنشدّة إلى من تجوب الملهى فيه أثر قوى الأنوار التي تسطع و تخبو ولانعكاسها على الأجساد لكأنّ عنفوان الرقص تحكّم في المشهد وبأّر وجوه الحاضرين من الشاربين.

والنّاظر في هذه القصيدة يستوقفه فيها أمران مهمّان: أولهما قول الساردة حاملة خطاب المرأة- الراقصة:

" تساءلت: لماذا لا أبتكر زمنا جديدا للملهاة يبدأ عند الفجر"[53] وثانيهما ترديد الكؤوس التي سقطت مغشيّا عليها: " يا ليتني كنت زجاجا !"

يظهر سؤال المرأة رغبة قويّة في خوض التجربة التي تخيّرت لها الملهى الليلي حيّزا والرّقص المثير حركة والفجر زمانا ينسلّ فيه الخيط الأبيض من الخيط الأسود لليل و يظلّ الزّمان الجديد للملهاة الذي تروم هذه الأنثى ابتكاره زمانا عسير التحدّد: هل هو حلم انعتاق من أسر العادات الجادّة التي قيّدت بها الأنثى و خضعت لها طائعة؟ أم هل هو الرّغبة في ابتكار حياة جديدة تتلهّى فيها الأنثى بما استقرّ من أوضاع المأساة التي عايشتها طويلا و المتحصّل إجمالا من هذا السؤال الملغز أنّ أنثى آمال موسى ليست أنثى القصص العربي القديم الذي أجبرت فيه شهرزاد على مقاومة التسلّط الذكوري بابتداع الحكايات لتأجيل المصير الحتّم، إنّ اختيار الفجر زمنا للابتكار دليل تعشق الشاعرة- السّاردة وقت انبلاج النّور والأضواء و تولّدها من عتمات منتصف اللّيل.

وأما تمنّي الكؤوس المتمايلة في الأيادي أنّ تصير زجاجا فضرب آخر من مجاز الكلام بإنطاق العناصر واستبطان الدواخل. إنّ تكلّم الكؤوس بهذا الإلغاز يقتضي التفكّر: قد يكون هذا التمنّي موصولا بما رامته المتسائلة في سابق الكلام الشّعري، وقد يكون تصويرا لحنين الكؤوس إلى أصل تكوّنها من البلور الصافي والمشعّ.

وما يجمع بين الاستفهام والتمنّي، وبين امرأة الملهى و الزجاج بحث كلّ منهما عن ابتكار الجديد، و تطلّب الحركة المولّدة للتغيّر، و تأطير هذه الحركة في عالم النور و الإشراق.

وإذا كان الماء والأضواء مادتين تتشكّل بهما كثير من قصائد آمال موسى فإنّ النار- التي تأخذ من الماء بريقه ومن الأضواء إشعاعها- تكون عنصرا آخر مولّدا للشّعر في مدوّنة البحث فحين تسم الشاعرة إحدى قصائدها بـ"حرق الشعراء"[54] يتكرّر هذا الفعل في بدايات السطور مولّدا توازيها و تكافؤها. إنّ فعل العبور إلى الشّعر الذي قامت به المتكلّمة- وهي صوت ينوب عن الشّاعرة- فعل محفّز إلى التدمير الذي يسبق التغيير وليست النار في هذه القصيدة الوجيزة مرتبطة بالعقاب والتعذيب وإنما هي أعلق بنار الأسطورة التي يحترق بها الطائر الخرافي و ينتفض من رماده متجدّد الحياة والحيويّة. إنّ عبور المتكلّمة أبيات الشّعر قد ولّد انبعاثا للكلام الشّعري وضربا من التطهّر بتخليص القائل والمقول من أدران التقليد، فليست القصيدة الأولى في الترتيب غير جيّد الشعر و أولاه بالتقديم، وليس الحرق والاحتراق سوى تكنية عن بكارة الكلام.

وتبدو نار الشّعر الجديد متوقّدة في غير النصّ السابق إنها تجئ معرّفة تعريف الاستغراق بالألف و اللام في قصيدة " النار".[55]

لقد تجسّمت هذه النار فتشكّلت لها " شفتان ممتلئتان عناقيد" و تأنسنت باشتهاء العشب وحين أمسكتها المتكلّمة في هذه القصيدة انتشرت النار في أرجائها على هذا النحو الغريب:

مسكتها

في أرجائي تطير

تمسح

شحوبي

وتبارك

ولادة السنبلة[56].

فعل النار في هذا المشهد المجازي لا تخفى أبعاده وإيحاءاته: فما تقوم به هذه القوة الملتهبة بالطبيعة من طيران في الأرجاء، ومن مسح الشّحوب على سبيل الجمع بين المحسوس وغير المحسوس، ومن مباركة الحدث السعيد الناجم عن لقاء المتكلّمة بالنار، كلّ هذا الأداء المجازي والتخيّلي يصيّر النار دالا رامزا إلى توقّد الشعر وفيض القريحة بجيّد الشعر و ليست ولادة السنبلة في آخر القصيدة غير توق الشّاعرة إلى شعر جديد و حلمها بكتابة مغايرة تخيّرت لها قصيدة النثر شكلا.

هكذا تلتقي نهاية القصيدتين في مجال الإبداع باستشراف " القصيدة الأولى" و " ولادة السّنبلة"، و على هذا النحو تغدو النار عنصرا مشعّا آخر في تشكيل الكلام الشّعري لآمال موسى، إنّها تستعيد حلم الشعراء العرب القدامى الذين نسبوا حذق الكلام و جودة صنعته إلى موضع بالبادية كثير الجن فعدّوه ملهمَ الشعراء[57]، وهي تستعيد كذلك فكرة الإلهام المتجدّد التي عبّر عنها الإغريق لما تحدّثوا عن "ربات الفنّ" (les muses) فجعلها " هيزيود" تسعّ إلاهات شقيقات بنات زيوس (Zeus) " وكان الشعراء منذ القدم يناشدونهن في افتتاح ملاحمهم أن يمددنهم بالإلهام والوحي"[58].

ألا نظرنا في مدونة الشاعرة التونسية إلى تبيّن وجود من التعالق بين الماء والنار والأضواء، وبلغ بنا استكشاف عالمها الشعري آفاقا واسعة في التخيل وفي تحويل العناصر الكونية مكوّنات شعرية تصوّر بها آمال موسى توقّها إلى تجديد الكتابة و تنويع التعابير عن أناها، و تسترفدها لتأثيت الكلام الشّعري.

لقد غدا الماء في قصائدها ينبوعا منه تتفجّر صور الجسد و تتشكل تعابير التولّه به فإذا كان الماء أساس الحياة ووسيلة تطهّر و مركز كل انبعاث للأرض، فهو في عيّنات كثيرة من شعر آمال موسى مصدر تشكّل لنصوص يطول جريانها بالشعر أو يقصر إنّ ماء الجسد المنهمر قد يعدّ أمارة تولّه الأنثى بأنوثتها و دليل تعشّقها لأناها، لكن الأهمّ من ذلك ما يرتسم في هذه العينات وفي غيرها من اقتدار الشاعرة على توليد طريف الصياغات و مجاز العبارات. وهي إذ تشكّل صورة أنثوية بمفاتن الجسد و حرير الكلام، إنّما تعبّر عن تملّك الجسد وعن حريّة تامة في التعامل معه تعاملا يغاير ما ألفناه في الشّعر العربي- قديما وحديثا- من تقديم الجسد موضوع اشتهاء ذكوري إنّ " النزوع الايروتيكي" الذي تحدّث عنه الشاعر الإيطالي" جوزيبي دي كونتي" في تقديم الديوان الثالث للشاعرة، و ذكره الرغبة التي تشعّ في صور التصوف العتيقة" ممّا يؤكد قيام الجسد معلما شعريّا حديثا تضع الشاعرة أسسه بالتدرج.

وحين يترقرق ماء الشعر بمفاتن الجسد التي تلتقط بالبوح والإيحاء دون فضح أو تصريح، تتلألأ الأنوار لمّا تتشبّه المتكلّمة بالنجمة و الثريّا و اللؤلؤة، فتمتصّ ما في هذه الأجسام المشعة من بريق وألق و تنقل هذه الحركة الضوئية إلى عالم القصيدة فيتلاقى الماء والأضواء وتزداد الصّور إشراقا.

ترد النّار أحيانا في قصائد الشاعرة فتتكاثر العناصر. إنّ نار الشّعر التي تشكّلت منها " القصيدة الأولى" و "السنبلة" هي النّار التي تطهّر القصيدة من أدران التقليد، و تستصفي من الميراث الشّعري ما به يتجدّد الكلام الشعري و يتخلص من القيود العروضية والبلاغية التي تحكمت فيه أزمانا.

هكذا يتشكّل الشّعر من ماء و نار و أضواء، من العناصر التي ترتبط بمادية العالم، التي تذوب بما هو روحي أو تلتبس به على حد عبارة الشاعر الإيطالي في تقديم الديوان الثالث لآمال موسى.

وأما طين الجسد الذي لا يسمو سموّ الرّوح لأنه عرض زائل بمنطق بعض فلاسفتنا القدامى وفي تقدير من يعتبره عورة و مصدر إغواء يتعيّن حجبه، فقد غدا في نصوص الشّاعرة مكوّنا لإنشاء الذات في القصيدة و مولّدا لمجازات الكلام الشعري.

أفليس من حقّ الأنوثة على الأنثى أن تتنبّه إلى هذا الحقّ الطبيعي في تملّي ذاتها وفي استبطان أناها، وفي كشف منطقة الجسد التي ظلت مغمورة قبل أن تطل عليها بعض الفلسفات الحديثة؟!

هل يجوز لنا بعد ما تقدّم اعتبار ما نشرته آمال موسى من شعر، مشروع إنشائية جديدة تسندها رؤية حداثية؟.

هرامش

[1] أصدرت الشاعرة : أنثى الماء، تونس، سراس للنشر، 1997.

خجل الياقوت، القاهرة، دار شرقيات للنشر و التوزيع، الطبعة الأولى 1999.

يؤنثني مرّتين، تونس، سراس للنشر، 2005.

 [2]يقول المسعدي، محمود: " و قد يُخيل إليك حين تقرأها أنّ نفحة من الروح اليونانية التي ولدت من الماء عرائس البحر المغريات هي التي حدت بالشاعرة هنا إلى مغامرة الغوص على طوايا نفسهـا و أسـرار ذاتـهـا و الولوج في جدلية ما بين الأنوثة و الجسد و الماء من نسب سحري قد لا ينكشف سرّه إلا بشبه التجلّى الصوفي" " أنثى الماء"، ص.3.

 [3]من القصائد التي تتأسس بهذا الدال نذكر: أنثى الصيف، ص.15 - أعالي الزرقة، ص.19 - وردة الخريف، ص.21- صلاة الجمر، ص.47- أنثى الماء، ص.59- نهر اليدين، ص.81.

[4] خجل الياقوت، الصفحات: 21 – 39 – 48 – 77 .

 [5]يؤنثني مرتين، الصفحات : 24 – 28 – 118.

[6] Dictionnaire des symboles, p. 374.

[7] أنثى الماء، ص.47

[8] أنثى الماء، ص.46 الصائب.

[9] الصابئة: اللفظة آرامية الأصل تطلق على فرقتين : 1 جماعة المنوائيين أتباع يوحنا المعمدان 2- صابئة حران الذين عاشوا زمنا في كنف الإسلام. ورد ذكرهم في القرآن ثلاث مرات بجانب اليهود والنصارى، وذكرهم الشهر ستاني في كتابه " الملل و النحل" والدمشقى في "نخبة الدهر في عجائب البحر" يحرص الصابئة على تطهير أنفسهم من دنس الشهوات والارتقاء بها إلى عالم الروحانيات، من طقوسهم التطهر بالماء إذا لمسوا جسدا، الموسوعة العربية الميسّرة، دار نهضة لبنان للطباعة والنشر، بيروت 1986 مج 2 ص 1112. 

[10] خجل الياقوت، ص.21.

[11] خجل الياقوت، ص. 48.

[12] يؤثّثني مرتين، ص. 21.

[13] خجل الياقوت، ص. 21.

[14] يؤنّـثني مرتين، الصفحتان 24 - 25 و المقطع يبدأ بقول الشاعرة : أسمع صورتي تردّدني و يقف عند قولها " غرقا في البحر"

[15] خجل الياقوت، ص.77.

[16] يؤنثني مرتين، ص.124.

 [17]يؤنثني مرتين، ص.124.

[18] جدارية درويش، محمود، بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى، 2000، ص.10.

[19] Gaston, Bachelard, l’eau et les rêves, Essai sur l’imagination de la matière, Librairie Jose Corti, 1942, p.p.58-59.

[20] أنثى الماء، التصدير، ص.4.

[21] Dictionnaire des symboles, p.659.

[22] Encyclopaedia Universalis, France SA, 1985, Corpus, p.921.

[23] أنثى الماء، ص.19 (من قصيدة أعالي الزرقة).

[24] نفسه.

[25] الفوّاز، علي حسن و موسى، آمال، الكتابة بشروط الجسد. Ali Cette adresse e-mail est protégée contre les robots spammeurs. Vous devez activer le JavaScript pour la visualiser..

[26] العبارة واردة في قصيدة " صلاة الجمر"، ديوان أنثى الماء، ص.47.

[27] من قصيدة أنثى يُخبّئ فيها الماء، ديوان يؤنّثني مرّتين، ص.39.

 [28] تقول الشاعرة: " فأدركت لماذا كل الإناث يمتن غرقى"، نفسه، ص.40.

 [29]أنثى الماء، ص.15.

 [30]نفسه، ص.81.

 [31] يؤنّثني مرّتين، ص.17.

 [32] أنثى الماء، ص.15.

[33]أنثى الماء، ص.81.

[34] يؤنثني مرتين، ص.18.

[35] Bachelard, L’eau et les rêves, op.cit, p. 35.

[36] موسى،آمال، في حانة الذات، ) (amel Cette adresse e-mail est protégée contre les robots spammeurs. Vous devez activer le JavaScript pour la visualiser.

[37] Colin, Didier, dictionnaire des symboles, des mythes et des légendes, Hachette, 2000, p.336.

[38] Pratique de la philosophie de A à Z. Elisabeth, Clement – Chantal, Demonque – Laurence, Hansen – Love, Pierre Khan, Paris, Hatier, 1994, p.p. 210-211.

[39] أنثى الماء، ص.67.

[40] من قصيدة: " في حبّ الجاهلي" ديوان " أنثى الماء" ص.68.

[41] نفسه ص. 68.

 [42]من قصيدة: " في حبّ الجاهلي"، ديوان " أنثى الماء" ص.70.

يرمز الجاهلي إلى الحب الجارف و عنفوان المحبة و التوق الدائم إلى أوساع الذات و فضاءات الحرية، وقد حولت الشاعرة هذه الصفة " المذمومة" إلى قيمة شعرية .

 [43]يرمز الجاهلي إلى الحب الجارف و عنفوان المحبة و التوق الدائم إلى أوساع الذات و فضاءات الحرية، وقد حولت الشاعرة هذه الصفة " المذمومة" إلى قيمة شعرية.

 [44]خجل الياقوت، ص.41.

 [45]القصيدة بعنوان : " نشيد الرغبة" في ديوان " يؤنّثني مرتين " ص. ص.41-44.

 [46]تقول الشاعرة في المقطع الختامي من القصيدة: جميل قدّ من هيئتى هيئته / و سوّى من أساطير الأوّلين نشيدي. أدركت مجاز الرغبة/ حين أيقنت/ أن الحبيب فكرة شريدة، في نص العمر. يؤنثني مرتين ص.44.

[47] أنثى الماء، ص.ص. 33-34، يؤنثني مرّتين، ص.ص. 104 - 105.

 [48] أنثى الماء، ص.33.

[49] Cette adresse e-mail est protégée contre les robots spammeurs. Vous devez activer le JavaScript pour la visualiser.

[50] كسر الجرة عمـدا و سقى الأرض شرابا

قلت و الإسلام ديني ليتني كـنـت تـرابـا

 [51]يؤنّثني مرّتين، ص.104.

 [52]يؤنّثي مرّتين، ص.104.

 [53]يؤنّثني مرّتين، ص.104.

 [54]أنثى الماء، ص.40: (حين عبرت أحد أبياته/ أحرق كلّ القصائد/ أحرق لغته / أحرق الشعراء/ أحرق نساء الكون/ احترق / فكتب القصيدة الأولى).

 [55]أنثى الماء، ص.53.

 [56]نفسه، ص.53.

 [57]مطلوب،أحمد، معجم مصطلحات النّقد العربي القديم، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الأولى، 2001، ص.292.

 [58]معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مجدي، وهبة، كامل المهندس، مكتبة لبنان، الطبعة الثانية (منقّحة و مزيّدة)، 1984، ص.175.