Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

أن يكون الأدب وثيقة فتلك مقولة عفا عليها الزّمن. و أن يكون الأدب مقطوع الصّلة بسياقات إنتاجه و تقبّله فتلك مقولة لم يعد يصدّقها أحد. فلا الكاتب يكتب من فراغ و لا القارئ يقرأ و هو صفحة بيضاء. ففي كليهما تعتمل نصوص. و في كليهما تؤثّر نصوص. و من أهمّ هذه النّصوص أحببنا أم كرهنا نص العالم، نصّ الواقع.

و نصّ الواقع يخبرنا أنّ الحديث، في المجتمعات العربيّة، عن مساواة فعليّة بين المرأة و الرّجل يندرج في باب الحلم. فللمرأة بعض الخصوصيات النّفسيّة المكتسبة بحكم التّربية الأولى. و لعلّ الأمر لا يخصّ المرأة العربيّة وحدها. و قد أشارت سيمون دي بوفوار إلى دور التّنشئة الاجتماعيّة في التّمييز بين المرأة و الرّجل و في خلق التّفاوت بينهما. و ذلك في عبارتها الشّهيرة: لا تولد الـواحـدة مـنّـا امـرأة و إنّما تصبح امرأة. و رغم أنّ القولة قديمة نسبيّا فلاشيء يثبت أن منزلة المرأة في فرنسا تغيّرت تغيّرا جذريّا.

و من هنا فالتّساؤل عن خصوصيّة للأدب النّسائيّ يعدّ تساؤلا مشروعا. و هي خصوصيّة محتملة ينبغي البحث عنها في جانبي العمليّة الإبداعيّة أي الـمضـامـيـن و التّقنيات الخاصّة بالجنس الأدبيّ. و إذا كانت الأفكـار و الـمـضـامـيـن تُـتـوارث و تُكتسب فأساليب الكتابة وتقنياتها تكتسب بالتعلّم و الاطّلاع على نصوص الأدب. و هذا يعني أنّ البحث عن خصوصيّة نسائيّة محتملة في هذا المجال تتطلّب جهدا كبيرا و استقراء نصوص كثيرة. و لذلك افترضنا أنّ المضامين قد تكون مجالا لخصوصيّة أجلى و أظهر. وهو افتراض تأكيده أو نفيه مرهونان باستقراء النّصوص المنجزة فعلا. و هو، على ذلك، افتراض له، في الواقع المعيش، ما يبرّره.

و بما أنّ البحث عن الخصوصيّة النسائيّة المحتملة لا يتمّ إلا عبر استقراء عدد من النّصوص المفردة والوقوف على ما يجمع بينها و يوحّد اخترنا، مراعاة للمقام، الاقتصار على روايتي "مراتيج" لعروسيّة النالوتي[1] و "الكرسيّ الهزّاز" لآمال مختار[2]. و تروي الأولى انعكاسات أحداث 26 جانفي 1978 على مسيرة طالب و طالبة منتميين إلى حركة ماركسيّة تونسيّة بباريس. أمّا الثّانية فتروي مغامرات أستاذة جامعيّة عزباء فاجأها أبوها المعلّم المتقاعد عارية مع أحد طلبتها على الكرسيّ الهزّاز رمز أبوّته وعظمته. وقد تبيّن لنا أنّ ممارسة الحرّيّة تمثّل محورا أساسيّا من محاور القصّ في الروايتين. و هي ممارسة رأينا أن نركّز النّظر في ثلاثة تجلّيات من تجلّياتها:

1. حرّيّة الكلمة

ما من شكّ في أنّ الكلمة حقّ من الحقوق الأساسيّة للجميع. و لكنّ هذا الحقّ لا يتمتّع به الجميع وخاصّة في المجتمعات التي تقنّن، بشكل أو بآخر، التّفاوت بين الجنسين و تغلّب جنس الذّكور على جنس الإناث. و لذلك فمبادرة المرأة بالكتابة القصصيّة التي تكاد تكون وقفا على الرجال تمثّل، في الواقع، ضربا مـن الـتـحـدّي و شكلا مهمّا من أشكال ممارسة الحرّيّة، حرّيّة التّعبير و حرّيّة ارتياد الآفاق التي حُرمت منها بنات جنسها أو كدن. و هي ممارسة تسمح للكاتبة بتجاوز كينونتها المفردة و تصيّرها، بصفتها تلك، شخصيّة عامّة. و تقترن هذه الحرّيّة بالمسؤوليّة القائمة على الوعي بأنّ الكتابة القصصيّة بقدر ما تصوّر العوالم المتخيّلة و تكشفها تعرّي الذات المنشئة الواقعيّة و تعرّضها للنّقد و الانتقاد. و على هذا النحو تكون الكتابة مرقاة إلى تفتّح الذات و انتعاشها.

هذا في مستوى الكاتبة كائنا تاريخيّا محدّد الهويّة و الكيان. أمّا في مستوى أعوان السرد التخييليّين فيمكن رصد خطاب الحرّيّة في مستويي اختيار المواضيع و اختيار البناء.

2. اختيار المواضيع

الاختيار لا يكون اختيارا إلاّ إذا نبع من فعل حرّ. و قد اختارت الكاتبتان تفويض السّرد إلى راويتين أنثييْن. وإذا كانت راوية "الكرسيّ الهزّاز" معلومة الاسـم و الصّفات و المنزلة الاجتماعيّة بما أنّ منى حامد عبد السلام بطلة الحكاية هي نفسها البطلة في القصّ فإنّ "مراتيج" ترويها امرأة حريصة شديد الحرص على التخفّي. فهي تبدو غريبة عن الحكاية ولا تشير أبدا إلى جنسها بعلامة تأنيث و لا إلى نفسها بضمير المتكلّم المفرد. و قد اختارت الراويتان تناول موضوعين يندرجان في باب المحرّمات.

فراوية "مراتيج" اختارت التصدّي للسياسة والجنس. فنقدت الـسّـلـطـة الـحـاكـمـة و شهّرت بعسفها مجسّدا في أحداث 26 جانفي و ما خلّفته من ضحايا. إلاّ أنّ عنايتها انصرفت أساسا إلى جماعة طلاّبيّة ماركسيّة عاشت عشر سنوات بباريس تهيّئ أسباب الثورة في تونس إلى أن فاجأتها انتفاضة أبناء البلد في الوطن البعيد. فاهتزّت ثوابت البطل المختار و رفيقته جودة منصور. و كان بحث عسير عن أسباب العزلة. فقد تبددّ الوهم، وهم تخليص الأهل. و حانت ساعة الحساب. فتفطّن المختار إلى أنّه بحاجة إلى من ينقذه و ينقذ نفسـه الـمـقـفـلـة بـألـف رتـاج (ص49) و بحاجة إلى من يرفع عن عينيه الغشاوة التي لازمتهما طويلا، فصار كالأعمى (ص21 و47) لا يرى ما يدور حوله في باريس و لا ما يجري هناك في "تلك الرّقعة الحبيبة من الأرض" (ص9)، بلده تونس. إنّه محتاج إلى من يشفيه من الصّمم الذي حال دونه و سماع نداءات النّفس العليلة و هي تـهـفـو إلى الحـبّ و الـجنـس و العائـلـة و الصّداقة. و كان تعيينُ المختار المراتيجََ التي أوصلته إلى ما وصل إليه. فإذا هي "الممنوعـات الـمخـزونـة مـنـذ الـقـدم" (ص7) والأسـئـلـة الـحـرام (ص7) و المحظورات (ص70) و عقله الذي أسلس له القياد فقتل فيه النّفس و الرّغبة في الحبّ و الجنس و الحياة ؟ و قاده "إلى سرداب لا نهاية له" (ص39).

و الماركسيّة التي آمن بها عقيدة و ارتضاها مذهبا ومارسها كما فهمها هي، بدورها، مرتاج و ستار حديديّ سميك يفصله عن جذوره و تاريخه و ذاكرته (ص49) و عن النّاس الذين يخالفونه الرّأي. فهم خصوم ألدّاء و أعداء مناوئون (ص18 و58) جديرون بالكراهية و الحقد. و الماركسيّة، كما مارسها، هي كذلك غشاوة على العين تحرم صاحبها من التّمتّع بجمال الخلق و إبداعات الشّعوب (ص47) و تقتل رغبة النّفس في التّمتّع بمباهج الحياة (ص40) مقابل حلم بتحقيق "عوالم تطفح بالسّعادة البشريّة الآتية قريبا" (ص54). و أخيرا فالماركسيّة، كما لقّنه إيّاها قائده الهادي س. س، مرتاج بسبب موقفها من المرأة والجنس: "أخطر الشّروخ. شرخ تحدثه امرأة حالمة" (ص61). و بذلك لم تختلف قيمُ الماركسيّةِ الممارسةِ، موضوعيّا، عن القيم الإقطاعيّة ممثّلة في قيمتي الرّجولة و السّلطة الأبويّة. و هي قيم مشوِّهة و غريبة عن النّفس و متسلّطة عليها ومكبّلة لها تؤبّدها تربية تقليديّة مستندة إلى مخزون ثقافيّ يصوّر المرأة شيطانا و لعنة و الحبّ خطيئة لا تغتفر (ص65). و هي، إلى ذلك، قيم يرضعها الطّفل مع لبن الأمّ وتعويذة يتأبّطها مع لوحة الكتّاب (ص70) فتورث رعبا يستقرّ في الأعماق و يستحيل مرتاجا من مراتيج النّفس.

لم تفض محاسبة المختار نفسه إلى مراجعة اختياره الإيديولوجيّ فحسب و إنّما جاوزتها إلى تلمّس جذور أزمته المتعدّدة الأبعاد. فاندرجت مسألتا العلاقـة بـالـمـرأة و الجنس في إطار فكريّ و اجتماعيّ نأى بهما عن الإثارة و دغدغة الغرائز و عن اعتبار الرجل عدوّا للمرأة. أمّا رواية "الكرسيّ الهزّاز" فكاد يستبدّ بها موضوع وحيد هو منزلة الأنثى في مجتمع الذكور.

و قد احتفت هذه الرّواية احتفاء شديدا بالجسد الأنثويّ. فصوّرته بلغة جريئة في أوضاع مختلفة هي أوضاع متعته و اغتصابه و إهانته. وكانت المتعة الأولى و البطلة في السابعة من عمرها تتلهّى بلعبة العرائس. فقبّلها ابن عمّها الطفل سامي فخدّرتها القبل. ثمّ لمّا أخذ في فرك "المكان الرطب اللزج" تحلّب ريقها و تسارعت دقّات قلبها. و في السنّ نفسها عرفت البطلة ألم اغتصاب العمّ و أخي المروّضة. إلاّ أنّ مرارة التّجربتين و انفتاح جرح في أعماقها لم يلتئم، كما تقول، رغم مرّ السنين لم يصدّاها عن الجنس و متعه. ولعلّها لم تحبّ في حياتها غير ذاك "الشيء" الذي ارتعبت منه لما رأته بنيّةً.

اغتُصب جسد البطلة و أهانه غيرُها. و قد ساهمت، هي بدروها، في إهانته. فقد أذلّته حين قصدت غريبا. و عرضت عليه جسدها لتتثبّت من عذريّتها رغم أن الطّبيب كان أكّد لها، حسب قولها، أنّ لها نفقا بلا باب بسبب "مطّاطيّة الغشاء الحارس". و قد أهانت جسد غريمتها المحامية ألفة فصوّرتها تصويرا ساخرا فيه تشفّ و شماتة. تقول: "كان [مجدي] ممدّدا و كانت فوقه. كان يدخّن و كأنّ ما تأتيه من صعود و نزول لا يعنيه. كانت تتأوّه و تئنّ و تلهث وراء متعتها."

لمنى حامد عبد السلام مواقف من المجتمع و من الحياة و الوجود. و لها مواقفُ و فكرٌ. و لكنّها كادت تتمحّض جسدا و كاد جسدها يُختزل في ما بين فخذيها. فهو موطن الألم والمتعة. و منه"تهطل أمطار الخريف" حين كان أبوها يصيح في وجهها أو حين تتذكّر قسوته و هي كهلة.

لقد استصفينا، لضرورة منهجيّة، موضوعي السياسة والجنس. و قد آن الأوان لننظر إليهما في سياقهما الطّبيعيّ أي داخل الخطاب القصصيّ. و مثل هذه النّظرة تمكّننا من الوقوف على ضرب آخر و أخير من ممارسة الحرّيّة.

3. حرّيّة اختيار البناء

السّرد في "مراتيج" سرد بضمير الغائب. و هو في "الكرسيّ الهزّاز" سرد بضمير المتكلّم. و لا يبدو لنا أنّ هذا الاختيار بريء. ففي "مراتيج" رغبة في رسم مسافة بين العالم المصوَّر و بين من تروي و من تكتب. أمّا في "الكرسيّ الهزّاز" فاختيار سرد شبيه بسرد السيرة الذاتيّة يرمي، في نظرنا، إلى التّأثير في المتلقّي وكسب تـعـاطـفـه و تأييده. إلاّ أنّ ما يشدّ في الروايتين هو تشابه بنيتيهما التّركيبيّتين. ففي كلتيهما رفض ومواجهة ومصالحة.

فجودة منصور عبرت البحر وحيدة رافضة نيِْر الأب الذي علّمهـا "ألاّ تـضـحـك و ألآّ تبكي، ألاّ تغضب و ألاّ ترضى" (ص15). و في فرنسا واجهت سلطـةَ بـلادهـا و تقاليدَ أهلها و تيّاراتٍ سياسيّةً طالبيّةً من أبناء تونس في باريس. و واجهت، في صمت، إعراضَ المختار عنها و تدخّلَ الهادي س. س في شؤونهما الخاصّة. و لمّا كان الزلزال في تونس طهّرتها المحاسبة كما طهّرت المختار. فتصالحا مع ما أنكراه سنواتِ النّضال السياسيّ أي طبيعتَهما البشريّةَ و انتماءَهما الحضاريَّ. و لم تكن المصالحة مع الجذور الحضاريّة وليدةَ تسليم بل كانت ثمرةَ إعادة قراءة واعية لمكوّنات الهويّة.

أمّا منى، بطلة "الكرسيّ الهزّاز" فرفضت سلـطـة الأب ونـظـرتـه إلـى الأنـثـى. و اختارت أن تمارس الجنس على الكرسيّ الهزّاز، رمزِ سلـطـة الأب و عـظـمـتـه. و تحدّت المجتمع و نواميسه. فسخرت من مؤسّسة الزّواج. و هجرت زوجها ليلة العرس. و ربطت علاقاتٍ جنسيّةً قبل الزواج و بعيده. و لأنّها تحبّ "عيشة الحرّيّة" فقد آلت على نفسها أن تشعل، على حدّ عبارتها، "شموعا: شمعة العشق و شمعة الجسد و شمعة الكلمة وشمعة الحياة". و بما أنّ حياة الشّمعة قصيرة فسرعان ما انكفأت البطلة على ذاتها تلعق جراحها و تطلب من أبيها غفرانا لن تناله. و انهزمت في المعركة التي تهيّأ لها مرارا أنّها انتصرت فيها. و خرجت منها بمصالحة مذلّة مهينة عبّرت عن بداياتها في وصفها موكب عرسها بقولها: "و بدا لي الموكب جنازة. و تأبينا لروح الأنثى فيّ، تلك التي عاندت طويلا و واجهت كثيرا. و أخيرا أسلمت رقبتها لعرف المجتمع. يصنع بها ما يشاء."

تشابه البناء و اختلف مصير الشخصيات الثلاث. و بدت الراويتان حرّتين تمام الحرّيّة في اختيار المواضيع و أنماط البناء. إلاّ أنّ فحصا مدقّقا لخطاب الحرّيّة قد يكشف غير ما يظهر.

4. مساءلة خطاب الحريّة

 تمتّعت كلتا الراويتين بحرّية بناء الحكاية. و لكنّ هذه الحرّيّة كانت مقيّدة بإكراهات الجنس و قواعده. فرواية "مراتيج" استعارت من رواية تيّار الوعي بعضَ تقنياتها. و أخذت عن الرواية الواقعيّة بعض أساليبها في تمثيل الواقع. و هي أساليب لها في "الكرسيّ الهزّاز" مكانة. و قد حاولت راوية "الكرسي" التّجديد. فاستخدمت ما يسمّى بالسرد على السرد (Métanarration). فشكّكـت في مـا تـروي. و محت ما كانت أكّدت وأكّدت ما كانت محت. من ذلك قولها: "لم أكن أدري ماذا رويت لمجدي؟ هل رويت ما حدث حقّا؟ هل حدث ذلك حقّا؟ هكذا تشكّلت الحكاية" و قولها: "وكنت طوال الطريق أتساءل: "ما الذي دفعني مرّة رابعة كي أغيّر في سيناريو الحادثة؟ هل هي ضبابيّة الذاكرة و نشاط الخيال هل حدثت الحكاية فعلا أم أنها أضغاث يقظة. أم ماذا؟"

 إلاّ أنّ هذه التّقنية واحدة من تقنيات القصّ الحداثيّ التي أصبحت لفرط استعمالها شبه قاعدة من قواعد هذا القصّ. ويمكن القول بالنسبة إلى الروايتين أنّ الاتّباعََ أي القيدَ الظاهرَ في طرائق البناء وصيغ التمثيل والتعبير يُدرَك أيضا في مستوى المضامين. فرواية "مراتيج" منخرطة في توجّه اختاره بعض الكتّاب التّونسيّين أوائل الثمانينات همُّه إبرازُ ما أسماه جان فونتان "فشل الأدلجة اليساريّة"[3]. وهو توجّه حاول محيي الدين حمدي كشف خلفياته في قوله: "لعلّ الكاتبة تنسّق آراء طائفة من فئتها عدلت في نهاية السّبعينات عن سيرها المتعارف المضادّ للشّائع لتنسجم مع المألوف و تمجّد مكوّناته وتستحضر الماضي الرّوحانيّ الذي يزيّنه الخيال المصدوم بخيبات الحاضر و تجارب التّمرّد الأهوج [...] إنّ عروسيّة النّالوتي سلفيّة الرّؤية في روايتها إذ هي تهدم حقائق العقل لإقامة حقائق الوهم"[4].

و لم تشذّ رواية "الكرسيّ الهزّاز" عن سابقتها. فالمواقف من القضايا المطروحة أشبه ما تكون بالكليشيات. و ذلك بسب انتشارها الواسع في نصوص الأدب و في المساجلات الفكريّة الدائرة في تونس و في خارجها. و بما أنّها كذلك لم تر الكاتبة غضاضة في أن تتناقض الشّخصيّة الراوية و لا في أن تجهر بتناقضها.

و لعلّ ما يلفت النّظر في الروايتين طموحُهما إلى تصوير امرأة حرّة معتدّة بحرّيتها و باستقلالها و إعادتُهما، في الآن نفسه، إنتاجَ أنموذج المرأة التّقليديّة الذي تزعمان محاربته. فجودة هي حوّاء الخالدة ببنطالها المخمليّ الأسود الذي يعتصر فخـذيـهـا و بمريولها الصوفيّ الفضفاض الذي يغطّي التّفاصيل (ص16). و هي جنس لطيف يشدّها إلى الرجل "ذاك الجانب المتنمّر فيه" (ص13). وهي ماكرة تنسج الأحابيل للرجل أو هي على حدّ قول الراوية: " كالعنكبوت تنسج حوله [المختار] خيوطا دقيقة متداخلة، كلّما حاول تخطّيها تعثّر." (ص13) و كلّ هذه المعلومات تأتينا عن طريق الرجل. فالمرأة حرمت حقّ الحديث عن الحبّ و الجنس. و ظّلت، كما هي في الفكر التقليديّ، موضوعَ رغبة يُصطاد و يُقنص و يُروّض و يُخضع.

أمّا في "الكرسيّ الهزّاز" فحديث الحبّ و الجنس وقف على منى. و قد توسّلت فيه بالتّصريح لا بالتّلميح. و اعتبرت علاقتها بالرّجل علاقة صراع لا يمكن أن ينتهي إلاّ بغلبة أحد طرفيه. و مع ذلك فكلّما انسدّت الأبواب في وجهها، و ما أكثر ما تنسدّ، سارعت إلى الرجل تبثّه همومها أو تطفئ نار جسدها الذي ما إن يلمح رجلا فحلا حتى تبلّلَه الرغبةُ على حدّ قول صاحبته. و في المقابل لا نجد لمنى صديقة بل إنّها لم تتورّع في وصف عشيقة مجدي بـ "الــ..." فكشفت أنّ الـمـبـادئ و القيم التي تناضل من أجلها إلى الطّلاء أقرب. و لعلّها ترى، في قرارة نفسها، أنّها لا تختلف عن هذه "الــ...". و لعلّ من أسباب فشلها و انكسارها كونَها غاضبةً متمرّدةً شأنها شأن المراهقين تعرف جيّدا ما لا تريد و لكنها تجهل تماما ما تريد.

الخاتمة

و في الختام يمكن القول إنّ كتابةَ رواية و نشرَها هما شكلان من أشكال الحرّيّة شأنهما في ذلك شأن اختيارُ المواضيع و الأشكال المناسبة لها. و لقد تبيّن أنّ هذه الحرّيّة لم تكن مطلقة. ففي الروايتين اتّباع. و في كلتيهما فرادة. و لعلّ ممّا يميّز بينهما المنطلقاتُ الفكريّةُ التي حدّدت التصوّرَ المـخـصـوصَ لـلـمـرأة و لـحـرّيـتـهـا و لعلاقتها بالرّجل. ففي "مراتيج" تشخيص لأزمة و اقتراح لحلّ لا يميّز بين المـرأة و الرّجل. و نحن لا نصادف فيها أيّة نزعة نسويّة أو جنسويّة. فمشاغل عروسيّة النالوتي، كما تتجلّى من الإيديولوجيا العامّة للرواية، مشاغل إيديولوجيّة سياسيّة. و هذا الاختيار يتماشى و موقف الكاتبة المعلن في أكثر من مناسبة. و منها مؤتمر الرّواية العربيّة بالقاهرة في فيفري 1998. و هو موقف نقله عنها الأستاذ محمود طرشونة بقوله: "و قد رفضت عروسيّة النّالوتي الوقوعَ في فخّ الخصوصيّة فرأت أنّها قضيّةٌ زائفةٌ لأنّ افتكاك الاعتراف عند الجيل السّابق من النّساء كان يستعمل الغضب بواسطة الأدب النّسويّ المباشر بينما الجيل الحاضر يريد افتكاك الاعتراف بواسطة قوّة الإبداع و الامتياز لا بالتّميّز. فإرادة الخصوصيّة في نظرها اعترافٌ غيرُ مباشر بالتّهميش و بمنزلة دنيا شأن الثّقافات المهمّشة و الأقلّيات المجتمعيّة المهمّشة "[5].

أمّا في "الكرسيّ الهزّاز" فنجد غضبا و انفعالا و تحدّيا صارخا و كلاما عاريا قد يكون صادما و نجد تمرّدا أهوج مسدود الآفاق. و كلّها شديدة الارتباط بالزاوية الوجوديّة الحقوقيّة التي طُرحت منها قضيّة المرأة. و هي وثيقة الصّلة أيضا بموقف شائع سبق أن عبّرت عنه رشيدة مسعود بقولها: "لا بدّ من التّأكيد على وجود خصوصيّة جنسيّة تلقائيّة فيما تكتب المرأة من إبداع باعتباره أدبَ "أقلّيّة مجتمعيّة" تعيش ظروفا خاصّة تنعكس على رؤيتها و تصوّرها للأشياء و العالم"[6].

وسواء انطلقت الكاتبتان من هذا الموقف أو من ذاك فإننا، كما يقول الأستاذ توفيق بكّار، "أصبحنا مع هذا الإبداع النّسائيّ ننظر إلى أنفسنا ومجتمعاتنا و تاريخنا بعينين اثنتيْن لا بعين واحدة ونعيها بعقلين و ندركها بحسّين. [فهو] إضافة متميّزة إلى الإنتاج الرّجاليّ [فيها] طرافة تلقي أضواء جديدة على واقعنا"[7]. و ما من شكّ في أنّ هامش الحرّيّة الذي تجلّى في الروايتين يظلّ هشّا و مهدّدا ما لم يكن وليدة حركة اجتماعيّة فكريّة واسعة المدى. فرواية "الكرسيّ الهزاز" لم يكتب لها أن ترى النـور و منزلة المرأة أصبحت، في مجتمعاتنا، وقودا لصراع سياسيّ إيديولوجيّ بين السّلط الحاكمة و تيّارات تنطلق من الدّين جعلت من المرأة و لباسها فرسَ رهان لها. و هو صراع قد لا تجني منه المرأة شيئا. و لكنّها تقبل اللّعبة واعية أو غير واعية. و هي حين تقبلها تقبل الأغلال والأثقال تحجبها من الرّأس حتّى أخمص القدمين. و ما يطلب إليها يفسّر على أنه حماية لها وصون لعرضها وضمان لجنّتها والحال أنّ الإلحاح عليه يختزلها في جانب من جوانب شخصيتها لعلّه ليس الأهمّ.

هوامش

[1] سراس للنّشر، 1985.

[2] طبعتها دار سراس للنّشر بتونس سنة 2002. و لكنّ الرقابة منعت نشرها. و لذلك اعتمدنا المخطوط و لم نحل على صفحاته.

[3] جان، فونتان، نهاية الأدب النّسوانيّ في تونس (بحث مرقون).

[4] حمدي، (محيي الدّين)، البنية الفنّيّة و الذّهنيّة في رواية "مراتيج"، تونس، (مجلّة) الحياة الثّقافيّة، العدد46، ديسمبر 1987، ص.ص. 110 -111.

[5] استشهد به الأستاذ محمود طرشونة في "إشكاليّة الخصوصيّة في الرّواية النّسائيّة بتونس" الصّادر ضمن المؤلّف الجماعيّ "الرّواية العربيّة النّسائيّة"، دار كتابات و "مهرجان سوسة الدّوليّ"، الطبعة الأولى، تونس 1999، ص.ص11.-12.

[6] المرأة و الكتابة، الدّار البيضاء، 1994 استشهد به الأستاذ محمود طرشونة في المرجع السابق، ص11..

[7] الرأي للأستاذ توفيق بكار استشهد به الأستاذ محمود طرشونة في المرجع السّابق.