Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

نص المرأة وفعل الكتابة، إرادة الذات و توقعات القارئ و قلق التأليف بين المتناقضات ...تلك هي أسئلة البحث في نص المرأة لمعرفة التقنيات الموظفة في إنجاز الخطاب الروائي النسوي و المكونات التي ترسم أفق المتخيّل أثناء فعل الكتابة، الذي يعتبر بحق فعل الكيان و مغامرة الوجود.

ـ هاجس الكتابة عند المرأة، و العلاقة المتوتّرة بين الذات و الآخر، و لعبة الجسد و اللغة الإحالية، أو ما يتعلّق بمستوى التعبير الروائي النسوي بأسئلته عن الذات و الآخر و المصير وفق مسارات الحكي المعتمدة على الترميز المستند على قواعد التخييل القائمة على مبدأ التحوّل خلف الإشارات و الرموز وتأويلاتها، حيث نلمس عبق السرد القديم والسرد الجديد المختلف بـاخـتـلاف الـعـلـوم و الـمـعـارف و باختلاف دور المرأة الكاتبة التي أصبحت فاعلة و مؤثّرة في استنطاق الـمـكـبـوت و تحريك السّاكن و اللعب على الفضاء اللغوي المستمد من الجسد المؤنث.

هذا التحوّل الأنثوي الفاعل في صياغة الذات و الواقع أعاد تشكيل الواقع في سياق نصّي مفارق جمع بين المتناقضات والمؤتلفات... هذا النص الذي حمّل بأصداء دلالية إضافية هو نص المرأة حيث الولع و المتعة و العذاب...

يعتبر القرن العشرون و ما تلاه فضاءا عصريا جديدا يتّـسـم بـمـظـاهـر الـحـداثـة و التحوّل و التّغيير، و لم يعد ذلك العصر التقليدي العتيق الذي يتّـسـم بـالـثـبـات و المراوحة نظرا لتلك الترسّبات التي تحجّرت في ذهنية الإنسان العربي و نظرته الأحادية المنغلقة... ذلك العصر قد ولّى و حلّ محلّه العصر الجديد الذي يشكّل إفرازا جديدا ومتناسلا للتحوّلات المتسارعة في المكان و الزمان و الإنسان، و من ثمّ المجتمع في نظامه و ثقافته و حركته و سكونه و قضاياه الـفـكـريـة و الـسـيـاسـيـة و الإيديولوجية.

و إذا كان الشّعر هو ديوان العرب في وقت مضى، فإن الرواية هي ديوان العرب في الوقت الراهن لما تتمتّع به من قدرة على الإلمام بالمجتمع و مواكبة مستجدّات العصر، فالرواية هي الأكثر قدرة على تحرّي رؤى العالم و آفاقه، و تقدّم تصورا أشبه بالمعالجة وفق خطّة فنيّة تمّثل قمّة العملية الإبداعية.

و لا يتوفر ذلك إلا بالمرجعية التي يستمدّ منها القاص مادّته الحكائية، و يوظّف خلفيته التاريخية لتغذية السرد و تحريكه، كما يمثّل الواقع مرتعا خصبا للالتـقـاط و صياغة المشهد الروائي.

فالرواية أصبحت ذات حضور أقوى مما كانت عليه، خاصة بعد ما دخل العنصر النسوي في مجالي القصة و الرواية وثبت حضوره الفعلي كذات فاعلة في الخطاب الروائي و ليس مجرّد موضوعا منظورا إليه.

و من هنا كان البحث حول "الكتابة النسوية" التي ساهمت بشكل أو بآخر في تنوّع و تطوّر التيمات و المتون الحكائية، كما ساهمت في كشف الغطاء عن المناطق الخفيّة المعتّمة، ونبشت في تلك الأخاديد السرّية للوقائع والأشياء، و أظهرت للواجهة تلك الدهاليز المسكوت عنها و اللامفكر فيها.

فالرواية النسوية أزالت الهيمنة الذكورية وخرجت عن دائرة الشيئيّة والاستهلاكيّة لتفرض كيانها و وجودها ككائن مستقل بمنظورها و رؤيتها و زاوية التقاطها و اهتمامها كلها عناصر حاضرة في السرد النسوي.

هذا الصوت الذي كسّر زمن الصمت و اندمج في عالم الكتابة مفجّرا تلك المناطق المطمورة في الذاكرة لما يحمله من رؤية خاصّة جعل إبداعها متميّزا محتضنا لاستعمالات فنيّة جديدة... و من هنا كان البحث قائما على المرتكزات التالية... آليات البناء في الرواية النسوية، و البحث عن تلك التقنيات التشكيليّة التي تستعملها المرأة في بناء الرواية، و طبيعة موقع الذات في الحكاية، و بؤرة تفجير الأسئلة المضمرة ثم البحث عن التنوّع و الخصوصية التي نلمسها في النص و لا شيء غير النص، كتجسيدها للعوالم التخييليّة و موقعها كذات فاعلة و منتجة للخطاب تكتب جسدها قبل أن تكتب ذاتها، و يبقى البحث حفر و نبش في تلك الأسئلة الممكنة التي تستفزّ النص و تجعله حيّز تفجّرات و ملتقى مسارات و أنهارا جوفية من الدلالات، و تبقى حركية المعرفة تساؤلا و تجاوزا و كشفا و تثويرا...

و تبقى فكرة البحث في سؤال الكتابة عند المرأة من خلال الرواية كعمل تطبيقي يحكّم النصوص و يصغي لأدق جزئياتها، و قد شجّعنا في ذلك وفرة إنتاج المرأة العربية الروائي، فكان لزاما أن نتوقّف عند مسار السرد النّسائي العربي بغية الإجابة عن أسئلة يفرضها السؤال الإبداعي الذي تشتغل عليه الدراسة "الكتابة النسائية و النص الإبداعي" من خلال الإصغاء لصوت المرأة و آليات بنائها للرواية إقرارا بالاختلاف و الخصوصيّة الذي لا نجده إلا في عالم المرأة الداخلي الذي لا يعرفه سواها ... و من يحسن الإصغاء لنص المرأة يلمس سراديب النص الأنثوي ووعيها الخاص في مواجهة الآخر انطلاقا من عالمها الحميمي القريب منها. 

ولا يخفى على أحد أن الإبداع والكتابة توّلدان الحياة من ظلمة الفقد و الـغـيـاب، و الرواية تحقّق للمرأة المبدعة شيئا من تشكيل ذاتها الحقيقية داخل فعل الكتابة، بينما الرجل لا يرى المرأة فكرا واعيا بل يراها جسدا ناميا و هذا ما تؤكّده جلّ الأعمال الإبداعية الذكورية، الذي فرض على المرأة الاختفاء وراء جدار الذات وما كرّسه التراث في التنقيص من شأن المرأة وتغييبها وراء حجب كثيفة مطلقا العنان للفحولة تتكلّم بلسان المرأة بل حولتها إلى سلعة قابلة للاستهلاك أو رمز من الرموز، و من هنا كان النص الذي تمارسه الأنثى في علاقة مستمرّة بين ثنائيات مـخـتـلـفـة و مؤتلفة كالحاضر و الغائب... الموت و الحياة... العدم و الوجود.. . و قد انعكس في أغلب المتون السردية النسوية، حيث نجد المرأة في السرد تشغل موقع الفاعل لا موقع المفعول، هذه الذات الفاعلة التي نلمس فيها الخلاص و الانطلاق و التحرّر من الكبت وسجن الظلّ والظّلام. وتنطلق المبدعة كمارد خرج للتوّ من قمقمه لا يترك صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها مهما كانت تفاهتها من خلال اللّغة التي تبلغ درجة عالية من البوح الذاتي متحدّية تقاليد المجتمع من خلال تمرّدها على تقاليد الكتابة، حيث يتداخل و يتمرأى دور المبدعة في متنها الحكائي الذي يبدأ من أدقّ الانشطارات الذاتية في علاقة الذات بالذات وصولا إلى الآخر المختلف، حيث يلعب التخييل فيها عامل الثّقل والقوّة، كما تمثّل التحلية الجنـسـيـة عـن طـريـق الـرمـز و الإيحاء البؤرة المركزية في الروايـة حـيـث الـتـنوّع و الإثارة.

فالمرأة تكتب بجسدها قبل أن تنقل جسدها على الورق حيث يعكس الجسد براعة رسمها و براعة اختيارها قبل المباشرة برسم متن سردها الروائي و ما يحمله من تساؤلات و إحالات إلى الواقع و التاريخ.

و إذا كان بناء الذات جسدا و روحا بواسطة الصورة و أفعال التصوير، فإن المرأة أحسنت المحافظة على تلك المسافة بين الذات و الجسد.. الظاهر والباطن... و ما يصحبه من تحوّل و تغيّر و إبدال مشيرة إلى القرائن المصـاحـبـة لـطـقـوس الـخـفـاء و التجلّي مازجة بين الرغبة و الرهبة و الدهشة... و كيف لا و المرأة فيض من العواطف و المشاعر و الأحاسيس أهّلها تكوينها البيولوجي المخـتـلـف عـن الـرجـل و عاطفة الأمومة المفعمة بالحبّ و الرغبة والعشق.

و إذا كان جسد المرأة هويّة علامات يحمل من العتبات ما يسمح ببناء التأويل، فالمرأة حين تكتب بجسدها فهي تفرغ ما يحمله هذا الجسد ظاهرا و باطنا، فكتابة المرأة هي كتاب المحو بالمعنى الصحيح لتتجسّد عبر النص صورة حية نابضة بالحياة.

فكتابة المحو عند المرأة مصاحبة للذّة التشكيل و متعة الابتهاج، حيث تقول أنا هنا... أنا موجودة.

فالكتابة عند المرأة هي استجابة لنداء الحضور الذي يشخّص بين الجسد و ظلّه عبر النص الذي يبقى شغله الشاغل و صورته النموذجية المفضّلة رفع الجسد من الحس إلى التجريد والانتقال به من عالم الأسرار إلى عالم الأنوار، و قد يبقى الاتصال و الانفصال بين الجسد و الذات قطب الرواية و مضخّتها الحرارية التي لا تنضب.

و قد أدرك الوعي النسائي في الرواية العربية أن فلسفة الحياة لا تنبثق إلا من خلال الحبّ والعشق و الموت لتبدأ الحياة، ولذا تتمفصل العلاقات المضمونية في الرواية النسوية عموما بين تلك الثنائيات التي سبق ذكرها ...بين قطبي الموت والحياة مثلا...، الدال الحاضر الذي يرمز إلى المدلول الغائب...، و قد تأخذ الكلمة قيمتها من الإيحاء الذي يسمح بتعدّد المعنى انطلاقا من نفس الكلمة، و قد أثبتت المرأة المبدعة قدرتها على استعمال الرموز المشعّة في النص المتعددّة التأويل عبر آلية التحرك الرمزي بين المفهوم العام للنص و الوعي الداخلي المطروح "للرؤية".

وإذا كانت المرأة المبدعة قد أحسنت في وعيها الكتابي بين الحياة والموت، الحضور والغياب، فقد أحسنت أيضا في ثنائية الجسد والروح، فرسمـهـا لـلـجـسـد و تحميله بتلك العلامات والإشارات المضيئة التي تسمح بالنفاذ إلى الروح الداخلية تجعل نص المرأة جسدا مزوّدا بالإضاءة الكاشفة للنفاذ إلى دواخل الشخصيات، هذا الرحيل داخل الذات تحسنه المرأة حيث تجبر ذاكرتها على طرح مخزونها، وهذا ما يعرف عند النقاد باسم التداعي الذي يغلب على دلالة الخطاب النسوي وسياقه، فيجعل حركة السرد ضمن الحركة الدائرية من الذات إلى الذات و من الخارج إلى حميمية الداخل، و قد تهاجر بنا نحو الغياب هذه الحركة الدائرية تلغي الزمان والمكان، فتبدو حركية الرواية ضمن زمن سيكولوجي خاص، يعطي للغة قوّة تعبيريّة ومضامين مشحونة، كما أن الاتصال و الانفصال بين الواقعي و المتخيّل يدفع بحركية السرد على ممارسة سطوتها و قوتها.

قد يتبادر إلى ذهن السائل أن التّداعي و الاعتماد على الذاكرة يوجد في الرواية الذكورية أيضا و هذه حقيقة لا جدال فيها، لكن ما أثبتناه من خلال النصوص الروائية السنوية خاصة المغاربية منها يثبت أن البوح و الانغلاق على الذات ظاهرة جلية في الرواية النسوية التي تحسن الإصغاء للجسد و الذات و تحمل رؤية للخارج من خلال الداخل في استيهامات الذات و بنوآتها في الحلم و اليقظة و تبقى عملية السّرد نوازع و رغبات و هواجس تجعل نص المرأة مفتوحا على الداخل في شبه دوائر حلزونية معتمدة على طاقة الذات التخييليّة يؤطّرها الجسد في بناء و توطيد الجسور العبورية بين الداخل و الخارج.

انفتاح النص على الداخل يعتبر المخرج الوحيد للمرأة التي تسكن جسدها في حركة شبه مغلقة، و يبقى الممرّ الوحيد هو العبور من الجسد إلى الذات و من الذات إلى العالم.

هذا الانفتاح الداخلي يحرّر المرأة من الرقابة و يفتح العنان لمكبوتاتها بعيدا عن المخاوف و الأوهام و الكوابيس و تبقى حركية السرد بين التداعي و التذكر و البوح الذاتي.

هذا السرد المفتوح نحو الداخل يمنح فاعلية للأنثى أكثر، و يجعلها قادرة على الاختراق و التجاوز والكشف و الإضاءة للكثير من الجوانب المضمرة المعتّمة.

ففي رواية - زهور كرام / قلادة قرنفل- تنفتح الساردة على الداخل المغلق ... تحفر في النفس البشرية تقاوم جبّة العمّة تعمل على التغيير و التجاوز[1].

هذه الرواية كغيرها من الروايات النسوية الأخرى في مناطقة مختلفة نذكر على سبيل المثال "رواية ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي حيث الاعتماد عـلـى الـذاكـرة و الانغلاق على النفس هو مفتاحها في العملية السردية، حيث تحضر المرأة بوصفها صوتا رئيسيا وصوتا بطوليا في الرواية النسوية تعمل على الاختراق و التجاوز متمرّدة على الكثير من القيود الاجتماعية.

فالانفتاح على الداخل يحرك عملية السرد ضمن الخطيّة الأفقية التي تكون أقرب إلى الحوار المونولوجي الذاتي الذي يترصّد أصداء اللوعة الدفينة في أعماق الكاتبة، فتشكّل نواة دلالية تنشطر على ذاتها لتنبت في النص و تتوزع في نسيج بنائه وتتوالد في خلاياه مكوّنة مجموعة من المتتاليات السردية المتناسلة، هذا التحوّل هو المفصل الحركي التوليدي في السرد النسائي.

"فالأصل في الحياة هو الحركة المنبثقة من دور الطبيعة ذات التحوّل الأبدي"[2].

وإذا ما تأملنا كتابة المرأة تتجلّى معمارية النص الذي يهيمن عليه الحوار الداخلي، نلمس انشطار الذات المتكلّمة إلى ذاتين، ذات محدّدة وفق شروط الهوية وما هو متعارف عليه، و ذات متكلّمة تخوض مشروع التغيير من خلال أسلوب التداعيات واستحضار صور الماضي/الذاكرة "حين يصاب القارئ بالملل و الانغلاق في لغة الهذيان و الزمن الدائري"[3].

و حتى تكسر المرأة هذه الرتابة تتناوب الأدوار من الذات إلى العين إلى الصوت، و تتقدم أعضاء الجسد الأكثر سحرا وترميزا ودلالة لملاحقة الدلالات الهاربة أو المغيّبة بشيء من التلميح والتصريح مشكّلة دلالات نصية تحمل امتدادات نورانية لدفع السرد وتجديد قوّته الدافعة بشيء من الأغراء والإثارة، و لا عجب في ذلك، فالمرأة بفطرتها وسجيتها تحسن سحر الهروب والملاحقة، الظهور والتخفّي، مستخدمة أقنعة كثيرة شفافة هذه الأقنعة تساعد في تعددية لغة النسيج السردي الذي يلمّح أكثر مما يصرّح بشيء من المراوغة تحسنها المرأة المبدعة و "تبقى المرأة أهم حافز للكتابة السردية المتولّدة من جسدها على وجه الخصوص، وما يفضي إليه هذا الجسد من شبق وجمال وشر ورمز"[4].

ولو تأملنا بعض الروايات النسوية المعاصرة نذكر على سبيل المثال "تاء الخجل" لفضيلة فاروق و هي روائية جزائرية ناشئة.

هذا العنوان يعبر عن متن الرواية المرتبط بالقهر و الظلم والتعسف، تعالج فيها الكاتبة صوت المرأة المختنق.

تاء الخجل تعبر عنها الكتابة في بداية متنها "منذ العائلة... منذ المدرسة... منذ التقاليد منذ الإرهاب كل شيء عنهن تاء للخجل.[5]

ستوقفنا هذه التاء، تاء المؤنث في اللغة العربية تحتلّ الدرجة السفلى أو الدرجة الثانية بعد المذكّر المتعالي، و لو عدنا إلى ضمائر اللغة أنا. أنت. أنت.

نجد ضمير المتكلم "أنا" بألف مدّ طويلة يعانق السماء و يحمل من السموّ والرفعة و التبجيل ما يجعله واقفا فوق الجميع، و كيف لا وهو مصدر الخطاب و الزعامة... ثم يأتي في المرتبة الثانية المخاطب المذكر أنت وهو أقل درجة من ضمير المتكلم "أنا" بصفته مصدر الصوت ومصدر الأنظار ومصدر الأوامر ثم بدرجة تراتبية أقل يأتي ضمير المؤنث "أنتِ" مع خفضه أي مع نزوله والتصغير من شأنه صحبة حروف مكتومة خانقة للأنفاس[6].

فحتّى اللغة قلّلت من قيمة المرأة ومن قدرتها و وزنها و ألجمتها على التجوال في تفاصيل الكلمة و دقائقها بينما أتيح للمذكر مجال التحرّك بشيء من الحرية الممكنة التي تؤهّله للهيمنة و السيادة وهذا ما يذكرنا بما قالته "الروائية" أحلام مستغانمي في مثل هذا المعنى "أنثى عباءتها كلمات لا تصل حتى إلى ركبتي الأسئلة..."

لكن الشيء الذي نحن بصدد دراسته هو تحرّك الأنثى الساردة من خلال فاعلية الجسد الذي يزوّد حركية السرد نحو الاندفاع و الحركة مع كثير من المواربة الرامية إلى التغطية و الكشف أو الموقع الذي يستحسن الوسط بين التستّر والعري "فالعري الأنثوي على سبيل المثال معطى طبيعي معروف لدى أيّة أنثى و لكن النظر إليه من خلال قناع لغوي أو قناع واقعي كالثوب الشاف مثلا، يحوله إلى مركّب ثقافي تتدخّل فيه الفعالية الإنسانية"[7].

وإذا كانت المرأة تستخدم الثوب الشاف في عملية السرد فهي تمارس العري بشيء من الضبابية مبرزة مفاتن الجسد قصد إغراء الآخر وإثارته وتحقيق لذّة الاختراق و الالتحام بالآخر المذكر.

العري في إطار القناع الذي يراد به الكشف أكثر من الحجب و التستر هو الذي تريده المرأة و تسعى إليه بكل طاقتها اللغوية لتعبّر عن عنفوان رغبتها الدفينة بكثير من المجاز و كثير من الأقنعة.

و هذه ظاهرة نجدها في الرواية النسوية بكثرة، نذكر على سبيل المثال لا لحصر مقطع سردي لأحلام مستغانمي تقول فيه " هو يعرف كيف يلامس أنثى تماما كما يعرف ملامسة الكلمات بالاشتعال المستتر نفسه، يحتضنني من الخلف كما يحتضن جملة هاربة، بشيء من الكسل الكاذب فأبقى متّكئة على الجدار حيث استدرجني منذ البدء، و قد خدّرتني زوبعة اللذّة، دون أن أسأل نفسي، ماذا تراه فاعلا بي ؟ أم تراه يلغي لغتي ؟

ما نلاحظه جملا مكثّفة ومشحونة تمثّل الرغبة بؤرتها الساخنة حيث تلتقط الساردة النوابض الخفيّة في جسد المرأة التي تمثل علامة دالّة تحمل شحنة خاصّة منتقاة من صميم عالم المرأة الجنسي بدليل أن النص يـتـنـفّـس هـواء هـذا الـجـسـد و حرارته، و يستعيد أصداء تلك الحرارة من خلال الحفر فـي تـضـاريـس الـجـسـد و الروح واستشفاف الألم الإنساني العميق داخل طمي الجسد و إدراك العين النسائية له، فالسرد يحسن الإثارة و ينوعها حتى في أبسط الأشياء، و إذا كانت الكتابة النسوية ترّغب في استخدام الأقنعة المتراكمة فإنها أيضا ترغّب في المكشوف العاري.

"فالثوب - الكلمة موجود من أجل أن يكشف و ليس من أجل أن يغّطي، الشاق أو الثوب الشاف في هذه الحالة تعرية أكثر إثارة من العري الطبيعي"[8] فلذة النص هي شعلة تّتقد في جسد الأنثى تجسّده عبر الكتابة حين تنفلت الكلمة من مدلولها المتعارف عليه لتعانق عشقها للفعل الشعري الذي يحّول الدوال إلى مدلولات واسعة الإيحاء حيث تكسر المرأة المبدعة ثوابت الضوابط الوضعية للكلمة و تجعلها تسبح بالاحتمال و التعدّد.

و إذا ما بحثنا عن علاقة المرأة بالكتابة و تفاعلها مع الحكاية حتى تلد رواية فور كتابتها.

- المرأة تحبل بالحكاية تحتضنها تحملها في أحشائها مضغة فعلقة حتى تكتمل و تنضج لتلد رواية عبر الكتابة. الحكاية كما هو معروف عند الباحثين و النقاد تسير وفق خطّ تتابعي مستقيم بينما الرواية تتلاعب بالزمان و المكان، و في العادة تبدأ من حيث انتهت الحكاية و هنا يحدث التماسك النصّي على مستوى السيّاق بين اللحظة الآنية وقت كتابة الرواية و بين الماضي ماضي الحكاية.

إحكام السيطرة على هذه العلاقة يمثّل عاملا تقنيا بنائيا في نجاح الرواية أو فشلها.

- هذا ما نحاول البحث عنه في مجال الرواية النسوية التي تحبّذ الحكايات المتناسلة من بعضها البعض و تجتمع في بؤرة مركزية تمثل مدار الرواية .

- المرأة حين تمتزج بالكتابة تتفاعل معها جسدا و روحا و دما، و تعني بالضرورة إفراغ الجسد ظاهرا و باطنا على الورق.

و إذا كانت المرأة تعتني بجسدها، فهي أيضا تعتني بتشكيل نصّها الإبداعي.

يحضرني هنا مقطع سردي لكاتبة روائية مغربية تسمى " زهور كرام " تحكي عن تفاعلها و مخاضها مع الكتابة تقول فيه:

أخرجت أوراقا بيضاء من درج المكتب، و هممت بالكتابة، تركت نفسي مسترسلة مع الورق لم أرفع عيني لم انتبه إلى زملائي الذين يدخلون و يخرجون دون أن أردّ عليهم التحيّة، منكبّة أنا في التهام الحروف، أجمعها أرتّبها أشكّلها جملا صارخة.بي رغبة للإفراغ ....كأنّي أحمل أثقالا ...كأنّي أرفع أحجارا ....كأنّي أتطهّر ...أكتب ثم أكتب ...عيني على يدي ...يدي على الورق...و الورق تحتلّه جمل أراها تشعّ...تبتسم ...تحكي....هم يدخلون ويخرجون و أنا منتشرة بين الحروف أعانقها...أيعقل أن يلد العشق كل هذه القوة ...[9] .

الكتابة عند المرأة المبدعة تمثّل رغبة جامحة في إفراغ المكبوت أو المسكوت عنه.

الكتابة جهد ومشقّة و ألم كما هي مخاض و ولادة إن لم نقل تفاعلا و مضاجعة مع النص المكتوب إلى درجة الذوبان و الانصهار.

فالنص النسوي كما يلاحظ مشحون بطاقة توتر عالية فيه خرق و تجاوز و انزياح لكثير من الرموز المستمدّة من الجسد.

هذا الجسد الذي ينفث بركانه و صواعقه وزلزاله على الورق فور الكتابة فتخرج جملا سردية تحمل من العلامات و الدلالات و الرموز الشيء الكثير.

و قد يتلاشى هذا الجسد عبر الكتابة ذرّات صغيرة مجزّأة يستطيع القارئ الحاذق لملمته و إخراجه من تحت الرّماد شهابا مشتعلا.

- نص المرأة كسّر جدار الصّمت بكلّ تأكيد و أثبت وجوده و فاعليته كطاقة مغيّبة ظهرت لتقف في وجه الهيمنة الذكورية، بل جاءت لتحرير الذكورة من العوائق التي كبّلتها وكبّلته لا على أساس التجاوز و الاختراق بل التّعاون و التّفاهم و التنّوع والتكامل - صوت المرأة من خلال الرواية النسوية تمكّن من مساءلة العوالم الدفينة وتعريتها و محاورتها و تجاوزها بلغة إبداعية طافحة بالشعرية وصلت إلى المناطق الغامضة و المظلمة في الذات الإنسانية عن طريق الحفر و النبش المستمر لاستخراج مكنون النفس حيث تنفجر طاقة الذات الداخلية مشعّة معرّية و فاضحة لّكل الزيف الخارجي.

- ما يلفت الانتباه في الكتابة النسوية هو تلك المحافل السردية المختلفة حكائيا و المؤتلفة دلاليا حيث نجد حكاية مركزية. تمثل بؤرة الروايات تتناسل منها حكايات فرعية أخرى تصبّ في مجرى واحد، و هذا ما يساهم في بناء الرواية على الصعيد الدلالي المشترك حيث تتداعى إلى المخيّلة عوالم قص متنّوعة بتنّوع الشخوص و الأزمنة والأمكنة بدون أن تخرج عن مدار الرواية رغم تنوع التيمات و المتون الحكائية التي تجد مرتعا خصبا في هذا التنوّع الذي يكسبها كثافة و قوّة ورمزيّة مستمدّة من وحي الأنوثة في نحتها وصياغتها للعلامات النصّية التي تضخّ الدم حارا في أوردة الرواية و تجعلها حقيقة متميّزة و مختلفة.

- صياغة المشهد الروائي عند المرأة المبدعة يخضع لخصوصيتها النسوية و تكوينها البيولوجي المختلف حيث يغلب دفق الأحاسيس و المشاعر فتوظّف اللمس و الشمّ و النّظر و الإحساس و الحلم في عالمها المتخيّل، فنجد المرأة تعطي جل عنايتها السردية للتفاصيل الصغرى و الجزئيات المهمّشة و تقترب من البوح والنجوى في تجديدها و توليدها للأساليب و الأنساق وفق لغة دافئة و موحية، كما نجد سرد المرأة يسترّق العين و السمّع و الحس لما يصدر مـن الـجـسـد و الـوجـدان و ماهو مخزّن في الذاكرة و اللاوعي فاتحة المجال للتخيّل و التأمّل و القول أداتها في ذلك الكلمة الرائعة و البسيطة و المبدعة كاشفة عن تضاريس و خبايا اللغة القريبة من تضاريس جسدها و جغرافيته، ومن هنا تتجسّد بلاغة القصّ كمؤشّر يلخّص تجربة المرأة مع السرد.

مرونة المرأة مع السرد يذهب بها صوب الاسترسال و الكثافة الشعرية أحيانا حين تستسلم لغواية اللغة وسحرها فتنحت نصا قريبا من ذاتها و من جسدها. فنص المرأة يترك بصمته ووشمه على جسد الكتابة و القول ويضيف نكهة جديدة نلمس فيها رائحة الأنثى و جاذبيتها و مجال اهتمامها لا نجدها في الرواية الذكورية بدون شك.

- من خلال بناء الرواية و معماريتها نلمس عمق الداخل مع التصعيد الأفقي الذي يجنح باتجاه الذاتية و العاطفية و الخيال، كما نلمس القدرة على ترصّد الجوانب الجوّانبية الملغومة و المتوّترة بين الأنا و الآخر، الهي والهو، أنت، أنتِ، كما نجد تيمة النص غارقة في تلك النوابض الخفية، عبر اقتصاد مكثّف للغة، وبرنامج سردي موزّع طولا وعرضا، ولغة قصصية مرهفة تحمل الكثير من الحوافز المثيرة و المغرية في تأسيس حبكتها الفنية و إيقاعها السردي.

ـ البؤرة الساخنة في الرواية النسوية و نواتها الحكائية و الدلالية تنزل بثقلها على جسد الرواية مشخّصة دقّات القلب التي تمثّل دقّات الجسد. فالنص ماسكة بأعنتّه، ويبقى السرد لأحوال طقس المرأة المبدعة داخليا، بحيث يستمد المدّ والجزّر و التداخل و التقاطع، تتخلّلها وقفات أو محطّات سردية تسمح بجسّ أصداء الحكاية وشحن تلك العوالم الحكائية التي تؤطّر تلك النصوص.

ـ "إن عملية الكتابة في حد ذاتها لا تختلف بين الجنسين لكن الموضوعات وزوايا النظر والحساسيات تختلف، لذلك نجد الكتابة لدى الرجل تتأثر بخصوصيات غير خصوصيات المرأة، فإذا كانت الكتابة تتلون و تتأثر بعوامل تكوّن الشخصية الفردية و الجماعية، فإن من نتائجها أن تكون كتابة المرأة مختلفة عن كتابة الرجل في هذه التكوينات الخاصة، و للمرأة زوايا نظرها وموضوعاتها و مواقفها التي أكسبتها إياها تجربتها الفردية ...."[10].

لذلك نجد في المتون الحكائية للسرد النسوي محاور مشتركة لا تخرج عن مقاومة التسلّط الاجتماعي و النفسي، وتشكيل النص القريب من روح الحياة الواقعية التي تعيشها المرأة و محاولة تهشيم الذكورة أو تعريتها و كشف غطاء هيمنتها المتسلّطة، كما نجد أغلب المؤشرات الحكائية للمرأة حول الهوية و الخصوصية المحلية، ومحاولة وصف الفضاء الذي يحتوي المرأة بغرفه و جدرانه و أرصفته وهوامشه و هي في كلّ هذا تقرأ تضاريس هويتّها و تبدع في سرد أسرارها حكائيا، و كأن المرأة مطاردة بكائن ما يسكنها منذ الأزل، فلا غرابة أن نجدها منهمكة في البحث عن و عيها الخاص و مواجهة الآخر سبب أزمتها و أزمته انطلاقا من ثقل العادات و التقاليد و الأعراف الاجتماعية التي تمثل عائقا في طريق المرأة و الرجل على السواء، فتحرير المرأة لا يتأتّى إلا من خلال تحرير الرجل الأسير، فتحرير الآخر هو جزء من تحرير الذات، وهذا ما تطرحه الروائية زهور كرام في روايتها " قلادة قرنفل" حيث نجد الساردة الصحفية ابنة الأخ تعيش في عائلة كثيرة العدد تتحمّل المسؤولية فيها " العمّة " صاحبة الأمر و النهي والتزويج و التطليق وهي الكلّ في الكلّ، فحتى الذكور بما فيهم صالح الابن الأكبر بقي في" جبّة العمّـة" لا حـول لـه و لا قوة .

ـ الساردة في الرواية تعمل على التغيير من خلال التمرّد على سلطة العمّة قصد تحرير " صالح " من أسره و إخراجه من القيود التي كبّلته[11].

ـ فتحرير المرأة في هذه الرواية لا يتوفر إلا من خلال تحرير الرجل.

ـ المرأة المبدعة في عملها الروائي أحسنت قراءة التراث قراءة تثويرية، قائمة على استدعاء الشخصيات لماضيها الأليم، وفق المشهد السردي المحبوك و المؤثّر وفق جاذبيته الأنثى القائمة على الحبّ و العشق حيث تنشط الذاكرة في تشغيل مخزونها اللغوي مفجّرة المكبوت و المسكوت عنه عبر الصعود و النزول في مدارج الخيال و التحرّر من قيود المنطق.

ـ الخطاب السردي النسوي ساهم بدون شك في إثراء عالم الرواية بشيء من الخصوصية و التميّز الذي جعلنا نقف عند الكثير من الأشياء التقنية في بناء هيكل الرواية و نواتها الحكائية كالعين القصصية، و زاوية الرؤية، و المنظور، واختيار المشهد السردي، و كيفية تكسير خطّية السرد و استعمال المنولوج والانفتاح على الداخل، و استعمال الإشارات و العلامات الموّزعة على مدار مساحة السرد، هذه العلامات تأسر و تحرّك شجون الرّغبة في تلك العلاقة القائمة على التجاذب بين ما يبثّه النص من مفردات وبين ما يفتش عنه المتلقّي.

ـ هنا تتجسّد فاعلية النص برغبة المتلقي، خاصّة حين توفّر للمرأة المبدعة الربط بين الجسد / النص / التلقي و المحافظة على تلك المسافة التي تمثل الجسد النصّي وخلاياه بدون إهمال القارىء الضمني أو القارىء المفترض.

ـ تقنية المسافة هذه استوحتها المرأة المبدعة من جسدها كأنثى، و الطرف الآخر المقابل، ثمّ نقلت هذه التجربة من حيّز الجسد إلى النص الذي أصبح امتدادا لجسدها، هنا نلمس تفجير أشياء الجسد كهوية مختلفة لاختراق جدار النص، عن طريق لغة قائمة على الإيحاءات و المجازات و الصور مكسّرة نمطية التوصيل المباشر لتحلّ محلّها لغة الاستبطان الذاتي التي تربط بين الجسد والمتخيّل، و أسئلة الجسد و الكتابة الذي يفتح بدوره بناء التأويل عن طريق العلامات السردية التي تساهم في بناء المتخيّل و تربطه بمدلولات موازية تتحكّم في النص و تستدعي التأويل.

ـ لن أجازف بالمغامرة إن قلت إن الرواية النسوية تتجدّد باستمرار و في كل مرّة تفتح أفقا جديدا للتأمل و التخيّل و القول .

ـ و إذا كان نص المرأة هو نص جسدها لما هو لصيق بالجسد و الذاكرة و للاوعي و الوجدان، فإن نص المرأة أيضا يجيد لملمة الذّيول والهوامش المنسية و يجيد استراق الأذن و العين، و تسقّط الخلجات و التداعيات الدفينة المبطّنة في تلافيف الذاكرة و الوجدان.

ـ و تبقى بلاغة القصّ عند المرأة متمثّلة في البوح و النجوى، و تبقى حركية السرد قائمة على الكلمة الفنية المحبولة بالمعاناة و الصدق حيث الكثافة الشعرية

هوامش

 [1]ينظر كرام، زهور، قلادة قرنفل، الدار البيضاء، رواية مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 2004.

 [2] درويش، أ.سيمة، مسار التحولات، قراءة في شعر أدونيس الطبعة الأولى، دار الأداب، ص.273-92.

 [3]د كرام،.زهور، السرد النسائي العربي، مقاربة في المفهوم والخطاب، الدار البيضاء، الطبعة1، 1424-2004، ص.180.

 [4]د. مناصرة،.حسين، المرأة وعلاقتها بالاخر في الرواية العربية الفلسطينية، المؤسسة العربية، الطبعة الأولى 2002.

 [5]فاروق، فضيلة، تاء الخجل ط1، 2003، رياض إدريس، بيروت، ص.1.

 [6]ينظر "حسن، العباس"، الحرف العربي والشخصية العربية، دمشق، دار أسامة، ط15، 1992 ص.ص. 135-341.

[7] صلاح، صا لح، سرد الآخر الأنا و الآخر عبر اللغة السردية، المركز الثقافي العربي، بيروت لبنان ط1،ص. 203، الدار البيضاء المغرب، ص. 161.

 [8]صلاح، صالح، سرد الآخر، الأنا و الآخر عبر اللغة السردية، ص.161.

[9] كرام، زهور، رواية قرنفل، ص.96

[10] معتصم، محمد، المرأة والسرد، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، الدار البيضاء، 2004، ص.131

 [11]ينظر كرام، زهور، قلادة قرنفل