Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

مما لاشك فيه أن انتشار الأدب النسوي و تجليه في الحقل المجازي سواء في البلدان المغاربية أو في غيرها من البلدان الأخرى بات باديـا للعـيـان بـشـكـل قـوي و واضـح، و يتأكد حضوره الفعلي يوما بعد يوم، و لكن ما عسانا أن نذكر من قضايا حول هذا الإنتاج الأدبي؟

في الحقيقة، لا نستطيع أن نقر بما يبدو لنا بديهيا و هو أن هذه الكتابات أضحت تحتل مكانة لا يستهان بقيمتها داخل المجتمعات المغاربية. فلهذا الأدب أسماء كثيرة، أثبتت و لا تزال تثبت وجودها و فعاليتها، و نذكر من تلك الأسماء على سبيل المثال لا الحصر : آسيا جبار، أحلام مستغانمي، هالة بيجي، فاطمة المرنيسي، مليكة مقدم، حواء جبالي، ليلى صبار، فاطمة بخاي، بمعنى هي مجموعة كبيرة من الأقلام تـتزايـد و تتكاثر على مر الأيام لتقتحم حقل الأدب المغاربي بعددها الوفير.

تجتاح و تحتل هذه الكتابات فضاءات الحياة الثقافية بشكل يثير الانتباه، بسبب أن هذه المساحات كانت بالأمس القريب مخصصة فقط و بعناية فائقة "للأذكياء و المتفوقين من الرجال" بحكم العادات و التقاليد الراسخة و الثابتة.

وهو الأمر الذي يستدعى مجموعة من الأسئلة الحادة: بماذا نصف هذه الظاهرة ؟ هل تشكل اعتداء أم خرقا ؟ هل تمثل انتهاكا أم تمردا ؟ هجوما أو عصيانا ؟ أو هي مجرد ظاهرة أدبية طبيعية فرضتها ظروف موضوعية ؟ الواضح أن هذه الأسئلة الكثيرة تفرض نفسها علينا، و نقرّ بأن الأجوبة عنها قد تتعدد و تتجه اتجاهات مختلفة و تأخذ مناحي بصورة غير محدودة، لكن ما يتجلى بوضوح و هو أن هذا الأدب ينخرط في إشكالية المقاومة و النضال بالبلدان المغاربية و هي بطبيعة الحال مقاومة سلمية، هادئة و مسؤولة، و تخضع خضـوعـا كـامـلا لـسـلـطـة الـمـخـيـال و الكلمات، و هي سلطة لا يمكن زحزحتها، بسبب أن غايتها تكمن في الدخول بقوة ضمن مسار تاريخي يعتمد البحث عن الذات و الاعتراف و التقدير، و كذلك عن مقام رفيع داخل المجتمعات التي تنتمي إليها تلك الأديبات و لا تملك كما يبدو هذه الأصوات من عزيمة أو قصد سوى أنها تسعى إلى فك الحصار و مناهضة الذهنيات المحافظة و المعيقة و إلى تحطيم العزلة و الحجـز، إلـى تـجـاوز الانـزواء و الخروج من الصمت، و هي جملة من العوائق التي شكلت الوضع الذي حتمته التربية التي تلقينها.

تصدر هذه الكتابة بطبيعة الحال، عن الضرورة و عن الواجـب و كـذلـك عن الالـتـزام و لاسيما أنها تمثل كتابة ذات طابع خاص. تتكفل الكلمة النسوية، من خلال نصوصها المتنوعة بانشغالات مصيرها المرتبط حتما بمصير الشعب الذي يحتضنها و بتاريخه و ثقافته أيضا، و هكذا تندمج و تتكاثف مجموعة من العوامل الجمالية لتأسيس فضاء تعبيري يرتبط بعمق بالحساسية الأنثوية، و إدراكـهـا للعالم و للحياة، لوجود البشر و الأشياء، و تتمثـل تـلك العوامل فـي خـصـوصـيـة الـدال و الـمـدلـول و في التميز الجمالي و أخيرا في حصرية هذا الخطاب الأدبي. فالأدب النسوي المغاربي يتمثل في نهاية المطاف بوصفه "نظرة" إلى العالم و إلى كيونة هذا الأدب و إلى نظامه الداخلي أي بالمعنى الذي يراه الأديب محمد ديب :

"أتعرف على المغاربي من النظرة التي ينظر من خلالها. فإن هذه الأخيرة هي ذات أهمية عندنا، إنها تتكلم أكثر مما تبقى....".

و الجدير بالذكر بالنسبة لنا، أن الأدب النسوى يظل إلى حد الآن مجهولا، و هو غير مستغل و غير مكتشف كما ينبغي في حقل النقد الأدبي، و مع ذلك، فإنه يستـوقـفـنـا و يدعونا إلى التأمل بحكم أن هذا الإنتاج الإبداعي يتوغل في منعطفات الذاكرة الجماعية، و يجدد ارتباطه بجذورنا، يغترف من تاريخنا يوسع تحريه في ثقافتنا، يسائل ماضينا، حاضرنا و يستجوب مستقبلنا. و لهذه الأسباب مجتمعة، يمكننا أن نعبر عن اقتناعنا أن هذا اللقاء العلمي كان مناسبة سعيدة أثمرت بلا شك، من خلال ثراء الأبحاث و تنوع المداخلات، نقاشات جديرة بالتقدير، مما قد يفتح بلا شك أمام النقد الأدبي حقولا جديدة للبحث و الاستقصاء، و هو أمر يعد حتما بالكثير بفضل الحيوية و التنوع و وفرة النصوص النسوية.

و من منطلق إشكالية الملتقى، تتساءل نجيبة الرقيق حول إمكانية الحديث عن "سيميائية الأنثوي" دون معالجة مسألة "الكتابة النسوية" إن التطرق لموضوع الكتابة النسوية بالنسبة لصاحبة المداخلة التي تمهد للملتقى، فإن الأمر لا يتعلق أبدا بنضال ذي نزعة نسوية أو بإيديولوجية ما ذات طابع جنساوي، بل بالعكس فإن هذا النشاط الإبداعي "يجعل من المرأة تملك سلطة سامية، أي كائن بشري يضطلع بمسـؤولياته و من هذا المنطلق يستطيع أن يتجه نحو الآخر". إن اعتمادنا على هذا القول يدفعنا إلى جعل من الاختلاف و نتيجته الطبيعية الغيرية، مفهومان أساسيان في تعريف هذه الكتابة. و ما قاد لخضر بن سايح إلى التذكير بأن "من يحسن الإصغاء لنص المرأة يلمس سراديب النص الأنثوي و وعيها الخاص في مواجهة الآخر انطلاقا من عالمها الحميمي القريب منه"، إذ أن القيمة الباطنية للنص النسوي أساسية في عملية القراءة مما يجعل صاحب المداخلة يؤكد على أن "انفتاح النص على الداخل يعتبر المخرج الوحيد للمرأة التي تسكن جسدها في حركة شبه مغلقـة، و يبقى الممر الوحيد هو العبور من الجسد إلى الذات و من الذات إلى العالم". و يبرز ذلك من خلال تفاعل الشخصيات و أشكال التصوير السردي ضمن النص النـسـوي. و هو الأمر الذي دفع بحفناوي بعلي إلى محاولة الإجابة عن التساؤل الذي يمس جوهر "الكتابة النسوية" من خلال إلقاء نظرة شاملة حول محطات النقد العربي المعاصر و مواقفه تجاه هذه الإشكالية، إذ يؤكد أن "بعد المطالبة بالمساواة في مرحلة تكرار الـقـوالـب الـجـاهـزة و المرسومة، جاءت مرحلة البحث عن الذات و الرغبة في الاختلاف عن الآخر الـمذكر، لأن تجربة احتذائه و محاولة التطابق مع صفاته، لم تـزدهـا إلا نـكـوصـا و تراجعا عن مكاسبها" يتعلق الأمر بالنسبة لهذا المؤرخ للأدب، بضرورة إمعان النظـر فـي مكونات الفكر الاجتماعي و أخذ بعين الاعتبار السياق الثقافي اللذين نما فيهما الوعي الأنثوي بذاته، لأن اختلاف التسميات أو وجهات النظر حول المسألة لا يصمدان أمام مركزية الثقافة الذكورية و انحياز اللغة اللذين يعلبان دورا حاسما في اعتماد الأسس المعرفية و تحليل المفاهيم سواء انطلقت من النزعة الجنساوية أو الثورية أو البيولوجية. و مع ذلك فإن تفرد جسد المرأة يظل حاسما في تصنيف الكتابات، لكن هذا ما لا تتفق معه صونيا زليتني فيتوري التي ترغب في دراسة خصوصية نص نسوي (يوميات تفاوت للروائية عزة فيلالي) لتقابله مع نص ذكوري (المطر لرشيد بوجدرة) لكنه يتناول عالم النساء.

تعتقد صاحبة المداخلة، أن الجسد الذي قد يبتعد عن كونه بناء رمزيا، فإن هويته "تتحدد من قبل الآخر، الذي يمنحه مكانة ووجودا. و هكذا فإن الصورة التي نملكها عن جسدنا تكتسب، تعدّ و تبنى دائما بواسطة العلاقة التي نقيمها مع العالم الخارجي". مما يجعل الساردة في رواية رشيد بوجدرة "تعيد امتلاك جسدها بالكتابـة و تتوصل إلى حيازة معرفة ما عن جسدها الجنسي و تصبح بذلك ذاتا كاملة، بينما نجد ساردة رواية "يوميات تفاوت" تتكتم عن جسدها و تتجاهله، و لا تدركه إلا من خلال نظرة و خطاب الآخر". تتوصل المتدخلة إلى أن "مسألة الأنوثة لا تطرح نهائيا لأن الأمر يتعلق في هذا المجال بمشاكل ذات بعد كوني".

و من جانب أخر نجد شارل بون الذي يتناول موضوع الصورة الذاتية المؤنثة عند بعض الكتاب المغاربيين، يرحل بنا إلى عالم الرواية الذكوري ليتساءل عن ذلك "الغياب النسبي"، أو عن النفي الجلي للشخصية الأنثوية إلى فضاءات لم تدخل قبليا في حساب الجنس الروائي" مما يدفعه إلى القول أن مكانة الأنوثة أو بالأحرى مكانة الغرابة هي "ملازمة للبعد التأسيسي لكتابات هؤلاء الأدباء"، و ذلك في أغلب النصوص الروائية المدروسة. و مع ذلك فإن الجسد سيظل، كما تشير إلى ذلك كريستين ديتريز" بطبيعة الحال، قواعد راسخة و رهانات للسلطة و للتسلط". تتوصل الباحثة بعد دراستها للسياق الاجتماعي، التاريخي و الديني لبلدان المغرب العربي عموما و للجزائر خصوصا، و بعد مقاربتها لبعض النصوص الروائية الجزائرية، إلى أنه "من المفارقات العجيبة، أن فعل الكتابة هو الذي يتحول إلى فعل لإعادة امتلاك الجسدي".و من ناحية أخرى يؤكد محمد نجيب لعمامي على الطابع التخريبي و العنيف لرواية آمال مختار "الكرسي الهزّاز" الذي أكد على الطابع التخريبي للنص حيـث نجـد "غـضـبـا و انفعالا و تحديا صارخا و كلاما عاريا قد يكون صادما و نجد تمردا أهوجا مسدود الآفاق".

و من جهتها تشير عبير كريفا إلى "تكرار بعض الأطروحات في مؤلفات النقد الأدبي، التي تؤكد على الطابع التخريبي الجوهري للكلمة العلنية للنساء في المغرب العربي." هكذا يتحول التعبير بالعلني حتميا إلى فعل للمقاومة حيث نجد سعاد قلوز تندد بـ "الميزة المتباينة للرقابة الاجتماعية التي تبيح للذكور ممارسة الجنس خارج العلاقة الزوجية و تحظر ذلك على النساء". و في هذا الصدد يقدم لنا أحمد الجوة قراءة في شعرية الماء و الأنوار لأشعار آمال موسى من تونس. و قد مزجت نصوصها بالعناصر الطبيعية التي تعلمنا ضمنيا عن مفاتن الجسد التي نستشعرها من خلال البوح و الإيحاء دون اللجوء إلى التعريف أو إلى الخطاب الصريح. بينما تسلط زهور كرم من جانبها الأضواء على الكتابات النسوية بالمغرب ضمن نظرة شاملة كما تبرز النشاط المتزايد لدور النشر مما يكشف عن تجدد أدبي و اجتماعي في هذا البلد.

إن الكتابة لذكر الجسد، الحديث عن الذات ليست ميزة تخص الأدب النسوي فحسب بل تتحول، كما تم ذكره في المداخلات السابقة - إلى نقطة تقاطع و تشابك، لكل ما يقال أو يكتب من قبل المرأة أو عنها. و يبرز ذلك من خلال أعمال آسيا جبار التي حظيت نصوصها بمجموعة من القراءات خلال هذا اللقاء العلمي، فالمسار الأدبي لهذه الأدبية و المنزلة التي تحتلها أعمالها غنيان عن التعريف. فقد التزمت هذه الأخيرة منذ البداية بقضية المرأة و خاضت معركة تحررها، كما وجدت المبررات الكافية لتناول هذه الإشكالية، إذ انطلقت من قراءتها للحاضر و للماضي و الذاكرة مرورا بالتاريخ القديم للأسلاف - أي تاريخ النساء اللواتي عايشن الفترات الأولى لانتشار الدعوة الإسلامية - و كانت ترمي من وراء ذلك تدعيم مواقفها من هذه القضايا المختلفة.

و في هذا السياق التاريخي نجد رواية "بعيدا عن المدينة المنورة" التي استوقفت فاطمة الزهراء شيالي فتناولتها بالتحليل و الدراسة بشكل عميق، فالنص يطرح بالنسبة لصاحبة المداخلة "مسألة تزوير الذاكرة من قبل الرجال و يؤكد على ضرورة إعادة كتابتها" و هو الأمر الذي يسمح للأديبة بمعارضة ذلك "بواسطـة خـطـاب آخـر و إنتاج إيديولوجية حيث يقوم كل من التخييل و التاريخ بتجاوز متطلباتهما للتوصل إلى سبيل ثالث يسمح بالقراءة و إعادة القراءة". كما تناول محمد حريش بغداد النص نفسه، مركزا على شخصية تلك المرأة التي ادعت النبوة و التي لم تبلغ غايتها بسبـب " رضوخ المرأة للتقاليد الاجتماعية التي تفرض الصداق" و على المرأة من وجهة نظر الأدبية أن "تتحرر من الصداق الذي يقيدها، و عليها أن تهب نفسها للرجل على أساس من الحب الخالص".

كما شكلت رواية "الحب، الفانتازيا" للكاتبة نفسها مبررا كافيا بالنسبة لقوسم نذيرة خوجة ، لمراجعة التاريخ الاستعماري للجزائر. فالنص الروائي يذكر حياة تلك النسوة اللواتي تجاهلهن التاريخ و "تقمن بالإدلاء بجزء مما عانينه من آلالام داخلية، تم كتمانها منذ مدة طويلة و التعايش معها بصفة حتمية". و هنا يتحول جسد الأنثى بحكم استعداده الثقافي المتباين مع الرجل للتحول إلى رهان سياسي يجعل صاحبة المداخلة تقول "و لو أن الغازي قد نجح في امتلاك جسد المرأة الجزائرية، فإن الأمر لا يتجاوز في ذلك الإطار الضيق المتمثل في تحقير هذا الجسد لأسباب تتعلق بالمال (الدعارة) و لا تتعلق بدواعي الحب و التعلق"، "وهران، لغة ميتة" وهي مجموعة قصصية لهذه الأديبة شكلت موضوع دراسة من قبل لطيفة محمد صاري، حيث أن غاية الكتابة في هذا المضمار "تعبر بعمق عن ذلك الجرح العميق الذي ترغبن في الكشف عنه، فالكتابة هنا تتطابق مع هذا الوضع و تمثل صورة مجازية لتشتت شعب و لتشوش رؤيته للعالم الراهن"، و هي أيضا صرخة، تتضمن العنف و الحب، الحجب و الوضوح، الخفاء و التجلي". فمسعى الكتابة عند هذه الأديبة "لا يكتم الصوت بل يحضه على الجهر لإعطاء فرصة لكل النساء اللواتي يقبعن خلف قضبان الصمت".

و في مداخلة باللغة الإنجليزية حاولت مليكة حمدة بوسواليم كذلك التطرق للتاريخ من خلال دراستها لرواية "امرأة دون قبر" لآسيا جبار، بالاعتماد على قراءة نقدية تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الموضوعاتية و الجوانب البنيوية في ذات الوقت. و يركز عبد القادر بودومة في مقاربته للنص الروائي "تلك الأصوات التي تحاصرني" مؤثرا على اختياره للغة الكتابة التي تمثل بالنسبة لهذه الرواية لغة أخرى تسمح لها "بحجب نفسها و الكشف عنها في ذات الوقت".

الخروج من الصمت و الاتصال بالعالم الخارجي و اقتحام الفضاء العمومي بواسطة القلم، يقود المرأة إلى تجاوز بعض النظم الثقافية و التحول إلى لسان حال لكل من تم الإطباق عليهن بأسوار الصمت.

و في هذا الاتجاه تتطرق كاهنة بوعنان إلى نصوص آسيا جبار و مليكة مقدم ترى أن "تنوع الكتابات النسوية يحتل بشكل متزايد و ملائم فضاء الإنتاج الأدبي".

فآسيا جبار "قد التزمت بمهمة تحرير الكلمة الأنثوية، و إعطاء دفع جديد لكل الأصوات النسوية للحيلولة دون انقراضها، بما فيها أيضا صوت الجسد"، بينما تتخذ مليكة مقدم "الكلمة ذريعة لتقوم بإسقاطات أيضا لمجموعـة مـن الـتـحـالـيـل و الدراسات أثناء هذا اللقاء، و منها الدراسة التي قدمتها شريفة بخوش شباح التي تعتبر أن "الرجوع إلى موضوع الذاكرة و البحث عن الهوية هما من الثوابت في أعمال مليكة مقدم". و في هذا المضمار تعتبر روايتها "الممنوعة" من قبل صاحبة المداخلة رواية السيرة الذاتية "حيث ترسم المؤلفة من جديد مسار العنف في منطقة من مناطق الصحراء". إن هذا الفضاء الشاسع يبرز داخل النص بـوصـفـه "مـكـانـا للـتـلـقـيـن و لمسيرته، محتشما، مطموسا و مكبوتا إلى حد قريب". تعكف دليلة بلقاسم على موضوع الأزمة الهوياتية التي تشكل قضية مركزية في أعمال هذه الأديبة حيث "تخترقها من رواية لأخرى"، و "يتعاظم هذا الأمر في رواية "نزيد" التي تعتبر رواية أزمة هوية و في ذات الوقت رواية البحث عن هوية جديدة" أما زبيدة بلقواق فقد قدرت أن حكايات الروائية "تدمج بشكل معقد كل المسارات الواقعية منها و المتخيلة داخل هذا الفضاء، و داخل الحياة و الذات نفسها و داخل الفنون و الأدب"، إذ يتحول فعل الكتابة في واقع الأمر إلى رحلة في الذات، و يسمح للقارئ بزيارة "منطقة مجهولة، أي الجنوب الصحراوي المكتسح بالأضواء، و هو الفضاء حيث تذوب الحدود والتخوم". إن أزمة الهوية تبرز بشكل جلي في روايات نينا بوراوي، فشخصياتها تعيش انقساما بين عالمين و ثقافتين، بين لغتين و هويتين جنسيتين، "مما يعطي للهوية الغامضة مكانا ويفتحه أمامها بسبب التزامه الجزئي بين ثنائية الاقتصاد و ثنائية الانتماء (فوجود أحدهما ضروري لوجود الآخر" (ناهدة قليل). تنخرط نينا بوراوي ضمن كتابة متميزة كما تندرج نصوصها" في إطار كتابة نسوية لفترة ما بعد الاستعمار بمعنى أنها تطرح من خلال الألم و الإحساس إشكالية شخصية في الكتابة التي تعبر عن الجيل الثاني، جيل ما بين الثقافتين" (بن عودة لبداي). و تنعقد هذه المسألة أكثر وتصبح إشكالية مع الكتابة الحركية، و تمثلها هنا الروائية زهية رحموني محاولة في ذلك التعبير عن مختلف جوانبها في نصها "موز" حيث "تستغـل أنقاض الذاكرة لأغراض أخرى، و تستعمل مقتطفات من كلام الحركى و نساءهم و أبناءهم بوصفها مادة تاريخية، و هي مرحلة أساسية نحو بناء الهوية" (آيت يالا ديا كاميليا).

كما تجدر الإشارة إلى الذاكرة، باعتبارها موضوعا لأي كتابة تتناول السيرة الذاتية، إذ تهتم الأديبات اللواتي تتوجهن هذا الاتجاه باسترجاع جزء من ذكرياتهن بواسطة المكتوب، إذ تلتمسن تواطؤا كبيرا من قبل القارئ بوصفه شاهدا على مسار حيث تندمج معرفة الذات و التواصل مع الآخر. و هذا ماسعت إليه الروائية فاضمة أيت منصور بجمعها بين السيرة الذاتية و الكتابة الروائية في نصها "قصة حياتي". و تصنف هذه الأديبة ضمن اللواتي مهدن السبيل أمام الكاتبات المغاربيات لممارسة فعل الكتابة و التعبير عن الذات، بغض النظر عن كون السيرة الذاتية لا تمثل إلا نسبة بسيطة في الحقل الأدبي المغاربي. و هو الأمر الذي جعل نسيمة بن عباس تقول أنه بإمكاننا "تصنيف السيرة الذاتية ضمن أدب المقاومة"، بحكم ما قدمته الروائية المعنية بالأمر، يسمح لنا "بمعرفة التناقضات و الخلافات التي كابدتها هذه الأديبة، مما أضطرها إلى العيش مبعثرة الذات". و قد اختارت أديبة أخرى هذا النهج السيري، و في مجال قد يجرها إلى مواجهة النزعة المحافظة داخل المجتمع و يتعلق الأمر بفاطمة المرنيسي التي اتخذت وضع شهرزاد نموذجا لها، لكن بدل أن تمارس جاذبيتها على الكلمات، "فإن النص هو الذي يقودها، ومع ذلك فإنها تتوصل إلى الاحتفاظ بتأثيرها السحري من خلال إدخال عناصر الحكاية الأكثر إغراءا و الأكثر فتنة، و هي العناصر التي أبهجت العالم الغربي" (آمال النخيلي). و النص نفسه يدفع بأيام فان دبربول إلى طرح السؤال، هل فاطمة المرنيسي هي سيمون دي بوفوار العصر الراهن، في العالم العربي و في العالم الغربي؟ تتوصل صاحبة المداخلة، بعد تقديمها لعرض عن الأديبتين، و بعد مقاربتها لنصوصهما حيث تجد كثير من التشابهات و الاختلافات، إلى أنه "إذا كان ينظر إلى بوفوار على أنها مرنيسي الغرب، فإن هذه الأخيرة تشكل وجها لسيمون دي بوفوار على المستوى العالمي".

وخلافا لفاطمة المرنيسي التي اعتمدت على ذاكرتها الذاتية، فإن مايسة باي تقوم بإدراج العناصر التاريخية في نصوصها و بناء ضمن نصوصها الروائية "شخصيات نسوية تستعين للقبض على ضياع الوقت و على تصوره من قبل الذاكرة، و توجه هذه الشخصيات بحسب الصدمات المتعلقة بقصصهن الشخصية و بالتاريخ الوطني" "دومينيك رانفوزون". كما نجد نصوص الروائية فاطمة بخاي لا تبتعد كثيرا عن هذه الإشكالية المتعلقة بالتاريخ و الذاكرة، بحكم أن تأليفها ينضم إلى "ممارسة جماعية تتطابق مع إثبات تاريخي لهوية نسوية و مغاربيـة جـلـيـة، تـسـرد آمـال و رغبات، حرمان وآلام و إحباطات المرأة في الأمس البعيد والـيـوم و غـدا" (خالدة بن عيـسـى). و بالمقابل تقوم فوزية بن جليد بتسليط الضوء على مسألة شائكة، تتعلق بالخلاف القائم بين التقليد و الحداثة، و ربطها بالتاريخ. و لأجل بلوغ مسعاها تركز عملها النقدي على رواية "الخادرة" لعائشة لمسين، حيث تمتد الأحداث على فترتين تارخـيـتـيـن، و تضم حكايتين وجيلين، و تعبر من خلال موضوع تعدد الزوجات عن الجزائر المستعمرة و الجزائر ما بعد الاستعمار. إن هذا العرض الاجتماعي "يأخذ في النص التخييلي بعدا سوسيولوجيا و نفسيا مؤكدا. تبـرز السـاردة الآثـار التـي تـنجـم عنـهـا مـثل الـمآسـي و التمزقات التي تزعزع الخلية العائلية و تنقص من قيمة المرأة وتحقّرها وتحط من شأنها إلى أدنى درجة من كل ما هو بشري". ولتجاوز هذه المعضلة، تضع المرأة استراتيجيات لتحطيم أطر الحياة المفروضة عليها، إذ نجـدها تخـتـار بـيـن الانـغـلاق و الانفتاح، فتنتقل إلى الفضاء المكتوب للتخلص من الفضاء المبنـي بواسطـة الإنشاد و ذكـر الأمـثـال و الـحـكـم و الحـكـايـات و الـصـراخ و الزعاريد. و في هذا الصدد نجد جاكلين جوندو تقول أن "صراخ المرأة تعقبه قرقعة إبر التسريد مما يعطي لهذا التعبير الناتج عن آلام الذات المنكرة،تركيبا وبنية". وتعود عمارة كحلي إلى قضايا الكتابة النسوية من خلال تطرقها لمسألة الهوية الغائبة للمؤلفة، إذ تقول أن المعنى الخفي هو ما يجعل من "سيرة الغياب نصا ضمنيا يستشرف أفقا لا تزال أطواره تنتظر تجلياتها اللغوية للظهور".

حظيت أعمال أحلام مستغانمي، وهي أيضا علامة بارزة من أعلام الأدب المغاربي والعربي، بالعديد من المداخلات التي حاولت تسليط الضوء على مختلف الموضوعات التي تبنى بشكل أساسي وعميق كل كتابتها.

و بغض النظر عن العنوان الذي يحمله النص، فإن هذه القراءات المتنوعة استهدفت الوصول إلى المسكوت عنه الذي يعبر العناصر السيميائية للـمـلـفـوضـات.و يحاول ضمن هذا التوجه الطاهر رواينية ممارسة قراءة نقدية على رواية "عابر سرير" التي يمارس عنوانها "لونا من ألوان الاستهواء المضلل" (....) لكن "بإمكان الملتقي تجاوز مواربة العنوان، و تفادي الوقوع في حبائل و الفوارية الموصولة" ليجد نفسه في خضم عالم روائي يخضع للأهواء وللـعـنـف و ما يـنـتـج عـنـهـمـا مـن مــآس و صـراعـات. و تسائل وافية بن مسعود النص ذاته لتؤكد على كيفيـة تـداخـل الفضاء فـي إنتاجه للمعنى. و اعتباره نصا لا ينخرط في الأفق الكلاسيكي للكتابة الروائية التي لا تعتمد إلى فصل المقاطع الوصفية عن السرد و الإطالة والإمعان في تفاصيلها، و إنما نحن هنا أمام شظايا متفرقة مرتبطة ارتباطا وثيقا بسيرورة السرد، ويصعب الفصل بينهما، و تساهم بشكل كبيـر فـي بـلـورة الـدلالات داخـل النـص و إنتاجها، لأن الأمكنة داخل هذا النص لا تأتي محايدة، و إنما تأتي مشحونة بحمولة معرفية ونفسية تسير بها إلى الانفتاح الدلالي".

أما خالد بوزياني فقد اختار نص "فوضى الحواس" للروائية، ليقارب لغة الخطاب الروائي الذي يمنح بطبيعة الحال الإمكانية بأن "تصبح الكتابة النسوية في مجال الخطاب الروائي نمطا جديدا على مستوى تحول اللغة من الاستعمال الخطابي الحيادي إلى مستوى التحكم في مسار الرواية" كما تقوم كل من هند سعدوني و وردة معلم ونادية بوشفرة و محمد سرير بتناول رواية "ذاكرة الجسد" للروائية أحلام مستغانمي بالاعتماد على العنصر الحميمي للأنثى الذي يزخر به النص. تتعرض المداخلة الأولى إلى الكيفية التي تصور الأنثى وحول الذكر بصفة تعاقبية من خلال الكتابة وما تملكه من سلطة. تسمح دراسة وظيفة الشخصيات وشبكة العلاقات المنبثقة عنها و الصراعات التي تصدر منها، للشخصية النسوية في نهاية المطاف باسترجاع "كامل الصلاحيات في ممارسة الفعل (الرسم، الكتابة، التعذيب، القتل، السلـطـة...) و بحرية مطلقة، تماما كما يفعل البطل- الرجل في إبداع الروائـي-الرجـل، و فـي واقـع الإنـسـان-الرجـل". و ضمن هذا الأفق تستعيد اللغة بوضوح أنوثتها المفقودة من خلال تجاوزها للدوكسا وللأيديولوجيات المهيمنة. وقد قاربت المداخلة الثانية هذه الجوانب من خلال التركيز على اختيارات الروائية لمجموعة من المواقف الأيديولوجية التي شكلت لديها "أداة معرفية مغايرة كليا لتلك الأدوات التي ظل يستخدمها الخطاب الروائي السائد في الوطن العربي". وتعالج المداخلة الثالثة جمالية الفضاء القسنطيني في هذا النص الروائي حيث أن هذه الجمالية "تحمل أهميـة كـبـرى للتأسـيـس للـحـدث و الشخصية". أما المداخلة الأخيرة، فإنها تتطرق أيضا إلى مسألة اللغة التي تحاول أن تتحرر من هذه الذكورية التاريخية. و هكذا نجد النص الروائي يقوم"بمهمة تفكيك الفحولة وتكسيرها، و في الوقت نفسه راحت اللغة تكتب نفسها، تنقش صورتها على الورق بوصفها أنثى تتكلم بلسان المرأة".

و يمكن القول في خلاصة، أن هذا الملتقى العلمي (من بين الملتقيات الأخرى التي نظمها مركز الأبحاث الأنثروبولوجية الاجتماعية و الثقافية)، كان لحظة هامة في تكريس تقليد أكاديمي يقارب الأدب المغاربي، درجنا عليه منذ مدة غير قصيرة. و بلا شك أن الإسهام العلمي لهذا الملتقى قد يكون ذا فائدة للذين يهتمون بهذا الموضوع. سيظل الأدب عموما و الأدب المكتوب من قبل المرأة على وجه الخصوص حقلا بحثيا خصبا لإسهامات أكاديمية قد تفتح آفاقا جديدة. ولعل هذه الأعمال التي جمعناها في هذا الكتاب لنضعها بين أيدي القارئ قد تشهد عن نيتنا و إرادتنا على مواصلة العمل وعلى طموحنا في مدارسة موضوعات أخرى ترتبط بالحقل الأدبي المغاربي، و لما لا العالمي.