Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

 

 

 

1. بلاد المغرب : المجال و الحدود

تشغل مسألة المجال و الحدود أهتمام المؤرخين لأنها ذات علاقة بتكوين الدولة الحديثة. فالدولة الحديثة خلافا للدولة التقليدية، لا يمكن تصورها دون إقليم ملتحم واضح المعالم الإجتماعية و الإقتصادية و ذي حدود سياسية ثابتة.

كيف يتعامل أبوراس مع مفاهيم الحدود و المجال؟ كيف يتصور آليات التحييز و هو يعيش في كنف نظام سياسي كان يسعى إلى اكتساب ملامح الدولة الحديثة في تعامله مع المجال و الحدود؟

يتحدث أبوراس في عجائب الأسفار عن المغرب و دوله لكنه ينطلق من مفاهيم تحيل إلى الحقبة التاريخية الممتدة من الفتح الإسلامي إلى نهاية العهد الزياني.. والواقع أنه لا يهتم كثيرا بالواقع السياسي - الجغرافي الذي تشكل في سياق النموذج العثماني : تلك السلطة السياسية الجديدة التي برزت في مطلع القرن السادس عشر، فحررت الموانئ من الوجود الإسباني، وخاضت حملات عسكرية لتصفية "الحكم الزياني والحفصى، و عملت على تصفية السلطات المحلية و توسعت في الجنوب و قادت حروبا ضد الأيالة التونسية و سلطة الأشراف السعديين و العلويين، كان محورها رسم الحدود الفاصلة بينها[1].

كأنه لم يساير عمليات الترميز المجالي و لم ينتبه إلى استراتيجية مراقبة المجال التي بدأت مع مطلع القرن السابع عشر وآمتدت إلى القرن الثامن عشر و بداية القرن التاسع عشر. فمقياس التحييز الذي يُعَوّلً عليه هو القبيلة و موطنها، أما المقاييس الأخرى (إشعاع السلطة المركزية، آليات النفوذ كالبيعة و غيرها) فيهملها و لا يكاد يتحدث عنها.  

1.1 بلاد المغرب

عند الحديث عن بلاد المغرب، يستند أبوراس على الرحالة القدامي من بطليوس اليوناني إلى الرحالة العرب و على أقوال ابن خلدون و الحاصل "أن المغرب من البحر المحيط المسمي بالبحر الأخضر. و أذهب مشرقا إلى سويس و بحر قلزوم (البحر الأحمر حاليا) فتدخل فيه مصر. و في الخفاجي على شرح الشفا للقاضي عياض أن ابتداؤه المدينة المنورة إلى وجدة من الجهة الشمالية و البحر الرومي المتفرع من هذا البحر المحيط.. و من جهة الجنوب الرمال الحاجزة بين بلاد السودان و البربر"[2]

"أما العرف الجاري أنه من طرابلس لأنه الذي كان في القديم ديار البربر ومساكنهم..."

عموما يتفق مع جمهور الرحالة و ابن خلدون على أن حدود المغرب الكبير برقة شرقا و المحيط غربا و البحر المتوسط شمالا والصحراء جنوبًا. أما آليات الترميز: السكان (ديار البربر) و الطبيعة (البحر و الصحراء)، و الآلية الثالثة غير واضحة أهي المذهب الفقهي : المالكية التي إنتشرت في المدينة و المغرب؟

2.1. المغرب الأدنى

إن التسمية بذاتها تعود إلى العصور الوسطى فهي لا تعكس الواقع الجغرافي السياسي الذي عاش في ظله أبوراس، أما حدوده فتحيل إلى مجال الدولة الحفصية لا مجال تونس و مجال طرابلس اللتين كانتا قائمتين منذ القرن السادس عشر. أضف أن بجاية و قسنطينة كانتا ضمن الايالة الجزائرية.

فالمغرب الأدنى هو "أرض افريقيا الشاملة قسنطينة إلى بجاية غربا و طرابلس
و برقة شرقا...برقة معالمها اختفت وأمصارها خربت... كانت سابقا ديار لواتة
و هوارة و غيرهما فأصبحت الآن مجالا لقبائل بدوية... ومن إفريقيا إلى طرابلس ديار نفوسة و نفزاوة و غيرهما وهي الآن مجالات لعرب بنى سليم وكذلك الجريد.. أما الجبال ففيها بقايا نفزاوة و كتامة و هوارة و عجيسة" و قاعدة المغرب الأدنى "تونس و طرابلس"، يمر به "النهر الأعظم المعروف بواد مجردة يجتمع فيه سائر أودية إفريقية و يصب في البحر الرومي على مرحلة غربي تونس بموضع يعرف ببنزرت"[3].

3.1. المغرب الأوسط

في نظر أبي راس تكتسي التسمية نفسها دلالتين جغرافيتين مختلفتين :مجال الدولة الزيانية "فأبتداؤه من بجاية إلى وجدة" لماذا وجدة؟ أوَ ليس نهر الملوية كما تؤكده بعض المصادر؟ يقول "ولما أكثر المولي اسماعيل ملك المغرب الأقصى من الأجلاب على المغرب الأوسط و شنَّ فيه الغارات و تخطي مرّة هو بنفسه إلى البطحاء و أناخ بها فزحفت إليه الاتراك فكان بينهم حرب عظيم على نهر جديوية ثم اختل مصاف أهل المغرب الأقصى فأنهزموا...ثم ذهب أمير حرب الاتراك وراءه فعلموا التخوم بينهم وجدة وما سامتها من الجوف إلى القبلة (واحة فكيك).

و يعني كذلك "لكن حيث أطلق المغرب الأوسط عند أهل التواريخ و غيرهم فالمراد به الايالة التي في حكم أميرنا المنصور بالله أبي الفتوحات محمد باي": أي بايليك الغرب الذي كان يمتد من خميس مليانة شرقا إلى وجدة غربًا.

أما سكان المغرب الأوسط "فهم في الغالب زناتة من مغراوة و بني يفرن و مديونة و مغيلة و كيومة و مطغرة و مطماطة" و كذلك شرقا" ديار صنهاجة..."

و قاعدة المغرب الأوسط : تلمسان و الجزائر... و يمرُّ به واد الشلف النهر العظيم منبعه من جبل راشد و يدخل إلى التل[4] من بلاد حصين و يجتمع فيه سائر أودية المغرب الأوسط مثل مينا و غيرها إلى أن يصب في البحر الرومي بين كلميتو و مستغانم.. و ينبع من فوهته نهر آخر مشرقا إلى أن يصب في سبخة بين توزر و نفزاوة من أرض الجزائر"[5].

4.1. المغرب الأقصى

"حدوده" : من وجدة إلى أسفي حاضرة البحر المحيط "يمرّ فيه "النهر الكبير المعروف بأم الربيع ينتهي مَدَدُه في البحر المحيط إلى سبعين  ميلا عند أزمور و منبعه من جبال درن (الأطلس الكبير).. وينبع منها نهر آخر يمر ببلاد درعة (وادى درعة) إلى أن يغوص في الرمال قبلة بلاد السوس.. و ينبع منها نهر كبير ينحدر شرقا ذاهبا إلى القبلة و يقطع العرق إلى دبدة.. إلى أن يصب في البحر... أما نهر الملوية فمنبعه من جبال قبالة تازى..."

فجبال درن هي ديار المصامدة و بطيوة ممايلي عساسة و معهم قليل من صنهاجة و على ضفاف الملوية تسكن أمم من زناتة..و بين ساحل البحر إلى السوس أرض يعمرها من حاحة خلق كثير في حمر الشعر - و أرض السوس الكزولية و لمطة ممايلي الرمل و لما تغلب المعقل عليها (أي تافيلالت) من عرب اليمن اقتسموها فالشبانات ممايلي دون لمطة.."و قاعدة المغرب الأقصى فاس و قبلته بلاد بودة و تمنطيط.

5.1. ما وراء الصحراء

إذا كانت الحدود السياسية في الشمال واضحة و ثابتة لأنها رسمت على إثر حروب تلتها معاهدات، فإن الحدود الجنوبية بقيت غامضة بحكم طبيعة الصحراء. عموما، يعترف أبو راس "أن قبلة المغرب الأقصى بلاد بودة و تمنطيط".. أما قبلة المغرب الأوسط تيكورارين.. وقبلة تونس غدامس و قبلة طرابلس فزان و ودان.."

نفهم من مصطلح القبلة التخوم و هي عموما مناطق تختلف جغرافيا و إثنيًا و إجتماعيا عن بلدان المغرب.

"ثم إن صنهاجة أهل اللثام المعروفون عندنا بالتوارك مساكنهم بين السودان و الرمال و هي تخوم بلاد البربر متصلون بالبحر المحيط لهذا العهد في المغرب إلى ساحل النيل في المشرق و هم الآن على اختلاف الكلمة و اختلاف السنين على عهدهم الأول.. بعضهم يعطون الطاعة لملك السودان و يغيرون في عساكره، ولهم شرف بأرضهم و تمرّ عليهم القفول إلى السودان و أحب شيء عندهم الدخان.. و بيوتهم من الجلد و بازائهم رهط يقال لهم كنتة".

هكذا تنتهي حدود المغرب مع بداية أرض التوارق : قوم من صنهاجة مثلهم مثل قسم هام من البربر غير أنهم يخضعون تارة لملوك السودان وتارة يخرجون عن طاعتهم، يستقلون في مجال فسيح يمتد من نهر السنغال إلى نهر النيل...

2. الصراع بين بني غانية و الموحدين

يؤرخ أبو راس في الجزء الثاني للصراع بين بقايا المرابطين و الدولة الموحدية، فمحور هذا الصراع السيطرة على المغرب الأوسط (بجاية، الجزائر، القلعة و مليانة). دامت الحروب بينهما خمسين سنة لم يشهد فيها القطر الجزائري سوى الخراب و الدمار: تخريب المدن مثل تاهرت و غيرها و نهب البوادي و تعطل التجارة و تراجع الزراعة...

تمكن عبد المؤمن من القضاء على المرابطين بالمغرب، فانتقل الى الأندلس و استولى عليها. حينئذ فرّ إسحاق بن غانية أحد الولاة المرابطين الى جزر الباليار فوفدت إليه فلول اللمتونيين و أجمعوا على محاربة الموحدين. توفي إسحاق دون أن يحقق أمنيته لكنه ترك أولادا، فتزعم أكبرهم سنا: علي بن غانية الحركة و تراسل مع الحماديين في بجاية فاتفقوا على جمع الكملة.

عندئذ انتقل علي بجيشه الى بجاية فأخذها و أسر عددا من الموحدين بها (سنة 580هـ). حاول عامل القلعة استعادتها دون جدوى فأخذ على بن غانية يتوسع نحو الغرب، فأستولى على جزائر بني مزغنة و أتخدها قاعدة بحرية لربط الصلة بقواعده في جزر الباليار، ثم أخذ مليانة و مازونة و القلعة.

جهز المنصور الموحدي جيشا قوامه عشرون ألف مقاتل لمواجهة المرابطين و انطلق من تلمسان، فحرر مليانة و انتقل الأسطول الموحدي من سبتة متوجها الى الجزائر، فثار سكانها على المايورقيين و ألقوا القبض على عاملها يحيى بن طلحة، ثم كان الهجوم على بجاية برا و بحرا فانهزم المرابطون و فرّ يحيى بن غانية الى قسنطينة حيث كان يقيم علي بن غانية.

قصد الجيش الموحدي قسنطينة فهرب على و يحيى الى الجريد، فلقيهما المنصور بالجامة و هزمهما، فمات عليٌّ مثخنا بجراحه سنة 584هـ و بقي يحيى يتحين الفرص. أما بقايا الحماديين فنفاهم المنصور الى مدينة سلا بالمغرب الأقصى.

عاد المنصور الى قاعدته مراكش دون أن يقطع دابر الثورة في المغرب الأوسط، إذ بقي يحيى و أخوه عبد الله حاملين راية المرابطين، فلم يلبثا أن بسطا نفوذهما على سائر إفريقيا و الزاب و لم تنج منهما سوى بجاية. حينئذ صمم الخليفة الموحدي الناصر على محاربتهما فغادر مراكش بجيشه سنة 601هـ ووصل تونس، فتراجع اللمتونيون الى الجنوب و اتصلوا بالعرب فانضموا إليهم. و وقعت حروب دامية انتهت بمحق قوات بني غانية، و لم ينفعهم سوى التراجع الى الصحراء على عادتهم لتنظيم صفوفهم و تدعيم قوتهم.

رجع الناصر الى مراكش سنة 603هـ و ترك على رأس ولاية إفريقيا أبا الحفص الهنتاتي، فأخذ المرابطون يتأهبون للقتال و تحالفوا مع زناتة و قصدوا سجلماسة و هاجموها و منها ساروا الى الشمال لتهديد تلمسان: قاعدة الموحدين في المغرب الأوسط. استولى بنو غانية على أرشقول بعد أن هزموا عاملها ثم توجهوا الى تاهرت، فنهبوها سنة 605هـ و عاثوا فسادا في المدن و البوادي فلم تنج منهم سوى تلمسان التي تحصن أهلها بالأسوار.

تحرك جيش الموحدين، عندئذ، فغادر يحيى بن غانية تاهرت نحو الجنوب، ثم توجه بجيوشه نحو شلف فلقيه الموحدون و هزموه شر هزيمة. فمات بها و دفن بالقرب من مليانة سنة 631هـ يقول ابن خلدون: "فأنفض بمهلكه أمر اللمتونيين من مسوفة و لمتونة من جميع بلد المغرب و إفريقيا و الأندلس و ذهب ملك صنهاجة من الأرض بذهاب ملكه و أنقطاع أمره"[6].

3. قبائل ذات شوكة و عصبية

1.3. الثعالبة في متيجة

تحدث أبوراس عن هذه القبيلة العربية التي تنتمي إلى المعقل في الجزء الأول و يواصل الحديث عنها في الجزء الثاني. و ملخصه أن الثعالبة كانوا مستضعفين عاجزين عن الترحال فاستقروا بالتل فتغلبت عليهم توجين حين كانوا بالتيطري: موطنهم الأول ثم ولاة الجزائر لما انتقلوا الى متيجة أواخر القرن السابع.

كان رئيس الثعالبة سباع بن ثعلب و مرّ به ابن تومرت فاكرمه و أحسن وفادته و أخذ عنه العقائد الأشعرية. فكان سباع إذا وفد على الخلفاء الموحدين، أحسنوا استقباله "ووضعوا على عمامته دينارا عظيما"[7]  إكراما له. انتصر الثعالبة للموحدين فكلفهم عبد المؤمن بادارة مقاطعتهم.

استمرت الرئاسة في بني سباع خلال العهد الموحدي ولما ملك أبو الحسن المريني تلمسان وَلِى عليهم ابن عابد بن ثابت بن محمد بن سباع و حين توفي بالطاعون سنة 749هـ خلفه ابنه ابراهيم بن نصر فمات أيام أبي عنان المريني فخلفه ابنه سالم.

عادت تلمسان الى الزياني: أبي حمو، فاستقرت المدية و متيجة في يد أبي زيان 767 و 776 لأن سالم بن براهيم حالفه. و حين تغلب أبو حمو، أمن شيوخ الجزائر فبقوا في طاعته و استمرت الجزائر و متيجة في رئاسة الثعالبة.

غير أنهم ثاروا عليه[8]  فتقبض أبو حمو على سالم و قتله و تتبع إخوانه و قبيلته بالسبي و القتل حتى اندثروا و ذهبت شوكتهم فأصبحوا من القبائل الغارمة.

ثم قتل الأتراك منهم لأول استيلائهم على الجزائر مقتلة عظيمة أفنت عددا هاما منهم. و من علمائهم عبد الرحمان الثعالبي: دفين الجزائر و أبو المهدي عيسى عالم القرن الحادي عشر.

2.3.  توجين: القبيلة الزناتية

 أصل توجين من زناتة مثلهم مثل بني زيان و إخوتهم مصاب و بني زروال و يادين. انتصروا للموحدين. كانت مواطنهم فيما بين المدية شرقا إلى سعيدة غير أن أبا راس يؤكد "أنها امتدت الى قصر سعيد في المغرب الأقصى خلال فتنة بني غانية". "بدو يبلغون في رحلة الشتاء إقليم ميزاب: جنودهم 3 آلاف فارس و بطونهم بنو تيغرين و بنو عزيز و الرئاسة فيهم لبني عطية الذين ناصروا الموحدين ثم الحفصيين.

بمواطنهم جبل ونشريس و السرسو و منداس و وزينة و قلاعهم تاوزغوت و تاقدمت و تافر يقينت و المدية. في أيام الزيانيين، غلبتهم زغبة التي انتقلت من الصحراء إلى التل، فانقبضوا الى جبل ونشريس و نواحيه.

أخذت توجين بالدعوة الحفصية في عهد شيخها عبد القوي و ابنه أبي زيان، فولى هذا الأخير على المدية حسن بن يعقوب و على ونشريس أخاه شريطا و على تاوغزوت سلامة بن علي...

و افترقت توجين في عهد ابنه سيد الناس، فتقاتل بنو عبد القوي و استقلت المدية و السرسو. حاربهم الزيانيون لأنهم كانوا يناصرون الحفصيين تارة و المرينيين تارة أخرى. استولى عثمان بن يغمراسن على أراضيهم و انتقم منهم أبو حمو و أخضعهم فابتنى "حصن موسى" سنة 711 هـ (عمي موسى حاليا) لمراقبة تحركاتهم. في عهده ملك العرب السرسو و أزاحو توجين منه.

لم تتمكن توجين من استعادة قوتها بسبب تفرق كلمة رؤسائها، فأصبحت من القبائل الغارمة. و لتوجين علماء و أولياء في الماضي و الحاضر، و قد امتلأت الراشدية بصلحائهم و كثرة علمائهم و منهم أبو عيسى التيجني صاحب العقد النفيس.

3.3. بنو يفرن و امارتهم

بنو يفرن: أمة قديمة من البربر، اختطت مدينة تلمسان و أسست إمارة بها الى أن فتحها عقبة بن نافع. أسلمت و مالت الى الطاعة متى كانت السلطة القائمة بالقيروان عادلة، لكنها رفضت جور بعض الولاة و تعسفهم، فاعتنقت المذهب الصفرى و بايعت رجلا شجاعا: أبا قرة اليفريني. و قد جمع هذا الأخير الصفرية في المغربين الأوسط و الأقصى و نظم صفوفها و اتخذ أقادير (تلمسان القديمة) قاعدة له، فألف جيشا حارب به ولاة العباسيين حتى بلغ إقليم الزاب.

و حين تولى عمر بن حفص ولاية القيروان سنة 150هـ، أمر جيشه بالتوجه إلى طبنة، فاتخذها قاعدة لغاراته على الخوارج في المغربين الأوسط و الاقصى.. فأحتشدت جموع البربر الساخطين على العباسيين من كل جهة فقدم أبو قرة في أربعين ألف مقاتل و عبد الرحمان بن رستم في خمسة عشر ألفا و غيرهما من قادة البربر.

و لم يكن لعمر بن حفص من الجيش سوى خمسة عشر ألفا و نيَّف فهاله ما رأى من حشود البربر، فعدل عن مواجهة العدو و اعتمد سياسة الاغراء و كسب بعض قادة البربر لأن القحط كان قد عم في المغرب و كثرت المجاعات و عانى الناس من الفقر و البؤس. أنصرف جل جند أبي قرّة عنه، فآثر الانسحاب و انتظار الفرصة السانحة.

و حين علم بخروج عمر بن حفص من طبنة، حاصرها و اشتبك مع حاميتها لكنه فشل في إفتكاكها، لهذا قرر العودة الى أقادير. و تجمعت حشود البربر مرّة أخرى فحاصرت القيروان و كان أبو قرّة حاضرا بجيشه، مات عمر بن حفص أثناء الحصار فخلفه "ابن قبيصة" الذي تمكن من فك الحصار و تشتيت حشود الخوارج، حينئذ تراجع أبو قرة نحو أقادير. بتجربة أبي قرة بدأت شوكة بني يفرن تتقهقر في
تلمسان و آلت سمعتهم الى الزوال بالمغرب الأقصى و الأوسط. و حين استقام الامر لإدريس الاول في المغرب الأقصى، خرج سنة 173هـ لغزو بنى يفرن في أقادير
و محاربة الخوارج الصفرية.

لم تقع الحرب بين الطرفين لأن غالبية بني يفرن بايعت إدريس الأول لشرف نسبه كما يؤكده أبوراس. عندئذ تولى سليمان بن عبد الله ولاية تلمسان من أخيه و لما مات سليمان خلفه ابنه محمد. غير أن الطائفة الصفرية ثارت عليه و لم يتمكن من إخماد نار ثورتهم فقام إدريس الثاني لإنقاذه فاستولى على تلمسان و ظل بها ثلاث سنوات طهر خلالها المغرب الأوسط من العقائد الخارجية.

في مطلع القرن الرابع الهجري، ظهر الفاطميون، فقضوا على الأغالبة بافريقية و على الرستميين بتاهرت و بني مدرار بسجلماسة و بلغ نفوذهم نواحي سبتة بالمغرب الأقصى، فأخذوا يهددون دولة الأمويين بالأندلس. أعدّ الخليفة عبد الرحمان الناصر العدّة لإحباط مساعي الشيعة ودفع خطرهم و اتصل بزناتة، فلباه محمد بن خزر المغراوي الذي ملك تنس و وهران و طارد الشيعة في إقليم الزاب، و بث دعوة الأمويين سنة 333هـ في أعمال المغرب الأوسط. كان الفاطميون منشغلين وقتئذ بإخماد ثورة أبي يزيد الخارجي و لما صفا لهم الجو، وَلُّوا وجوههم نحو الغرب، فخرج المنصور بنفسه سنة 336 هـ و زحف على تاهرت فأبعد عاملها و عقد عليها ليعلى بن محمد اليفريني.

و في سنة 314هـ، انتشرت دعوة الامويين من جديد بالمغرب الأوسط، فعقد الناصر الأموي ليعلى بن محمد اليفريني على المغرب و أعماله، فراجع محمد بن خزر المغراوي طاعة الشيعة بسبب تربع قريعه يعلى بن محمد. فتجهز جوهر الصقلي قائد المعز الفاطمي و خرج لقتال دعاة الأمويين سنة 347هـ فاعترضه الأمير اليفريني بجيوش كثيفة على مقربة من تاهرت فكانت مقتلة شديدة من الطرفين لكن جوهر الصقلي مال الى المكيدة فاغتال يعلي و اختفى ولده يدو (أو يدّ حسب أبي راس) فأخفقت بنو يفرن إخفاقا ذريعا. وأنتشرت الشيعة بالمغرب الأوسط. و في سنة 326هـ، حمل بلقين بن زيري على زناتة و نقل رؤساءَهَا و حشودا من بني يفرن إلى عاصمته أشير. و لم يبق بايفكان و تلمسان إلا المستضعفين. فَرﱠ يدو إلى سبتة يستنجد الأمويين ثم عاد إلى الظهور و أراد استعادة إمارة تلمسان و حدثت بينه و بين زيري بن عطية المغراوي الذي أراد أن ينفرد بالمغرب الأوسط، حروب طوال إنتهت بفشل يدو اليفريني فاختفى في الصحراء حيث مات سنة 338هـ فخلا الجو لمغراوة في المغرب.

و في مطلع القرن الخامس الهجري، أعاد بنو يفرن ملكهم على تلمسان و أعمالها إلى أن دخل بنو هلال المغرب فاستعان الحماديون بزغبة الإثبج في محاربة بني يفرن، فكانت بينهم وقائع برز فيها الأمير بختى من ولد يعلى اليفريني. فاستمرت إمارة بني يفرن بين مدّ و جزر إلى أن استولى يوسف بن تاشفين على المغرب الأوسط فأنهى إمارة مغراوة بوهران و إمارة بني يفرن بتلمسان.

كانت مواطن بني يفرن بجوار إخوتهم مغراوة :"فانتشروا في الغمار و أكلتهم البوادي و القفار.."أي من تلمسان و أعمالها إلى غريس و نواحيها. هم الذين أسسوا أقادير (تلمسان القديمة) و إيفكان : قاعدة يعلى بن محمد اليفريني.. غير أن الحروب و عواقبها أفضت إلى تشتيت شملهم.. ففي الغرب الجزائري، حلت قبائل بني راشد التي كانت تقطن جبل العمور محلهم في غريس و في أعمال تلمسان بقيت منهم "الآن جماعة قليلة متفرقة في القبائل لا يكادون يعرفون بحيث لم يبق لهم تنجع ولاعاقلة تعمل و لا عصابة لصريخ - سنة الله في عباده.."[9] كما توجد "نبذة منهم بشلف ومازونة".

أما غالبية بطونهم فانتقلت إلى عمالة قسنطينة حول سطيف و في إقليم الزاب : مثل بسكرة و ورقلة، و خاصة إلى شمال المغرب الأقصى" منهم غياثة حذو تازي و أهل تادلا..

كانت بنو يفرن قبيلة عظيمة ذات شوكة وملك "فاذاقهم ملوك الزمان (خاصة صنهاجة) وبال القهر و خطة الخسف و الذل.."

4.3. مغراة و امارة مازونة

إن جل حديث أبي راس عن مغراوة يوجد في الجزء الأول، أما الجزء الثاني فيتناول الحديث عن إمارة مازونة التي امتد نفوذها شمال جبال ونشريس ووادي شلف إلى البحر،و ينتهي شرقا إلى وادي السبت قرب متيجة و غربًا إلى البطحاء.

و تشتمل على جبال شاهقة و سهول خصبة ومدن عامرة منها مليانة و واجر و مازونة (قاعدة الملك) و برشك و شرشال.

غلبت على ونشريس و المدية أيام مؤسسها منديل بن عبد الرحمن واختطت قصبة سيرات، ثم ظهرت توجين بونشريس و مليكش و الثعالبة بمتيجة فانقبضت إلى مجالها الأصلي.

كانت مغراوة على الدعوة الموحدية، حتى وطئ أرضها أبوزكرياء الحفصى سنة 632 هـ فبايعته و خالفت سياسة عبد الواد، فنهض إليها يغمراسن، فعجزت عن مقاومته و استنقذت الحفصيين و سهلت لهم أمر الإستيلاء على تلمسان سنة 640 هـ. فعقد أبو زكرياء الحفصى لأميرها العباس إدارة إمارته و منحه الإستقلال الداخلى "أمره أن يأخذ زى الملوك من بنود و بطون و نجائب و غير ذلك"[10]  غير أن يغمراسن أجلب عليها حتى إستقامت على ولائه. لكنها استصرخت الحفصيين مرّة ثانية فلم يلبُّوا فتوجهت للمرينيين فلم تنفعها هذه السياسة. فجاء الأمير الزياني عثمان بن يغمراسن فاثخن في مغراوة و استولى على عاصمتها : مازونة سنة 686هـ و على تنس سنة 688هـ

و أعان ثابت بن منديل المرينيين على إحتلال تلمسان سنة 689هـ  فانتقم منه عثمان الزياني ففر ثابت الى فاس حيث توفي. و ملك إبنه محمد بن ثابت مازونة سنة 700 هـ و قاوم تارة الزيانيين و تارة المرينيين إلى أن التحق بالحفصيين سنة 708 هـ. تحالفت مغراوة مع عبد الواد في عهد أميرها على بن راشد (749-772هـ) فأخرجت عمال بني مرين من مدنها غير أن أميرها تقاعس على مناصرتهم فنهض إليه أبو ثابث الزياني و هزمهم بوادي رهيو فلجأ إلى تنس وانتحر. و حين أعاد المرينيون احتلال تلمسان، وَلُّوا حليفهم المغراوي على بن هارون بن ثابت إدارة الإمارة المغراوية فكان عدوا لعبد الواد فبادر أبو حمو موسى الزياني لحربه حتى أجلاه لجبال صنهاجة ثم لحق بفاس. فنامت مغراوة نومها الأخير سنة  776هـ.

تعتبر مغراوة من أعظم قبائل زناتة و قد انتشرت بطونها في كامل تراب المغرب من أعمال طرابلس شرقا إلى أعمال فاس غربا و من سجلماسة و الزاب و الجريد جنوبًا إلى البحر المتوسط شمالا، غير أن موطنها الأصلى هو إقليم وادي الشلف، يقول أبوراس "كانت أكثر قبائل المغرب عددا و أقوى ملكا و جندًا و أعز نفرا و أرفع شأنا..قوى تصرفها في أراضي المغرب من طرابلس إلى المغرب الأقصى".

قبل الإسلام، كانت تستوطن طرابلس ثم تصرفت في الإقليم الغربي من إفريقية. و تفرقت إلى عدة بطون منها بنو خزرون ملكوا طرابلس و بنو صقلاب ملكوا بطائح إفريقية وسنجاس بالزاب وجبل راشد و بنو ورسيفان بمليانة و نواحيها. و منهم بنو منديل ملكوا مازونة و تنس و بنو خزر أصحاب المغرب الأوسط و بنو بختي ملكوا تلمسان و ضواحيها[11] ومنهم بنو عطية ملكوا فاس و أحوازها. و في منتصف الرابع الهجري، ظهر خزرون بن فلفول بسجلماسة فازاح منها بني مدرار و حكمها بنوه إلى أن قضى عليهم المرابطون سنة 455هـ.

أسست مغراوة عدة إمارات كانت لها حروب و وقائع مع الزيريين و الحماديين و المرابطين. و منها بالمغرب الأقصى إمارة فاس و إمارة سجلماسة و إمارة أغمات و بالمغرب الأوسط إمارة وادي الشلف و إمارة وهران و إمارة تلمسان و إمارة إقليم الزاب وإمارة مازونة و بليبيا إمارة طرابلس. أفضت هذه الحروب إلى زوال ملكها و إلى إنقباضها في مواطنها الأصلية : وادي شلف غير أن فلولها كانت منتشرة في الزاب (سنجاس، و ريغة و الأغواط) و الشمال القسنطيني بين بجاية و عنابة و كذلك بوادي ملوية بالمغرب الأقصى..

كانت مغراوة قبل الإسلام تدين بالمجوسية حسب رأي أبي راس، غير أن إبن خلدون يقول إن الرومان أجبروهم على اعتناق المسيحية. و عند الفتح، قاومت مغراوة الفاتحين العرب لكنها أنهزمت على أيديهم، فأسلم قائدها و نزمار بن صقلاب حين وفد على الخليفة عثمان بن عفان فاكرمه هذا الأخير و عقد له على قومه ووطنه. فأسلم قومه عند رجوعه من المدينة المنورة.

أستقرت العقائد السنية في أغلب بطون مغراوة و فرقها إلا أن قلة منها في إقليم الزاب كانت على المذهب الإباضي حسب المصادر الاباضية.

5.3. سويد و بنو عامر

يتناولهما بالدراسة في الجزئين. تنتمي إلى زغبة بن ربيعة بن نهيك بن هلال. كانت مواطنهم الأولى بجبل غزوان عند الطائف و أخوتهم بنو سعد..

فبنو عامر "هؤلاء الذين بالمغرب بطون ثلاثة"، "بنو يعقوب استقروا بأرض اليعقوبية جنوب معسكر و بنو حميد منهم الحجز و جحوش و المحاجزة و بنو شافع" كانوا جند النصارى بوهران.

أما سويد فهم بنو سويد بن عامر بن مالك بن زغبة و منهم العطاف أرضهم غرب مليانة و الديالم أرضهم جنوب ونشريس، و فليتة (سهل مينا) و مجاهر (سهل مستغانم) و الحساسنة و مالفة (ضواحي عين تموشنت) وأولاد مقدار ومخيس (ضواحي وهران) و هبرة (سهل المحمدية) وصبيح (جبل دراك) و عريب (نواحي شلف).

ثم طلحة و الأحلاف. فطلحة من عرب المعقل من بطونهم ذّوي عبد الله و ذوي منصور و ذوي حسان : مواطنهم غربي تلمسان إلى الملوية (أرض أنقاد) كانت لهم الجباية على وجدة و ندرومة و مديونة و بني زناسن في عهد الزيانيين. أما حميان من بني يزيد بن عيسى بن زغبة كانت لهم الأتاوة قبل الزيانيين على أرض حمزة (بويرة الحالية) و الدهوس (بجوار بجاية).

نقل يغمراسن بني عامر من الصحراء إلى جنوب تلمسان إزاء المعقل الذين كثر عيثهم. و تبعت حميان بني عامر و صارت في عدادهم. وكانت الحروب بين الزيانيين و المرينيين فخاضت زغبة غمارها توسلا إلى دخول التل. ولما تمكن الضعف من بني زيان أيام أبي حمو الثاني، تغلبت بنو عامر على التلال فنزلت سهول بلعباس واتصلت مجالاتها بجبل هيدور فكانت حصّة حميان أرض الحفرة و ماوالاها (أو حفرة الأندلسيات)[12] و من حميان الذين انتقلوا إلى وهران المحاميد و بنو كرز و بني موسى و المرابعة و الخشنة...

كان سويد موالين لعبد الواد قبل تملكهم لتلمسان ورئاستهم في أولاد عيسى بن عبد القوي، ثم كان الخلاف بينهم و بين يغمراسن فنزلوا خلف مواطن توجين و حالفوهم على حرب الزيانيين.

أما بنو عامر فرئاستهم في بني يعقوب و يرادفهم بنو حميد. أبعد السلطان عثمان بن يغمراسن بني يعقوب وأستمال بني حميد فاستشاط بنو يعقوب فوصلوا أيديهم ببني مرين و حالفوا سويد. عظم شأن بني حميد لكنهم لم يسلموا من الخلاف مع عبد الواد، فتحالفوا تارة مع المرينيين و تارة مع بني حفص.

خلال العهد العثماني، تحالفت سويد - و كانت تسمى بالأمحال مع الإسبان في عهد رئيسهما حميد العبد، فأباد الاتراك عددا هاما منهم كانوا نزلوا في المالح و سيق و مستغانم و تنس و إقليم شلف. فلم يبق منهم سوى "مجاهر" بناحية مستغانم و فليتة بناحية مينا. و كذلك كان حال بني عامر التي آزرت الإسبان فقد أنقبضت مجالاتها وانحصرت مواطنها باقليم ملاتة وحلت محلها قبائل المخزن (دواير وزمالة) فملكت ملاتة و ساحل وهران ونزلت "غرابة" باقليم سيق.

6.3. القبائل الأخرى : مغيلة و مديونة و منداس

كانت مغيلة أمة بربرية من أبناء مادغس و إخوتهم لماية و مديونة و سماتة و ولهاصة...من أمرائها العظام أبو الحاتم كان على مذهب الخوارج، هزم عامل الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور فأستولى على طرابلس و حكم مدّة أربعين سنة و منها أبو الحسن الثائر أول الإسلام، و أبو قرّة الشهير. انتقلت غالبيتهم إلى المغرب الأقصى فناصروا المولى إدريس الحسنى واستقروا بين فاس و صفرو ثم ناصروا عبد الرحمان الداخل وأجازوه إلى الأندلس فانتقل عدد منهم إليها، و بقي منهم بالمغرب الأوسط، جيْلٌ بناحية واريزان قرب مازونة.

كانت مغيلة دار علم و ملك و ولاية من علمائها إبن عبد الكريم الشهير و المازوني صاحب الدرر..

أما مديونة، فكانت ديارها بجوار تلمسان، كانت في الجاهلية على الديانة اليهودية. و في الاسلام، أجاز كثير منها إلى الأندلس و بقي بالمغرب الأوسط أوزاع مندجمة في القبائل.. ومنداس نسبة إلى جدّهم، جلهم بجوار جبل ونسريش.

4. مدن و قواعد

يؤرخ أبوراس في الجزء الثاني خاصة، لعدد من المدن التونسية و الجزائرية، نفهم أنه يكتب عن مدن تونسية مثل سوسة و تونس و المهدية.. لأنه صاغ كتابه في شكل رحلة و قد كان بتونس حين سمع خبر حصار وهران و نفهم أنه يتحدث عن تلمسان و الجزائر و تنس و دلس في معرض التأريخ للجزائر لكن ما نستغربه أنه أعرض عن تناول وقائع معسكر و هي عاصمة البايليك و مقر سكناه.

أيعود ذلك لغياب المصادر لديه؟ أم لسبب آخر. نذهب إلى أن المضايقات التي كان يشكو منها دفعته إلى ذلك الإحجام. ينحدر أبوراس من وسط ريفي و لم يتمكن رغم مكانته العلمية من الإندماج في الارستقراطية الحضرية التي كانت تستخف بأهل الريف. يقول في هذا الصدد، وهو يشعر بهذا التمييز "الناس من داء عضال.. سهامهم مسمومة .. لا يملّون من الإنتقاد و الخلاف، يسقون من أفواههم العسل
و في قلوبهم السم.."[13].

1.4. الجزائر المحروسة

نهتم بالمدن الجزائرية و نترك المدن التونسية لعدم إتصالها بتاريخ المغرب الأوسط.. و نبدأ بمدينة الجزائر. أسسها بلكين في أيام أبيه زيري بن مناد. و سميت بجزائر بني مزغنة نسبة لقبيلة صنهاجية كانت تقطن بجوارها ولوجود جزر صغيرة على مسافة من الموقع الذي بنيت فيه. بلغت في القرن الخامس الهجري نوعا من الإزدهار إذ يقول عنها البكري" مرسى مأمون يقصده أهل السفن من إفريقيا و الأندلس و غيرهما".

كانت فيما بعد جزءا من مملكة بني حماد ثم استولى عليها المرابطون و دانت من بعدهم للموحدين. و لما حاول بنو غانية استعادة ملك أجدادهم، استولى علىَّ بن غانية عليها لكنه لم يحتفظ بها طويلا فقد ثار سكانها في وجهه و أعلنوا ولاءهم للمنصور الموحدي. إلا أن يحيى بن غانية استطاع أن يحتلها سنة 623هـ. وخضعت لنفوذ الحفصيين سنة 632 هـ لكن أهلها أبعدوا العامل الحفصي منها سنة 664هـ و أقاموا إمارة مستقلة بها عاشت إلى 672هـ  قضى عليها أمير بجاية الحفصى. خضعت للحفصيين ثم خرجت عن طاعتهم إلى أن افتكها السلطان الزياني أبو حمو موسى سنة 712 هـ. و خضعت للمرنييين مرارا أثناء حروبهم مع الزيانيين و استولى عليها أبو حمو الأصغر مرتين لكنه لم ينجح في الحفاظ عليها.

حينئذ، استفاد الثعالبة من الإضطرابات التي حلّت بها فأخذوها و ضموها لسطانهم، غير أن أمير الثعالبة سالم بن إبراهيم كان يعلن الولاء تارة للمرينيين و تارة للزيانيين، فقتلهُ أبو حمو الأصغر و ألحق الجزائر بمملكته. و تجددت الإضطرابات بين الأمراء الزيانيين فأخذها أبوزيان محمد من أخيه أبى حمو الأصغر واتخذها قاعدة لدولته التي امتدت إلى متيجة و المدية و مليانة و تنس، غير أن أهلها تمكنوا من اغتياله لسوء معاملته لهم. فظلت منذ ذلك الوقت إلى وصول الأتراك في حماية الثعالبة..

كان لميناء الجزائر شأن إذ كانت السفن الإيطالية ترسو به للتجارة. و اشتهرت المدينة بمساجدها أهمها المسجد الكبير الذي بناه المرابطون و أضاف إليه الزيانيون منارة جميلة. و من علمائها الولي الصالح سيدي عبد الرحمان الذي اشتهر بتفسيره "الجواهر الحسان".

تعرضت السواحل الجزائرية إلى الهجوم الإسباني في مطلع القرن العاشر الهجري، فخضعت الجزائر لتبعية الملك الإسباني الذي أمر ببناء "قلعة الصخرة" لمراقبتها. فضاقت سبل العيش بأهلها فحاولوا التخلص من الحماية الإسبانية و اتصلوا بالاخوة بربروس و عرضوا عليهم أمر قيادتهم "لعدم إستقامة دولة أهل تلمسان". دخلها خير الدين سنة 915 هـ (1516 م) و استقبله أهلها استقبال الأبطال. وحين أراد توطيد نفوذه بها، تآمر أعيانها عليه فنكل بهم. و عبثا حاول الإسبان انتزاعها منه ففشلت الحملتان الإسبانيتان عامي 1516 و 1519.

و حين قضى خير الدين على خصومه في الداخل "شمر للمدافعة عن الجزائر برًّا و بحرًّا، فحاصر القلعة الإسبانية إلى أن استولى عليها ثم هدمها و أخذ أنقاضها لبناء ميناء الجزائر الجديد (سنة 948 هـ) كما جدد تحصيناتها فأصبحت أمنع من عقاب الجو لا تخشى هجمات الدول المسيحية.

و في سنة 1541 م كانت الحملة العظيمة التي قادها الملك الإسباني شارل الخامس بنفسه على الجزائر يسعى إلى إنهاء الوجود العثماني بالمغرب. "قدم إليها الطاغية في زهاء سبعمائة سفينة"[14]. و نزل بجيشه عند مصب نهر الحراش، و لقيه حسن أغا بجيشه فهزمه في وقت "بعث الله ريحا عاصفة كسّرت أكثر مراكبه". فانسحب الإسبان يجرّون أذيال الهزيمة و غّنم حسن آغا غنائم كثيرة.

و لم تفلح الحملتان الانكليزيتان (عامي 1622 و 1655) في إخضاع المدينة
" فرموها بالبونبة و لم يفد شيئًا." و ضربت و حدات الأسطول الفرنسي الجزائر بغير طائل سنتي 1661 و 1655 م "فهدموا أكثر دورها و بعض مساجدها" و عاد الإنكليز مرتين سنتى 1682-1683 فدكوا المدينة بمدافعهم. "فصالحهم حسن باشا بلا مشورة أحد من أهل دولته "فقتله قادة الجيش و نقضوا صلحه فعاد الأسطول "يهدد المدينة سنة 1073 هـ، فهدم نحو 300 دار" دون أن يخضعها.

وحاولت القوات الإسبانية سنة 1775م أن تستولى على المدينة، فكانت الحملة التي قادها "أورللي" فنزلت إلى البرّ "وجعلوا أتراسا من الخشب" لكن الجيش العثماني حاصرها و قتل عددا هاما من جنودها "ورجعوا خائبين... حتى حضر هذه الوقعة المنصور بالله سيد محمد بن عثمان.. فظهر من إقدامه و إعتنائه مقامات تعد من مفاخر دولته"[15] و لم تعوّض الحملة الإسبانية التي قادها "برسيلو" سنة 1783 (1197 هـ) خسائرهم "فعادوا خائبين بعد أن هدموا أزيد من 200 دار".

لم يتعرض أبوراس إلى الحملة الإنكليزية التي قادها الأميرال اللورد اكسموث سنة 1815 رغم أهميتها. عموما يتضح من هذه الحملات المتكررة أن الجزائر كانت بالقوة التي تمكنها من التصدى للأساطيل الأوربية مهما كانت قوتها. إنها الجزائر المحروسة".

2.4. تلمسان : مدينة الجدار؟

يعتقد أبوارس أنها مدينة قديمة أسسها بنو يفرن لكنه لا يذكر تاريخ بنائها و لا من بناها. في لغة زناتة تعنى "تلم سان" تجمع التل و الصحراء. و يعني إسمها القديم "أقادير" في نفس الوقت: "جدار قديم و مدينة محصنة" أي مدينة الجدار.. يذكر أنها كانت ملتقى موسى بالخضر عليهما السلام وفق القصة التي رواها القرآن الكريم في سورة الكهف، لكن ابن خلدون ينفى ذلك لأن مملكة بني إسرائيل كانت بالمشرق و لم تمتد إلى المغرب.

إرتبط إسم تلمسان في المصادر العربية أولا بحركة الفتح العربي. بجوارها وقعت المعركة التي وَاجَه فيها الجيش العربي بقيادة أبي المهاجر دينار حشود أوربة بقيادة القائد البربري كسيلة. انتصر الفاتحون و أسروا كسيلة غير أن القائد العربي أحسن معاملته فأسلم هذا الأخير و قومه. ولما تولي يزيد بن معاوية الخلافة، عزل أبا المهاجر وردّ عقبة بن نافع إلى ولاية إفريقية و المغرب. خرج هذا الأخير بجيشه إلى المغرب فاحتل باغاية و نزل تلمسان، فلقيته حشود البربر و الروم فانتصر عليهم ثم سار حتى نزل طنجة ثم عرّج إلى السوس بالجنوب و أقفل راجعًا إلى قاعدته القيروان. فلما وصل طبنة وصلته أنباء مقلقة عن إفريقية، فأرسل معظم جيشه إلى القيروان و أبقى نحو 300 فارس عرج بهم إلى تهوذة في أحواز الزاب.

كان عقبة بن نافع قد استصحب كسيلة في حملته و كان يهينه، فَأَمَرَهُ - مرة بسلخ شاة بين يديه، فأضمر كسيلة الغدر و عزم على الفرار من معسكر العرب، فانسحب هو و قومه و كون جيشا و تحالف مع الروم لمقاتلة العرب، فترصد لعقبة  و قصده في جيش عظيم فدارت الحرب بينهما وانتهت بمقتل السرية العربية سنة 64 هـ. كان أبو المهاجر قد نهى عقبة عن إهانة رؤساء البربر لكنه لم يسمع. شجع مقتل عقبة كسيلة الذي زحف على القيروان فانقلبت إفريقية نارا و عظم البلاءُ على المسلمين.

كانت تلمسان خلال القرن الثاني الهجري قاعدة إمارة الخوارج الصفرية بقيادة أبى قرّة اليفريني، الاَّ أن إدريس الأول انتقل من وليلي لغزو أقادير سنة 173 هـ    و محاربة بني يفرن. لكن سكانها بايعوه لشرف نسبه، فمكث بها سبعة أشهر و بنى بها مسجدًا : (المسجد الأعظم و منبرهُ).

توفي إدريس الأول، فلحق أخوه سليمان بأقادير و طلب الأمر لنفسه، فأذعنت له زناتة. و في عهد إبنه محمد زحف إدريس الثاني على أقادير لاخماد نار الثورة الصفرية بها. فطهَّر تلمسان و ماجاورها من العقائد الخارجية واستقر بها الإسلام على مذهب أهل السنة.

و أنشأ يوسف بن تاشفين "تاقرارت" في العقود الأخيرة من الخامس الهجري بجوار المدينة القديمة "القرية المسكونة الآن بمكان محلته." و استعمل عليها محمد بن تينعمر. و بعد ذلك غزاها المنصور بن الناصر بن علناس الأمير الحمادي، فصالحه يوسف. إلا أن المرابطين أعادوا غزوهم للجزائر بقيادة عاملهم محمد بن تينعمر فردهم عنها عبد الله بن المنصور الحمادي و كانت الوقائع شديدة فحاصر المرابطون المدينة يومين لكنها لم تسقط بأديهم فهلك محمد بن تينعمر و حل محله أخوهُ تاشفين، فغزا أشير و افتتحها و خربها و كان لبنى "ومانو" و بنى يلومي "أثر في مظاهرته و إمداده مع أنهم كانوا من جهة بني حماد، فأحقد عليهم المنصور الحمادي
و غزاهم ثم نهض إلى تلمسان فلقيه جيش المرابطين بتسالة فانهزم المرابطون و دخل المنصور تلمسان و عاثت عساكره بها و عظمت المحنة على أهلها فخرجت "حواء" زوجة تاشفين بن تينعمر "متوسلة إليه بوشائج الصنهاجية فأكرم متواها و أفرج عنهم في يومه و بقيت أقادير بيد لمتونة إلى أن أخذها منهم عبد المؤمن سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة."[16]

كانت تلمسان في عهد المرابطين مركزا للدراسات الفقهية و الكلامية واشتهر فيها نفر من العلماء البارزين منهم أحمد بن نصر الداودي الذي قدم إلى أقادير و أقام بها حتى مات سنة 402 هـ. ألَّف "النصيحة" في شرح صحيح البخاري و "كتاب النامي" في شرح موطأ مالك و "كتاب الواعي" في الفقه و "الايضاح" في الردّ على القدرية و المعتزلة.

بقيت تلمسان تحت نفوذ المرابطين 75 سنة، و حين استولى عبد المؤمن الموحدي على وهران، بادرت جماعة من أعيان تلمسان إلى لقائه يلتمسون منه الآمان فلقيهم أحد قادته في وادي تافنة و قتلهم عن آخرهم. فطار الخبر إلى المدينة و سرى في سكانها الخوف وساءت بها الفوضى، و بعد حصارها، دخل عبد المؤمن تلمسان و عاث عساكره في أنحائها يقتلون و ينهبون..

و تعاقب على إدراتها عمال ساهموا في إعادة بنائها و تشييد أسوارها و إرجاع الرخاء لها. في عهد الموحدين انتشر التصوف بالمغرب فكان من مشاهيره "أبو مدين" دفين العباد..

خلال النصف الأول من القرن السابع ضعفت دولة الموحدين فتعرضت لضربات القبائل الزناتية البدوية : بني عبد الواد و بني مرين في حين انفصلت إفريقية بقيادة الحفصيين.

أسس بنو زيان دولتهم على أراضي المغرب الأوسط  اتخذوا تلمسان عاصمة لهم. غير أن الدولة الزيانية تعرضت خلال القرنين السابع و الثامن الهجريين لغزوات مستمرة شنها الحفصيون بتونس و المرينيون بفاس و كان النصرُ حليف الغزاة في غالب الأحيان. و مع ذلك و جد أمراء تلمسان و قتا يزينون فيه عاصمتهم بمختلف المباني وانصرفوا إلى تشجيع العلوم ففتحوا المدارس للطلبة منها مدرسة العباد التي درس فيها ابن خلدون و المدرسة التي بناها أبو حمو و أشرف على التدريس بها الإمام و إبناه.

كان لتلمسان الزيانية شأن هام في علاقاتها التجارية بالصحراء و السودان من ناحية و بالاندلس و المشرق من ناحية، فكان ميناؤها حنين يستقطب مبادلاتها مع المدن الأندلسية و الإيطالية .. و لم تكن مركزا تجاريا وسوقا لمنتجات الإقليم بل إنها تنتج منتجات صناعية مطلوبة في المشرق والمغرب.

و في القرن العاشر، استفادت المدينة و أحوازها من هجرة الأندلسيين، فكانوا سببا في ترقية إقتصادها و إرشاد سياستها ونهضة علومها و فنونها.

استقر نفوذ الاخوة "بربروس" بالجزائر العاصمة فدانت لهم البليدة و مليانة و المدية بالطاعة. فقرر "عروج" إنقاذ تنس من يدي أميرها الزياني "الثابثي" المتحالف مع الإسبان، فدخلها في جانفي 1517 و جاءه وفد من أعيان تلمسان يشكو له اضطراب الأحوال السياسية في مدينتهم بسبب تنازع الأمراء الزيانيين. فلبّى الدعوة و توجه إلى تلمسان فلقيه جيش أبي حمو الثالث فهزمه و دخل تلمسان وأعاد أميرها الشرعي أبا زيان إلى عرشه. وكان هذا الأخير قد اعترف بتبعيته للسلطة الجديدة. غير أن أفراد الأسرة الزيانية، استغلوا خروج عروج إلى الناحية الغربية فنبذوا الطاعة و أعلنوا العصيان فامر عروج الذي كان يتسم بالحزم و الشدة بقتل أبى زيان وأنصاره. يقول أبوراس "ثم زحف إليهم بمن معه و كان شديد البأس فدخل تلمسان عنوة و قتل سبعة من المترشحين للملك من بني زيان و نحو الستين من بني عمهم أولاد عبد الواد وأكثر من ألف من أهل البلد وعاث في تلمسان".

كان الأمير أبو حمو الثالث قد فرَّ إلى وهران يستنجد الإسبان، فتحرك الجيش  الاسباني ومعه أبي حمو إلى تلمسان فحاصرها ثم دخلها فاضطر عروج وأتباعه إلى الخروج منها فلاحقه الجيش الاسباني و قتلوه ومن معه بجبال بني زناسن.

يذكر أبوراس رواية أخرى أقرب إلى الاسطورة دون أن ينفى صحتها. و مفادها "لما عثا عروج و أساء السيرة و أفحش في القتل و السبي فثاربه أهل تلمسان ثم أوقع بهم و خرج إلى جبل بني زناسن فأشفق أهل تلمسان على أنفسهم وخافوا من رجوعه إليهم فلجأوا إلى الشيخ أحمد بن ملوكه - و كان وليا صالحا - و شكوا إليه مانالهم منه و ما تخوفوه، فانقبض الشيخ انقباضًا عظيما ثم ضرب الأرض بيده و قال "لارجع إلى تلمسان أبدًا اعتمادا على الله تعالى". فكان كما قال و قتل عروج التركماني ومن كان معه من الأعلاج و التركمان"[17].

أجلس الاسبان على عرش تلمسان صنيعهم "أبا حمو" سنة 924 هـ (1518 م) فأبعد هذا الأخير أخاه مسعود عن الحكم فلجأ إلى خير الدين يستصرخه على أن يعترف بالنفوذ العثماني فأمدّه بالمال و الجيش فأخرج أخاه إلى وهران و ملك مسعود تلمسان ... إلى هذا التاريخ تنتهي رواية أبى راس لكن الصراع على تلمسان و تصفية الحكم الزياني استمرا إلى سنة 962 هـ (1554 م) حيث أعلن البايلرباي صالح رايس انضمام تلمسان إلى الدولة الجديدة.

في العهد العثماني، تراجعت التجارة و تعطلت نسبيا الحياة الاقتصادية و حين هاجر عدد من علمائها مثل الونشريسى و المنداسي و المقري الجزائر لاضطراب الأحوال السياسية، انحصرت الحياة العلمية بتلمسان، دليلنا في ذلك شهادة
أبي راس الذي زار تلمسان خلال رحلته إلى المغرب الاقصى "ولما رجعت من فاس، دخلت تلمسان فسألت عن علمائها... أما علماؤها فأولاد بن زاغو من مغراوة و العقابنة من الأندلس و المزارقة من عجيسة.. و المقارة من مقرة قرية بالزاب و أولاد الامام و الشرفاء الأدراسة : أبو عبد و أولاده و الشيخ أحمد بالحاج و بنوه.. و أما الآن فهي كالأمس الدابر و الميت القابر فقد استولى على أكثرها الخراب و ناح على خاوى عروشها الغراب.. فأصبحت خامدة الحسّ ضيقة النفس كأن لم تكن بالأمس"[18]

3.4. تاهرت الاباضية

كانت تاهرت (أو تيهرت حسب بعض المصادر) عاصمة الائمة الاباضية من بيت عبد الرحمن بن رستم "من ولد رستم أمير الفرس أيام القادسية"، و هي غير تيارت الحالية التي بناها الفرنسيون على أنقاض المدينة القديمة التي أسست قبل الاسلام.

اختط عبد الرحمن بن رستم عاصمته "بسفح جبل كزول على رأس تلول منداس شرقي نهر مينا"[19] سنة 144 هـ (761 م) لا سنة 218 هـ كما يذكره أبوراس. وكان قد فرّ من القيروان و التجأ إلى حُلفائه من قبيلة لماية بالمغرب الأوسط عند زحف الجيوش العربية بقيادة إبن الاشعث ثم اتسع عمرانها و تقاطر عليها الناس من كل إقليم بدافع التجارة و المذهب. تبعد عن المدينة القديمة بنحو خمسة أميال و هي محاذية لتاقدمت الشهيرة.

دام ملك الاسرة الرستمية بتاهرت إلى سنة 298 هـ حين أستولى عليها الشيعة بعد مقتل آخر ملوكها اليقظان على يد قائد العبيديين عروبة بن يوسف الكتامي سنة 296 هـ "بعد حروب طوال غلبهم في آخرها وانقرض أمرهم بها".

ولما أراد عروبة الكتامي الرحيل عنها، عقد عليها لأبي حمير دواس بن صولات.. فاتصلت حروبه مع لماية شيعة بني رستم.. "و كانت لماية مستوطنة أرض السرسو و يبلغ عدد خيولها 30 ألفا أو يزيد على ذلك فاثخن فيهم دواس و فرقهم "فبعضهم انتقل إلى جبل مصاب (ميزاب) و بعضهم إلى جبل بني راشد".[20]

بعد سقوط الرستميين، أصبحت تاهرت نقطة عراك بين الشيعة ومغراوة "فتغلب عليها محمد بن الخير أحد ملوك وهران.. و نزلت عساكر بني أمية بها أيام المنصور بن عامر.." غير أنها بقيت بأيدي الشيعة إلى أن استولى عليها المرابطون ثم الموحدون..

عندئذ، أخد عمرانها في التراجع وأحرقت النيران أسواقها.

ثم كانت فتنة بني غانية، فكانوا يشنون الغارات عليها و يكررون اقتحامها المرة بعد المرّة إلى "أن اختل ساكنها و خلا جوها و أعفى رسمها سنة 685 هـ و ذلك آخر العهد بعمارتها"[21] لأنهم احتملوا أهلها فتفرقوا في البلاد و ذلك سنة 620 هـ (و ليس 685 هـ كما يذكره أبوراس.)

 وبجوار تاهرت، تقع "الأجدار" و هي "آثار من بناء الأقدمين : قصور على الجبال الثلاثة المبنية بالحجر المنحوتة، تبدو للناظر على البعد و كأنها أصْنمة : أي قبور.. وقد رأى إبن الرقيق كتابة في حجر منها فُسِّرَ له "أنا سليمان السردحاوس خالف أهل البلد على الملك فبعثنى الله إليهم وفتح علّي و بنيت هذا البناء للذكر به"[22]

4.4. تنس : القرية الاندلسية

"قرية على ساحل البحر الرومي "بناها أندلسيون في القرن الثالث الهجري على مسافة ميلين من البحر. يعود بناؤها حسب البكري إلى سنة 262هـ (876 م)، سكنها أول مرّة أهل مرية و مرسية ثم أنضم إليهم بعض الأهالي من سوق إبراهيم "ينسب إلى بني إبراهيم" و الذي هو غربي العروسي حيث مصب وادي إيسلي في وادى الشلف"

حكمت مدينة تنس أسرة إبراهيم التي تنتمي إلى الاشراف السليمانين دانت لسلطان الأمويين في الأندلس. ثم تناوب على حكمها منذ القرن الرابع الهجري عدّة دول كانت تتنازع حكم المغرب الأوسط و هي العبيديون و مغراوة و صنهاجة والمرابطيون و الموحدون. "أخذها - أول مرّة- العبيديون على يد عروبة الكتامي ومصالة المكناسي.. و لما إنتقل المعز إلى مصر، أستولى عليها بلكين بن زيري من صنهاجة و ملكها كغيرها من أمصار المغرب الأوسط."[23]

ثم ملكها المرابطون فالموحدون إلى أن أستخلصها بنو منديل "أمراء مازونة" فانضمت إليهم في القرن السابع الهجري. ولما قام الحكم الزياني بتلمسان، استولى عليها السلطان عثمان الذي "استلحم مغراوة و عفا رسمهم و قطع ملكهم..."

و في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، استقلت عن السلطة المركزية بسبب النزاع بين أفراد الأسرة الزيانية فخضعت لفرع منها بادىء الأمر ثم ملكها شيوخ من أهلها إلى أن أستولى عليها عروج في مطلع سنة 1517 م. و في سياق جهوده لتصفية الحكم الزياني، أعاد خير الدين أحتلالها فعين عليها قائدا و نصب حامية بقصبتها.

خلال القرنين العاشر و الحادي عشر الهجريين، أزدهرت مدينة تنس بفضل خصوبة أحوازها التي كانت تنتج الحبوب و الفواكه فيصدر جزء منها إلى أروبا، غير أن تجارتها أنقطعت في مستهل القرن الثاني عشر فأسرع الخراب إليها.

إلى مدينة تنس، يرجع نسب الحافظ التنسي صاحب الدرو العقيان في شرف بني زيان".

5. أبوراسو فتح وهران

في مقدمته لكتاب "الثغر الجماني" يؤاخذ الشيخ المهدي البوعبدلي أباراس على هزالة مادته التاريخية و يتهمه بالاستطراد في المسائل البعيدة عن الموضوع. أي تاريخ فتح وهران.

يجب أن نكف عن اعتبار تأليف "عجائب الأسفار" ذخيرة" أو مستودع للمعطيات التاريخية. إن هذه الرؤية التي تنظر إلى المصادر القديمة نظرة ضيقة، تقلل من قيمتها. لم يكن غرض أبي راس تأليف كتاب أخبار حتى نطالبه بتدوين جميع المعطيات المتعلقة بالفتح بل كان قصده شرح قصيدته "نفيسة الجمان"التي قرأها على مسامع الباي محمد الكبير فدعاه هذا الأخير إلى توضيح معانيها و ألفاظها..
و كان من الطبيعي أن يتناول هذا العمل مباحث متنوعة تتصل باللغة و الأدب ثم التاريخ و النسب.

لا يجب أن ننسى أن سعي أبي راس يدخل في سياق مشروعه المتمثل في إحياء فنون الأدب بما فيها التاريخ "إني في زمن عطلت فيه مشاهد العلم و معاهده و دست مصادره و موارده و قلبت دياره و مراسمه... واستوطن فحولها زوايا الخمول" لهذا جاء تأليف "العجائب" أقرب إلى الرحلة حيث تتقاطع المباحث الأدبية بالمباحث التاريخية. إنه محطة ثقافية ترصد واقع العلوم و فنونها في لحظة زمنية معينة.

ثمة عامل آخر ينفي تهمة التزهيد في المادة التاريخية عن أبي راس. فلم يكن مؤلفنا كاتبا لدى الباي محمد الكبير حتى يكلفه بكتابة وقائع الفتح كما لم يكن ملازما لقصره مثل ابن سحنون حتى تتوفر لديه الوثائق و الرسائل الضرورية لمعالجة أخبار الفتح بالدقة المطلوبة.

يقترح علينا أبوراس نصًّا لا يخلو من قيمة علمية إذ يتناول قضايا الحصار و الرباطات و المفاوضات و الجلاء بطريقة مغايرة، تركز على التصورات و التمثلات أكثر مما تهتم بالأحداث.

1.5. صدى حصار وهران

في نظر أبي راس، لم يكن الحصار الذي فرضه الباي محمد الكبير على وهران حدثا عاديا لأنه ترك صدى عميقا في المخيلة المغاربية. لقد سمع به في إقليم تونس – مدن و بوادي – حين كان راجعًا من رحلة الحج... "لما خرجنا من البحر في شهر شعبان سنة 1205 هـ.. وجدنا خبر محاصرة المنصور بالله سيدي محمد بن عثمان لوهران بسوسة و المنستير و صفاقس.. ووجدنا خبر جهاد وهران عند أهل جربة
و أيضا أهل تونس سمعوا...[24]

وحين استعجل السفر و رام العودة إلى ديار الوطن بسرعة كان "خبر الجهاد قد انتشر في الأيالة القسنطينية : مدنها و أريافها.

يؤكد لنا مؤلفنا أن الجهاد – أي حماية دار الاسلام  و تأمينها – واجب الدولة و الأمة معًا، بفضله تلتحم السلطة بالجماعة.

لهذا يستعرض جهاد المدن التونسية ضد التحرشات المسيحية منذ بدء الغزو المسيحي للثغور. فالثغر "هو الذي يكون على سيف البحر.. أي ساحله يقع الخوف من العدو فيه.. و الثغر محل رباط "إذا ارتفع الخوف عن الثغر لقوة الاسلام به أو بعده عن العدو زال حكم الرباط..."[25]

فسوسة من أعظم مدن الساحل التونسي، استولى عليها طاغية صقلية سنة 543 هـ ثم دخل المهدية و استولى على صفاقس و طرابلس و المنستير وفرض عليها الجزية إلى أن استردها عبد المؤمن سنة 555 هـ.

و المهدية : قاعدة الفاطميين، لم تنج هي كذلك من العداون المسيحي، "فقد غزاها الكفار ثلاثة مرات..." ثم تحررت بالجهاد.. وجربة "جزيرة أحاط بها البحر يدخلها الناس على متن المراكب و سكانها على مذهب الخوارج" هي كذلك تعرضت للغزو. "فقد استولى عليها النصارى سنة 529 هـ ثم حررها أهلها سنة 548 هـ غير أنها بقيت مترددة بين النصارى و المسلمين إلى أن استولى عليها عبد المؤمن" ثم عاد إليها نصارى صقلية في عهد الحفصيين سنة 688 هـ و بقيت بأيدهم إلى أن فتحت سنة 738 هـ. اشتهرت بجهادها ضد النورمان و فرسان مالطة.

ولم يتوقف الجهاد في الثغور ضد الجنويين و برشلونة و البندقية منذ القرن الثامن الهجري "و بقي مستمرا ضد أمم نصرانية أخرى إلى غاية الآن"[26].

إذن، لا يتحدث أبوراس عن الحصار و أطواره و إن شهد بطوله إذ يخبرنا بأن محمد الكبير أمر به سنة بعد توليته إمارة الغرب الجزائري. فقد كان تحرير وهران والمرسى الكبير شغله الشاغل : انفق من ماله الخاص لشراء المدافع و الذخيرة من جبل طارق و المغرب الأقصى، تكفل بتموين الطلبة المرابطين بجبل المائدة  و قرية إيفري لمضايقة الاسبان بالسلاح و الغذاء و المال، جمع المتطوعة من كل جهة و أعدَّ الجيش للقتال وراسل الداي محمد بن عثمان  و من بعده  حسن باشا بهدف توحيد الموقف و إنجاح  المفاوضات عن طريق الضغط على الاسبان في وهران[27].

يعتبر أبوراس تجربة الموانئ التونسية في الجهاد عبرة و يعتبر الباي محمد الكبير بطلا من أبطال الجهاد في الاسلام و يقارنه بسيف الدولة. "لقد كان سيف الدولة محبا للجهاد كثير الغزوات و الفتوحات لقد  طالت مواقفه مع الكفرة..." و كذلك كان موقف الباي محمد الكبير الذي صرف جُهده من أجل إنهاء الوجود الاسباني بوهران و المرسى الكبير، لا يقلّ عنه أهمية في الجهاد. "فكان إذ ذاك أكثر همته مصروفه لحربها و التضييق عليها وشن الغارات على من يوجد بساحتها نحو إثني عشر سنة إلى أن حاصرها محاصرة الفتح".

2.5. إحياء الرباط

يشيد أبوراس بمؤسسة الرباط و يؤكد أن التجارب التاريخية تؤكد فعاليتها. فمن العلماء الذين اتخذوا الرباطات في الجهاد و عمروها بالطلبة : الشيخ أحمد بن ثابث و المجاهد العياشي و العالم محمد بن عبد الكريم المغيلي.

فالشيخ أحمد بن ثابث رابط بوادي إيفري مع طلبته خلال الفتح الأول "فكانوا أشد الناس مسارعة لاجابة دعاء السلطان بكداش لهذا الجهاد المبارك". فالطلبة "رهبان بالليل، أسود بالنهار" ينشغلون بتلاوة القرآن الكريم بالليل و يراقبون الكفار بالنهار، فإذا خََرجت طائفة منهم إلى الوادي، هاجموها، فتعذر عليهم الخروج إلى مزارعهم و مغارسهم.. فقد حاصروهم محاصرة شديدة "وكانت بينهم وقائع كثيرة استشهد فيها كثير من الطلبة".

أما العلامة ابن عبد الكريم المغيلي "فهزته الغيرة الاسلامية و حركته أوامر المعروف فجاهد في يهود توات أشد الجهاد و شفي منهم الغليل و حقد الأكباد.."[28]

فالمجاهد العياشي عالم فقيه أقام الرباط بناحية الغرب و جند لها آلاف من المجاهدين فقاوم الاسبان في طنجة و العرائش و المعمورة و غيرها و أثخن فيهم، فأرهقهم بالخسائر المادية و البشرية خلال العهود الأولى من القرن السابع عشر..

وقد أحيى الباي محمد الكبير الرباط، فقد أشرف بنفسه على تسليحه و تنظيمه فعين له رئيسا و مساعديه و أرسل رسله لتجنيد الطلبة و منع التدريس بكامل الايالة إلا في الرباط، و كان يقوم بتموين الطلبة المرابطين بالمال و المؤن ويتدخل في فصل الخصومات التي تحدث بينهم. فاجتمع له نحو 500 طالب كانوا يمنعون الاسبان من الخروج إلى الوادي "فاشتدت شوكتهم على النصاري و عظمت فيهم نكايتهم و تكالبوا على قتالهم".

فقد استشهد عدد هام منهم أثناء الحصار و خلال المعارك، يتقدمهم رئيسهم الشيخ الطاهر بن حواء : قاضي معسكر.. يقول أبوراس عن مآثرهم "وقد ظهر بوهران لهم من الشجاعة أمور غريبة وإقدامات عجيبة و صبر خرج عن المعتاد.. فلا هم من العدو يفرون ولامن صواعق البونبة يتضعضون وهم مع ذلك يهجعون بتلاوة القرآن المجيد، مداومون على ذكره بترتيل و تجويد.. كل ذلك ينم عن فنائهم بواد وهران كل حين لرجة.. فقد أعدّو اللكفرة أقوى عدّة.."

3.5. المفاوضات

يتعرض أبوراس للمفاوضات حول تحرير وهران دون تفصيلها، نفهم ذلك لأنه التحق بمحلّة الباي بعد الحصار و لم يكن يعلم مثل ابن سحنون بمضمون المراسلات بين الداي و الادارة الاسبانية[29].

لا يشرح لنا أطوارها لكنه يعتبرها نتيجة حتمية للحصار. "إن الكفرة أذلهم الله.. لما علموا من المنصور بالله ما هو عليه من كثرة جنوده و شدّة حزبه.. فأصبحوا فرائس له يتوقعون وثبته عليهم، جعلوا للتوسل بالصلح و سائط و ألزموا أنفسهم عدّة أمور و شرائط.. بادلين على ذلك المنا اللهاء و الرشا حتي أنهم توصلوا بسلطان الجزائر محمد بن عثمان باشا و بعد موته طلبوا في ذلك خليفته حسن دولاتي وألحوا عليه في المراسلة و كذلك توسلوا بجميع أهل دولته.."[30]

بدأت المفاوضات بين الحكومتين الاسبانية و الجزائرية في جوان 1785 و كان الهدف منها إبرام معاهدة صلح بين الدولتين و انتهت بعد سنة (جوان 1786) دون تسوية مسألة وهران. تنص اتفاقية الصلح في مادتها العشرين "تبقي مدينة وهران و قاعدة المرسى الكبير على ما كانت عليهما من قبل دون اتصال بالضواحي و أن لا يهاجمها داي الجزائر أبدًا و لا يقوم باي معسكر بأية غارة عليها إذا لم يتلق أمرًا من الداي.. غير أن النصارى لا يكونون في مأمن في مكان أبعد من رَمية المدافع".

في سنة 1787، شن محمد الكبير غارات على القاعدتين ودكهما بالمدافع لأن الحامية الاسبانية كانت تغير على ضاحية وهران من حين لآخر، فتنهب و تسبي و تقتل. على إثرها، طلب حاكم وهران هدنة تعهد بموجبها احترام اتفاقية الصلح و الامتناع عن مهاجمة الضواحي.. قبل الزلزال الذي ضرب وهران (اكتوبر 1790)، كان الباي محمد الكبير يعمل على تدعيم الرباطات و توسيعها و الاكثار من السرايا و الكمائن خاصّة ضدّ فرقة المغاطيس المتعاونين مع الاسبان.

فَحَال وقوع الزلزال، اسْتغلَ الباي حادثة إطلاق النار على قواته، فاستأذن الداي محمد بن عثمان في إحكام الحصار على القاعدتين و مناوشة حاميتهما. "فجاءهم في جند عظيم.. شديد البأس، يحتوى على نحو الخمسين ألفا، فظهر بذلك من قوته و بأسه و سطوته ما بهر به الكفار و أدهشهم و ازدادوا منه خوفا" و "قد قسم جنده، فترك معظمه معه و أنزل الباقي مع ابنه الانجب السيد عثمان و بعضه الآخر مع صهره الأجل السيد محمد بن ابراهيم كل منهما في جهة بمحلة عظيمة، مع الأول أهل تلمسان و أحوازها و قبائل من الاعراب كفليته و غيرهم و مع الثاني أهل مازونة و مستغانم و القلعة و أعراب الشرق.."[31].

غير أن الاسبان استغلوا هدنة طلبوها لارسال الامدادات إلى القاعدتين (نوفمبر 1790)، فأفشلوا الحصار رغم أن فرقة بني زروال كانت قد تمكنت من الاستيلاء على قلعة "برج العين" "فكان يوما 13 من صفر 1205 - قعقعت فيه المدافع فزلزلت الجبال..".

عاد محمد الكبير إلى معسكر "ليجمع العدد الذي يقاتل به أمثال أولائك الجهلة.. و لم يزل جادًّا في جمع الالات.. و جمع البارود و الرصاص و كور المدافع.. فوجه رسله إلى بلاد الانقليز (جبل طارق) لشراء ذلك،.. و بعث أيضا إلى ناحية زواوة من أتَاهُ بكثير من البارود.. وجمع أرباب الصنائع من النجارين و الخراطين و الحدادين و صناع البارود من كل بلد.. كالجزائر و تلمسان و مستغانم.. و بعث.. إلى ناحية فجيج من يأتيه بحفرة الالغام، فقدم عليه بمائة منهم و ألحقهم بالطلبة.."[32].

و حين أكمل إستعداداته، إنتقل إلى وهران لتجديد الحصار فدعا الناس للجهاد "فجاءته الحشود من كل حدب وصوب" وبعث إلى البلدان البعيدة، فأوتى بجميع أعلام أولايائها الاكابر كسيدي عبد الرحمان و السيد أبي مدين و السيد أحمد بن يوسف و السيد محمد بن عودة ومقامات شيخ الحضرة السيد عبد القادر الجيلي و غيرها ليحضر بها القتال تبركا بها واستعانة بأهلها".

تتحدث المصادر المحلية عن خطة الحرب، و أعداد الجيش (100 فسطاط) و عتاده و الطريق الذي سلكه الباي محمد الكبير من معسكر إلى سيق و من سيق إلى وادي تليلات و منها إلى أغبال ثم تذكر مواقع المحلة كالمبرك و موسولان و مسركين و المائدة ووادي الهايج..

و تجددت العمليات العسكرية حول الأبراج الواقعة في وادي وهران كبرج العيون و البرج الجديد و برج الأمحال. فكان وقعها شديدا على الحامية الاسبانية. حينئد طالبت الحكومة الاسبانية من قنصلها بالجزائر مباشرة المفاوضات مع الداي محمد بن عثمان فعرضت عليه التنازل عن وهران و الاحتفاظ بقاعدة المرسي فكان الرفض (15 فبراير 1791) و طلبت منه هدنة مدّتها شهرا (20 مارس إلى 20 أفريل) للتفكير فقبل.

انتهت مدّة الهدنة دون أن تقرر الحكومة الاسبانية شيئا فعادت الحرب من جديد (ماي - جوان 1791) و قامت الحكومة الاسبانية بامداد قاعدتها بالجيش و السلاح دون جدوي "فزاد البلاء على الكفار.. واشتد عليهم ضيق البلاد".

و توفي الداي محمد بن عثمان (جوليا 1791) أثناء الحصار و خلفه حسن باشا، واستمرت المفاوضات و تزامنت مع شدة القتال و المعارك إلى أن انتهت بعقد الصلح. فوقعه الداي حسن باشا يوم 12 سبتمبر 1791 و صادق عليه الملك الاسباني شارل الرابع يوم 12 ديسمبر 1791. تنص المعاهدة على:

جلاء الاسبان من القاعدتين : وهران و المرسى الكبير في مدّة أقصاها 4 أشهر بعد التوقيع.

حق الاسبان في إقامة شركة تجارية بوهران مقابل دفع رسوم.

يقول أبوراس "و طلبوا أن يعقدوا بيننا و بينهم الصلح في الحال على أخذ البلد و اعطاء الالافات من المال و كتبوا بذلك للمنصور بالله فوافق على ما أحبه أكثر المسلمين وارتضاه.. و تحمل النصارى من المغارم أثقالها.. حينئذ و ضعت الحرب أوزارها.."   

4.5. الباي  محمد الكبير يدخل وهران

تصف لنا المصادر دخول الباي إلى وهران في يوم مشهود (5 رجب سنة 1206 حسب أبي راس) و كان من قبل، "ينظر إلى الاسبان وهم يرحلون" من ربوة بقرية كريشتل الساحلية[33].

و"جاء الخبر بذهابهم جميعا.. فبعث بالأعلام الاسلامية فنصبت على شواهق الأبراج" ثم أمر جنود المدفعية بتعمير الأبراج، عندئذ انتقل الجيش بقيادة الباي، يتقدمه طائفة من العلماء يقرأون البردة و يحملون على ظهر بغلة كتاب البخاري.

وعند استقراره بالبرج الأحمر، جاءته الخاصة للتهنئة، ثم كتب الرسائل إلى الأمراء و الملوك و بعث مفاتيح المدينة إلى الداي حسن باشا "و قد حل بها الإسلام أول الربيع و هو الرابع من رجب سنة ست و مائتين و ألف" و في اليوم الثاني، زار محمد الكبير المدينة و تفقد أبراجها "فلم يكونوا قد هدموا.. إلاّ مواضع لا إغاضة للاسلام فيها.. و أما دور السكني فكانت قد تهدمت بالزلزلة..غير أنهم جعلوا خارجها بين الابراج  بيوتًا من اللوح رائعة الشكل، بديعة الوضع.."[34] و في اليوم الثالث أذن للناس بتعمير المدينة، فكان ابنه يشرف على توزيع المنازل عليهم و في اليوم الرابع، ركب البحر لتفقد برج المرسي ثم رجع واشتغل بالبناء و التعمير.. على إثر الفتح، كرَّمه الداي حسن باشا وألبسه "الجلنك" أي الرشية الذهبية التي توضع على العمامة.

هذه المعلومات لا نجدها في العجائب، مايهم أبوراس هو عرض معطيات تتصل بالمخيال الاسلامي في الاقليم. يعقد مؤلفنا مقارنة بين معاهدة الجلاء و صلح الحديبية و يعتبر تحرير وهران تعويضا لضياع الاندلس. يعني تحرير وهران عودتها إلى الاسلام : ديانة التوحيد، فقد تطهرت من أوثان التثليث " فلا يسمع بها ناقوس ولا يرى صنم و لا كنيسة ولاراهب"[35] فقد غير الاسلام معالم النصاري "فلا نهي لهم ولا أمر.. فقد دفن الكفر بها.."

أما الباي محمد الكبير، فيعتبره "نموذج الأمير" الذي تحلم به الجماعة الاسلامية. يتميز بالحزم لأنه قاوم الفتن فأخضع القبائل المنشقة عن السلطة و مهّد البلاد، فحقق وحدة الدولة و المجتمع... وجاهد من أجل حماية دار الاسلام و فرض الأمن و الآمان "حتى أصبحت الشاه ترعي مع الذئب" فسياسته قائمة على العدل، يحفظ حقوق العامة دون التفريط في حقوق الخاصّة. يرعي شؤون العلم و العلماء، فبني المساجد و المدارس و جلب الكتب و أجرى الرواتب على الطلبة و شيوخهم.. عمرّ وهران فأحْيى تجارتها وأنعش الحرف و الصنائع "فعظمت على سائر أمصار المغرب"

إن جلّ شعر أبي راس في مدح هذا الباي، يقارنه بالملوك الكبار، رغم أنه باي يخضع لسلطة مركزية و يأتمربها، يبالغ في ذكر مآثره و في وصفها..

فاق ملوك الأرض طرًّا كأنهم
فلم يبلغوا في الملك مثل محمد
كأنه شمس و الملوك كواكب

ا\
ا\
ا\
 

نجوم و هو بينهم البَدْرُ طالع
و لا بذلوا كبذله المتواسع
إذا ظهرت لم يبد منها ساطع

 

 

 

 

 

قد نخطئ إذا اعتبرنا أباراس شاعرا من شعراء البلاط، يمدح الامراء من أجل الكسب، ما يحرك قريحته الشعرية عاطفته الاسلامية الجياشة و حلمه بعودة عظمة الاسلام في ظل واقع تميز بتكالب الدول المسيحية وضعف الانظمة القائمة...

يحتوى الجزء الثاني من عجائب الأسفار على مباحث تاريخية كثيرة تفيد بلا شك الباحثين غير أننا اقتصرنا على تقديم أهمها و تركنا المباحث الأدبية لذوي الاختصاص..

 


الهوامش

[1] تَمَّ رسم الحدود الشرقية بموجب إتفاقيتي سنة 1614 و سنة 1628 و الحدود الغربية بموجب اتفاقية سنة 1699 و تنص على "أن الخط المار من الرأس الأشقر مرورا بوادي سراط إلى وادي ملاق جنوبا هو الحد الفاصل بين الجزائر و تونس" و " أن الخط المار على مسافة 25 كلم غربي الغزوات مرورا بمدينة وجدة إلى واحة فكيك جنوبا" هو الحد الفاصل بين الجزائر و المغرب الأقصى...

[2] نسخة "ج"

[3] عجائب الأسفار - الجزء الثاني

[4] يسمى في أوله الوادي الطويل... لا يذكر كل الأودية مثل السيبوس و الصومام و غيرهما.

[5] يسمى حاليا وادي جدّي.

[6] ابن خلدون، ع، كتاب العبر، ج 6، ص. 179.

[7] مخطوط : عجائب الأسفار .. النسخة ب

[8] لأنهم انتصروا للأمير الحفصي :أبي زكرياء حاكم بجاية آنذاك    

[9] مخطوط : عجائب الأسفار.. النسخة ج.

[10] مخطوط : عجائب الأسفار.. النسخة ب.

[11] بنو بختي : تارة يلحقهم أبوراس ببني يفرن و تارة بمغراوة و الأصل حسب المصادر العربية أنهم ينتمون إلى مغراوة.

[12] الحفرة : وادي الأندلسيات : طوله 14 كلم و عرضه 4 كلم : يمتد بين رأس فالكون إلى جبل المرجاجو.

[13]  عجائب الأسفار: الجزء الثاني.

[14] عجائب الأسفار : الجزء الأول.

[15] الجمل بين علامتي التنصيص من عجائب الأسفار - الجزء الأول.

[16] وردت هذه الرواية في النسخة ج وَحْدَها.

[17] الرواية مقتبسة من كتاب "نشر المثاني" لا يفصلها أبوراس لكنه يشير إلى دعاء آبن ملوكة. وإبن ملوكة توفي في العقد الربع من القرن العاشر - ضريحهُ مزار شهير بتلمسان.

[18] فتح الاله ص 108.

[19] عجائب الاسفار : الجزء الاول

[20] عجائب الاسفار : الجزء الاول

[21] عجائب الاسفار : الجزء الاول

[22] عجائب الاسفار : الجزء الاول

[23] عجائب الاسفار : الجزء الاول

[24]  عجائب الأسفار : الجزء 2

[25]  نفس المصدر.

[26] عجائب الاسفار : الجزء الثاني

[27] نعرف أطوار الحصار بفضل المصادر العربية و الاسبانية. كلها تشهد أن التضييق الذي مارسه محمد الكبير على الاسبان المقيمين بوهران كان عاملا حاسما  في دفع الحكومة الاسبانية إلى التنازل عن القاعدتين (وهران و المرسى الكبير). إمتد زمن الحصار عشرية كاملة (1780-1791) مع تفاوت في حدته. في البداية، أقام الرباطات لمنع الاسبان من تجاوز أسوار المدينة في انتظار نتيجة المفاوضات بين الداي و الحكومة الاسبانية. و حين تم التوقيع على الصلح سنة 1786 دون تسوية مسألة وهران، شرع في التضييق على اسبان وهران و أعوانهم المغاطيس.

و في الواقع، بدأ الحصار الحقيقي بعد الزلزال الذي أصاب المدينة في أكتوبر 1790، لكنه فشل نتيجة وصول الامدادات من إسبانيا و خلل في خطة الحصار (ضعف فعالية المقاتلين) غير أن محمد الكبير أعاد تنظيم الرباطات وجدد العتاد سنة 1791 فنجح في إحكام الحصار إلى أن قبل الاسبان بالجلاء.

[28]  النصوص الواردة مقتبسة النسخ الثلاث و من المصادر المحلية..

[29] أنظر تفاصيلها في "الثغر الجماني" و "المراسلات الجزائرية - الاسبانية" و مقال : "وهران خلال القرن 18" من مجلة "إنسانيات".

[30] عجائب الاسفار : الجزء الثاني.

[31] الثغر الجماني ص 220.

[32] المصدر نفسه : ص 247 - 248.

[33]  كان يراقب عملية الجلاء بواسطة منظار يسميه ابن سحنون "المرءاة"

[34] الثغر : ص 459 : كان مقررا وفق معاهدة الصلح أن يدمر الاسبان التحصينات التي بنوها بعد سنة 1732.

[35] العجائب :الجزء 2.