Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

لابد من الإشارة منذ البداية أن مصطلح "الدول المغاربية" المستعمل في هذه الدراسة يشير كماهو متفق عليه لدى جل الباحثين المغاربة إلى البلدان الثلاث : المغرب، الجزائر، وتونس على وجه التحديد[1]، والتي هي محل معاينة لحال العلوم الاجتماعية فيها ؛ على أن يقع التفصيل في حالة الجزائر من حيث الواقع المؤسساتي والوضع اللغوي في مجال الممارسة التعليمية وميادين البحث النظرية منها والتطبيقية.

منهجيا، يرجع هذا الحصر لموضوع الدراسة إلى تطابق الواقع التاريخي للبلدان الثلاث، واقع يظل يحكم صيرورة التشكل الكلي لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي فيها نظرا إلى الأنتماء إلى حقل معرفي واحد و التقارب في العمر الوطني الذي aلا يتجاوز نصف القرن ؛ مما لا يسمح بمقارنة هذه المنظومة بمثيلاتها في البلدان المتقدمة الواقعة على الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط، حتى وإن كانت تجربتا الزيتونة بتونس والقرويين بالمغرب أعرق من ذلك بكثير.

وقبل الخوض في تفاصيل الموضوع، يجدر بنا أن نشير إلى المرحلتين التاريخيتين اللتين مرت بهما المنظومات التعليمية في البلدان الثلاث المذكورة.

المرحلة الأولى: فور حصول البلدان الثلاث على استقلالها، وجد قادتها أنفسهم أمام ضرورة تسيير الإرث الكولونيالي وتوظيفه لضمان استمرار منظومة التعليم العالي والبحث العلمي على الرغم من تعارضها مع المبادئ الأيديولوجية للحركة الوطنية. لذلك كانت تجارب البلدان الثلاث بعد الاستقلال متشابهة في هذا الميدان ؛ وهو ما يمكن أن نطلق عليه بـ "المشترك التاريخي" الذي لازال له أثر في طبيعة التعليم العالي واهتمامات البحث العلمي، النظرية منها والميدانية، في البلدان الثلاث.

المرحلة الثانية: لقد تميزت هذه المرحلة ببعض الفروق كانت سياسية أكثر منها تنظيمية أو معرفية، واتسمت، على مستوى البلدان الثلاث، بإجراء إصلاحات في منظومة التعليم العالي والبحث العلمي من حيث مضامينها. وقد تمثل الهدف من ذلك في القيام بما من شأنه أن يجعل هذه المنظومة متماشية مع فلسفة الحركة الوطنية وكفيلة بتحقيق التنمية الوطنية المنشودة بفضل إسهام النخب الوطنية في إيجاد أنجع السبل للخروج من واقع اجتماعي مكتسب. وهكذا، صارت الجامعة في حاجة إلى إعادة بناء ذاتها وتكييف إمكانياتها التنظيمية والبشرية كي تصير حاملة للمفاهيم الكبرى التي حملتها الحركة الوطنية، وذلك وفق استراتيجية قوامها "مغربة"، "جزأرة"، أو "تونسة" التعليم العالي خدمة للهوية الوطنية، أي العروبة وما التصق بها. ومعنى ذلك ربط الوظيفة العلمية للجامعة بالمعضلات الاجتماعية والثقافية. وهذا ما تم فعلا على أساس استراتيجية كانت لها أبعاد ثلاثة، كما تجلى ذلك بكل وضوح في حالة الجزائر :

التعامل مع الموروث المؤسساتي وطرق تسييره

لقد تمثل هذا الموروث في "جامعة الجزائر" ومركزي وهران وقسنطينة، بالإضافة إلى مدرستين كبيرتين كانتا في خدمة الاقتصاد الكولونيالي، ألا وهما "المعهد الوطني للعلوم الفلاحية" و"المدرسة المتعددة التقنيات" (Ecole Polytechnique).

أما تسييره، فقد جاء عبارة عن سعي لإدماج نخبته في مشروع البناء الوطني على الرغم من أن المشرفين عليه كانوا نخبة كولونيالية منتجة لمعرفة علمية حقا لكنها كانت معرفة تعكس طبيعة مجتمع مسيطر عليه من طرف أقلية مهيمنة تمثلت في المعمرين الأوروبيين.

ظلت جامعة الجزائر في السنوات الأولى بعد الاستقلال (من 1962 إلى 1966) فرنسية، كولونيالية في تنظيمها، برامجها، نموذجها الثقافي، وغاياتها الاجتماعية؛ فما كان للسلطة الوطنية إلا أن تعيد النظر في ذلك ابتداء من سنة 1965 لاسيما بعدما أخذت معالم السياسة الاقتصادية الجديدة تتضح أكثر فأكثر إثر تولي قيادة 19 جوان مقاليد الحكم. لقد اتضحت لنظام الحكم الجديد ضرورة تحديد سياسة ثقافية واجتماعية جديدة للجامعة الجزائرية وإناطتها بعدد من الوظائف منها :

  1. توفير المشروعية العلمية المفقودة لدى العناصر الفاعلة من القيادة الجديدة ؛
  2. العمل على إعادة بناء المجتمع وأشكال تنظيماته الثقافية، الاقتصادية، والاجتماعية بعد عمليات التدمير التي طالتها لأزيد من قرن من الزمن. لذلك عمدت السلطة الجديدة إلى :
  • تكوين الإطارات للعمل الفوري من أجل تلبية حاجيات مخططات التنمية ومتطلباتها ؛
  • تنويع ملامح التكوين العالي تلبية لحاجيات مختلف القطاعات الاقتصادية والإدارية ؛
  • تكوين أكبر قدر ممكن من الإطارات العملية وبأقل التكاليف الممكنة.

غير أن النتيجة المحققة في الميدان كانت هزيلة جدا إذ اقتصر الأمر فيها على التباهي بضخامة العدد من دون أن يكون لذلك انعكاس حقيقي في الميدان من حيث النوعية و التنوع المستجد الذي يعمل على تحقيق الأهداف المنشودة ؛ مما يدل على خيبة المسعى بالرغم من واقعية التباهي بالعدد كما تجلى ذلك في الآتي :

- ارتفاع عدد مؤسسات التعليم العالي في مدة قياسية ليبلغ في ظرف أربعين سنة 17جامعة، 15 مركزا جامعيا، 11 معهدا وطنيا، و4 مدارس عليا. أضف إلى ذلك مجموعة من مراكز البحث الوطنية أهمها حاليا في ما يخص العلوم الإنسانية 3 مراكز هي : "مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية"، مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، ومركز البحوث التاريخية".

- تضخم أعداد الطلبة إذ قفزت من 2725 سنة 1962 إلى نحو 520.000 طالب سنة 2000. وقد ارتفع هذا العدد في السنوات الأخيرة في سياق حرص السلطات العمومية على تسيير الأزمة الاجتماعية عن طريق الرفع من معدلات النجاح في امتحان البكالوريا [2]؛ مما نجم عنه توريط الجامعة في مشاكل اجتماعية. معدل النجاح في امتحان البكالوريا كان في السنوات السابقة في حدود 22 % ثم ارتفع إلى 34 % سنة 2001 التي بلغ عدد الناجحين فيها رقما قياسيا يقدر بـ 155.918 طالب، ثم انخفض هذا العدد قليلا سنة 2002 حيث قدر بـ 130.547 طالب، أي بمعدل نجاح بلغ 33 %.

عدد طلبة الجامعات كان في حدود 455.000 سنة 2000 ثم ارتفع إلى 362.000 طالب سنة 2002، أي بزيادة قدرها 27 % خلال سنتين [3].

 هذا، ومن المتوقع أن يصل هذا العدد إلى مليون طالب بحلول سنة 2008. أضف إلى هذا العدد المتزايد، ظاهرة "الاحتباس" التي أصبحت تميز الجامعة الجزائرية إذ تبقى نسبة التخرج ضعيفة تقدر بنحو 1 من 10 في السنة ؛ مما حول الجامعة إلى محشر لطلبة غير مؤهلين أصلا للتعليم الجامعي، لا لغويا ولا معرفيا بفعل سوء الفهم الذي وقع في ديمقراطية التعليم إذ اقتصر على تكثيف العدد من دون العناية اللازمة بالطالب والتكفل بتكوين المدرسين على المستويات الدنيا من التعليم، أضف إلى ذلك استبخاس مكانة المعلم المعنوية في المجتمع. وقد جاء هذا الاستبخاس على مستويين:

- الإقدام، منذ سنة 1979، على توظيف مدرسي الطورين الابتدائي والمتوسط غير حاملين لشهادة البكالوريا عند إلتحاقهم بالمعاهد التكنولوجية للتربية (معاهد لتكوين المدرسين). كما لا يزال هناك مدرسون يتراوح مستواهم ما بين السنة الرابعة متوسط والسنة الثالثة ثانوي ؛

- قبول أساتذة التعليم المتوسط أغلبيتهم غير حائزين على شهادة البكالوريا عند التحاقهم بالمعاهد التكنولوجية ؛

- معظم أساتذة التعليم الثانوي بالرغم من توفر فيهم شروط التوظيف، غير أن بعضهم اضطروا إلى تدريس مواد غير مواد تخصصهم.

مما سبق، يظهر كيف أن الطالب الجزائري لم يكن في الواقع مؤهلا للتعليم العالي بسبب عدم توفر المدرسة على الشروط الأساسية للعمل التربوي، فكان الملمح المعرفي للطالب يعكس الواقع المتواضع لمختلف أطوار التعليم قبل الجامعة. وعوض أن يكون التعليم العالي في مستوى المهمة الاستراتيجية التي أوكلت إليه في توفير العدد الكافي من الإطارات الضرورية لعملية التنمية ومخططاتها الكبرى، نجده قد اكتفى بتخريج أعداد متزايدة من حاملي الشهادات غير القادرين على الدخول في دورة التنمية كما تم التخطيط لها مركزيا،بل التعليم العالي كان يكون الإطار الموجه لتلبية الحاجيات الخاصة بالقطاع وفق إستراتجية غير معلنة أخذت الشكل الدائري والإنغلاق على الذات و الجدول الآتي يبين ذلك:

الجدول 1

هيئة التدريس

عدد الشهادات

الإنــــاث

الذكــور

السنـــة

316

111

579

2230

1962/63

343

180

814

3039

1963/64

ـ

179

1199

4727

1964/65

682

195

1631

6422

1965/66

693

378

1851

7421

1966/67

816

654

2220

7500

1967/68

866

724

2398

8283

1968/69

817

817

3408

10422

1969/70

1244

1244

4838

14375

1970/71

1703

1703

ـ

ـ

1971/72

7480

6084

المجمـــــوع

Source : ONS retrospectives 1962-1991 et Ministère de Infomation et de la Culture, l’Algerie en chiffres 1962-1972. Cité par Bennoune, M., dans son livre Education, culture et developpement en Algerie, p.361. 

يبين الجدول رقم 1 أن التعليم العالي في العشر سنـــوات الأولى مــن الاستـقـلال (1962-1972) لم يقدم لقطاع التنمية إلا 6080 إطار بالرغم من إرتفاع عدد هيئة التدريس و الذين بلغ عددهم ليصل 7480 لذات الفترة المذكورة ؛ وهذا عدد غير كاف على الإطلاق. يتضح هذا العجز بصورة أوضح في الجدول الآتي الذي يبين تخصصات هذه الإطارات.

الجدول 2

المجموع

الخارج

خارج قطاع التربية

التربية

الفـــــــــــــرع

 

2960

60

2400

500

مهندسون في: الزراعة والغابات

 

100

-

-

100

بيطريــــــــــون

 

470

40

80

350

مهندسون في:الهندسة المعمارية و الطوبوغرافيا

 

2110

140

1100

870

مهندسون مدنيون

 

700

270

-

430

مهندسون في الكهرباء و الإلكتروتكنيك

 

1350

300

50

1000

مهندسون في الإليكترونيك و الاتصال

 

3200

1300

1700

200

مهندسون في: الميكانيكيك، الصلب وكيميائيين

 

700

200

300

200

مهندسوا المناجم و التنقيب

 

700

200

300

200

مهندسون في الجيولوجيا و الجيوفيزياء

 

1200

300

900

-

مهندسون في فـــروع التكنولوجيا الأخرى

 
 

1800

-

-

1800

ذوي التكويــــــــن العلمـــــــي

 

6700

100

1850

4750

محاسبون/خبراء في : المالية، الاقتصاد، الإحصاء، التنظيم و المناهج

 

7000

-

-

7000

حقوقـــيون/قضــاة/محامــــــون

 

7680

-

-

7690

أطباء/جراحو الأسنــان/صيدليــين

 

500

200

300

-

ضباط الملاحة الجوية و البحريـــــــــة

 

4800

30

-

4770

أسـاتذة التعليـم الثــانوي

 

7400

2500

-

4900

أساتذة التعليـم العــالي

 

2590

150

100

2340

متخصصون في المجال الاجتماعي و الثقافي

 

4400

-

1300

3100

مســـيرون و إداريــــون

 

57060

5990

10880

40190

المجمـــــــــوع

Source : Khelfaoui, H., ibid.

جزأرة التعليم العالي والبحث العلمي

إن ما هو ملفت للانتباه حقا في سياسة "الجزأرة" هو تلك السرعة الفائقة التي تمت بها إذ تم الانتقال على جناح السرعة من حالة الهيمنة للإطار الجامعي الأجنبي إلى حالة زال فيها هذا الإطار تماما من المشهد الجامعي وزالت معه الصيغ المعرفية التي سادت في وقته. ولم تحل سنة 2001 حتى كانت هذه الجزأرة شبه كلية، كما هو مبين في الجدول الآتي

الجدول 3

نسبة الجزأرة

1986/1987

نسبة الجزأرة

1979/1980

 

-

524

-

259

أسـاتذة

66.6%

349

52.9%

137

أسـاتذة جزائريـون

 

884

31.3%

466

أساتذة محـاضرون

30.5%

271

-

146

أساتذة محاضرون جزائريــون

-

6135

58.3%

2594

أســــاتذة مساعدون

85%

5207

-

1512

أساتذة مساعدون جزائريـون

-

4566

-

2544

معيدون

85.8%

3918

57.2%

1557

معيدون جزائريـون

-

12109

-

5863

المجمـوع

 

10393

-

3235

مجموع الأسـاتذة الجزائريين

Source : Bennoune, M., I-bid, p. 407, ibid, 1.

أثناء السنة الجامعية 2000-2001، كان ما بقي من الأساتذة الأجانب يتوزعون على الشكل الآتي، في ما يخص جميع الرتب:

الجدول 4

العدد الإجمالي للأساتذة

عدد الأساتذة الأجانب

المقـر

الجامعـة

2727

5

الجزائر العاصمة

جامعة الجزائر

1374

3

الجزائر العاصمــة

جامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين

1773

2

قسنطينة

جامعة قسنطينة

100

1

قسنطينة

جامعة العلوم الإسلامية

1174

11

وهران

جامعة وهران السانية

471

4

وهران

جامعة العلوم و التكنولوجيا وهران

1266

13

عنابة

جامعة عنابة

المصدر : وزارة التعليم العلي و البحسسث العلمي، الحولية الإحصائية رقم 30، لسنة 2002/2001.

اقتصار وظيفة التعليم العالي هذا على الجزائريين لم يكن نتيجة إجراء سياسي أملته أيديولوجية الحركة الوطنية ومتطلبات التنمية فقط و إنما كان للاعتبارات المالية المتصلة بأجر الأستاذ أيضا دور فيه بالنظر إلى قلة السيولة بالعملة الصعبة. أضف إلى ذلك الوضع الأمني الذي عرفته الجزائر في التسعينيات والذي كان من شأنه التعجيل برحيل الأساتذة الأجانب وفرض جزأرة شبه كلية كان من أخطر نتائجها وقوع حالة من الاحتباس المعرفي على مستوى عمليات التعليم والبحث التي أضحت معطلة بالجامعة ومراكز البحث الجزائرية.

اللغة ومسألة استرجاع الهوية الوطنية المفقودة

لا يزال الجدل حول هذه المسألة قائما على أساس مطلبين أيديولوجيين متعارضين تعارضا شديدا بلغ حد العنف من أجل إقصاء الآخر. هذان المطلبان هما:

- مطلب الهوية الوطنية القائم على وحدة الأصل والثقافة ؛

- مطلب ما يسميه أصحابه بـ "المواطنة" الذي يستهدف التحديث القائم على المساواة السياسية بين مكونات المجموعة الوطنية بصرف النظر عن الانتماء الثقافي، بالإضافة إلى السعي لإقامة مجتمع ذي طبيعة سان سيمونية.

ومع ذلك، يبقى القاسم المشترك بين الفريقين عملهما على التخلص من الإرث الكولونيالي للجامعة الجزائرية وإعادة صياغة وظيفتها من جديد.

بالنسبة إلى أصحاب المطلب الأول، فقد ظلوا يدعون إلى تعريب الجامعة الجزائرية، لاسيما في مجال العلوم الاجتماعية. غير أن النتائج التي أمكن تحقيقها في هذا الشأن كانت زهيدة إذ لم تسفر فترة السبعينيات – وهي الفترة التي تعتبر أكثف فترة من حيث جهـود التنمية – عن عدد كاف من المتخرجين من الفـروع المعربة؛ كما هو مبين في الجـدول الآتي:

الجدول 5

1977/1978

1976/1977

1975/1976

1974/1975

الاختصاص/ السنة

77

88

114

69

العلوم الدقيقة والتكنولوجيا

45

89

42

-

علوم الطبيعـة

82

-

-

-

علوم الأرض

814

747

413

258

الحقوق

120

24

32

25

العلوم الاقتصادية

141

-

-

-

العلوم السياسية

420

471

266

177

العلوم الاجتماعية و العلوم الأدبية

1699

1419

897

529

المجموع

Source : Bennoune, M., Idem, p. 396.

يبين الجدول أعلاه مدى غياب الإطار المعرب في عمليات التنمية الكبرى التي شهدتها فترة السبعينيات على الرغم من اتساع دور الجامعة الجزائرية في المجتمع وتنامي دورها في المخططات التنموية. غير أن دعاة إعادة بناء الهوية الوطنية المفقودة لم يفعلوا أكثر من مواصلة دعوتهم في حملات متكررة إلى إعادة الاعتبار إلى اللغة العربية وجعلها لغة التعليم في مختلف الأطوار، وفرضها الفوري في التعامل في مجالات العلم والثقافة باعتبارها أحد مقومات الدولة الوطنية.

ولو عدنا قليلا إلى الوراء لوجدنا أن السنة الجامعية 1965-1966 يعود لها الفضل في تعريب فرع من كلية الحقوق الذي درس به أساتذة كبار وفدوا من المشرق العربي. كانت سنة 1970 سنة الإصلاح الجامعي الذي أخذ طابعا راديكاليا ودفع بعملية التعريب خطوات أخرى مست قسمي التاريخ والفلسفة في سياق تعريب باقي الفروع في العلوم الاجتماعية. غير أن العملية تعطلت بحلول السنة الجامعية 1977-1978 لأسباب لخصها وزير التعليم العالي آنذاك السيد عبد اللطيف رحال بقوله : "إن التعريب الصارم، الفعال والعصري لا يمكن أن يتم إلا بواسطة جزائريين، وعلينا في هذه المرحلة أن نأخذ بعين الاعتبار الصعوبات التي نلاقيها في هذا المجال وألا نستعجل الأمور لئلا نعرض المستوى في بعض الفروع إلى الخطر".

ومع ذلك، فقد حسم أمر تعريب العلوم الإنسانية سنة من بعد (1979)، كما تقرر تعميم التعريب ليشمل التعليم العالي بأكمله وفق الخطوات الآتية :

- تعريب العلوم الإنسانية، بما فيها العلوم الاقتصادية،ابتداء من الدخول الجامعي لسنة 1980 تطبيقا لمقررات اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني المنعقدة في نفس السنة ؛

- فتح الدراسات في التعليم ما بعد التدرج باللغة العربية، وفي جميع الفروع العلمية.

 الجهود المبذولة في هذا الشأن يبينها الجدول رقم 6 :

نلاحظ من خلال هذا الجدول أن أكبر عدد للطلبة سجل في العلوم الإنسانية والاجتماعية. إلا أن ذلك لم يكن من شأنه الإسهام في استعادة الهوية الوطنية المفقودة بل زادها غيابا. كما أنه لم يؤد إلى تراجع اللغة الفرنسية ولا إلى ربط مجالات البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية بالواقع الوطني، بل أدى إلى قطيعة مع هذا الواقع وإلى رداءة أدوات البحث والتحليل. والأخطر من ذلك كله هو تحول مراكز البحث والجامعات إلى مؤسستين متصارعتين تتمرس في كل منهما فئة مهنية ميزتها اللغة التي ترطن بها و تدعي لنفسها على أساس ذلك المعرفة العلمية المطلقة على حساب المعارف الناتجة عن الممارسة العلمية الميدانية المرتبطة بالواقع الاجتماعي والمفسرة له.

إن الجهود المبذولة في الجزائر من أجل تمكين اللغة العربية من الغلبة قد أدت، كما ورد في تقرير التنمية الإنسانية العربية[4]، إلى (نتيجة عكسية وخسارة معرفية بالغة بفعل التحول من استعمال اللغة الفرنسية إلى استعمال اللغة العربية الذي تم فرضه على جيل كامل من المهنيين)، لكن هذه الخسارة لا نعزيها نحن و بصيغة المؤكد إلى مبدأ التعريب ذاته، والذي كان من المفروض في الحقيقة، من وجهة نظرنا، أن يتم وفق استراتيجية تقوم على مبدأ مشاركة جميع الفاعلين في المجتمع المكونين لقيادته ونخبته المعرفية، والذين يجمعهم قاسم المواطنة بمفهومها الواسع".


الجدول 6 : تطور عدد المسجلين لدراسات ما بعد التدرج حسب الفروع

 

مهما يكن من أمر، فإن أيديولوجية الانتماء هي التي كانت لها الغلبة فأدت إلى انقسامية (معرب-مفرنس) تجلت في تلك الأزمة المتعددة الجوانب التي تعرفها الجزائر منذ سنة 1985 إلى يومنا هذا*.

مهما يكن من أمر، فإن تعريب التعليم العالي أضحى شرطا أساسيا لتنمية أدوات التفكير وربط البحث العلمي بواقع المجتمع. غير أنه يبقى من الضروري أن يتم هذا التعريب في سياق تعددية لغوية كفيلة باكتساب المعارف المتجددة باستمرار ذلك أن الأحادية اللغوية أعجز من أن تضمن تنمية الجامعة وتطوير البحوث العلمية في البلاد.

يمكن أن نجمل النقد الموجه لعملية التعريب أنها تمت بنوع من الارتجال والانغلاق على الذات، كما انتهت، على مستوى البلدان المغاربية المذكورة، بالعزوف عن الممارسة البحثية وجعل الباحث سجين اللغة التي يعمل بها مهما كانت هذه اللغة. ثم إن هذه الأحادية اللغوية قد حرمت الباحث بعض الشيء من الانتفاع بالثرى الذي صارت سبل الاتصال والمعلوماتية توفره بيسر لم يسبق له مثيل.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى تلك المعاينة التي قامت بها مجموعة من الباحثين المغاربيين العاملين في مختلف حقول العلوم الاجتماعية، وأفادت بأن عملية تعريب العلوم الاجتماعية قد وصلت إلى مرحلة متقدمة في المجتمعات الثلاثة إلا أنها لم تبلغ بعد درجة الاستيعاب الكافي سواء للمصطلحات أو للبناء المفاهيمي الكلي. لقد أنتج هذا النقص انقسامية مست الحقل المعرفي للعلوم الاجتماعية من حيث المنهجية وطبيعة فرق البحث العاملة فيه**.

وفيما يخص الجزائر على وجه التحديد، لقد تجلت النقائص التي شابت عملية التعريب بالشكل الآتي :

  1. طابع الاستعجال الذي اتسمت به السياسة المعتمدة.
  2. عدم التمييز بين اللغة كتعبير عن الهوية الذاتية واللغة كأداة للتحصيل المعرفي وتجديده ؛ وهو ما أفضى، بدوره، إلى :
  • الخلط بين الموقف السياسي تجاه اللغة العربية والموقف العلمي من لغات البحث الهادف إلى خدمة العيش المشترك للمجموعة الوطنية وتفتحها على العالم القائم على التبادل في استعمال الأداة اللغوية وتنويعها ؛
  • عدم إدراك التحولات السريعة في مختلف ميادين المعرفة، لاسيما في ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية التي عليها أن تواكب أحدث النظريات وأدوات البحث الميداني ؛ وهو ما يتطلب تعددا لغويا يكون من شأنه تسهيل عملية التحصيل والاستيعاب.

لقد أسفر التركيز في عملية التعريب على العلوم الاجتماعية، مع المحافظة على التدريس في بعض فروعها "المحمية" باللغة الفرنسية، عن بعض النتائج على مستوى البلدان المغاربية الثلاث تمثل أهمها في :

أولا: استمرار منظومة التعليم العالي والبحث العلمي في إعادة إنتاج النموذج الفرنسي. ومعنى ذلك أن الدولة بقيت مهيمنة على القطاع على الرغم من تواجد بعض المؤسسات البحثية الأجنبية في كل من تونس والمغرب ؛

ثانيا: عدم تمأسس أشكال من التنظيم الجمعوي العلمي يجمع أهل الممارسة العلمية والبحثية الواحدة رغم عامل وحدة اللغة لهذه الفئة المهنية أو تلك؛

ثالثا: ونتيجة لتضافر عدد من العوامل، النزوع الفردي في ميادين البحث وغياب المعْلَم العلمي الجامع للطاقات في بعض الممارسات على مستوى البحث في ميادين العلوم الاجتماعية. لذلك، نجد أن هناك تكاثرا في المشاريع الفردية على حساب المشاريع القائمة على العمل الجماعي والتنوع في التخصصات ؛

رابعا، غياب البرمجة المستقلة للمشاريع البحثية إذ تأتي جل هذه المشاريع مصاغة خارج الإطار الوطني أو المغاربي. لذلك هي خالية من رؤية وثيقة الصلة بالواقع المحلي وذات بعد مستقبلي. وقد تسبب مثل هذا الوضع في طغيان الاعتبارات الكمية والآنية، كما تسبب في فرض محور ثنائي له، في الحالات الثلاث، صلة بباريس، أي الجزائر-باريـس ؛ تونس-باريس ؛ الرباط-باريس عوض أن يكون هذا المحور الرباط-الجزائر-تونس. أضف إلى ذلك ما أدى إليه غياب البرمجة المستقلة المذكورة سالفا و المتمثلة في النقص الملحوظ في التأطير ونوعيته بالنسبة إلى التدريس في العلوم الاجتماعية و كذا إنجاز مشاريع البحث في الميادين المتعلقة بها.

ختاما، يمكن القول إن العلاقة بين مسألة اللغة والتعليم العالي والبحث العلمي في ميدان العلوم الاجتماعية قد زاد من حدة إشكاليتها ضعف الترجمة والنشر فتعطلت ديناميكية التواصل المعرفي بسبب صعوبة الوصول إلى مصادر التوثيق. ثم إن الحاجة إلى تنوع المصادر وعدم القدرة على الوصول إليها في لغتها يطرحان بحدة مسألة انسجامية الإدراك ومنهجية العمل البحثي، كما يتسببان في ضعف العملية التعليمية والبحثية وفي تأخر الأستاذ الباحث بالنسبة إلى المستجدات في مجال التوثيق لاسيما إذا كان العمل الترجمي ضعيفا كما هو الحال في البلدان المغاربية مثلما أسلفنا، إضافة إلى عدم نشر الأبحاث والرسائل وما يتيحه ذلك من إمكانية للانتحال وما يؤدي إليه من عدم دوران المعرفة العلمية وعجز في تقدير القيمة الحقيقية للمجهود البحثي.

مما تقدم، يتضح أنه من الضرورة بمكان وضع سياسة جريئة مدعومة بالوسائل اللازمة التي يتطلبها واقع المجتمع وتسمح بها قدرات البلدان الثلاث في مجال نشر الإنتاج المحلي وترجمة الإنتاج الأجنبي سواء في ما يخص العلوم الاجتماعية أو غيرها من العلوم. هكذا نستطيع فعلا استعادة هويتنا الوطنية المفقودة وتقويتها بفضل البحث الجاد في ميادين العلوم الاجتماعية خدمة للذات وللآخر الذي لا يمكن، بأي حال من الأحوال، العيش والتطور من دونه.

المـراجـــع

1- Zghal, A., L' état des sciences sociales au maghreb (non-edité.)

2- Khelfaoui, H., Le champ universitaire algérien entre pouvoirs politiques et champ économique.

3- وزارة التعليم العالي و البحث العلمي، الحولية الإحصائية رقم 30 لسنة 2000/2001.

4- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي, تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003.

5- Labidi, D., Science et Pouvoir en Algérie, OPU, 1992, 2 Tomes.

6- Bennoune, M., éducation, culture et développement en Algérie, Alger, Marinoor-Enag, 2000, Tome 2.

هوامش

[1] Zghal, A., L'état des sciences sociales au maghreb, Manque la référence du l’ouvrage

[2] Khelfaoui, H., Le champ universitaire algerien entre pouvoirs politiques et champ économique.

[3] Ibid

[4] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003، ص. 124.

* تحاول بعض الأطراف المتصارعة أن تؤرخ لهذه الانقسامية بسنة 1992، هذا التأريخ، هو في الواقع، تعبير عن موقف أيديولوجي لا يأخذ بعين الإعتبار تعدد أسباب هذه الأنقسامية و الأزمة التي نشأت عنها.

** اليوم الدراسي حول العلوم الاجتماعية بدول المغرب، مركز البحوث في الاقتصاد التطبيقي، الجزائر، في 12-05-2003.