Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

الشعب الجزائريّ، ككلّ شعوب الأرض، يهوَى الحكايات، ويحبّ القِصص، ويتلذّذ بكلّ ما هو سرْديّ، أو مسرود؛ انطلاقاً من حكايات الجدّات والأجداد، إلى حكايات المجاذيب وأصحاب الحلقات الشعبيّة في الأسواق، والْبَرّاح الشعبيّ في الأعراس.

وفي غياب ما يستمتع به اليومَ الإنسانُ المعاصر من مسلِّيات بصريّة وسمعيّة عجيبة، كالاستماع إلى التسجيلات الموسيقيّة، ومشاهدة الأفلام السينمائيّة، وشهود مقابلات الرياضات المختلفة التي تُمْتِع مُشاهدِيها وتستثيرهم في الوقت ذاته: كان التّعويل المطلقُ، في التسليَة والتهذيب معاً، على الحكايات الشفويّة التي ظلّت الثقافة الجزائريّة تَزْدَخر بها، على الرغم من أنّ كثيراً منها ضاع بموت أصحابها من وِجهة، وبالتقاعس وسوء الاِكتراث –لقلّة الوعي الثقافيّ لدينا- في تسجيل تراثنا الشعبيّ الجميل من وجهة أخراةٍ؛ وذلك على الرغم من أنّ هذا التراث السرديّ واكب الحياة العامّة في الجزائر من ثقافيّة وسياسيّة واجتماعيّة فعبّر عنها خيرَ تعبير، وصوّرها أدقّ تصوير، ولاسيّما في غياب الأدب المكتوب طوال عهودٍ من الزمن، وفي خضمّ خطوب وإحنٍ، سبقت الارتفاقَ بالمطبعة لنشر الكتابات الأدبيّة من وجهة، ولشيوع الأمّيّة والتخلّف الفكري في المجتمع الجزائريّ بحكم تعرّض هذا الشعب لاستعمار دول متوسّطيّة مختلفة، وعبر حقب متوالية، ظلّتْ شديدة التسلّط، بالغة الإذلال للشعب الجزائريّ، فأتتْ على الأخضر واليابس في الجزائر، من وجهة أخراةٍ...

ولَمّا كان الأدب العربيّ، في أصله، عرَف أشكالاً سرديّة متنوّعة أهمّها: الحكاية الخرافيّة، (كليلة ودمنة)، والبدايات المبكّرة للأدب القصصيّ (أحاديث البخلاء
والطفيليّين والعشّاق -المقامات)[1] ، والحكايات الشعبيّة المتطوّرة (ألف ليلة وليلة)[2] ، والأساطير (نماذج متنوّعة)[3]... فقد استلهمه الأدب الشعبيّ في إنتاج السير الشعبيّة، والحكايات الشفويّة على اختلافها، قبل أن تتأسس الكتابات السرديّة العربيّة المعاصرة التي لم تكن بداياتها في الجزائر إلاّ امتداداً لها...

ولذلك نجد الكتّاب الجزائريّين انطلاقاً من عَقابيل الحرب العالميّة الأولى، وتحديداً في شهر يوليو من سنة 1925، يُعلنون ميلاد القصّة الجزائريّة المعاصرة، كما سنرى.

وعلى أننا لا نريد أن ننزلق هنا إلى إعادة فتح مجال الجدل، في هذا الموطن، عن تأثّر السرديّات العربيّة المعاصرة، أو عدم تأثّرها بما أومأنا إليه سلفاً؛ فمِن مُنْكِر لتأثير التراث العربيّ في ذلك على الرغم من وجود أصول سرديّة ذات أبعاد عالميّة التّأثير كحكايات ألف ليلة وليلة والمقامات؛ ومن مُثْبت لهذا التّأثير وهذا التّأصيل في السرديّات العربيّة المعاصرة، ومنهم صاحب هذا القلم.[4]

ويمكن معالجة هذه الإشكاليّة في أربعِ مراحلَ كبرى مرّت بها السرديّات الجزائريّة، وهي:

 المرحلة الأولى. (ميلاد القصة الجزائريّة 1925)؛

ثانياً. مرحلة التّأسيس

ثالثاً. مرحلة التّطوير

رابعاً. مرحلة النضج الفنّيّ.

ميلاد القصة الجزائريّة

غالباً ما لم يكن محمد السعيد الزاهريّ يعلَم، حين أمسك يراعَه في صيف 1925، وبدأ يكتب شيئاً لم يسبِقه إلى كتابته أحدٌ من الأدباء الجزائريّين قَطُّ: أنّه إنّما كان يكتب لقطة من التاريخ الأدبيّ في الجزائر لم يُسبَق إليها، فاستأثر، من أجل ذلك، بفضل عظيم. لقد كان أوّل من كتب محاولة قصصيّة في تاريخ الأدب الجزائريّ، في حدود ما بلغناه نحن على الأقلّ من الإحاطة، بعنوان: «فرانسوا والرشيد».[5] وإذا كانت تقنيات السرد المستخدَمة في هذه المحاولة بسيطةً إلى حدّ البِدائيّة، وساذَجةً إلى درجة القصور؛ فإنّ ذلك لا يمنع، من الوجهة التاريخيّة، من عدِّ هذا النّصّ بدايةً حقيقيّة للكتابة القصصيّة في الجزائر. ولم يحاول أحدٌ من النّاس، يومئذ، في غياب النّقّاد من الساحة الأدبيّة في الجزائر، أن يسعى إلى الوقوف على المناحي الفنّيّة لهذا العمل الأدبيّ فيعرض له بالنقد والملاحظة والتحليل؛ وإنّما أُعجِبوا إعجاباً كبيراً بمضمون هذا العمل وجرأته على فضْح الأطروحة الاستعماريّة التي كانت تزعم للناس في الجزائر أنّهم جميعاً سَوَاسِيَةٌ كأسنان الْمُشط، ولم يكن الجزائريّ الحامل للجنسيّة الفرنسيّة بحكم استعماريّة وطنه يختلف فتيلاً عن الفرنسيّ الوافد من فرنسا، والمستوطِن أرضَ الجزائر...

والحقّ أنّ الواقع الْمَعِيشَ كان هو غيرَ ذلك شأناً. ولذلك، لم يأتِ عملُ الزاهريّ القصصيّ إلاّ توكيداً لواقع الجزائريّين المأساوي في وطنهم السليب.

وقام موضوع هذه المحاولة القصصيّة، كما سبق لنا الحديث عنها في أكثر من موطن[6]، على سرْد حكاية شخصيّتين اثنتين مركزيّتين تمثّلان حياة صبيّين اثنين: أحدهما جزائريّ وهو الرشيد، وأحدهما الآخر فرنسيّ وهو فرانسوا. وقد وُلد الصَّبِيّان اللّذان كانا جارَين في يوم واحدٍ معاً، ثم دخلا المدرسة في يوم واحد، ثمّ نالا شهادة البكالوريا في يوم واحدٍ أيضاً، وهما اللّذان ظلاّ صديقين حميمين يلعبان ويمرحان معاً طوال عهد الصِّبا.

وكان الرشيد، في الحقيقة، مقتنعاً كلّ الاقتناع بصدق نوايا الفرنسيّين الذين كان يردّد عليه معلّمُوهُم وأساتذتُهم شعارَ المساواة بين المتساكنين تحت العلَم الفرنسيّ حيث وُجِدوا على الأرض، ولم يكن يرتاب في صدْق ذلك الشّعار قطّ. غير أنّ الأمر بدا له على غير ذلك بمجرّد أن أُدْخِلَ الشابّان الجنديّة الفرنسيّة الإجباريّة؛ فلم يمضِ إلاّ زمنٌ يسير على ذلك حتّى رأى الرشيد صاحبَه فرانسوا لا يزال يترقّى في الرتب العسكريّة في كلّ مناسبة، فيستمتع بحقوق ومكافآت كثيرة من حيث ظلّ هو حيث ابتدأ، ولم يُفِد من تلك المكافآت التي كانت تُنفَق على فرانسوا بسخاءٍ يشبه الغَدَق الهاطل، إلاّ بمكافأة كبْشِ عيد الأضحى!... وذلك على الرغم من كفاءة الرشيد ومستواه المعرفيّ الذي لم يكن يقلّ عن مستوى صديقه فرانسوا في شيء، إن لم يكن يفوقه...

وهنالك قرّر الرشيد أن يخرج إلى بعض الجبال ليُعلن ثورة على الاستعمار الفرنسيّ الظّالم، غير أنّه رأى أنّ الشعب الجزائريّ كان لا يزال غير مهيَّأٍ للنّهوض بتلك الثورة، فمات حزناً وكمداً في سبيل الجزائر...

وكان إعلان ميلاد القصّة الجزائريّة مثيراً، من وجه آخر، وذلك لأنّ ابن باديس صاحب جريدة «المنتقد» (قسنطينة: 1925-1925) يومئذ، رصد جائزة ماليّة للشعراء الجزائريّين لِيَرْثُوا فيها رشيداً، الشخصيّة الوطنيّة لقصّة الزاهري. غير أنّ ألجائزة وقع إعلانها، ولم يتمّ تسليمها للفائز المحتمَل بها، على الرغم من أنّ الشعراء الجزائريّين استجابوا لدعوة ابن باديس وكتبوا في ذلك أشعاراً لم يصلنا منها إلاّ مقطّعَة لمحمد العيد آل خليفة، لأنّ الجريدة نفسَها التي أعلنت المسابقة طاوَلتْها يد الاستعمار الفرنسيّ فعطّلتها تعطيلاً وحِيّاً.[7]

ويبدو واضحاً أنّ الاستعمار الفرنسيّ كان شديد المتابعة لِمَا يجري في معسكر الوطنيين الجزائريين، تحت إحكام التّجسّس عليهم في كلّ نادٍ، فالجريدة التي نُشرت فيها أوّل قصّة جزائريّة تفضح انعدام المواساة بين الجزائريين والأوربيين في الجزائر، صُودِرتْ إلى الأبد، بعد أن لم يصدر منها إلاّ عددان اثنان. كما أنّ الجريدة التي أعلنت جائزة لرثاء شخصيّة القصّة (ولم يصدر منها إلاّ ثمانيةَ عشر عدداً) التي نُشرت في الجريدة الأخرى (الجزائر) عُطِّلتْ لمجرّد إعلانها ذلك! فكانت يد الاستعمار باطشةً لا تلين، وقاسية لا ترحم. ولم يكن لمفهوم الحريّة وجود، في ذلك الوجود!

وأيّاً ما يكن الشّأن، فإنّ ميلاد القصّة الجزائريّة واكبه صخَب إعلاميّ وطنيّ مثير، فأفضى إلى تأسيس أوّل جائزة أدبيّة جزائريّة في التاريخ، وإن أُجهِضتْ؛ كما أفضى إلى تأثير أدبيّ كبير في الكتابات السرديّة اللاحقة في الجزائر كما سنرى لدى الحديث عن المرحلة الثانية.

وتدلّ هذه المحاولة القصصيّة الأولى «التي ظهرت في الجزائر، على مدى الوعي السياسي والوطنيّ لدى الكتّاب الجزائريّين في تلك الفترة الزمنيّة المبكّرة، كما يدلّ نشرها في مطلع الربع الثاني من القرن العشرين على مدى الشجاعة التي كانت تشبه المغامرة، لدى بعض هؤلاء الكتّاب. فقد جرّ نشرها على الكاتب محنةً أودتْ بحياة جريدته التي نشرتها وهي في عمر الزهور، إذ تربّصت لها السلطات الاستعماريّة حتّى عطّلتها، ولَمّا يمضِ على حياتها شهر واحدٌ».[8]

مرحلة التّأسيس[9]

تتميّز المرحلة الثانية من مسار الكتابة السرديّة في الجزائر، وهي المرحلة التي ظهرت ملامحها بجلاء منذ مطلع العِقد الرابع من القرن العشرين، ببروز عاملين اثنين جديدين:

 أوّلهما ظهور مجموعة محاولات قصصيّة جديدة لمحمد السعيد الزاهري، وذلك سنة 1931.[10] كما ظهرتْ له قصّة أكثر تطوّراً من الوجهة الفنّيّة بالقياس إلى «فرانسوا والرشيد»، وذلك سنة 1936 في مجلة الرسالة بالقاهرة عنوانها: «إني أرَى في المنام»[11].

وآخرُهما نشْر محمد العابد الجلاّلي لمجموعة من الكتابات السرديّة تقترب من الحكاية الواقعيّة. وقد نشرها في فترة لا تجاوز ثلاث سنوات في مجلّة «الشهاب» القسنطينيّة، وكان يوقّعها باسم مستعار هو «رشيد».[12]

أعمال الزاهري السرديّة في الأعوام الثلاثين

وأوّل ما نلاحظ حول الأعمال السرديّة لمحمد السعيد الزاهري أنّ الموضوعات التي تناولَها فيها كانت تتراوح بين الدّعاية الحسنة للإسلام من وجهة (الكتاب الممزّق، عائشة إلخ...)، ومحاربة الطرق الصوفيّة، بحكم إصلاحيّة موقفه الفكريّ يومئذ على الأقلّ، (إني أرى في المنام) من وجهة أخراة.

ففي الحال الأولى نودّ أن نتوقّف لدى «الكتاب الممزق» لنقدّم تلخيصاً لمضمونها، وتحليلاً عارضاً لهذا العمل السرديّ المبكّر في تاريخ القصّة الجزائريّة. وتمثل خلاصة الفكرة المطروحة في حكاية القصّة التي تبدو كأنّها واقعيّة أنّ مستشرقة فرنسيّة، كانت تقيم بمدينة الجزائر، وكانت ألَّفَتْ كتاباً تنعَى فيه على الحجاب في الإسلام، وتَعُدّه من وجهة نظرها، تقييداً من حريّة المرأة وامتهاناً لها! غير أنّها، وقبل أن تأذن بنشر الكتاب، وقع لها لقاءٌ بالمصادفة مع سيّدة مسلمة، جزائريّة أمّيّة، مع صديقات لها... فوقع بينهنّ وبين المستشرقة الفرنسيّة المثقّفة جدلٌ طويلٌ حول السفور الذي كانت تتعصّب له تلك المستشرقة، والحجاب الذي كانت تناصره تلك السيدة الجزائريّة وصواحبُها، فأبدت السيدات الجزائريات من الحجج والمزايا والحِكَم لحجاب المرأة ما أبهر المستشرقة الفرنسيّة وأفحمها حقّاً... فلم يكن هذا الحجاب، بالقياس إلى السّيّدات الجزائريّات المجادلات، إلاّ زينةً لأنوثتها، وستْراً لجمالها... في حوار طويل... فاقتنعت المستشرقة بأنّهن كنّ على حقّ، وكانت هي على باطل، فقرّرتْ تمزيقَ كتابها الذي كانت تزمع على نشْره في ذمّ الحجاب! كما قرّرت الشروع، مقابل ذلك، في تأليف كتاب آخر تُبيِّن فيه مزايا الحجاب للمرأة المسلمة. ولقد غيّرت المستشرقة الفرنسية رأيها في كلّ ذلك حين قالت: «كان الحجاب في نظري عادة جامدة قاسية يجب أن تتمرّد عليها كلّ مسلمة تريد أن تخرج إلى هذه الحياة؛ فصرت أنظر إليه كأقدس الشعائر التي يجب أن يُحتفَظ بها احتفاظاً شديداً. وهكذا أصبحتُ أنظر إلى كلّ شيء إسلاميّ، بغير العين التي كنت أنظر بها من قبل، وإنّي مُنكبّة اليوم على تأليف كتاب في نصرة الحجاب (...). ولا أكتمكم أنّي أصبحت أميل إلى الإسلام ميلاً شديداً».[13]

ولكي يعطي الكاتب مصداقيّة وواقعيّة لحكايته فإنّه زعم، في مطلع هذه الحكاية نفسها، أنّ تلك المستشرقة الفرنسيّة هي التي حكتْ له هذه الحكاية. وقد كان قابَلها مع مستشرق فرنسيّ آخر في إحدى المناسبات بمدينة الجزائر، وأنّها كانت شديدة العناية بقضايا المرأة المسلمة تبحث فيها. وقد تعمّدتْ مناقشة أولئك الجزائريّات اللّواتي أخجلْنها، على تعلّمها وعلى أميّتهنّ، وخصوصاً حين سألْنها عن سرّ عدم زواجها وإصرارها على العزوبة التي أمست عنوسة، فأجابتْ: «لم أجد رجلاً كما أحبّ»!. فأجابتْها إحداهن: «ويحكِ! فهل خلت رقعة الأرض من رجل يكون كما تريدين!؟»[14]

والذي نلاحظ أنّ مسألة الحجاب بمقدار ما كانت مطروحة في المجتمع الجزائريّ المسلم منذ خمسة وسبعين عاماً، فإنّها لا تبرح في موقعها لا تَريم... ولكن الطريف أنّ الكاتب يجعل، في حوار طويل، السيدةَ الفرنسيّة تقتنع بجمال الحجاب، وإضفائه مسحة خاصّة من الأنوثة على المرأة، والبهاء على هيئتها، بالإضافة إلى وظيفته الشرعيّة... ولذلك أسرّت المستشرقة في نفسها أنها ستفعل مثل ما يفعلْن، لعلّها أن تصبح جميلةً أمثالَهنّ!...

قد تكون هذه الحادثة واقعيّةً ولم يكن للكاتب فيها إلاّ التسجيل، كما قال. كما قد تكون من نسْج خياله وقد كتَب أمثالَها، في كتابه، يدعو فيهنّ إلى التمسّك بالقيم الإسلاميّة. وفي الحالتين فإنّ الكاتب وُفِّق إلى إخراج هذه المسألة في نسْج سرديّ مشوّق يمكن أن يصوَّر بسهولة فيلماً سينمائيّاً قصيراً. كما استطاع أن يوفَّقَ إلى معالجة هذه المسألة من وجهة نظر إسلاميّة تنهض على الإقناع والترغيب، لا على الترهيب، في لغة بسيطة، ودون استعمال الثقافة العليا، ولا المنطق والفلسفة في الجدال.

كما عالج محمد السعيد الزاهريّ موضوعاً إصلاحيّاً يتمحّض لمحاربة التّصوّف بتبشيع أفعال الشيوخ مع مريديهم. وقد جاءت هذه الكتابة في محاولته القصصيّة -«إنّي أرى في المنام»- من وجهة نظر إصلاحيّة خالصة؛ فكما كان رجال التصوفّ يُعَادُون الحركة الإصلاحيّة بزعامة الشيخ عبد الحميد بن باديس، فقد كان الإصلاحيّون لا يتردّدون في مناصبة الإصلاحيّين العداء، على غرار كتابات الشيخ مبارك الميلي (رسالة الشرك ومظاهره)، ومحمد البشير الإبراهيمي (في كتابات مختلفة منها مقدّمة سجلّ جمعيّة العلماء الجزائريين، ومقالات له كتبها في «البصائر» الثانية عن الشيخ عبد الحيّ الكتّاني...)، ومحمد السعيد الزاهري (إنّي أرى في المنام) وفي كتابات أخرى مثل الذي كان يُنشَرُ في جريدة «الجحيم» ردّاً على أصحاب جريدة «المعيار»...

ففي هذا الإطار من الصراع الفكريّ الحادّ بين الإصلاحيّين والطّرقيّين كتب الزاهري هذه القصّة. ونشْر هذه المحاولة القصصيّة في منبر أدبيّ في مستوى «الرسالة» الزياتيّة، يومئذ، برهان على رضا صاحب المجلّة على المقالة في مستويَيْها النّسجيّ والمضمونيّ جميعاً.

ويصف الكاتب شخصيّة «إنّي أرى في المنام» التي تمثّل شيخاً محتالاً لئيماً يتصيّد أموال السُّذّج من العوامِّ بالشعوذة والأكاذيب، فيقول: «تراه، فترى وجهاً كالحاً مسنوناً، ولحية قذرة صفراء، كأنّ دخاناً كثيفاً لا يزال يتعهّدها ويغشَاها من حين إلى حين».[15] ولقد بلغ الأمر بمريدي هذا الشيخ الطّرقيّ وتَبَعِهِ أنْ «وقفوا ذات يومٍ على فاكهيّ وقالوا له: إنّ شيخنا يقرؤك السلام، ويقول لك يا بنيّ: إنّي أرى في المنام كأنّك تتخبّط في ضَخْضاخٍ من النار، وأنت تستغيث ولا تُغاث؛ حتّى استغثتَ بي، وذكرْتني باسمي، فأخذت بيدك، وأنقذتك من الهلاك...».[16]

ولقد أفلح الشيخ في إيقاع الفاكهيّ الساذج في أُحبولته، فاغتدى من تَبَعِهِ الْجُدد، وأشياعه الأثرياءِ الأسخياء!

وكأنّ الزاهري أراد من وراء كتابة هذا النّصّ الذي ينزع منزعاً إصلاحيّاً بادياً، أن يصوّر بعض مظاهر الشعوذة والتّدجيل في المجتمع الجزائريّ ومدى تأثيرها في أذهان الناس وسلوكهم معاً.

الأعمال السرديّة لمحمد العابد الْجَلاّليّ

نشر محمد العابد الجلاّلي، صاحب جريدة «أبو العجائب» (قسنطينة 1934-1934)، مجموعة من المحاولات القصصيّة بلغت سبعة نصوصٍ بمجلّة «الشهاب» الباديسيّة كما سبقت الإيماءة إلى بعض ذلك. وإذا كان الناس كانوا يعدّون كلّ هذه النّصوص التي كان يوقّعها باسمٍ مستعار هو «رشيد» نصوصاً قصصيّة، فالحقيقة أنّ أربعةً منها فقط يمكن أن تصنّف في الكتابة القصصيّة بدرجات متفاوتة من التجويد. أما الثلاثةُ النّصوصُ الأُخَرُ فهي تندرج ضمن أجناس أدبيّة أخرى كأدب الرّحلة مثلاً.[17]

ويتفرّد محمد العابد الجلاّلي عن الزاهري بخصائص منها:

  1. 1. كان الجلاّلي لا يجرؤ على التوقيع على تلك النصوص باسمه الحقيقيّ، بل آثر التوقيع باسم مستعار هو اسم «رشيد» الذي يمثّل اسم شخصيّة أوّل محاولة قصصيّة جزائريّة ظهرتْ، وهي «فرانسوا والرشيد». ولا نرى أنّ الجلاّلي اختار هذا الاسم المستعار اعتباطاً، بل نرى أنّه آثر أن يرمز لأوّل عمل قصصيّ هو «فرانسوا والرشيد» إقراراً بتأثيره فيه من وجهة، وتكريماً للزّاهري الذي كان أوّل قاصٍّ جزائريّ على الإطلاق يمارس الكتابة السرديّة.
  2. 2. يختلف الجلاّلي عن الزاهري في تناوُل الموضوعات الاجتماعيّة في الجزائر؛ فبينما كان الزاهري يركّز على القضيتين الوطنيّة والإصلاحيّة، نلفي الجلالي يحاول أن يوظّف شخصيات بسيطة، ويتغلغل في أعماق المجتمع الجزائريّ من حيث علاقات أفراده فيما بينهم بعيداً عن التّوظيف السياسيّ أو الإصلاحيّ في كتاباته القصصيّة، ليس إلاّ... كما يمثل ذلك في قصّة «الصائد في الفخّ».[18] وربما تكون هي أوّل قصّة جزائريّة تعالج موضوع العلاقة العاطفيّة بين الرجل والمرأة.

ولولا الاستطراد الساذَج والتهويم في موضوعات خارج إطار الموضوع المركزيّ لهذه القصّة لكانت تكون أجمل مما هي عليه كثيراً. وأيّاً ما يكن الشأن، فإنّا نعتقد أنها أجمل قصّة ظهرت بعد عشر سنوات من ميلاد الأدب القصصيّ في الجزائر تدقيقاً (نُشرت محاولة «فرانسوا والرشيد» في جريدة «الجزائر» بالجزائر العاصمة في شهر يوليو من سنة 1925، و«الصائد في الفخ» نشرت في مجلّة «الشهاب» بقسنطينة في شهر يونيو من سنة 1935).

ويدور موضوع هذه القصّة حول حادثة بسيطة، هي وقوع شابّ في فخّ حبّ راعية جميلة من حيث لا تعلم هي؛ فقد كان الفتى محمودٌ يهوَى الصيد فخرج، على دأبه، يوماً إلى الغابة ببندقيّته فاصطاد ما سنح له من صيد، ثمّ آبَ أدراجَه تلقاء بيت والدته، ولكنْ ما راعه إلاّ فاطمة الراعية الحسناء التي تساوره في طريقه على غير ميعاد، فوقع بينهما حديث ألذّ من طعْم الشهد، وأعطر من عبق الورد. وزاد إعجاب الفتى بفاطمة حين علم أنّ أباها تُوُفّي في السجن تحت التعذيب لاتّهامه بممالأة الثائر ابن زلماط. فقد استكشف ذلك من خلال تحاورهما. ولقد افترقا على موعِد اللّقاء إذا كان الغد صبحاً.

غير أن الصيّاد أحسّ في سويداء قلبه برسيس هوىً أحرق قلبه وأمضّ جسمه، فلم يستطع الإفلاتَ من ملازمة الفراش منذ اللّيلة التي أعقبت اللّقاء، فبات يحترق بهوى الفتاة، وبقشعريرة الرُّحَضَاء؛ فاضطُرّ الفتى إلى البقاء في البيت، إذ لم يستطع الخروج. وتخرج فاطمة مع الصباح بقطيعها على أمل الالتقاء بمحمود، غير أنّ حادّة، أختَ محمودٍ، التي خرجت هي أيضاً ترتعي أغنامها، أخبرتها بما راعها، فقرّرت الراعية الجميلة أن تعُود محموداً تحت تأثير حبّها الشديد إيّاه... فتسارع فاطمة إلى منزل محمود الصيّاد لتعودَه، على غير دأب الفتيات المحتشمات، في المجتمع الجزائريّ الذي كان يومئذ شديد المحافظة... وقد يكون سلوك هذه الشخصيّة أحد مواطن الضعف في بناء هذه القصّة الجميلة حقّاً... ولو سار القاصّ في بناء هذا الحدث بطريقة أخرى، أقلّ مباشَرةً، لكان أمثل.

وما هو إلاّ أن يرَى صاحبته تدخل بيته كالملاك الكريم، حتّى يعاودَه نشاطُه، وتثوبَ إليه قوّتُه، فيُبِلَّ من علّته المفاجئة. فتسعد الأمّ بهذه الفتاة التي بمجرّد أن رآها ابنها المريض شُفي من علّته، أيّما سعادة؛ وتقرّر المسارَعة إلى خِطبتها ليتمّ الزواج من بعد ذلك دون عوائق أو خطوب...

وعلى الرغم من أنّ هذه القصّة من الوجهة الفنية ضعيفة، كما لاحظنا ذلك أكثر من مرّة، إلاّ أنّ موضوعها الجميل الذي يشبه قصّة قيس وليلى، يجعلها ذات تأثيرٍ كبير لدى قارئها. ونلاحظ أنّ الجلاّلي دسّ قضيّة وطنيّة في هذه القصّة لا يعرف التاريخ عنها إلاّ قليلاً، وهي الحديث عن ثورة ابن زلماط التي توفّي في السجن الفرنسيّ في ظروف مُريبة... فأفلح في المزج بين هدفين كبيرين، تضحية أبي الفتاة بروحه فداءً للوطن، والارتواء من عاطفة حبّ جمعت الفتى والفتاة على فراش الطهارة.

لقد كان الكتّابُ قبل الجلاّلي قُصاراهم الحديثَ عن الإصلاح والسياسة والاجتماع، في مقالات ينشرونها في الجرائد التي كانت يومئذ كلّها أسبوعيّة، إلاّ جريدة «النجاح» الحكوميّة الهوى... فجاء الجلاّلي ليكسّر محرَّماً اجتماعيّاً هو الحديث عن الحب، والعلاقة الغراميّة بين الرجل والمرأة، بل يجعل هذه الفتاة لا تُقِيم أيّ وزنٍ للتقاليد الجزائريّة المحافِظة التي تأبى على الفتاة أن تَزْدَارَ فتىً لا ترتبط به بمحرم، فتسارع إلى عيادة محمود في بيته، وهي ثورة مبكّرة في سلوك المرأة الجزائريّة، ولو على الورق، حقّاً...

كما كان نشر الجلاّلي محاولة قصصيّة أخرى، بشهر واحدٍ قبل «الصائد في الفخ»، وهي بعنوان: «السعادة البتراء».[19] وتنتهي أحداث هذه القصّة البسيطة بزواج فتىً بابنة القاضي سعاد. ونلاحظ أنّ الجلالي يقيم حدث قصتِه على شخصيّتي صبيّ وصبيّةٍ، من أبوين جارين، (كما رأينا من جِواريّة «فرانسوا والرشيد» في محاولة الزاهري): أحدهما موظّف صغير، وأحدهما الآخر قاضٍ بالمحكمة الشرعيّة؛ فيُنجب الموظّف صبياً بعد اليأس من الإنجاب، ويصادف ميلادَه ميلادُ الصبيّة سعاد، ابنة القاضي، فيتربّيان معاً... وينتقل القاضي، بحكم الوظيفة، إلى مدينة بجاية، فيشجّع انتقال القاضي إلى المدينة لإرسال الفتي محمد لمتابعة الدراسة هناك، ثم يشارك في مسابقة ليشغل «كرسيّ الكتابة في إدارة القسم، ذلك الكرسيّ الذي كان مناط آمال ثلاثين مرشّحاً من نبغاء الوطنيين»[20] ليغتديَ موظّفاً... وبحكم العلاقة السابقة بين القاضي وجاره القديم، فإنّه كان آوى محمّداً، التلميذ، ثمّ الموظّف الصغير الذي أمسى بدار القاضي مقيماً. وإن هو إلاّ أن يَزْدارَ أبو القاسم ابنه يوماً، فيُنشئ محمّد الفتى يُثني له على سعاد ابنة القاضي ثناءً عطراً؛ فيفهم الأب أنّ ابنه محمّداً كان لها وامقاً، فيختطبها من القاضي، و على أن يتمّ الزواج بعد أن يدور الزمن شهراً... فهذه القصّة، كما نرى، تبتدئُ على طريقة الزاهري، ولكنّها تنتهي على سبيل التناصّ الذاتيّ على شاكلة «الصائد في الفخ» حيث يتمّ فيها أيضاً الزواج بين فاطمة ومحمود...

وأيّاً ما يكن الشأن، فإنّ الجلاّلي عالج في هاتين القصّتين العلاقة العاطفيّة بين الرجل والمرأة في المجتمع الجزائريّ، ولم نجد عملاً أدبيّاً عالج هذه المسألة قبل ذلك. ولعلّ الجلاّلي أن يكون ببعض ذلك أسهم في تأسيس القصّة الجزائريّة، والخروج بها من دائرة المضمون السياسيّ إلى المضمون الاجتماعيّ والعاطفيّ، ولم يكن ذلك بالأمر الهيّن في مجتمع شديد المحافظة.

مرحلة التّطوير

تستميز هذه المرحلة التي نقصد بها الأعوام الأربعين من القرن العشرين بظهور عمل سرديّ متطوّر نسبيّاً من حيث البناء الفنيّ هو: «غادة أمّ القرى» لأحمد رضا حوحو. ولقد ظهرت هذه القصّة الطويلة، أو الرواية القصيرة، سنة 1947 بالجزائر،[21] بعد أن طبعت بتونس. وهي تصوّر وضع المرأة في المملكة العربيّة السعوديّة حيث ينتهي الأمر بعشيقين زكيّة وجميل في مكّة المكرّمة بأن يقضيا نحبهما صبابةً وعشقاً. والأطرف في الأمر أنّ زكيّة توفّيت من شدّة حبّها لجميل ابن خالتها دون أن يعرف أحدٌ شيئاً عن حقيقة أمرها...

ولقد أهدى حوحو عمله القصصيّ إلى المرأة الجزائريّة التي زعم أنّها كانت محرومة من نعمة الحبّ فقال:

«إلى تلك التي تعيش محرومة من نعمة الحب، من نعمة العلم، من نعمة الحرية.

إلى تلك المخلوقة البائسة المهملة في هذه الوجود: إلى المرأة الجزائريّة أقدّم هذه القصّة تعزيةً وسلوى».[22]

والأطرف في الأمر أنّ زكيّة الشخصيّة المركزيّة لـ«غادة أمّ القرى» توفّيت من شدّة حبّها لجميل ابن خالتها دون أن يعرف أحدٌ عن حقيقة أمرها شيئاً...

والحقّ أنّ أصل التناوُل لإشكاليّة الحرمان كان مقصوداً بها المرأة السعوديّة، من وجهة نظر أحمد رضا حوحو على الأقلّ، فلمّا آب إلى الجزائر ارتأى أن يُجَزْئِرَ عمله الأدبيّ بإهدائه إلى المرأة الجزائريّة التي كانت، فيما يزعم، محرومةً من ثلاثِ نِعَمٍ كبرى: هي الحب، والعلم، والحرّيّة... وربما كان ينطبق هذا الوضع، فعلاً، على المرأة الجزائريّة منذ ستّين عاماً، أمّا اليوم فلا!...

ولعلّ الأستاذ أحمد رضا حوحو أن يكون من أكبر من أسهم في توطيد العلاقة الأخويّة بين الجزائر والمملكة بتحريره مجلّة المنهل لسنوات طويلة، ولكتابته عدداً كبيراً من المقالات نشرها في دوريات المملكة، ثمّ خصوصاً كتابته لرواية «غادة أمّ القرى» التي لو ألفتْ من يلتفتون إليها في الجزائر لكانت صُوّرتْ شريطاً سينمائيّاً يشاهده الناس.

وموضوع القصّة أنّ رجلاً متوسط الحال كان يقيم بمكّة المكرّمة رُزِق، بعد الزواج، بابنتين اثنتين: اسم الكبرى أسماء، واسم الصغرى زكيّة، ولم تتعلّما، لمحافظة الأسرة، وحرْصها الشديد على عفّة البنتين. وكانت أخت زوجته فاطمة فقدتْ زوجها في الحرب السعوديّة اليمنيّة التي كان لها ابن يسمَّى جميلاً. وكانوا جميعُهم يعيشون في بيت الشيخ سليمان خليل بمكّة. وبعد أن كبر الفتى وبلغ مبلغ الرجال أصبحت ابنتا خالته تتستّران منه، فاضطُرّ وأمّه إلى التّفرّد ببيت بسيط في مكة أيضاً. وكان الفتى، بعد أن حصل على شهادة مدرسيّة، موظفاً في إحدى الإدارات العموميّة.

وإذا كانت أسماء، البنت الكبرى، لم تكن تأبه لجميل، فإنّ زكيّة أختها الصغرى كانت وقعتْ من حبّه في عذاب غرام. وكانت زكيّة لا تشكّ في أنّه سيختطبها ولم تفكّر في أنّ أختها الكبرى أولى أن تقع عليها الخِطبة كما تقتضيه التقاليد ومنطق الأشياء. 

وجاء يوماً جميل زائراً دار خالته فلم يكن أحد بالدار إلاّ زكيّة التي كان مستحيلاً عليها أن تفتح له باب البيت على الرغم من وجِيبِ قلبها بحبّه العارم، فصفّقتْ له بيديها إشارةً إلى أنّه لا يوجَد بالبيت من يستقبله، فعاد الفتى أدراجه من حيث أتى.

وفي ذلك اليوم نفسه، بعد أن عادت الأمّ والأخت الكبرى، والأب من متجره مساء، تقدّم الشيخ أسعد أحد أثرياء أمّ القرى ليختطب ابنة الشيخ سليمان لابنه رؤوف، فوقع رفض الطلب دون الدّخول في التّفاصيل المتمحّضة لأيٍّ من البنتين كان الثريّ يريد؟ وذلك بحجّة أنّها اختُطِبتْ لابن خالتها جميل منذ اليوم... وكانت زكيّة تتسمّع حديث الرجال، فدقّ قلبها بشدّة فرحاً وسعادة، فقد تمّ لها ما أرادت، ولم يبقَ إلاّ إتمام الإجراءات ليتمّ زواجها من جميل، حبيبها، ظانّة أنّ جميلاً اختطبها فعلاً، وأنّ أباها لم يكن يقصد إلاَّهَا حقّاً!...

غير أنّ الشيخ أسعد، الثريّ المتعفّن الأخلاق، كان من الغطرسة والخيلاء والأشَر بحيث لم يغفر للشيخ سليمان رفْض طلبه، فدبّر مكيدةً لجميل تتّهمه بالسُّكر، فسيق إلى السجن وحُكم عليه بستّة أشهر وثمانين جلدةً، على أعين الملأ، كلّ شهرٍ، بعد أن شهد عليه شاهدان بذلك...

ولم يتحمّل جميل التهمة بعد أن دسّ له الشيخ أسعد من شهد عليه زُوراً، ورأى أنّ تعرّضه للجَلْد يوم الجمعة في الشارع أمام النّاس إهانةٌ لا يطيقها، وقد جاءت عن تدبير مكيدة خبيثة من الشيخ أسعد، فالتمس من اللّه تعالى أن يتوفّاه قبل أن يحدث له ذلك، فاستجاب له...

وأمّا الفتاة زكيّة فلم تتحمّل صدْمة سجْن حبيبها الذي لم يكن أحدٌ يعلم بحبّها إيّاه، لا جميل، ولا أمها، ولا أختها بَلْهَ أباها... فمرضتْ مرضاً شديداً وأصاب عقلَها مسٌّ من الخبل... إلى أن توفّيت في مأساةٍ عظيمة... وقد تُوُفّيت في اليوم الذي توفّيَ فيه جميل في السجن...

وكانت أمّه استطاعت أن تبلّغ رسالة إلى الملك ابن سعود حين جاء من الرياض إلى مكّة ليحُجّ، وأفلحت في أن تصل إليه حين كان متوجّها لأداء صلاة العصر في الحرم الشريف، وأن تسرّ له كلاماً والحاشية والمحيطون به يعجبون من أمرها!...

ولَمّا رجع الملك إلى الرياض أمر بأن يُحضر الشيخ أسعد وابنُه رؤوف وشاهدا الزورِ، فأقرّوا بجريمتهم أمامه شخصيّاً، فنالوا عقابهم بدرجات متفاوتة في القسوة إلاّ جميلاً الذي أُخبر الملك بأنّه قضى نحبه في السّجن قبل أن يأخذ له بحقّه من ظالِمِيه، فتأثّر لذلك تأثّرا كبيراً...

فلما جاء أعوان من السجن ليُخبروا الشيخ خليل بموت الفتى، واقتربوا من بيته سمِعوا بكاءً وعويلاً، والناس في مأتم رهيب، فرجعوا من حيث أتَوْا ولم يَنْعُوهُ لهم وهم يقولون:

-لا داعيَ لتبليغهم موتَ جميل، فقد بلَغهم الخبر!

والحقّ أنّي اختصرت جملة من الأحداث المهمّة التي يمكن الإلمام بها لدى قراءة هذا النّصّ السرديّ المبكّر الجميل. والذي يعنينا من وراء ذلك أنّ حوحو أسّس بطريقةٍ آسرةٍ الكتابة السرديّة في الجزائر، بتصويره أوضاعاً اجتماعيّة وإن كانت تجري، أصلاً، في الحجاز، إلاّ أنّ الكاتب كان يستلهم، فيما يبدو، كثيراً مما كان يسود من عادات وتقاليد اجتماعيّة في الجزائر أيضاً، فما أشبه الحال بالحال في تلك الأثناء. ولقد استطاع حوحو أن يصوّر بعض تلك المشاكل في لغة بسيطة، وبسرْد أخّاذ...

إنّا لو أردنا أن نحلّل هذا العمل السرديّ المتميّز، إذا مَوْقَعناه في إطارَيْه الزمنيّ والمكانيّ، لخشِينا أن يستغرق ذلك منّا كتاباً كاملاً، وهو ما ليس ممكناً هنا والآن...

وقد نُشرتْ قصص أخرى في مجلّة «صوت المسجد»، ولكنّها كانت ساذجة ومباشرة ووعظيّة، فكأنّها عادت بنفسها، في الجزائر، إلى السنوات العشرين التي ظهرت فيها «فرانسوا والرشيد» للزاهري.[23]

مرحلة النضج الفنّيّ

يطالعنا في هذه المرحلة التي تبتدئ بمنتصف القرن العشرين عدد صالح من الأعمال القصصيّة الفنّيّة لأحمد بن عاشور، وأحمد رضا حوحو، وأبي القاسم سعد اللّه. وبحكم كثرة النّصوص نسبيّاً، فإنّا لن نركّز إلاّ على نصّ واحدٍ لكلٍّ من هؤلاء القاصِّينَ.

أحمد بن عاشور

 كتب أحمد بن عاشور جملة من النّصوص السرديّة نشر معظمها في جريدة البصائر انطلاقاً من منتصف القرن العشرين (1950-1953). وتقوم الكتابة لديه على تصوير بعض الأوضاع الاجتماعيّة، وسَيْدُودة بعض التقاليد البالية في المجتمع الجزائري. فكتب خصوصاً عن مشاكل الزواج، وعلاقة الرجل بالمرأة، وعلاقة الأبناء بالآباء أيضاً. كما تستميز أعماله بقصر النّفَس ممّا يمكن معه تصنيف كتابته السرديّة في معجم «الأقاصيص»، لا «القِصص». و يحدث هذا لأوّل مرّة في تاريخ الكتابة السرديّة في الجزائر حيث ألفينا معظم الأعمال التي سبقت كتاباته هي أطول نفَساً، وأكبر حجماً. ومن أعماله التي تعالج بعض ذلك: «تضحية»، و«زواج عصريّ»، و«شرط الزواج»، و«عانس تشكو».

ونتوقّف قليلاً لدى قصّة جميلة تصوّر مشكلة الفوارق الحضاريّة في المجتمع الواحد؛ فقد أحبّ يوسف التاجر البسيط الذي انحدر على مدينة البليدة من أعماق البادية، ففتنته فتاةٌ كانت لا تَنِي تَعُوجُهُ وهي تتثنّى في مشيها، فلَمّا سأل عنها علم أنّها ابنة ضابط صفّ جزائريّ متقاعد في الجيش الفرنسيّ. وكانت الفتاة لا تتحدّث إلاّ اللّغة الفرنسيّة. ولم يكن الفتى يعرف كلمة واحدة من هذه اللّغة الطّارئة مع الاستعمار. بل كان أيضاً يرتدي عمامة وبرنساً. وبمقدار ما كان يتابع الفتاة ويترصّدها لعلها أن تلتفت إليه، لم تعره أيّ اهتمام ممّا كان يزيده جنوناً بها. فالْتحد الفتى العاشق إلى السّحرة والمشعوذين يستنجد بهم لعلّهم أن يُنْجدوه، فوصف له أحدهم سلوكاً معيّناً يسلكه، وكتب له طلسماًَ عجيباً زعم له أنّه بفضله ستحبّه فتاته حبّاً شديداً، ولاسيّما «إن خاطبها والطلسم تحت لسانه»![24]

ولكن مضت الأيّام والأسابيع ولم تلتفت إليه صاحبته، فأدرك يوسف أنّ السّاحر ضحك منه واستهزأ به، فاستشار بعض العقلاء فيما يكابده من أمر هذه الفتاة التي شغفتْه حبّاً، وأضنته غراماً، فأشار عليه بأن ينبذ لباسه التّقليديّ فيلقي بالبرنس والعمامة إلى الجحيم، ثمّ يرتدي بزّة رياضيّة كالفتيان العصريّين ويحاول أن يترصّدها حين تذهب إلى جبل الشريعة لتتزحلق على الثلج. فعمل بنُصحه حالاً.

ولا يَنِي يوسف يتحفّز ويتشجّع، ويستخير اللّه ويتقرّب، إلى أن اقترب منها في زحمة المتزحلقين على الثلج في قمّة ذلك الجبل الذي ابيضّتْ أشجاره التي كسا أغصانها الثلج... ويقترب منها إذن، ويرنو إليها بحنان غامر، وترنو الفتاة إليه، ثمّ تثب متزحلقةً نحو الأسفل... ولكنّها لا تكاد تنطلق حتّى تفقدَ توازنها فتقَعَ... فيسارع يوسف إلى إسعافها، فتشكره، باللّغة الفرنسيّة... فيجيبها يوسف باللّغة العربيّة، فتقول له في شيء من الدّهشة:

-«أأنت عربيّ»؟[25]

فيقدّم إليها يوسفُ نفسَه. فتزداد دهشتها ممّا آل إليه أمر هيئته، لأنّها إنّما كانت تراه مبرنساً معمَّماً... فيقول لها يوسف:

-«ضحّيتُ بكلّ ذلك من أجلك»![26]

فتتعلّق الفتاة بالفتى، فتبادله حبّاً بحبّ، بل تذهب معه إلى دار السينما، ويمرّ يوماً ببعض أصدقائه في الشارع مع حسنائه «التي كانت لا تفتأ تتثنّى وتتبسّم»[27] وهو يودّعها قائلاً:

-«جو تيم»![28]

«فأحمد بن عاشور، في هذه الأقصوصة الطريفة، يعرض لعنصرين اجتماعيّين: أحدهما[29] الإقبال على السحر والفزع إليه في أحوال اليأس الشديد، دون غَناء. وثانيهما: التضحية بالتقاليد الوطنيّة والاجتماعيّة في سبيل نيل لذة، أو الحصول على غاية معيّنة. فنجد الشابّ يوسف ينسلخ من كلّ ما كان فيه من تقاليد: من حيث اللباس، والحديث، والسلوك العامّ، ويأتي ذلك كلّه تحت وطأة تأثير عاطفة الحبّ الشديدة. والذي يلاحظ، في هذه الأقصوصة، أنّ يوسف ينجح في الحال الثانية، ويفشل في الأولى».

أعمال أحمد رضا حوحو

نشر أحمد رضا حوحو الذي هو أقصُّ القاصِّينَ الجزائريين، وأكتب المسرحيّين على عهد الاستعمار الفرنسيّ أربعة أعمال سرديّة: «غادة أمّ القرى»، (وقد أتينا عليها تعريفاً)، و«مع حمار الحكيم » (1953)[30]؛ و«صاحبة الوحي وقصص أخرى» (1954)؛ و«نماذج بشريّة» (1955)، وهي آخر ما نشر.

ونشر نصوصاً مسرحيّة في مجموعتي: «صاحبة الوحي وقصص أخرى»، و«نماذج بشريّة»، غير أنّ النّصوص القصصيّة هي الأطغى في هاتين المجموعتين. أمّا «مع حمار الحكيم» فبطل أقاصيصها الاجتماعيّة والسياسيّة والفنّيّة حمار توفيق الحكيم والكاتب نفسه، وتدور على أنّ حمار توفيق الحكيم (صاحب كتاب: «حماري قال لي») ينتقل من مصر إلى الجزائر ليحاورَ الكاتب في كلّ شؤون الحياة: في السياسة، والاقتصاد، والفنّ، والأدب، والدّين... وهذه المحاورات من أجمل ما كتب حوحو. وقد نشرها أوّل الأمر بجريدة البصائر الثانية، قبل أن ينشرها في كتاب.

ونودّ أن نتوقّف على عَجَل لدى قصّة «خولة» التي جرت أحداثها في بادية من بوادي الشرق الجزائريّ.[31] والشخصيتان المركزيّتان لهذه القصّة الرومنتيقيّة[32] الجميلة هما سعدٌ وخولة.

كان سعد راعياً يحسن العزف على النّاي، وكان يتذوّق جمال الطبيعة ويهواها. وكان أبوه الكريم النبيل الشجاع تُوُفّي بعد أن تركه وحيدَ أمِّه وهو صغير. وما أكثر ما كان أبوه يأمل، وهو يحادث أخاه خليلاً، أن يشهد اليوم الكبير الذي يقترن فيه سعد بخولة. ولِكَرَمِ أبي سعدٍ وإتلافه المال، فقد تُوُفّي وظهرُه مُثقَلٌ بالدّيون. ولم يكد يفارق الحياة حتّى تقدّم الدَّائنون والغرماء فاقتسموا ثروته بمن فيهم أخوه خليل الذي بالغ في المطالبة، بحقّ وباطل، حتّى لم يكد يُبقِي على شيء من مال أخيه المتوفَّى إلاّ احْتازه من الصبيّ سعدٍ اليتيم...وكان أبو خولةَ لا يَنِي يتماطل في تزويجها من سعد، غير أنّ الفتاة كانت لا تزال تُقْسم لسعدٍ بالأقسام العظيمة إنّها لن تكون لغيره أبداً...

وكان سعد يحبّ ابنة عمّه خولة التي تأخّرت هذا المساء عن موعدها حبّاً عارماً. وكانت خولة تحتال على وقتها حتّى تلتقيَ بسعدٍ وهو رائح بأغنامه في جَلْهةٍ من الوادي الخصيب.

لكن ما بالُ خولةَ لم تأتِ هذا الأصيلَ للقائه كما ألِفَتْ؟ ثمّ ما باله يرى الحيّ وقد ازْدانَ بأبهى الحلل، وأجمل المشاهد العيديّة؟ وما له يرى كوخ الشيخ خليل خصوصاً تزيّن بأكثرَ من كلّ الخيام الأخرى؟ ثمّ ما بال هذا الشيخ خليل وقد ارتدى أجمل ما يمتلك من الملابس؟ وهؤلاء النساء ما لهنّ يزغردن فيبالغن في الزغاريد كأنّهن كنّ يتقصّدن ذلك حتّى تمتدّ أصواتهنّ إلى حيث الفتى سعدٌ الذي عجِب ممّا يحدث في الحيّ على حين غفلة منه، وهو سامد حيران؟ أتكون نفْسُ خليل، الغنيّ الجشع، قد سوّلتْ له أمراً إِمْراً؟! ألا يكون قرّر تزويج خولة بفتىً آخر غنيّ هو صالح بن الشيخ حمود، ولم يراعِ أنّ خولة كانت مخطوبةً لسعدٍ منذ الصبا... رافضاً سعداً الفتى الفقير؟... فلم يكن للشيخ عهدٌ ولو عاهده...

وإنّ سعداً لكذلك في أفكاره الحمراء، وإذا شبح امرأة آتية من بعيد فتفاءل خيراً، وظنّها خولة... غير أنّ التي جاءت لاستقباله على غير عادة لم تكن إلاّ أمَّه التي خشِيتْ أن يتعرّض لمكروه حين يحاط بالخبر المشؤوم، لهول الصدمة على نفسه، وقد أزمعتْ في نفسها على مغادرة هذه الديار إلى أهلها، ولن تعود إليها أبداً...

وقد زعمت الأمّ لابنها أنّ خولة وقعت في البئر حين كانت تُورد حصان أبيها فهلكَتْ، ويا حسرتَا! ودخلت بابنها من الجانب الخلفيّ للحيّ...

بيد أنّ صديقتها الوحيدة سلمى، الأرملة العجوز، جاءتْ مع الغروب لتخبر الفتى بالحقيقة وقد كانت حمّى أصابتْه فألهبتْ جسمه وهو يتلوَّى كالثعبان المذبوح، ويهذِي كمَن به مسٌّ من الجنون، أو أسوأ من ذلك شأناً... وسهِرَت سلمى على تمريضه، فأخبرته أنّ خولة على قيد الحياة، ولابدّ من تدبير الأمر بالحيلة والدهاء. وليس الوقت وقت حزن أو بكاء. وقد رفضت خولة زواجها بسواه فلا مدعاة لأن يحزن ويشقَى. وهي التي التمست منها تدبير هذا الأمر للإفلات مما جرى. وقد تمّ تدبير خطّة محكمة فلْيَقْرَرْ عيناً!...

وكان الشأن أن تخرج خولة إذا كانت اللّيلة القادمة على أنّها تقضي حاجتها بعيداً عن الخيام، إلى نحو شجرة السّدر، ويكون سعدٌ بحصانه في انتظارها أمام تلك الشجرة شرقيّ الحيّ...

وقد فعلتْ. وقد فعل هو أيضاً...

وإنّ خولة لتسارع الْخُطَى تلقاء شجرة السدر العظيمة، وإذا شبحُ شخصٍ يطاردها فتظنّه سعداً، لكنه لم يكن إلاّ صالحاً خِطْبَها الجديد وهو يبدي لها من إعجابه بجمالها الفائق ما يفوق كلّ وصف...

ويتحرّك شبح آخر من تحت الشجرة بعد أن صرخت الفتاة مستنجدةً بسعد الذي هوَى على صالح «بضربة عنيفة من سيفه الحادّ تركه يتخبّط في دمائه. ثمّ حمل حبيبته بين ساعديه القويتين وغدا يعدو كالظليم، وبعد ثوانٍ معدودة كان حصانه الأشقر ينهب بهما البيداء كالسهم المارق وهو مسرع نحو الشرق حيث توجَد ديار بني خالد»[33].

 القصّة على رومنتيقيّتها جميلة إلى حدّ الروعة. وربما يعود جمالُها هذا إلى رومنتيقيّتها. فأحداثها تتسارع. وشخصيّاتها تتهاوى: يموت من يموت (الشيخ مساعد، أبو سعد)، ويُقتل من يُقتل (صالح بن حمّود، غريم سعد...). وحيزها جميل: خضرة وأزهار، وكلأ وأعشاب، وأغنام وناي، ونهر يجري من حوله الأشجار: والنّاي وهو يصدح، والخيل وهي تصهل، والسيف وهو يقطع، والحبّ وهو يطفح من القلوب فيوشك أن يغيّر نظام الكون...

غير أنّ بناء الأحداث السرديّة كثيراً ما كان يشوبه ضعف ونشاز وغياب؛ وإلاّ فكيف يجوز أن يحدُثَ ما يحدثُ في يوم واحدٍ وسعدٌ هو آخر من يعلم ذلك، حتّى كأنّه كان معزِّباً [34] بقطيعه عن الحيّ منذ دهر طويل، في حين أنّه كان يرْتعِي قطيعه قريباً من الحيّ، ولم يغادر دُورَه إلاّ منذ الصباح؟ أم هل يُعقل أن يغيب عنه ما كان يجري في الحيّ والبادية مكشوفة مفضوحة، لا شيء فيها يستتر أو يخفَى: يُرى من بعيد، كما يُسمع من بعيد؟ ثمّ كيف لا يميّز سعد بين فتاته وأمّه إلاّ حين تقترب منه على فَرْق الهيئة الذي يجب أن يكون بينهما: بين فتاة رشيقة، وعجوز مترهّلة؟ ثمّ هل يُعقل أنّ الصّبيّة لَمّا التقتْ بسعدٍ، منذ البارحة، كتمتْ عنه الخبر فلم تكشف له عمّا سيجري غداً؟ أم لا أحدَ كان يعرف ماذا سيقع في يومه المشؤوم هذا حتّى حبيبته خولة؟! ثمّ كيف يتزيّن الحيّ على ذلك النحو ويحتفل الناس والأمر لا يعدو كونَه خِطْبةً، لا زفافاً؟... ثمّ هل سيسكت أبو صالح، والعمّ خليل على ما وقع من اعتداء على حياة شخصٍ بريء...؟ ثمّ ماذا سيكون مصير أمّ سعدٍ في الحيّ، وقد أقدم ابنها على ما أقدم، وهي وحيدة لا حول لها ولا طول؟ وماذا سيكون شأن العجوز سلمى التي لا بدّ من أن يفتضح أمرها، وقد أغرت سعداً بارتكاب الجريمة، وخولة بالإقدام على الهروب مع عشيقها؟ ثمّ أيّ سعادة هذه التي سيشتارها سعد بصحبة خولة وقد أقدم على قتْل رجل بريء؟... أيكون ضميره ميتاً إلى الحدّ الذي ينسَى معه ارتكاب الجريمة؟

هناك، في الحقيقة، أمور كثيرة ناشزة في بناء الحدث في هذه القصّة... فكأنّ أحداث القصّة لَمّا تنتَهِ، وكأنّها بُنِيتْ على عجل، بل كأنّها ابتدأت حين اعتقد كاتبها أنّها انتهتْ!...

والمؤسف حقّاً أنّ حوحو لم يتوسّع في أحداث هذه القصّة الغنية ليجعل منها روايةً كانت تكون من أجمل النصوص السرديّة في الجزائر حقّاً... وإذا كان الكاتب تعمّد أن يظلّ نصّه مفتوحاً، فليكنْ له ذلك! ولكن ليس النّصّ المفتوح بهذه الدرجة من إهمال للأحداث، والقفز عليها دون بلورة ولا تفصيل... فكلّ شيء يزيد عن الحدّ، ينقلب إلى الضّدّ، كما يقال... إلاّ أن تكون أحداثها واقعيّة، فلم يكن للكاتب من فضلٍ غير التسجيل بالكتاب، فنَعَم!...

عمل أبي القاسم سعد اللّه

لم يكتب أبو القاسم سعد اللّه الذي اغتدى من بعدُ شاعراً، ثمّ مؤرّخاً إلاّ قصّة واحدة نشرها مسلسلَة في جريدة البصائر الثانية على ثلاثِ حلقات[35] تحت عنوان: «سَعْفة خضراء».

ويدور موضوع هذه القصّة حول فتىً أنهى دراسته باللّغة العربيّة ولم تذكر القصّة المؤسَّسة التعليميّة التي كانت تدرُس فيها الشخصيّة التي كانت غالباً جامع الزيتونة. ولَمّا آب إلى قريته –قمار- ألفاهُ بطّالاً. وكان عليه أن يظفر بعمل لأنّه أنهى دراسته، ولا بد مِن أن يخوض معترك الحياة... لكن هل يشتغل مدرّساً واعظاً في مسجد القرية الجامع؟ أو أنّ السلطات الاستعماريّة ستحظُر عليه ذلك حظْراً؟ ثمّ هل يتزوج نرجساً التي يحبّها، وهي فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، كما كانت تريد له أمّه، وتلحّ عليه إلى حدّ الإزعاج؟ ولكن كيف يتزوّج وهو بطّالٌ؟ وإذن، فهل يُخْلد إلى العزوبة ويركن إلى الوحدة القاتلة؟ وما يقع له لو يجيء ذلك سيرة؟ أليس هو اليأس المقيم، والقلق الذي لا يَرِيم؟

ولم تبرح هذه الأفكار تؤرّق الفتى «العالِم»، وتُقلقه فتثير في نفسه ما تثير من الهواجس والوساوس، على الرغم من أنّ أهل القرية كانوا يحترمونه، ويحرصون على أن يظلّ بينهم يعلّمهم أمور دينهم... ألحّت عليه هذه الأفكار المقلقة فأفضت به إلى أن يقع طريح الفراش مريضاً، ففزعت أمّه إلى الرُّقية التي كانت تحترفها عجوز في القرية. وما هي إلاّ أن تلتحد أمّ جمال إليها، وإذا هي تيمّم بيت الفتى المريض، لتطوّق عنقه بسعفةِ نخلٍ خضراءَ وهي تخاطب المريض:

- «حَذارِ أن تحاول انتزاعها قبل أن تيبس، وإلاّ غضب عليك «الشَّقْعَقُول»، و«الهبهب»، واستعصى شفاؤك! ثمّ التفتتْ إلى الأمّ وهي منصرفة كالخيال المهيب وقالت بصوت غليظ:

- عند ما تيبس تلك السعفة على عنقه، اعرضي عليه ما تشائين، فإنّه لا يستطيع أن يعصي لك أمراً، أو يفرّ من شرك الحكمة!»[36]

وعلى عكس القصص التي رأينا من قبل، فإنّ هذا النّصّ يعالج لأوّل مرّة موضوع القلق، والثقافة، والشعوذة (على الرغم من أننا كنّا رأينا أحمد بن عاشور يتحدّث عن بعض ذلك في أقصوصته «تضحية»)، والعادات والتقاليد، بالإضافة إلى العواطف والميول. ولم يعدم النّصّ، أثناء ذلك، وصْفاً لتلك الطبيعة الصحراويّة الهادئة بقيظها القائظ، وشمسها المحرقة، ورمالها الصفراء، ونخيلها المخضرّ.

فهذه القصّة تمثّل صورة كلّ فتىً يُنهي دراسته باللّغة العربيّة، ثمّ يعود إلى قريته فلا يدري ما يصنع وهو في سنّ الزواج والعمل والمسؤوليّة، فمنهم من كان يُفلح، وأكثرهم كان يخيب في مسعاه، فتبدأ رحلتُه مع الشقاء والمتاعب مبكّراً.

هوامش

[1] Cf. Nouvelles arabes, Paris, éd. Seghers, 1964 (nouvelles choisies et traduites sur le texte arabe par René R., Khavam).

ولكنّا لاحظنا أنّ الرجل ترجم من العربيّة إلى الفرنسيّة بعض الوقائع التاريخيّة فعدّها قِصصاً!...

وانظر أيضا: مرتاض، عبد الملك، القصة في الأدب العربيّ القديم؛ فنّ المقامة في الأدب العربيّ.

 [2]أنظر مرتاض، عبد الملك، ألف ليلة وليلة، وزارة الإعلام و الثقافة بغداد، 1989، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1993.

 [3]أنظر مرتاض، عبد الملك، الميثولوجيا عند العرب، المؤسسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1989.

 [4]أنظر مرتاض، عبد الملك، القصة في الأدب العربيّ القديم (وهو أوّل كتاب لنا)، نشر الشركة الجزائريّة مرازقة-بوداود، الجزائر، 1968، وفيه نثبت وجود أجناس سرديّة في الأدب العربيّ القديم (رسالة الغفران، حيّ بن يقظان إلخ...). وفي نظريّة الرواية، عالم المعرفة، الكويت، 1999. 

[5] ينظر سعيد الزاهري، محمد، جريدة «الجزائر» (وهي له)، ع.2 الصادر في عاشر أغسطس 1925. ويبدو أنّه العدد الأخير من هذه الجريدة التي صادرها الاستعمار الفرنسيّ.

[6] ينظر مرتاض، عبد الملك، أدب المقاومة الوطنيّة، ج.2، الفصل الرابع، نشر مركز البحوث التاريخيّة، الأبيار، الجزائر، 2004؛ فنون النثر الأدبيّ في الجزائر، الفصل الثاني من الباب الثاني، والفصل الثالث من الباب الثالث، الجزائر، نشر ديوان المطبوعات الجامعيّة، 1983.

[7] ينظر الهادي السنوسي، محمد، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، 1. 20.

[8]مرتاض، عبد الملك، فنون النثر الأدبيّ في الجزائر، ص.164.

[9] ظهر كتاب للدكتور ركيبي، عبد اللّه، عنوانه: القصة القصيرة في الأدب الجزائريّ المعاصر، تناول فيه طائفة من قضايا القصّة القصيرة في الجزائر، القاهرة، دار الكاتب العربيّ للطباعة والنشر، 1967.

[10] هي مجموعة: «الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير» دمشق، 1348 للهجرة، وصدرت الطبعة الأولى بتقديم المصلح محبّ الدين الخطيب وظهرت في سنة 1352هـ - 1933م. وقد نُشرت هذه المحاولات القصصيّة التي ينحو فيها كاتبها منحى الإصلاح في مجلّة «الفتح» الإسلاميّة الاتّجاه القاهريّة. هذا وقد ترجمت معظم هذه المحاولات القصصية إلى اللّغة الفرنسيّة، وتُرجم عمل واحد إلى لغة الملايو، ينظر الزاهري، مقدّمة الطبعة الثانية، م.س.، ص.4.

[11] مجلّة الرسالة، القاهرة، ع.145 الصادر في أبريل 1936، ص.583-585.

[12] نُشرت هذه المحاولات القصصيّة التي بلغ عددها سبعاً ما بين 1935 و1937 بمجلّة الشهاب، لابن باديس.

[13] السعيد الزاهري، محمد، الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير، ص.20، ط. 2.

[14] م.س.، ص.19.

[15] الزاهري، مجلّة الرسالة، ع.145، في أبريل 1936، ص.583.

[16]م.س.، ص.585، العمود الثاني.

[17]ينظر مرتاض، عبد الملك، فنون النثر الأدبيّ في الجزائر، ص.166. و لقد سجّل الكاتب رحلة جميلة نهض بها إلى فرنسا، فروى حكاية له مع زوجين ألمانيّين التقيا بهما في القطار، ثمّ قضّى معهما أو قاتاً ممتعة في مقاهي باريس. ويذكّرنا قطار العابد الجلاّلي، محمد، بقطار بيطور، ميشال، وهو منطلق من باريس إلى روما في رائعته الروائيّة: «La Modification». ولكن ما أبعد القطارَ عن القطار!

[18]هي القصّة الثانية التي نشرت بالشهاب، بعد قصّة «السعادة البتراء». انظر الشهاب، قسنطينة، ج 3، المجلّد 11 يونيو، 1935.

[19]الشهاب، قسنطينة، مايو 1935. وهي أوّل عمل قصصيّ ينشر للجلاّلي.

 [20]العابد الجلالي، محمد، الشهاب، ج2، م.11، مايو 1935.

[21] تقع نسخة الطبعة الأولى (وأجهل إن طُبع هذا العمل لحوحو وسَواؤُهُ من الأعمال الأخرى... وقد كان مشروع أثيرت فكرته عام 2000 بالجزائر لطبع أعمال حوحو كلّها، ولكن لم يتمّ من ذلك شيءٌ) في 74 صفحة من القطع الصغير (20سم × 13)، وبستّة عشر سطراً في الصفحة الواحدة.

[22]حوحو، غادة أم القرى، إهداء، ص.3، (كُتب الإهداء في قسنطينة، 1. 1. 1947). وعلى أنّ نصّ القصّة كان كُتب بالمملكة العربيّة السعوديّة، ربما قبل عام 1943، حيث المقدّمة التي كتبها بوشناق، أحمد، لغادة أمّ القرى إنّما كتبها في 2. 12. 1362 للهجرة (1943م.).

[23] أنظر صوت المسجد، ع.8، 9، 10 (أبريل، مايو، يونيو 1949)، وقد نُشرت قصّة بعنوان مباشر: «زليخة والعفّة تتذمّران»، وقد وقّع صاحبها باسم مستعار، كما فعل العابد الجلالي، محمد، الذي كان يوقّع، كتاباته السرديّة باسم مستعار أيضاً هو «رشيد». ولم يأت إلاّ ذلك البشير الإبراهيمي، محمد، حين وقّع أحاديث «سجع الكهّان» التي كان ينشرها في البصائر الثانية في نهاية الأعوام الأربعين حين وقّع باسم: «كاهن الحيّ»...

 [24] بن عاشور، أحمد، تضحية، في جريدة البصائر، ع.216 الصادر في سادس فبراير 1952، ص8 (وهي الصفحة الأخيرة في الجريدة)، (أعمدة: 1، 2، 3).

ذلك، وقد عدّ ركيبي، عبد الله، «تض حية» مجرد «صورة قصصيّة»، ينظر ركيبي، القصة القصيرة في الأدب الجزائريّ المعاصر، ص.289. ونحن نخالف عن رأيه بعدِّها أقصوصة فنّيّة بكلّ ما يحمل المصطلح الأدبيّ من معنى.

 [25]م.س.، ص. 8. عمود 3.

 [26]م.س.

[27]م.س.

[28]م.س. وواضح أنّ العبارة الفرنسيّة - «Je t’aime»،- تعني: أحبّك.

[29]مرتاض، عبد الملك، فنون النثر الأدبيّ في الجزائر، ص.179.

[30]وقعت لي نسخة من مجموعة «مع حمار الحكيم» بإهداء حوحو، أحمد رضا، بخطّه –بحبر ازرق وقلم غليظ الحرف- إلى الأستاذ عبد الوهاب بن منصور الذي كان يومئذ مديراً للمدرسة العربيّة بندرومة التابعة لجمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، ونصّ الإهداء: «هديّة إلى الأخ الأستاذ عبد الوهاب منصور 23/4/53 المؤلّف» (ثم توقيع الكاتب: غير مقروء). (وقد كتب حوحو اسم الْمُهدَى إليه «عبد الوهاب منصور» كما كتبناه للأمانة. 

[31]كنا ترجمنا هذه القصّة إلى اللّغة الفرنسيّة في أطروحة دكتوراه دولة في الأدب قدّمناها إلى السوربون سنة 1983، ينظر:

MORTAD Abdelmalek, Les genres de la prose littéraire en Algérie, 1931-1954, t II, p.p. 457-489..

هذا، وقد زعم لي أحد الأصدقاء من الشرق الجزائريّ، في الأعوام الثمانين، أنّ قصّة خولة لحوحو هي تصوير لحادثة واقعيّة جرتْ أحداثها في إحدى القبائل العربيّة هناك. والعهدة على من حكى، وهو لا يزال حيّاً.

 [32]يقول الناس في مثل هذا التعبير: «القصة الرومانسية»، والحقيقة أنّ أهل الغرب الذين أنشأوا هذا المفهوم يميّزون بين معنيين فيه: «الرومنسية» (Romantisme) وتدلّ على النزعة والمذهب، و«الرومنتيقيّة» أو «الرومنتيكيّة» وتدلّ على الصفة. وهم يكتبون الرومنسية «الرومانسيّة» ليجمعوا بين ساكنين، وهو خطأ فادح. وقد سطّر لي حاسوبي على الوجه الأوّل على أساس أنّه هو الخطأ الفادح! وكلّ إناء بما فيه يرشح!

[33]حوحو، صاحبة الوحي وقصص أخرى، ص.116.

 [34]التعزيب، في لغة مربّي المواشي في الجزائر، أن يذهب الشخص بقطيعه إلى مكانٍ أبعد من أصل سكنه، فيقضي شهوراً لتسمين غنمه، وهي فصيحة، لأنّ العُزُوب هو البعد والغياب.

 [35]انظر البصائر الثانية، ع.272 الصادر في 21 مايو 1954، ص.7؛ ع.273 الصادر في 28. 5.، 1954، ص.7؛ ع. 274 الصادر في 11. 6. 1954، ص.7.

[36] سعد اللّه، البصائر الثانية، ع.174، في 11. 6. 1954، ص.7، عمود4. وانظر أيضاً مرتاض، عبد الملك، م.م.س.، ص.ص. 182-184.