Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

1. في البدء كان التراث.

لم يكن العرب (شعراء كانوا أو روائيين) السبّاقين إلى استخدام التراث في العمل الإبداعي، بل سبقهم إلى ذلك، الأدباء و الشعراء الأوربيون[1].

فهذا "جيمس جويس" على سبيل المثال، يستخدم الهيكل العام لملحمة هوميروس "الأوديسة" في روايته التي تحمل عنوان شخصيتها الأساسية "عوليس". غير أن هذا الكاتب الإيرلندي، لم يقف عند الهيكل العام للملحمة اليونانية، و عدد فصولها المطابقة لفصول الملحمة، بل راح يمازج بين خطوات "ليوبولد بلوم-Leopold Bloom" بطل الرواية، و عوليس بطل الأوديسة؛ فإذا  رجع بطل جويس في المساء، فإنّه يحتمي بفراشه كبطل الأوديسة عندما تستقبله "أومي  Eumee"، و إذا دخل بيته على الساعة الثانية صباحا، فإنّّه هو "عوليس" نفسه الّذي يرجع إلى قصره.

إن هذا الرجوع إلى التراث اليوناني، سواء عند "جويس" أو غيره من الأدباء الغربيين هو في حقيقة الأمر امتطاء للأسطورة والرّمز و الملحمة، باعتبارها أدوات فنية للولوج إلى الواقع الأوروبي المتسم في عمومه بالإنكسار في القيم  و المثل.

فمن خلال التزاوج بين الواقعين، الحقيقي و التراثي، استطاع الفنّان عموما والرّوائي خصوصا أن يكشف على الوجه القبيح للإنسان، و بعض مواقفه كالحرب والكراهية و العنصرية و الاستعمار[2].

والرواية بهذا المنظور، تبحث عن قيمتها الجمالية  على بنية أساسية تكمن في الرؤي الشاملة و الإنسانية للعالم، ليس باعتبارها تفسيرا علميا يبحث عن القانون العلمي، بل الانغماس في المجتمع لوصف مسار الفرد في بحثه عن مجموع كلي ما، أو عن تجانس ما، أو عن هوية يحمل صورتها في أعماق نفسه.. و هذا هو بالفعل ما قامت به الرواية في سيرورتها و تكوينها.   

و ما تبحث عنه الرواية العربية ما هو إلا جزء من هذا الكل الذي يقضّ مضجع الفنان الأصيل الّذي لا يقدّم في أعماله - من خلال اتكائه على العناصر التراثية- الحلول و النشرات الطبيّة  بقدر ما يضع أمام المتلقي صورة قلقة، تدفع إلى المشاركة في صنع العالم الروائي، بعيدا عن تكرار النماذج الأولية، كما يدعو إلى ذلك أصحاب النقد الأسطوري[3].

2. الرّواية العربية و التراث ؟

إذا كان موقف الروائي (والمثقف) الغربي المعاصر من التراث  قد اتّسم بنوع من الراديكالية، التي بنى على أساسها "حداثته"، فإنّ الروائي (و المثقف) العربي، على العكس من ذلك، قد نظر إلى التراث باعتباره الحامي للشخصية القومية والدّينية أمام الهجمات الخارجية ؛ و قد تأكد هذا الأمر بعد نكسة يونيو/جوان 1967.

صحيح أنه كانت لهذه النكسة بصمات كثيرة و خطيرة على تطلعات الفكر والأدب العربيين غير أنّ الاهتمام بالتراث كمنبع أصيل يشارك في بلورة الثقافة العربية المعاصرة، لم يكن وليد هذه النكسة بقدر ما كان مطلبا حضاريا، ملّحا على الساحة الأدبية العربية، منذ الوهلة الأولى للتصادم الحضاري بين الشرق و الغرب، بيد أنّه لم يكن يملك ساعتها من الأدوات ووضوح الرؤيا و الجرأة ما يُمكّنه من فرض سيطرته على التراث. بل إن النقد الأدبي خلال أربعينيات و خمسينيات القرن الماضي، قد شغل نفسه أكثر ممّا ينبغي  بالبحث عن جذور الرواية في التراث العربي، لإثبات أن هذا الجديد قديم، وللإلحاح على ضرورة العودة إلى السّيَر والحكايات والمقامات والقصص الشعبي لاستلهامها و استيحائها[4] .   

و الحقيقة أنّ النقد الأدبي في بعض أوجهه، على الرّغم من تحامله على نزعة الحداثة التي تثر بها الروائيون العرب، فإنّه قد ساهم بدور فعال لاستكشاف الطريق أمام التراث، حتى وإن كان ذلك بدافع من فكرة إثبات أنّ الجديد قديم، لأنّه ساعد على الأقل في التأكيد على أن التراث، يمكنه أن يكون فعّالا في تحديد مسار الإبداع الروائي..

يعبّر جمال الغيطاني ـ و هو أحد أهم الروائيين العرب حاليا ـ عن تلك المعادلة الصعبة "التراث – الحداثة"، و هو هاجس الروائين العرب جميعا، بقوله:"من خلال تجربتي الخاصة، ومن خلال كتابات النقاد عنها، والجهود الفكرية الحديثة التي تتخذ التراث العربي محورا لها و وليس بهدف التقوقع أو الاحتماء بالقديم(..) و من خلال إحساسي بخطورة التوجه الكامل إلى الحضارة الأوروبية، و الّذي ترجع جذوره إلى الحملة الفرنسية أمكنني بداية تحديد المنابع أو المصادر الـتي يمكن أن نثري بها فن القص العربي.."[5].     

و يوجز الغيطاني هذه المنابع، إلى مصادر مباشرة و أخرى غير مباشرة. أمّا الأولى التي يتحدّد فيها القصّ العربي المباشر فهي شكل المقامة والملاحم العربية الكبرى الّتي أصبح بعضها شعبيا و شائعا، مثل سيرة عنترة، و سيرة سيف بن ذي يزن والزير سالم، و الأميرة ذات الهمة، أبي زيد الهلالي و غيرها. أمّا المصادر غير المباشرة فهي أساليب القصّ المتمثلة في حوليات التاريخ العربي الكبرى، تلك الّـتي تسجّل الأحداث التاريخية الكبرى، و "التي تصل في دراميتها إلى مستوى العمل الإبداعي أو توحي بأعمال إبداعية كبرى أو تلك الحوليات التي تسجّل ملامح الحياة العادية للناس في أزمنة مختلفة. ."[6]

و لا يقتصر اهتمام الغيطاني على الشكل فحسب، بل يتعدّاه إلى المضمون أيضا، حيث لا حدود في نظره للحوادث الموحية التي تُضفي عمقا على الحاضر اليومي المعاش الآن، و هنا يذكر حوليات الطّبري و ابن كثير و الدّينوري و غيرها.. كما اهتدى الغيطاني في تقصّيه للتراث أيضا إلى الأجناس العتيقة، و أساليب الكتابة التاريخية بدءا من ابن إياس و المقريزي والجبرتي، و انتهاء بمؤلفات السّحر والتنجيم وغيهما في التراث العربي عموما و التراث الصّوفي خصوصا.

3. لماذا التراث ؟

ليس ثمة شك، أنّ روائيي "الحداثة" العرب من أمثال الغيطاني و الخرّاط ويوسف القعيد و غيرهم، قد ركّزوا اهتمامهم أيضا على قضية الشكل والبحث عن القوالب و الأشكال في التراث عموما، سواء كان فرعونيا أو إسلاميا. و لم يكن الروائيون العرب متميّزين في ذلك عن غيرهم من الكتّاب و الروائيين في العالم، بل جاء الاستنجاد بالأسطورة و بالتراث عموما استجابة للضرورة إلي أملتها ظروف الثقافة العالمية برمتها؛ حيث كسّر أدباء أوروبا وروائيوها "المرآة" التي كانت تعكس الحياة الهادئة، و بأشلائها صنعوا مرآة أخرى..

من هنا كان للرّمز و الأسطورة و التجسيد الدور المُهم في بلورة الرؤى الفكرية والجمالية عند العديد من الكتّاب المرموقين من أمثال "فرانز كافكا" و "فيرجينيا وولف" و غيرهما.. و من البدهي أن يكون لهذا المناخ تأثير و لو بسيط في كتّاب الرواية العربية.

ومن مجرّد استدعاء التراث و عناصره، كما دعت إلى ذلك موجة الحداثة الزاحفة، وجد الروائيون (و الفنّانون عموما) في التراث ما يُمكن أن يعبّر عن عُقدة نفسية ـ حضارية، حملها المُبدع العربي على كتفه، منذ عصر الطهطاوي؛ و هي محاولة سد ّالفجوة بينه و بين ذلك العهد الّذي انقطع، حيث أشكال القص والحكي و الرويّ.. ذلك لأنّ هذه الفجوة ـ أو هذا الانقطاع ـ قد بدأ في الاتساع في إطار التوجه العام نحو الحضارة الأوروبية، وقد صاحب شعور عام أنّ الحضارة الغربية هي المصدر، و هي المرجع الّذي يُنسب إليه القياس، و وصل ذلك في بعض الأحيان، وبتعبير الغيطاني ذاته، إلى شعور بالدونية الثقافية[7].         

ولعلّ هذا التوّجس من الغرب،الّذي عبّر عنه جيل كامل من المبدعين، وخاصة بعد هزيمة "يونيو" هو الذي دفع نحو وعي مختلف للتراث، تكون فيه الغلبة للشعور بالانتماء إلى كيان مختلف عن الكيانات التي بشّرت بها ثقافات الغرب المنتصرة، المتعجرفة.. و بذلك حظيت مسألة الهوية بالحيّز الأكبر من اهتمامات المثقفين و المبدعين العرب  على اختلاف مشاربهم.

يُعبّر جمال الغيطاني عن هذا التوجه بقوله:"إنّ توجهي إلى التراث العربي بمفهومه الشامل من تراث مكتوب، وفن عربي، وعمارة عربية، كان نتيجة عوامل عديدة.. منها نشأتي في حي عريق ما زال التاريخ القديم سيّالا، حيّا فيه، لا يتمثل فقط بالآثار المعمارية و شوارع و حارات لم تنلها مخططات المدن الحديثة.. إنما يمتد ليتواجد في العلاقات الإنسانية بالناس.."[8].

و من رحلة البحث عن الكيان و الهوية و التميّز، ينتقل الروائي العربي ممثلا في الغيطاني إلى رحلة البحث عن الوسائل و الأدوات التي تكفّل له ايجاد الصيغة المناسبة للعيش في عبق ذلك الكيان، أو ذلك التاريخ.. غير أنّ هذه الصيغة ـ على أهميتها في تطوّر مسار الرواية العربية ـ لم تنجُ من إحساس برفض الآخر.

يقول الغيطاني حول محاولته ردم الهوة الفاصلة بينه و بين التراث – الكيان، ومن ثمّة إلى الأشكال و القوالب الفنية : ". . رغبتي و طموحي منذ بدئي الكتابة في عام 1959، إلى الوصول إلى أشكال فنية جديدة من التعبير، ليس التوصل إلى أشكال فنية جديدة فقط هو الهدف في حدّ ذاته، لكنها الرّغبة في إيجاد أفضل شكل ممكن للتعبير عمّا أريد أن أعبّر عنه، شكل يحقق لي أكبر قدر من حرية التعبير، و قد وجدت من خلال توجهى التلقائي للتراث العربي، أنّ هذا التراث يحوي على عناصر القص، و فلسفة الرؤيا، التي تمكنني من تحقيق هذا القدر من الحرية.."[9]   

و للحرية في مجال الفن، كما هو معروف، أكثر من مظهر، أقلّها، إثنان: أحدهما داخلي، خاص بتناول المادة الفنية "الروائية" من أساليب حكي وقص و قوالب و ما إلى ذلك، و ثانيهما خارجي عام يشترك فيه مع بقية من يُكوّن المجتمع، من حرية في تناول الموضوعات و طرقها، أي حرية تعبير، وتنقّل و اعتقاد و ما إلى ذلك من "حريات" بالمفهوم "الحداثي" لهذه المصطلحات، والّتي هي في نصوص الدساتير و المواثيق العربية مكفولة لكل مواطن عربي..(؟)[10]

على ضوء  هذين المظهرين الّذين هما عصب استيحاء التراث في الرواية العربية، بل استدعاء العناصر التراثية في مواجهة الحضارة الغربية، هل يمكن القول بأنّ الغيطاني الروائي، قد وصل إلى غايته ؟

يعدُّ جمال الغيطاني بعد نجيب محفوظ من أغزر الروائيين العرب إنتاجا، وأحرصهم على البحث عن تقنيات وقوالب فنية جديدة، لا تكفُل له حرية التجريب فحسب، بل حرية التعبير عن آرائه السياسية والعقائدية أيضا.وقد وجد الغيطاني، الّذي يندر أن يكتب خارج نطاق التراث العربي، بشخوصه و أحداثه، ضالته في تثوير الأدوات الفنية التي يتيحها التراث العربي بكل أبعاده و تجلياته..[11]      

و عليه، راح الغيطاني في كلّ ما يكتب، يُنوّع في استحضار العناصر التراثية، فتارة يكون التراث الصوفي هو الغالب، كما هو الشأن في رواياته الأخيرة نسبيا، مثل روايات " كتاب التجليات بأسفارها الثّلاثة، أو الإرتكز على الخوارق و العجائبية، سواء من حيث عملية الحكي أو من حيث الزمن، مثلما عمد الكاتب في رواية "وقائع حارة الزّعفراني"، أو استلهام التاريخ و طرائق الكتابة التاريخية في رواية " الزيني بركات "..

4. تقنية " تضمين" الخبر و التراث التاريخيين:

لم تكن رواية "الزيني بركات" التي طُبعت لأول مرة في سنة 1974، نقطة تحوّل خطيرة في  مسار تجربة الغيطاني الروائية فحسب، بل كانت أيضا بداية نوعية للرواية العربية مع بداية السبعينيات. وذلك لأنّها قد جمعت بين طياتها الأجناس الأدبية العتيقة، انطلاقا من الكتابة التاريخية وخصائصها، مرورا بأدب الرّحلات، إلى إعادة الخبر التاريخي و تضمينه، بما يخدم فكرة و فنية الرواية "الحداثية" ذاتها بالمفهوم الّذي ينادي به الغيطاني..

و على الرّغم من أنّ رواية "الزيني بركات" تتمحور حول مواضيع وأحداث تاريخية، فإنّها ليست برواية تاريخية، ذلك لأنّ الرواية التاريخية قد تتخذ أشكالا متعددة، منها ما يحاول بعث حقبة تاريخية في دقة وأمانة، و منها ما ينطلق من الواقع التاريخي، و يحوّله إلى خيال صرف. و أيا كان نوع الرواية التاريخية فهي مقيّدة بالأحداث و الشخصيات، غير أنّ الكاتب الروائي يستمتع بحرية مطلقة عندما يجعل التاريخ مادة لكتابته، فهناك إذن فرق لا يُستهان بين الرّواية التاريخية والرّواية التي تستمد مادتها من التاريخ[12] .

لذا، فإنّ رواية "الزيني بركات"، من الوجهة "النّصية" أي المعارضة الفنية لنص تاريخي، تتحدد سماتها من كونها تقيم موازاة نصية من خلال معارضة شكلية، لغوية للنّص التاريخي، فجمال الغيطاني يحاكي قول ابن إياس التاريخي[13]، أي أنّه لا يلجأ إلى استخدام محتوى تاريخي يصوغه في لغة عصره، بل ينتقل بنصه الخاص إلى الحقبة التاريخية السالفة، و قد عاش الغيطاني ابن إياس معايشة لصيقة حتى أنّه"  تقمّص شخصيته "[14] فيما يكتب و فيما يقول ..

و تتحدد الأبعاد التراثية في رسم الحدث الروائي في هذه الرواية في اختيار الحقبة التاريخية المناسبة، أي أن الروية تتضمن أحداثا وقعت في عهد السلطان الغوري منذ عام912 هـ، الموافق لسنة 1517م حتى هزيمة مصر في معركة مرج دابق، و احتلال العثمانيين لها في عام 922هـ.

غير أنّ ما يُلفت النظر في هذه الرواية، التي يريد صاحبها الإنطلاق من فكرة أنّ الماضي يمكنه أن يشرح الحاضر - عن طريق استخدام تقنية المعارضة الفنية بالمصطلح التـراثي، "التـضمين" بالمفهـوم المعاصر، الّذي يقابله في اللّغة الأجنبية Transtextualité [15]  أننا أمام نص روائي، أحداثه الكبيرة والصغيرة، تختص بهذا العصر دون غيره ؛ لكن ما يهم الروائي  هو ليس إعادة الخبر التاريخي المدوّن، سواء في كتاب كبدائع الزّهور لابن إياس، أو أدب الرّحلات للرحالة الإيطالي"فسكونتي جانتي"، بل يختص بمرحلة حاضرة (على الأقل هي معاصرة للروائي)، و تكتسب أهميتها من حيث السرد الروائي و الفكرة العامة التي تلّفها..أي أن الحقبة المراد إظهارها و(دراستها) هي الفترة التاريخية التي شهدت هزيمة يونيو 1967 العسكرية والحضارية..

و بالتالي فالتوازي الّذي يُراد الكشف عنه من خلال الارتداد إلى الماضي هو التشابه الذي يجمع بين المعطيات الأيديولوجية و الاجتماعية و الثقافية لحقبتين مخلفتين..أي العودة بالمضمون و المحتوى (المعاصرين) إلى نهاية عصر المماليك أو تلك الفترة التاريخية الثرية بالوقائع و الأحداث و الإيماءات السياسية والاجتماعية، للمزج بين هموم الماضي وهموم الحاضر، مع التركيز على أزمة الحرية و سيطرة نظم القهر و الإرهاب.. دون الوقوع في المباشرة من جهة، أو الوقوع في براثن القص العربي، الذي نشأ ضمن ثقافة خاصة.

يقول النص الروائي مستخدما الأسلوب النبيل في تقديم حجج واهية حول مواضيع هامشية، و هو وجه من أوجه المفارقة و السخرية :"يا أهل مصر لم يحدث تعليق الفوانيس من قبل. لقد أمرنا رسولنا الكريم بغض النظر عن عورات الخلق. الفوانيس تكشف عوراتنا، خلق الله ليلا و نهارا، ليلا مظلما و نهارا مضيئا، خلق الليل ستارا و لباسا، فهل نزيح الستار؟ هل نكشف الغطاء الّذي أمدنا الله به؟ "[16]

و قد تعمّد الروائي في النص السابق، و نصوص أخرى عديدة، و من أجل تنمية الحدث و تطويره  استخدام النداءات و التقارير و الرسائل، التي تحفل بها الكتابة التاريخية العربية مثل كتابات ابن إياس و المقريزي و غيرهما.

و من الأبعاد التراثية في رسم هذا الحدث "الكبير"، الّذي هو هزيمة يونيو، والجو السائد غداة ذلك، يطرح الغيطاني عدة قضايا مرتبطة بالوضع العام، و ذلك من خلال الأحداث الجزئية التي تشرح كيف تمّ الوقوع في الهزيمة، هذا الحدث الكبير، أو بتعبير آخر، كيف تسنّى أن تقع البلاد في ذلك الظلام؟ و ذلك الخوف الذي كان يُخيّم على مدينة القاهرة..

و من أجل إعطاء مصداقية لما يقول، توسل الغيطاني إلى توظيف فقرات من كتابات الرّحالة الإيطالي- و هو نص تراثي تاريخي أيضا لكنه أجنبي ؛ و ذلك من أجل إضفاء الطابع المحايد في رسم الحدث.

يقول على لسان الرّحالة:"تضطرب أحوال الدّيار المصرية هذه الأيام، وجه القاهرة غريب عني، ليس ما عرفته في رحلاتي السابقة، أحاديث النّاس تغيّرت، أعرف لغة البلاد و لهجاتها، أرى وجه المدينة مريضا يوشك على البكاء، امرأة مذعورة تخشى اغتصابها آخر اللّيل.." [17]

ويواصل الغيطاني في تقنية التضمين هذه، إلى أبعد الحدود، حيث يقوم بالإضافة إلى المطابقة بين النص الروائي و النّص التراثي، و لاسيما من حيث التقسيم و إدراج أنساق القول التاريخية، إلى نوع آخر من المطابقة وهو مطابقة زمن الرواية بزمن النّص التاريخي الذي ينبعث من حوليات ابن إياس ؛ و إن كانت الرواية تسير طبقا لتسلسل زمني معكوس، فتبدأ في سنة 922هـ ثم تعود إلى سنة 912 هـ، فيتأرجح النص بين الماضي و الحاضر و المستقبل.و يتحول التاريخ، الّذي هو بنيات زمنية عند ابن إياس، إلى تاريخ الإنسان عند الغيطاني.

يقول النص الروائي: "..هذا زمان الحيرة و سيادة الشّك و فناء اليقين، تغيب التفاصيل، تطغى رغبة، آه لوهج في بيداء لا أول لها و لا آخر، لا عرض لها ولا طول، ينحل شعره، يبلى جسمه، ربما ما عرف ما غاب عنه، ما هجره ما كساه السّحاب.."[18]

و هكذا نجد أنّ جمال الغيطاني، الروائي و المثقف المولع بالتراث العربي، قد انتقل في رواية "الزيني بركات" إلى غاية عصر المماليك، من أجل نقل تجربته الروائية من مستوى الشهادة على العصر، إلى مستوى آخر، يتضمن معرفة الحاضر، عن طريق التوّغل في الماضى، الّذي هو في رأي الكاتب  الأب الشرعي للحاضر وتناقضاته، مستعملا في ذلك، لغة تراثية "وثائقيةـ تاريخية" للولوج إلى حقيقة، مؤداها أنّه يمكن معرفة الحاضر بالرجوع إلى الماضى و تناقضاته، و مدى ارتباط هذا الماضي في أنماط السلوك و التفكير وغير ذلك ممّا يشكّل الحياة.. 

5. صنعة الشكل الرّوائي أم " تكنيك اللّحية المستعارة " ؟

لقد لجأ الروائي العربي في مصر و في غيرها، من أجل صياغة رؤيته الفكرية والسياسية و الفنية، إلى التنويع السردي المستمد من النثر التاريخي و الصوفي وغيرهما؛ فكان بذلك يؤسس عن قصد، نموذجا جديدا من الفن الروائي،  يتوسل من خلاله تحقيق شكل فن مستحدث، مختلف عمّا سبقه من إنجازات في ميدان الكتابة الروائية العربية.

فالمغامرة الروائية التي راح الغيطاني و أقرانه، يخوضون تجريتها، تدّل على إحساس هؤلاء الكتّاب بشعور غامض بالانتساب إلى تجربة خاصة، تستمد قوتها ومقوّماتها من خاصية إبداعية، تتيح لهم الحرية في مقاربة المواضيع و المضامين التي تتحكّم في رؤاهم، وطبيعة علاقتهم بالعالم..

ولعلّ تجربة الغيطاني الّذي يُشكّل وحده تيارا قائما بذاته في  "المغامرة الروائية العربية "خير دليل على هذا الاتجاه..[19] غير أنّ هذا النسق الروائي الذي يضعه الغيطاني أمامنا، قد يضعنا إزاء تساؤلات حول بنية جنس الرّواية نفسها، و مدى ابتعادها أو اقترابها من الأنموذج الروائي السابق أي الغربي؛ لأن تطوّر الرواية على الصعيد العالمي، يؤكد على ضرورة ثورة روائية، لا يقودها كتّاب بقدر ما تقودها جملة من المعطيات الموضوعية المؤثرة في بناء الرواية باعتبارها جنسا مستقلا؛ ذلك أن الرواية – كما تقول مارث روبير- التي " دمرّت بشكل نهائي الأساليب القديمة المتمثلة في في الأجناس الكلاسيكية، تستحوذ الآن على مجمل أشكال التعبير الأخرى، وتستغل لصالحها كل الأنماط دون أن تكون موضع سؤال حول تبرير ذلك.."[20] 

فانفتاح الرواية على جميع الأشكال و الأنساق و التجارب الفنية و"القولية" لا يُؤرخ لميلاد جديد للرواية فحسب، بل يفتح أمام المتلقي مجالات أوسع لاستيعاب التجربة الإنسانية في شموليتها.

من هنا فإنّ القضايا و الأسئلة المتعلّقة ببنية الجنس الروائي، لا تعدو أن تكون مجرد قضايا شكلية، إذ أنّه "لا وجود الآن لأيّ وساطة بين العمل الخاص "الفريد" و بين الأدب في عموميته. فالنوع أو التنيجة النهائية لا وجود لها، ذلك أنّ من مهام تطوّر الأدب المعاصر، أن يجعل من كل عمل إبداعي نقطة استفهام حول وجود الأدب نفسه. "[21]  وهو الأمر الّذي فتح المجال فسيحا أمام الروائييين من أمثال الغيطاني للإستفادة بما وصلت إليه "الفنيات" الروائية الغربية و استخلاص نماذج من الفن القصصي العربي الموروث.

إنّ متلقّي "كتاب التّجليات" للغيطاني، يصطدم منذ المهلة الأولى بعالم متعدد الأصوات، متنوّع الأشكال، متداخل الأزمنة حتى أنّه يصعب على المتلقي المنتظم في تتبُّع الطرح الروائي الكلاسيكي استساغتها، و ذلك بسبب ما تحمله من أساليب لغوية و قولية تستمد جذورها من عتاقة التراث وأنساقه المعروفة و غير المعروفة؛ سواء كانت هذه الأنساق نتاج الثقافة العربية الإسلامية في عصورها الذهبية أو في الكتابة التاريخية و الصوفية.

فهذا الغيطاني، يختلط صوته بصوت المتصوفة :"أما وقد بحت بقبس من مكتمي، فإني على شفا المكاشفة بحبل ما أخفيه، إذ جاء الإذن عند هذا التقييد، فسبحانه من فسّر لي دلالات أسمائي وبيَّن لي من سأكون، و في أيّ حيز ستتم الكينونة، البدء و التمام، النقص و الأفول. لن أُدراي أبدا ما أُمرت بفضّه و التصريح به، حتى الرّقائق التي ستُرجف قلبي أو تنبّه غوافل فؤادي من صريح العبارة أو غامض الإشارة أو ثنايا لحظة مارقة، و ما لاأعرف كنهه، سأفضى، سأصرح إلاّ إذا ورد تنبيه بخلاف ذلك، ما أنا إلاّ غريب و الغريب عابر غير مقيم، هذا الكون منفاي و دار هجرتي يا صَحبي، مقامي لم يعد به منذ أمد سحيق، أوفيت مدّتي  فأنا عتيق.."[22].

و مع أنّ جو المتصوفة و لغتهم و مقاماتهم و رؤاهم، من بين العناصر الأساسية التي اتكأت عليها الرواية العربية المعاصرة، إلاّ أنّ الغيطاني في كتاب التجليات، لا يكتفي باستحضار مواقف أو حالات أو شخصيات صوفية، بل ينقل التجربة الصوفية كاملة، بصياغاتها و "فضاءاتها"، لكنها لتعود من أجل أن تتعامل مع العالم الحقيقي في الصميم؛ و أنّ العالم المتخيّل المرسوم بدقة يعدّ  "إيهاما روائيا"، يتم من خلاله طرح القضايا المصيرية التي كان يمرّ بها المجتمع المصري في فترة السبعينيات من القرن الماضي مثل "الحرية" العروبة و التقدم و غيرها، و هي القضايا نفسها التي كانت تشغل بال المثقفين العرب بشكل عام.

والغيطاني و هو يحاكي  الأنساق القولية و الكتابية  التي اشتهر بها المتصوفة وعلى رأسهم "محي الدين بن عربي"، الّذي ترك لنا كتابا يحمل العنوان نفسه لرواية الغيطاني، لا يرفض الآخر، الممثّل للحضارة الغربية – وإن كانت طبيعة التطلعات العربية، و نشوء أفكار التمرّد على الحضارة السائدة قد ساهم إلى حدّ بعيد في نشأة  فكر رفض الآخر – بقدر ما يرفض واقعه و حقيقته، بكل ما يحمل الواقع و الحقيقة من معنى سلبي.

ففي "سفر القلب" من كتاب التجليات لمحي الدين بن عربي، الّذي تسم كتابته بالسرد القائم على الطرح الخيالي(وهو إحدى سّمات الكتابة الصوفية عامة)، يقول الراوية:"..قال السالك، خرجت من بلاد الأندلس أريد بيت المقدس و قد اتّخذت الإسلام جوادا، و المجاهدة مهادا، و التوكّل زادا، وسرتُ على سواء الطريق، أبحث عن أهل الوجود و التحقيق رجاء أن أتبرز في صدر ذلك الطريق. قال السالك: فلقيت بالجدول المعين، وينبوع أرين، فتى روحاني الذات، رباني الصفات، يومىء إليّ بالإلتفات. فقلت ما وراءك ياعصام، قال وجود ليس له انصرام، قلت من أين وضح الراكب قال من عند رأس الحاجب، قلت له ما الّذي دعاك إلى الخروج، قال الّذي دعاك إلى طاب الولوج، قلت له أنا طالب مفقود، و قال أنا داع إلى الوجود، قلت له فأين تريد، قال حيث لا أريد لكنّي أرسلت إلى المشرقين، إلى مطلع القمرين، إلى موضع القدمين، آمرا من لقيت بخلع النّعلين، قلت له هذه أرواح المعاني، وأنا ما أبصرت إلا الآواني في حقيقة القرآن و السّبع المثاني.."[23] 

ليست الغاية من الإستشهاد بهذا الأنموذج من الكتابة الصّوفية، أن نعقد مقارنة بين النّص التراثي و النّص الروائي، بقدر ما يكمن القصد من وراء ذلك هو الولوج إلى الجوّ الصوفي و رموزه في أنساق القول الصوفية، الّذي ساعد جمال الغبطاني على "معارضة" هذا النوع فنيا. غير أنّه، و من الوهلة الأولى، لايعدو أن يكون ذلك مطية، استخدمها الروائي للتّعبير أولا عن تجربته الإنسانية و الروائية، التي تحاول أن تسجّل العلاقات الإنسانية. و التأكيد ثانيا، على أنّ التجربة الصوفية في الكتابة- وإن كانت مستغلقة على عامة الناس- جزء أساسي من الأدب العربي في عمومه..

يقول الغيطاني عن ذلك:".. في رأيي، إن دراسة الأدب العربي، لن تكتمل إلاّ بتوجّه جديد إلى هذا لتراث الروحي، الصوفي، و إن البحث عن أصول القصة العربية أو الرواية العربية يجب ألا يقتصر على دراسة المقامة  و المنامة و السير و الملاحم، إنّما يجب أن يشمل التراث الصوفي، خاصة قصص الكرامات، فالكرامة باختصار هي خرق العادة، الخروج إلى اللامألوف، إلى تجاوز الواقع، المكان و الزمان. ."[24]

   و على الرغم من تصريح وتلميح  الغيطاني "المثقف العربي" إزاء  التراث العربي، سابقه و لاحقه، فقد دفع لجوءه إلى التراث، بعض النقاد إى اعتبار التجريب الروائي القائم على محاورة هذا النّوع الدّيني – الفلسفي، مجرد قناع لا يلبث أن يُظهر الوجه الحقيقي، سواء للسارد أو للكاتب، عندما يكون المقام هو رؤية الفنان الفكرية و السياسية، المتجسدة في العلاقات الإنسانية، ومدى ارتباط ذلك بحياة الفرد الروحية و المادية.

و من بين الكتابات- الرّدود حول استخدام الرواية للتراث الصوفي كإطار عام، ذلك الرّد العنيف نوعا ما، الّذي صدر عن ناقد له قيمته في الساحة النقدية العربية، حينما قال عن كتاب التجليات فور صدوره: "..نحن إذن أمام تجربة فذّة على مستوى الأحداث و الوقائع، وليس بوسعنا أن نتلقاها إلا على احتمالين : إما أن تكون نوبات و مواجد لدرويش واصل أو ملتاث العقل، ولا يمكن أن يكون هذا شأن الروائي و لا المؤلف، و كلاهما يوشك أن يتطابق مع الآخر.. و إما أن تكون قناعا تراثيا صوفيا يستخدمه الفنّان  ليؤدي من خلاله دوره، و لحية استعارها للظهور بها على مسرح الأحداث.."[25] إلاّ أنّ مكمن الغرابة في هذا القول، لا ينحصر في هذا الافتراض المزعوم، بقدر ما يتأسس على نص واحد، وحيد من  رواية "كتاب التّجليات" بأسفاره الثلاثة، ه في حقيقته – حسب الناقد ذاته – مجرد مقام واحد (؟) من جملة مقامات و رؤى و مواقف، تشكّل إذا ما اجتمعت عالما كاملا يمتد على مئات الصفحات، يعتمد فيه صاحبه على فنّيات "روائية" منها، التضمين والإستحضار و الحلول و القراءة التاريخية لمرحلة من أهم مراحل تاريخ مصر الثقافي والسّياسي. [26]

إنّ استخدام الطرائق التعبيرية الموروثة في الرواية المصرية المعاصرة، و ليس عند الغيطاني وحده، جعل من العمل الأدبي موضع تساؤل حول مصير الرواية ذاتها، وسط التجريب الذي يوحي أنّه عندما تهتزّ أعمدة نظام الاجتماعي، تنهار الأعراف الفنية قبل أن ينهار النظام الاجتماعي، و يقوم المبدعون الأفراد بتجاربهم الفنية الجديدة بحثا عن رسالة أو شكل أو أسلوب، و هو ما يعني البحث عن قيم جديدة..[27]

و بناء على ذلك، فإن الفن الروائي عند الغيطاني، باعتماده على الشكل الروائي المفتوح على ما تضمّنه التراث العربي من أنساق قولية و كتابية، قد رصد دلالتين على الأقل من الدلالات-الأعراض التي تصيب مجتمعا يبحث عن أجزاء ضائعة من ذاته في أكوام من التجارب الإنسانية والإبداعية : الإحساس بالخيبة من الحاضر وما يمثّله هذا الحاضر في وجدان الإنسان العربي من هيمنة ثقافية و علمية أجنيبة. ثم ما ينجر عن ذلك من انهيار في القيم الاجتماعية في المجتمع، الّذي أدّى بدوره إلى انهيار في المضمون الروائي و الفني بشكل عام، الأمر الّذي أسهم في حمى البحث عن أشكال و مضامين روائية تبحث عن قيمها في عالم الصوفية الزاخر، السامي..

من هنا سعى الغيطاني الروائي، قبل الغيطاني الرّجل المثقف، منذ الوهلة الأولى التي بدأ فيها تجربته الإبداعية، نحو تحقيق شكل فنّي تجريبي قائم على تحطيم بنية الشكل التقليدي في الكتابة الروائية، فكان الجو الصوفي الإطار الأمثل لهذه المغمرة الروائية.

و لأن كتاب التجليات لجمال الغيطاني، يعتمد على اصطلاحات و شخصيات المتصوفة و أجوائهم، من أمثال محي الدين بن عربي و كتاباته مثل "الفتوحات المكية" و "كتاب التجليات"، فإنّه قد ارتبط ارتباطا وثيقا بالنصوص الصوفية ؛ فكان  أهم مظهر من مظاهر التجريب (التشكيلي) في عمله الروائي هو المحاكاة والتقليد أو ما يُطلق عليه  بالمصطلح الأجنبي Intertextualité أو "التناص".

وتبعا لهذه "التجاور النصي" أو التناص، و هو المنحى الكتابي الذي اعتمده الغيطاني، جاء عالمه( تضاريسيا) لا يمشي على وتيرة واحدة، أو على نسق واحد في بنية الخطاب، الأمر الذي أدى بناقد آخر إلى القول بأن "كتاب التجليات"، يبدو و"كأنّه في الأصل "مسوّدة " و يستند إلى مخزون ذاكراتي وثقافي، يحفل في العمق بالكثير من المواقف و الانطباعات و المشاهد الخاصة التي عاشها  السارد – بطلا وشخصية – ودوّنها ثم استرجعها (يسترجعها) و عمد (يعمد) من خلال فعل الكتابة إلى التصرف فيها و تشذيبها عن طريق الحذف و الإلاف أحيانا.."[28]

و إذ يبدو من كلام هذا الناقد أن "كتاب التجليات" هو حضور مكثف النصوص، و هو محق فيما يقول، إلاّ أنّ ما يبدو "مسودة" هـو في حقيـقـتـه (و في فعل الكتابة الروائية ذاتها) تبنّي للنّـسق الصوفي في الكتابة، الذّي يساهم من خلال الجمل المتقطعة، المسترسلة، في حرية الحركة و التّنقل والتّصرف في المادة التراثية، مثل قوله في هذا التّجلي الذي دفعه إلى عدم حجب الحقيقة: "..فعكفت و دوّنت لعلّي آتي ممّا رأيت بقبس، أحيانا وضّحت و أحيانا فصّلتُ، و أحيانا رمزت، تسترت و ما أفصحت، لكنني بعد أن أمتلكت بياني، كدت أنتهي من الكتابة، خطر لي خاطر أن أفرغ يدي من هذا الأمر الجلل خوفا من قلّة التّحقيق و عدم قدرتي على التّدقيق، فعزمت، و مزّقت كل ما دوّنت، شتته و ذريته و صار كأنه لم يكن – صار نسيا منسيا.."[29]  

و من خلال العنوان الأصلي للرواية "التجليات" و الفرعي "الأسفار" يدرك المرء أنه أمام تجليات صوفية تأخذ بعقل و جسم السارد-البطل، فتكون رحلته عبر المكان و الزمان، وهي بذلك (أي الرحلة والرواية معا) تنطوي على موقف "أنطولوجي" من الزمن، يبحر السارد البطل في الزمن الصوفي المطلق، لا يعوقه شيء، و لا تخفى عنه خفية، بل إن الأمور و الأشياء أمامه واضحة، لكنه عندما يرجع من سفره (أو أسفاره) يعكف على تدوين ما كتب، كما يظهر في المقطع السابق، و ما على المتلقي إلا الاجتهاد، ليس فيما يريد أن يصرّح به، بل في معرفة ما قد سكت عنه.. و هو ممّا يستغلق فهمه في التجربة الصوفية أيضا، ذلك لأنهم (أي المتصوّفة) لا يتكلمون بلسان عموم الخلق و لا يخوضون فيما يخوض فيه الناس من مسائل علم الظاهر، وإنما يتكلمون بلغة الرمز و الإشارة. و في ذلك إشارة واضحة على أن لغة عامة الناس لا ترقى إلى المعاني التي يريدون التعبير عنها، زد على ذلك أن المتصوّفة يظنّون في ذلك على من هم ليسوا أهلا له.

وفي مقابل ذلك، تردّد النصح بوجه خاص في النّهي عن مطالعة كتب الصوفية وكتب ابن عربي بالتحديد، لما اشتهر به من غموض أساليبه واستغلاق معانيه، لا تزهيدا للناس في قراءتها أو إنكارا عليه فيما يكتبه- وإن حدث ذلك أحيانا – بل حرصا على ألا يساء فهم مقصوده.[30]

و على ذلك فإن لاسحضار الجوّ الصوفي عند الغيطاني دلالات، لا تنحصر في ميل الكاتب و قناعته بالتراث العربي و الصوفي على وجه الخصوص فحسب، بل يأتي ذلك في صدد البحث عن مصادر للقص ّالعربي وتقنيات "كتابية" تراثية غير مستغلة في التجريب الروائي العربي.

فالتّجلي مثلا، و هو مظهر من أهم خصائص الكتابة عند المتصوّفة، المتوسلة إلى حقائق، يُسهم بدرجة كبيرة عند الغيطاني، في تجلّي حقائق من نوع آخر، لا يمكنها أن تظهر إلا بمقابلته به؛ و هو الأمر الّذي حدا بالرواية هنا إلى أن تعتمد على نبرة قولية يتحكّم فيها (الإرشاد) و الوعظ و الهداية والتلقين.. مثل قول الراوية: "..لمّا أطلت التأمل و النظر في الحول، و العصر والدّهر و الثواني، لما تغيّرت الأحوال المحدقة بي.. عقدت العزم على أن أرى ما لم يره بشر، وأن أعيش ما لم يخطر على قلب إنسان، أن أتـجلّى وأتـجلّى ثم أتـجلّى، و ضعت نصيحة شيخي ابن إياس كحلقة في أذني عندما قال : تجلّ و تجلّ، إن النائم يرى ما يراه اليقظان.."[31]

و يُفترض ألا يؤخذ الإطار الصوفي بأسفاره و مواقفه و مواجده، في هذا العمل، على أنّه محاولة لمعرفة الماورائي أو الميتافيزيقي، و ذلك لأن العالم الصوفي منفصل عن التجربة الإنسانية العادية، كانفصال عالم الأسطورة عن عالم المحسوسات (أوانفصال العنصر الأسطوري بشكل جوهري عن التاريخي مثلا)، لكن هذا لا يعني ألا يكون الواقع  في بعض الأحيان هو الأسطورة، و الأسطورة هي الواقع..

على كل حال، لا يمكننا من خلال هذه الإطلالة  السريعة على بعض أعمال الغيطاني الروائية، أن نعطي صورة دقيقة عن هواجس الكتّاب الروائيين العرب، اتجاه الكتابة الروائية من جهة، و اتجاه التراث بشكل عام، و العربي منه على وجه الخصوص. ذلك لأن الموضوع أكبر ممّا قد نتصوره. فالروائي العربي، بل المثقف العربي بشكل عام، أمام ثقافتين أو حضارتين أو واقعين، يكادان يكونان متناقضين، و عليه، رغم كل الصّعاب الإبستمولوجية منها و التاريخية - الحضارية إيجاد الخيط الّذي يمكن أن يربط بينها..

و تأسيسا على هذا، جاءت أعمال الغيطاني الروائية، و بخاصة في "الزيني بركات" و "كتاب التجليات"، كتابة متقنة، واعية بحركة المد والجزر التي  لا تزال تتحكّم  في قضايا الكتابة الروائية العربية. و ما محاولته في الواقع إلا محاولة خلق تكوين روائي، تأتي تركيباته المعقدة، ليس فقط من طبيعة المادة التراثية المستلهمة، بل من الوعي الحاد بضرورة التراث من أجل استحداث فن روائي متميّز أيضا.  

 هوامش

[1] لقد عرف العرب استلهام التراث مع بداية عصر النّهضة العربية الأولى إبّان حكم  محمد علي بمصر مع بداية القرن التاسع عشر؛ غير أن الأوروبيين قد عرفوا ذلك قبل هذا التاريخ بكثير،  إذ قام أدباء وفنانو عصر النّهضة بفلورنسا، و القرن السادس  عشرة و السابع عشرة بالاستناد إلى التراث الإغريقي – الروماني في إطار فلسفة إحيائية...

أنظر : , Albin Michel, 1966, p 114. :  Albarès, R.M.,  Métamorphose du roman, Paris

[3] عُرف اتجاه في النقد الأوروبي باسم النقد الأسطوري، يرى في العمل الأدبي و الروائي الذي يستلهم العناصر التراثية، إنتاجات متكررة لبعض النماذج الأولية و المعادلات الأسطورية الأساسية. و تستمد "نظرية النماذج الأولية" التي يحمل لواءها الناقد و المفكر " نورثروب فراي"، جذورها من مدرسة الأنثروبولوجيا المقارنة، و التي كان من مؤلفاتها الأساسية كتاب" الغصن الذهبي "لجيمس فريزر. هذا الكتاب الّذي قام بتبع أصول الأنماط الأولية للأساطير و الطقوس مدعيا أن هذه الأنماط تتكرر في ثقافات متباية متباعدة.. وللمزيد من المعلومات، راجع ما كتبه : تزيفطان تودوروف في نقد النقد، تر: سامي سويدان. ط 2، بغداد: دار الشئون الثقافية العامة، 1986، ص. ص 93-95..

[4] لقد أضاعت هذه الإشكالية الكثير من الورق و حادت بالرواية العربية الحديثة عن السبيل الموصل إلى إقامة حوار مُخصب مع التراث القصصي.

[5] الغيطاني، جمال، « التراث العربي بين السابق و اللآحق » في الدوحة، دولة قطر:عدد شهر نوفمبر، 1985، ص 42.

[6] لمرجع نفسه، ص. 43.

[7] المرجع نفسه، ص 43.

[8] المرجع نفسه، ص. 42

[9] المرجع نفسه، ص. 42

[10] الواقع أنّ التساؤلات الكثيرة  المرتبطة بحرية الفنان و الروائي منه على وجه الخصوص، تتجاوز المظهرين المذكورين، إلى القيم السائدة،  وطبيعة العمل الإبداعي ذاته، رغبات السلطة و السلطان، مسؤولية المُبدع تجاه الجماعة التي ينتمي إليها، المذاهب و الأيديولوجيات، إلى غير ذلك من الأمور التي تحدّ حرية المُبدعين. .

للمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، الفن/ الحرية، ارجع إلى ما كتبه: حسن سليمان، حرية الفنّان. ط 2، بيروت: دار التنوير للطباعة و 1983.

[11] صدر للغيطاني منذ أن بدأ الكتابة في سنة 1959،  العديد من الروايات و المجموعات القصصية، منها على سبيل المثال : الزني بركات (1974)،  وقائع حارة الزعفراني (1976)،  خطط الغيطاني (1981)،  كتاب التجليات " السفر الأول" (1983)،  كتاب التجليات " السفر الثاني" (1985)،  كتاب التجليات " السفر الثالث" (1985)...

[12] راجع ذلك عند:

Luckacs, G., Le Roman Historique, Paris, éd. Payot, 1977, p. 276.

[13] النّص موضوع المعارضة في رواية " الزيني بركات "هو حوليات المؤرخ المصري ابن إياس، المعروفة بـ"بدائع الزهور  في وقائع الدهور "...

[14] راجع ما كتبته سيزا قاسم في : "المفارقة في القص العربي المعاصر"،  فصول،  مج 2 عدد 2،  القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،   1982. ص ص 143-151.

[15] هو مصطلح أجنبي استخدمه لأول مرة – حسب سيزا قاسم – الباحث الفرنسي "جيرار جينيت " في سلسلة من المحاضرات كان ألقاها بالقاهرة في سنة 1979. و قد عرّف "جينيت" التضمين بأنّه يتمثل في مجموعة العلاقات التي تربط نصا معينا بكوكبة من النّصوص الأخرى.

[16] الغيطاني، جمال، الزيني بركات، ط 3، القاهرة، دار المستقبل العربي، 1985،  ص. 99.

[17] المصدر نفسه، ص 7.

[18] المصدر نفسه، ص. 107

[19] يمكن إدراج أيضا تجارب كل من " سعد مكاوي " و "عبد الحكيم قاسم" و"يحيى الطاهر عبد الله" في مصر..على أنّ لكل من هؤلاء الكتّاب نسقه القولي و الكتابي،  و تساؤلاته الخاصة،  لكنها في مجملها تعبر عن مرحلة من مراحل الرواية العربية في مصر.

[20] Robert, Marthe, Roman des origines et origines du roman, Paris, éd. Grasset, 1972, p 14.

[21] Blanchot, Maurice dans : les genres du discours, Tzevtan – Todorov, Paris, éd du seuil, 1978, p.44.                             

[22] جمال الغيطاني، كتاب التجليات، السفر الثالث، القاهرة، دار المستقبل العربي،  1986، ص. 7.

[23] بن عربي، محي الدّين، كتاب التجليات، كتاب الأسر إلى مقام الأسرى، حيدر آباد الدّكن، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، 1367 هـ، 1948 م، ص. 3.

[24]  الغيطاني، جمال،  التراث العربي بين السّابق و اللاّحق،  ص. 43.

[25] فضل، صلاح، " تكنيك اللّحية المستعارة "،  الأقلام، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة،  عدد 2، سنة 1987، ص. 40.

[26] يقول الدكتور صلاح فضل معلّلا حكمه المذكور بالمتن: ".. و حسبنا أن نقف منها على طرف يسير،  هو ما نُشر في عدد "الكرمل" و عنوانه "من مقام الاغتراب،  لأنه نموذج مكتمل في دلالات  على نهجه و تقنيته و أسلوبه،  فهو أشبه بعينة الدّم التي يُغني تحليلها عن استنزاف جميع الشرايين. ." (؟). انظر: تكنيك اللّحية المستعارة، ص. 39.

[27] راجع ذلك عند كل من

1-  Marthe, Robert, roman des origines et origine du roman, pp15-17.     

2- محمد شكري عياد، " فن الخبر في تراثنا القصصي"،  فصول، مج 4، عدد4، 1982، ص.12.

[28] قمري، البشير،  صنعة الشكل الروائي في " كتاب التّجليات "،  في  فصول مج5، عدد2، مارس 1985، ص.140.

[29] الغيطاني، جمال،  كتاب التّجليات: السفر الأول، القاهرة، دار المستقبل العربي، 1983، ص. 6.

[30] للمزيد من المعلومات حول هذه المسألة، راجع ما كتبه علاء عفيفي في، من فصوص الحكَم، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية،  1946، ص.15.

[31] الغيطاني، جمال،  كتاب التّجليات، السفر الأول. ص.30.