Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تمهيد:

كتابات الروائي رشيد بوجدرة هي كتابات تمارس طقوس المواجهة، و تنزع نحو الخرق، خرق الجمالية الكلاسيكية، و خرق المرجعيات التاريخية الدينية، و في هذه القراءة نحاول الولوج إلى النص البوجدري.. عبر فضاءات الذات الأنثوي في علاقاتها مع فعل الكتابة.. و تفاعلها مع الآخر/المجتمع.. مع البحث في الرؤية السردية لهذه المرأة / الذات أو المرأة / الجسد.. ثم الفعل التمردي الذي تختاره المرأة / سالمة في رواية "التفكك"[1] أثناء الامتزاج بالفضاء الزمني و الحيز المكاني.. فلنبدأ هذا الرحيل إلى شعرية[2] المرأة.

إن رواية "التفكك" هي من نوع الروايات الجديدة التي يمارس فيها / الكتاب فعل الانزياح عن الكتابة النمطية المعيارية[3]، حيث يستحيل السرد إلى الانفتاح الدلالي، و التجدد على مستوى القراءات، هنا يتراجع الحكي ليفتح المجال الإشاري للنص الروائي. فالرواية أضحت خطابا شعريا يعتمد على اللغة المكثفة التي تتفجر في -عمقها- بالدلالات التي تتجدد مع القارئ / مع العلم أن في جماليات التلقي لرواية مثل "التفكك" تصبح هناك للقارئ سلطتين : سلطة للإبحار و أخرى للقبض، الأولى تعطيه إمكانية الرحيل إلى عوالم الذات الروائية / النص، و الثانية تمكنه من كشف بعض الإشارات التي تخفيها هذه الذات في بنيتها العميقة.

1. التفكك.. شعرية السرد و خرق العادة:

النص الروائي الجديد / التفكك هو النص لغته تخرق المواصفات اللغوية مثل لغة الروايات الحديثة، فهي ذات "فعالية لغوية انحرفت عن مواصفاتها العادة و التقاليد، وتلبست بروح متمردة رفالتها عن سياقها الاصطلاحي إلى سياق جديد يخصها و يميزها[4]، ولا تقيد السارد في القوالب النحوية، كما لا تحد من حركيته الإبداعية / الانزياحية، وهذا ما قام به بوجدرة في روايته انطلاقا من العنوان فكأنه "يفكك" على مستويين: مستوى التفكك للكتابة الروائية التقليدية التي تتميز بتتابع الأحداث على إيقاع زمني ثابت مع سلطة البناء السردي النمطي (الحكي، الشخصيات، الفضاء، الأحداث، الحوار...) و مستوى "التفكك" لدلالات التي تحيل على التمرد و المصادمة، التمرد و المصادمة، التمرد على و المصادمة، التمرد على المرجعية البالية، و المصادمة للرؤى القاصرة التي تخنق المرأة.. و من هنا كانت الحركة التمردية الأنثوية للمرأة، التي هي "سالمة" في رواية "التفكك" فامتزجت ذات المرأة مع ذات النص، وكانت اللغة الشعرية للنص الروائي، حيث تكون اللغة السردية لغة حركية مغايرة حركية في شكل النص، و مغايرة في الإشارات، فان كانت الشعرية / القصدية تقوم على قانون الانزياح، و الانزلاق على مستوى اللغة والدلالة، فكذلك شأن الرواية الجديدة و هذا ما سعت المناهج النصانية إلى تنبيه بداية من البنوية الى السميائية وصولا الى التفكيكية.

إن المرأة/سالمة في خرقها للمرجعيات هي لا تنطلق من اللاشيء، وإنما هي حركة تمردية أقامتها على وعي الكتابة و فلسفة القراءة، إنما تمارس نشوة التمرد في لحظات الكتابة حيت أن هذه الكتابة "فعل واع، يرتبط فيه الفكر بالممارسة" ومن هنا "تبحر في كتب النظريات الفلسفية و النظريات السياسية و التحاليل التاريخية"[5]  إنها تبحر في عوالم الفلسفة لتحقق الانزلاق إلى تحقيق سلطة الذات و الإنعتاق من قيود الآخر / المجتمع بواسطة الأفكار التحررية و المفاهيم الثورية، كما أن الكتب السياسية تعطي لهذه المرأة آليات المجابهة، حيث تعلن الثورة على هذا الرجل/ التاريخ. و من هنا للمعرفة التاريخية مكانة / في ذات المرأة، لأنها تقصي بها المرجعيات الفكرية- السياسية التي تأسست عليها رؤى الحاضر، ولأنها تعلم أن في تمردها على الحاضر، هي تتمرد على التاريخ / الثورة و بعد هذه الرحلة في فضاءات القراءة، تكتب "سالمة" للرجل أنت صورة نسخة طبق الأصل عن الإنسان العربي، تخاف الأسلاف و تتفاخر بهم. الأسلاف يبهرونك و يعززونك[6] أنها تخرق المرجعيات، و تكشف- عبر فعل الكتابة- عمق الأشياء، فتفضح الضمير الذي يركن إلى الثبات، و تستنطق الوعي الذي يعيش في دهاليز الماضي، و أنها تتخذ من الكتابة "فعلا تمرديا" به تثور على الراهن، تصادم المحظور، تلج إلى تلك الأشياء التي يستحي الرجل / المجتمع من الدخول إلى متاهاتها بحجة عدم الاعتراف الأخلاقي، التربوي بها؟!.

إن هذه المرأة / المثقفة تحمل الكثير من الإشارات و الدلالات- فكأنها "حلاج" جديد، لكنه "امرأة و ليس "رجلا" بعدما اختار الرجل الصمت عبر التاريخ العربي؟! هذه هي شعرية النص، تحيل إلى زمن الحلاج الذي اختار التمرد على السلطة السياسية، كما تشير إلى المرأة / الحلاج التي تتمرد على جميع السلطات بداية من السلطة التاريخية إلى السلطة الدينية، أنه تمرد على السلطة الرجولية التي تقيدها في دهاليز الماضي، و سراديب الحاضر، إن تمرد المرأة / سالمة هو تمرد على الزمن العربي التقليدي، هو تمرد يعلي من ثقافة "الاختلاف" في مواجهة ثقافة "الإقصاء" و كأنه يعلي من المرأة في مواجهة الرجل، كل ذلك في رحاب الكتابة الحرة، أو في حرية الكتابة، هي إذن حرية المرأة و هي كتابة المرأة أيضا، فمن فعل الكتابة إلى حركة القراءة، المشهد هو ذاته، هو مشهد ينزاح نحو منطقة التمرد، وعقلنة المواجهة، حيث الاختلاف الذي لا يعترف بالإقصاء.

2. سلطة الآخر.. و رؤية المرأة (الذات و الجسد):

الأكيد أن القارئ لا يقبض على دلالات الشخصية الروائية إلا من خلال تفاعلها مع الشخصيات الروائية الأخرى فهي "تولد من المعنى و الجمل التي تتلفظ بها، أو من خلال الجمل التي يتلفظها غيرها من شخصيات النص الروائي[7]، و من هنا كانت علاقات المرأة مع الرجل و مع الأسرة، و مع "المرأة" كذلك،

و جل كتابات بوجدرة تضع المرأة في مواجهة هذا الرجل، كما نقرأ ذلك في: "الإنكار"، "ليليات امرأة آرق"، و كذلك شأن "التفكك" فهي: "كلما أعطت ثقتها إلى الرجل تسارع في البرهنة على تخلفه، و بلاهته و فطرته[8]. و من هنا فكل الرجال يميلون على العجز، إنه الرجل / العجز الذي يتصرف التصرفات المعتوهة،

 و هو الذي يعبر الماضي في صمت، و ينزلق نحو الرؤى البالية في ثبات / جمود، عاجز لأنه اختار الركون إلى ثبات المكان / الحاضر، و لذلك فالمرأة تشك في رجولة حركية هؤلاء الرجال، لذلك تسأل: "أرجال هؤلاء؟، أرجال انتم؟"[9] إن الرجولة حركة و هؤلاء يخنقهم الثبات / المرجعيات، أن الرجولية بحث متواصل عن الجديد، هؤلاء يغرقون في متاهات القديم، إن الرجولية بحث متواصل عن الجديد وهؤلاء يغرقون في دهاليز المرجع.

إن الرجولية مواقف تنزع نحو التغير، و هؤلاء تغتالهم المواقف الرجعية، هؤلاء لا يجدون لديهم إلا خنق المرأة، اغتيال جسدها، قتل أفكارها. إنهم يحتكرون و في ألسنتهم "الصخب الفحش"[10]، وينزعون بذاوتهم نحو نشوة "المجون، الوقاحة، الخشونة"، إنهم يشتهون "الكفر، الزندقة، الإلحاد".. أيكون تمرد للرجولة؟

إن بوجدرة عندما يضع الرجل في موقف الضحية التي تتمرد عليها المرأة، بل تتمرد على قيمها، أعرافها، أفكارها، يسعى إلى خرق المألوف عن طريق رؤية المرأة، حيث تستحيل ثورة المرأة إلى "صرخات" في أذان الرجل، فهي تريد أن تحقق حريتها، و تؤكد كينونتها، لكن لا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا إن تجاوز الرجل / المجتمع سجن المرجعيات، فهذا الرجل "العجز، التخلق، الصبيانية، البلاهة"[11] عليه أن يحطم قيود الفلسفة الاجتماعية التقليدية، أن ينطلق من سطوة المكان، و أن يتحرر من أغلال الماضي، لكن هذا الرجل قد استكان إلى الثبات، لذلك فالمرأة / سالمة تقهره، تشتمه، ترفضه.. إنها "لا تقبل عنجهية الرجال و لا سيطرتهم ولا غيرتهم.. وهم يحسبون أنفسهم محاور العالم أسيادا و أشرافا[12]، لكنها تعترف " في كل لغات.. في كل لغات العالم يخضع المؤنث للمذكر و جمع المؤنث يخضع أمام الفرد المذكر"[13]، إنها لا تعترف بهذه "الغيرة" الرجولية التي أدخلتها سجن المرجعيات البالية، حينما تمتزج ب "الشرف" و يكون اللقاء لخلقها / خلق أفكارها، بل إن اللغة- كذلك تمارس متعة الخنق على هذه المرأة، حيث يخضع "المؤنث" لذلك "المذكر" و كأنه سلطة الرجل لا تعترف بالحدود، فهي سلطة في المكان، الفكر، الزمن.. و في اللغة أيضا أولا يحق للمرأة بعد هذا أن تعلن سلطتها؟!  و لن تكون هذه السلطة إلا بتمرد أنثوي يحطم الضغط الرجولي على الذات، إنه ضغط مجتمع تقليدي محافظ، وهي ذات امرأة متمردة، تصادمية، ثائرة... إذن هي محاولة أخرى لهذا السارد الذي يرحل بالقارئ في فضاءات الرجولية التي تقضي على الأنثى و تمارس عليها ثقافة التهميش و سياسة النفي، تهميشها عن الحداثة ونفيها في أعماق  المرجعية الدينية، التاريخية، و هنا تجد المرأة نفسها بين خيارين؟ إما الاستكانة و الرضوخ إلى المكان / الماضي مع الاعتراف بسلطة الرجل / المجتمع أو التمرد على المكان و الرحيل إلى عوالم الإنعتاق، التجديد، التحرير... و هذا ما لا يتحقق إلا بالإدانة القاسية، و الاحتجاج الصارخ، إدانة الأعراف، و الاحتجاج على الرجل و الأسرة، و المرأة كذلك، فهذه الأخيرة هي التي اختارت الصمت أمام تلك اللهجة الرجولية و استكانت إلى الثبات الذي يعشقه ذلك الرجل الجامد، المتخلف...

و يواصل النص إخفاء دلالاته و نواصل نحن البحث عن إشاراته.. إن ذات المرأة لا تعيش الضياع في المجتمع بل هو ضياع يختمر في أعماق هذه الذات حيث تكثر الأسئلة في ذهن المرأة و تحاصرها الاستفهامات فتبحر في اللامنطق، العبث، التشظي.. إن المرأة تغرق في الضياع بين جدران مجتمع رجولي، حين "تبكي" ثم تغرق "ترمي". إنها "تقرأ قصة غرام، و تبكي، وتقول: لماذا أعشق؟سأبقى عانسا... و تقرأ و تبكي، و هي تعلم أنها أغلقت بنفسها فردوس الجنة، و رمت المفاتيح في فضاء الكون الكوكبي[14]، هي تبكي ذاتها الجريحة التي تقتلها الحيرة و الغربة. وتغلق أبواب النفس في فضاءات الفناء الجسدي / النار.

بعد أن رمت المفاتيح و احتار لها الرجل / المجتمع الخروج من فردوس الجنة / الزواج، لأنه يرفض تمردها... لا يعترف بالذات / الضياغ.

و على إيقاع النص و بعد أن تغرق المرأة في فضاء الضياع تسقط في فضاء الألم، وتصرخ بأنها: "منقوصة، منغصة، منفصلة"، هي "منفصلة"[15] عن حاضر مجتمعها، حيث يتحرك هذا الحاضر بقيم معتوهة.

و هي منفصلة عن الماضي / السراديب المظلمة، و هي منفصلة عن الرجل الذي تخنقه مرجعيات تاريخية هشة، و أعراف دينية بالية... و هي قبل ذلك "منفصلة" تعيش الانفصام الداخلي، و التمزق الوجداني، إنها- في دواخل ذاتها- تشهد صراعا حادا: بين رغبة في الانقطاع عن المكان / المجتمع...و بين ارتباطها بقيم الحداثة على مستوى الزمن / التقدم... و هي قبل ذلك امرأة "منفصمة" لكن من ماذا؟ و إلى ماذا؟ أيكون نقصها لتمردها على الرجل؟ أيكون نقصها في عدم تفاعلها مع الرجل؟ مهما تكن الإجابة فالمرأة تعترف بنقصها و كأنها تعيد قراءة ذاتها، و تعاود البحث في حركيتها / تمردها (من أجل خرق هذه الذات الحزينة و تحريك تلك الذات المتمردة) في كتابات بوجدرة تتحقق جمالية النص / الرواية على إيقاع جمال الجسد، و ليست هي جمالية الحسية بقدر ما هي جمالية دلالية انزياحية، إن الجسد في العمل السردي البوجدري هو الإحاء، الإثارة، العلامة، الرمز... حيث تخفي الدلالات و الإشارات.

و رواية "التفكك" تحمل الكثير من جماليات الرواية الجديدة، لكنها لا تقف عندها، بل إنها تحرك ذات القارئ، و تدفعه إلى الإبحار في عوالم النشوة مع التعبد في المحراب الأنثوي، الذي يدهشه، فالمرأة: "جميلة، بل أكثر أنها آية في الجمال، بشرتها زنبقية، وعيناها خضروان، رائحتها العنبرية و لكن فضيلتها الأساسية هي قوة طاقتها التمردية"[16]

هنا أبدع السارد / الروائي في وصف التمظهرات الشكلية (البشرة، العين، الرائحة)، و كأنه يتحكم في آليات البناء الجسدي الأنثوي... لكن مع هذا فالناص / النص يطمح- في العمق- إلى إشارات يخفيها عن القارئ، و يجعلها فيما وراء الجوانب الشيئية للمرأة / سالمة، أي وراء جسدها / شكلها، فهو يستدرك (لكن) الدلالات الأولى ليحيل القارئ على دلالات أخرى يختصرها في "قوة الطاقة التمردية"، كأنني بالنص / بوجدرة يعمد إلى إغواء القارئ بإدخاله إلى عوالم النشوة قبل أن يصدمه بهذه الفاعلية الفكرية الكامنة وراء تلك الفاعلية الشكلية، هنا يجد القارئ نفسه في إنزياحية شعرية، فالمرأة تدهشه بشكلها / جسدها قبل أن تصدمه بتمردها / فكرها، إنه التمرد الأنثوي عبر الجسد، يظهر "كجرح، كألم مستبطن في الوعي العميق للكاتب، كحالة تعبر عن النشوة العميقة للشخصية"[17]، لذلك فهي تقول: "رجال العالم: موتوا فجسدي ملكي، و ليس ملك أحد"[18] فهذا الجسد بجماله، سحره، أسطورته... يخفي عبقريته المرأة المتمردة، هذه العبقرية التي تتقلت من سحر الجمال بحلاوة الجسد و نعومته، كما بخشونته و بشاعته، نلج عالم النص المفصل على قياس الأنثوي"[19].

و خصوصية الكتابة الروائية لرشيد بوجدرة في تعاملها مع الجسد، تتجسد في انزياح الجسد نحو الجمال / الدهشة، مع إخفائه لإشارة التمرد / الصدمة، ذلك أن الجمال يدهش "العين" و التمرد يصدم "الذهن" إن تعمقنا في النص لوجودنا الناص / السارد يطمح إلى تأكيد علاقة الجسد / التمرد، أكثر من طموحه لعلاقة الجسد / الجمال. و هذه شعرية النص التي تعلي من شأن القارئ الذي يعيد إنتاج الدلالات، فهكذا هو جسد المرأة يتمرد على مجتمع تقليدي و مختلف[20] التي جعلت من جسدها جمالية تبهر الرجل من غير أن تعلن تمردها الأنثوي.

3. الفضاء، ثبات المرجع و متغير الأنثى:

  • أأ. سرد بوجدرة... الزمن الشعري:

إن أحداث العالم الروائي تقع في فضاء زمني، يرتبط بذات الشخصيات التي تتحرك على إيقاعه و تتفاعل ضمن فضائه، و ينزاح هذا التفاعل من المظهر الخارجي ليشمل المستوى الداخلي للشخصيات، لأن الزمن في النص الروائي الجديد ليس ذلك الزمن التقليدي- الهندسي- المتتابع و "يحل محله زمن كلي، مهمته تحقيق رحلة كشفية لعالم الذات، حيث يختلط التجريبي و الخيالي"[21].... لكنه زمن يخرق التقاليد، و يتجاوز الهندسة، و يهدم نظام التتابع، فتمتزج ذات الشخصية الروائية مع ذات الحيز (المكان) الذي تتحرك فيه عبر فضاءات الزمن وهذه العلاقة لا تخلقها إلا لغة شعرية تبني أشكالا علائقية / نسقية جديدة، حيث لا يتحرك الإنسان وفق سلطة الزمن و لكن وفق الامتزاج الداخلي بين ذاته و ذات هذا الزمن الإنزلاقي- النفسي.

و رواية "التفكك" تخلق الكثير من خلال علاقة المرأة- الزمن، فالليل- مثلا- بغموضه و سكونه يخنق المرأة لذلك نجدها و هي: "تبكي مسرعة نحو الربوة حيث لابد أن تمر عليها إذا ما أرادت أن تسبق الليل... وهي تحاول محو العلامات التي اختلطت في ذهنها حيث البحر يتصاعد إليها لا يحمل أي رقم"[22] إن الليل يلتقي مع البحر / لا يحمل أي رقم، و كأنه البحر بعنفه، قوته، سلطانه... يجتمع مع الزمن / الليل في خنق هذه المرأة و الليل يحتوي البحر البحر يحتضن أضواء الليل المتوهجة / القمر عندما يخترق أعماق ذلك الأفق و كلاهما يخنق، يقتل، ينفي... المرأة، ثم "يتساقط الليل غزيرا... و تبقى سالمة واهية واجمة.....وفجأة يخفت الضجيج و يموت الشارع[23]، هنا يعلن النص سقوط الزمن، أيكون سقوط المنهزم أمام المرأة؟ لا هو ليس كذلك، فهو يطفئ شعلة الفوضى في المكان / المدينة، إنه يقتل الأصوات و يحيل الشوارع إلى الصمت / الموت، و في الوقت الذي يرتفع صوت المرأة متمردا على طقوس هذا الليل هي تحاول أن تصرخ تشتم، تغضب... لكنه صراخ ذات واهمة و شتم لا يتجاوز اللسان، و غضب لغته من لغة فؤاد واجم. هو إذن التمرد / الحيرة، أو فلنقل التمرد / الضياع، تمرد يقول الأسئلة و يخشى الأجوبة، أسئلة يغرقها الليل بصمته و أجوبة تنزع نحو الصراخ الصامت، وما أصعبه من لقاء يلتقي فيه الصمت مع الصراخ داخل فضاء روائي واحد، حين يتقاذف المرأة في الفضاء حركة البحر و ثبات الليل، أو فلنقل صراخ البحر و صمت الليل، إنه زمن غير عاد.

و في سياقات أخرى نجد المرأة في زمن النهار حيث يمتزج التمرد مع الحركة تمرد المرأة و حركة النهار، هذا النهار هو فرصة للهروب من الغربة، الحيرة، الضياع... لكنه أيضا صمت للمكان حيث تنفر المرأة من المدينة و شوارعها... و"العودة الباكرة"[24]  إلى المنزل لدى المرأة هي نوع من الحرية التي هي تمرد على المجتمع. "و النهوض الباكر"[25]  عندها هو تمرد على المكان / المدينة، حيث تتحرك فيه قبل أن يتحرك فيه الرجل... و المرأة "يوم الجمعة" تختار القيلولة و كأنها تخترق العادة و تتمرد على المرجعية الدينية للمجتمع، فالنص يقول "وللقيلولة يوم الجمعة طعم خاص" و القارئ لا يحسب "يوم الجمعة" إلا "ساعة الجمعة" ذاتها... ثم إن المرأة تدخل في علاقة حميمية مع "زمن سقوط المطر" في فصل الصيف بغزارة، و كأنهما التقيا في التمرد، حيث المرأة / التمرد تثور على الرؤى البالية، و الأعراف العتيقة.. و المطر / التمرد يثور على الطبيعة و يتمرد على الزمن فيستحيل المطر امرأة، و تستحيل المرأة مطرا. هي- إذن- شعرية أخرى تضاف إلى هذا النص الروائي حيث تتمرد الكتابة على الجماليات السائدة ويتمرد المطر على حرارة الصيف و تتمرد على المرجعيات التقليدي داخل فضائي الزمان و المكان و هنا تتحقق حركية النص و من ثم شعرية الفضاء / الزمن.

  • ب. المكان الروائي... الثبات و الحركة:

إن الحديث عن الزمان في النص الروائي يتبعه حديث آخر عن المكان، مع العلم أن الفصل بينهما لا يعني أبدا اعتبارهما متنافرين أو متباعدين بل إنهما ممتزجان. والمكان- شأنه شأن الزمن في الرواية الجديدة لا يكتفي بهندسته أو صورته الظاهرية فقط، بل هو يحمل الكثير من الدلالات و يحمل على الكثير من العلاقات فهو "مجموعة من المفاتيح الكبيرة و الصغيرة"[26]، فالمكان هو مكان البوح بالنسبة للروائي، يمتزج بذوات الشخصيات ليصنع للقارئ لوحة انزياحية عدولية عن المكان الواقعي الأحادي في الرؤية أو الدلالة، و بما أن الفضاء المكاني يحمل مستويين: أحدهما مغلق و الآخر مفتوح، فإنه رواية "التفكك" قد رحلت بالمرأة / سالمة في هذين المستويين و أحالتها إلى ذات ممتزجة بالمكان تخترقه حينا، و تهرب إليه حينا، لكنها تدخل في نوع من المصادمة معه أحيانا كثيرة خاصة مع فضاء المدينة.

وجود المرأة / سالمة في المدينة يبدأ مع خروجها من المنزل و توجهها نحو مقر العمل أو نحو البيت القصديري الذي تسكنه الشخصية الرجالية في الرواية، و هو الرجل الذي يحيل على "الشخصية التاريخية"، الطاهر الغمري تقول "المدينة عبارة عن ضوضاء تروع قلبي و تزعزعه"[27]. فهذا المكان يخنق المرأة فهو يحاصر ذاتها لذلك يمكن اعتباره مكانا نفسيا، تمتزج هندسته الخارجية مع هندسة الذات الداخلية للمرأة التي تنزعج، تضيق، تنقبض... فحضور المدينة "يتحول في هذه الكتابة (الروائية) إلى صورة أخرى للداخل، بها تكتمل و على طابعها الخاص تنسج شكلها، لنلاحظ كيف يتدرج السرد و تستحيل المدينة تدريجيا كائنا إنسيا ينطبع به و بما يصفه و يحكيه"[28] بل تجمد حركتها داخل هذا الفضاء و كلما هربت المرأة من المكان كلما ازداد قبحه فأحاسيسها هي التي تضفي على المكان خصوصيته الجمالية إن المرأة: "بحضورها في المكان تستطيع ان تحيل المكان إلى أجمل الأمكنة في العالم إذا كان حضورها جميلا و تستطيع في الوقت ذاته أن تحيل هذا المكان إلى أقبح الأمكنة إذا كان حضورها قبيحا"[29]. و من هنا عندما تلتقي ضوضاء المدينة بانقباض ذات المرأة، يجد القارئ نفس في الفضاء روائي جد قبيح هو فضاء المدينة التي: "تعاني من الأوساخ و الفضلات و الأوبئة... و التفكك و الانتشال و من بخار الماء و دخان المداخن"[30]. و الصورة القبيحة لهذا الفضاء إشارة إلى الذهنية المتخلفة لأهله: الذين يعشون في فضاء الأوبئة و الأوساخ.... من غير أن يقفو في مواجهة هذا المكان القبيح الذي يغرق في ثباته، أي ثبات القبح، السوء، الرداءة...

و رغم قبح المدينة، فهي تأخذ أبعادا شاعرية؛ حيث: "يخفت الضجيج، و يموت الشارع على عتبة الدار، و يذوب فوق تربة الجنينة، فتلمس و تتوبر ضبابة، و يتراكم البخار الشفاف على زجاج النوافذ"[31] فكلمات (يخفت، يموت، يذوب) تحيل على الفناء، و تشير إلى العدم، فيتوقف ضجيج المدينة و يدخل الشارع عوالم الموت، لنجد أنفسنا أمام ذوبان الحركة في فضاء المدينة.

و إن "النص المكاني" لا يذكر الأمكنة بأسمائها بل بصورها التي تبدع على الإيقاع البنائي للشكل السردي، فقد تجسد الجمالية المكانية للمدينة من خلال تفاعل عناصرها: الضجيج، الشارع، الدار،... مع حركية الفعل الشعري (يختف، يموت، يذوب...) و بشعرية الاسم الطبيعي (الصيف، الندى، العنبر، الطبيعية...) و تتجسد شعرية المكان النفسي عندما تشعر المرأة بأن: "الورود الصفراء بآلاف تنمو في رأسها... وتتدفق في دوامة الاضطرابات الهوائية و الارتجاجات المكثفة"[32]، فإن كان المكان هو، الفوضى، الإزعاج.... فإن ذات المرأة هي: الحيرة، الضيق... فالنص الروائي يغرق المرأة في "التشقق، التفجر، التدفق" و يسمو بها نحو "الدوامة، الاضطرابات، الرتجاجات، التكثيف" فينزاح القارئ بمخيلته نحو ذات محطمة و فؤاد ممزق، و وجدان مضطرب، فهي-إذن- امرأة ضحى، و ما على القارئ إلا أن يتفاعل مع قضيتها / تمردها، لأنها تبحث عن مكان متحرك في ذاته و في ذات الرجل / المجتمع.

تبدأ المرأة رحلتها التمردية فتهرب من المكان، و تصرخ: "لنترك الطرق المعبدة، و لنخرق المنطق ولنتبع المنعطفات و المنعرجات"[33]، فالرجال / المجتمع قد اختاروا الطرق المعبدة / ثبات الحركة لأنهم لا ينزعون نحو التجدد، إنهم يسيرون سيرا واحدا: برؤى قديمة، و ذهنيات معتوهة و قيم بالية و هذا المكان / الطرق المعبدة، هو في ذاته إحالة على الجمود: لأنه ذلك الماضي غير المتحرك، فهو لا يريد من الرجل أن يتجدد، فيرغمه على المسير من دون تعب أو تفكير أو تأمل... بل دون تمرد، أما المرأة فهي تختار المكان غير المعبد / المنعرجات، و كأنها تتجاوز المكان / الطرق المعبد، و في اختيارها هذا إحالة على المحاولة هي من جوهر ذات هذه المرأة النص البوجدري: فهي في تجاوز للمكان الثابت تتجاوز الأفكار الثابتة و العراف السائدة، هي تنطلق في المنعرجات التي تحيل على أفكار جديدة، ثائرة، متمردة....إن هذا المكان هو "المكان الرحمى" الذي تنزع النفس إليه بقوة، مثلما ينزع الطفل إلى حضن أمه.

الخاتمة:

هذه قراءة لخطاب بوجدرة في رواية التفكك، و قد توقفنا عند جوانب متعلقة بتقنيات السرد، و خصوصيات الرؤية الفكرية، كما قرأنا الموقف الأنثوي من المجتمع، و من مرجعيات الثقافية و الدينية، كما قدمنا وقفات دلالية تبحث علامات الذات و الجسد، بالإضافة إلى التفاعلات النفسية و الاجتماعية و الفكرية للمرأة مع الزمان و المكان. و قد وجدنا المرأة في "التفكك" تعيش أحاسيس الضياع و الحيرة، و ترفع أصوات التجاوز

و التمرد، كما رأينا الجسد يتفتح- عند بوجدرة- على صدم ذهن الآخر (الرجل)، و قد الراد النص الروائي لتمرد المرأة أن يكون واعيا عميقا مؤسسا على خلفيات فلسفية-تاريخية- و قد حضر المرجع [الأسرة، المجتمع، الدين] في هذه الرواية بمنظور الثبات و الجمود.

تتأسس هذه الرواية عبر الحضور الجمالي- الدلالي للحركة، حركة التقنيات السردية المختلفة، و حركة المرأة أساسا، و كأنها تصنع- بحركتها- النص المتجدد/ المتشطي، و كان "التفكك" يحضر عبر الكتابة و عبر الرؤية (كيف و ماذا). و تبقى هذه القراءة تعلن انفتاحا على غيرها من القراءات.

 

هوامش

[1]  رشيد بوجدرة، التفكك، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع، الجزائر. 1982

[2]  للبحث في مفهوم الشعرية

- جان كوهن: بنية اللغة الشعرية، ت محمد الوالي و محمد العمري، دار توبقال للنشر، المغرب 1986 ص 11 و ما بعدها.

- تودورف: الشعرية، ت كاظم جهاد، ضمن مجلة مواقف، عدد 33، لبنان خريف 1978، ص 125

[3]  ينظر خصوصيات الرواية الحداثية في: عبد الرحيم العلام، سؤال الحداثة في الرواية المغربية، إفريقيا الشرق، المغرب، لبنان، 1999

[4]  عبد الله الغذامي: الخطيئة و التكفير، النادي الأدبي و الثقافي، جدة السعودية، ط 01، 1985، ص 06 .

 

[5]  الرواية، ص 169.

[6]  الرواية، ص 22

[7]  فيليب هامون: سيميولوجية الشخصيات الروائية، ت سعيد بنكراد، دار الكلام، المغرب، 1990، ص 26.

[8]  الرواية، ص 185

[9]  الرواية ص 111

[10]  ينظر الرواية، ص 112

[11]  ينظر الرواية، ص 185

[12]  الرواية، ص 168

[13]  الرواية، ص 112

[14]  الرواية، ص 188

[15]  الرواية/ ص 168

[16]  الرواية، ص 77

[17]  مفتي بشير: رشيد بوجدرة ، الروائي لا يكتب إلا رواية واحدة، جريدة الخبر، الجزائر، 5 فيفري 1998، ص 19

[18]  الرواية، ص 118

[19]  يوسف بن جامع، عناصر شعرية، النص الروائي، مجلة المساءلة، اتحادك، ج، ربيع 1991، ص 140

[20]  أنظر: سلوى الخماش، المرأة العربية و المجتمع التقليدي المختلف، دار الحقيقة، لبنان، ط 03، 1981، ص 108 و ما بعدها

[21]  نبيلة إبراهيم، فن القص في النظرية و التطبيق، دار قباء للطباعة، مصر، د، ط، د، ت، ص 246

[22]  الرواية، ص 18

[23]  الرواية، ص 23

[24]  الرواية، ص 117

[25]  الرواية، ص 15

[26]  شاكر النابلسي: جماليات المكان في الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات، لبنان، ط 01، 1994، ص277

[27]  الرواية، ص 117

[28]  فريد الزاهي، الحكاية و المتخيل دراسات في السرد الروائي أو القصص، أفريقيا الشرق، المغرب، لبنان، 1991، ص 96

[29]  شاكر نابلسي، م س، ص 207.

[30]  الرواية، ص 25

[31]  الرواية، ص 23

[32]  الرواية، ص 23

[33]  الرواية، ص 111