Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

 تمهيد :

من خلال القراءة المستفيضة للإنتاج الأدبي لكتاب الشعر والقصة والرواية بالجزائر، لاحظنا طــغيان (الموت) ك (مادة) و (موضوع) أدبي، ولذا يتجه ذهن الباحث بداهة إلى فهم الآليات الفكرية والدوافع السيكولوجية والتجربة الاجتماعية، الباعثة على اهتمام الإنسان الجزائري بتسجيل ( لأثر) وتخليده عبر (الزمن) إلى الأجيال اللاحقة، ومن ثم هل هذه الكتابة تعتبر فعلا واعيا بجدلية (الفكر) بـ (الواقع) الخفية؟  

وبهذا يتحول (النص) الأدبي إلى تجربة شعورية موظفة في بطانتها الوجدانية التراكم التراثي والبعد الاجتماعي بكافة ترسيباته القيمية والحضارية، وكذا المحدد السياسي وتقاطعاته الأيديولوجية مع ضمير الكاتب الملتزم بقضيته، وهذا بدوره يجعل الكتابة الأدبية نوعا من التأريخ لواقع الجزائر في فترة العشرية الأخيرة من القرن العشرين الذي دخل في ذمة التاريخ، عشرية الدم والنار، عنوانها الموت، غايتها الموت، واقعها الموت وموت الموت...

1. الموت بين اللغة والاصطلاح :

الموت لغة، هو ضد الحياة، قال تعالى : ( كل نفس ذائقة الموت )، وهو ما يؤثر في طبيعة الإنسان تأثيرا سيئا كالألم والتعب، والهم والحزن، قال تعالى:( ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت )

ومنه ( الموتة ) وهي أخص منه، قال تعالى : ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) ومنه ( الموات ) بضم حرف الميم ، وهو الموت الذي يقع على الدواب، أما (الموات) بفتح حرف الميم فهو الأرض التي لم تزرع، ولم تعمر ولا جرى عليها ملك أحد، ما لا حياة له . ومنه ( الموتان ) وهو ضد ( الحيوان )، أي الأرض التي لم يجر فيها إحياء .

أما الموت اصطلاحا، هو هلاك الحي بسلبه صفة الحياة، و هو صفة ثابتة بالإنسانية[1] والبهيمية[2]، بل الموت ثابت كوني وسنن طبيعي، مصداق قوله تعالى : (كل نفس ذائقة الموت).

 و (الموت) على ضربين : قسري وطبيعي؛  "فالقسري : الموت بعارض إما من خارج الجسد كالمتردي من علو، والغريق، والمقتول، ونحو ذلك، أو من داخل الجسد، كما يعرض من الأمراض القاتلة، مثل السل والسرسام ونحو ذلك. والطبيعي: ما يكون بوقوف القوة الغاذية التي تورد البدن عوض ما يتحلل منه "[3]

2. أما الموت في المفهوم القرآني

 فقد وردت كلمة الموت ومشتقاتها في القرآن الكريم في 61 موضعا، ومن خلال ما تقدم ذكره، نجد أن الموت بحسب المنطوق القرآني ، سنة من السنن التي خص بها الله سبحانه الكائن الحي الناطق والأعجم؛ فالموت بالنسبة للإنسان المسلم هو محطة ينتقل من خلالها إلى عالم (الحقيقة) الأخروي تاركا وراءه عالم (الشهادة) الحسي، ولذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" تركت فيكم واعظين صامتا وناطقا؛ فالصامت الموت، والناطق القرآن "[4] . فلهذا القرآن لا يعتبر الموت مساويا لمعنى (العدم)، وإن كان الموت يعدم وجود الإنسان في هذه الدنيا، ولكن بما أن هناك امتدادا ميتافيزيقيا أبديا تفتح بوابته للإنسان بعد الموت ؛ فهو – أي الموت – مركز عبور من المحدود إلى اللامحدود، ومن النهائي إلى اللانهائي، ومن عالم الشهادة الحسية إلى عالم الحقيقة العينية .

ومن ثمة ينتفي مفهوم الدهرية المفضية إلى العدمية الوجودية، وبذلك يصير موضوع (الموت) اللصيق ب (الكينونة) الإنسانية أحد الحدود المعرفة للإنسانية، وفي ذات الوقت آلية تتنازع الإنسان إلى جانب آلية الحياة .

ومن هنا صار (الوجود) مهددا بالتلاشي من طرف جميع القوى الطبيعية وغير الطبيعية القادرة على محقه، وبذلك كيف تشكل (الموت) كموضوع في المخيال المعرفي– الحضاري؟  .

3. الموت في المخيال المعرفي – الحضاري :

إذا أسقطنا القوى الطبيعية من قائمة معطياتنا، وتحرينا في أعم القوى وأعظمها، لتبين لنا أن القوة الكلية الماحقة للوجود هي (الزمان)، وأن (الشكل) الذي تتخذه هذه القوة بالنسبة إلى الكائن الحي هو (الموت)، بحسب قصة حي ابن يقضان لابن الطفيل، فالزمان والموت هما القوتان الكبريتان اللتان تحيلان هذا الوجود إلى نقيضه، أي إلى العدم، ويفترض ضمنا الشعور الغريزي الغامض بأن الوجود إذا لم يقترن بالديمومة فكأنه لم يكن، أي أنه عدم، ولهذا الشعور جانب ذاتي هو توقنا الفطري لديمومة الوجود، أو التمسك به تمسكا تاما ومطلقا، كشرط لازم لحقيقة وجودنا، وعن هذا التوق والاشتياق تنبثق الغصة الكينونية التي نشعر بها كلما وقفنا أمام تجربة الفقد أو الموت، بل أمام تجربة الصيرورة والتغير، إذ نشعر بأن الوجود يفلت منا انفلات الزئبق من قبضة الراح، حينها نتحقق من التهديد الذي يلازم وجودنا، ومن هنا ينتج الشعور بمحدودية الذات على المستوى الفيزيقي وعلى المستوى الزمــاني ( الكرونوس )، وهذا ما يدفع بالانسان إلى أن يتطلع إلى عالم لا حزن فيه ولا موت، وهذا التطلع والرجاء مظهر قاطع من مظاهر جدلية الصراع مع الزمان والتمسك بغريزة البقاء.

وهذا الوعي بسلطان الزمان في الماضي والحاضر والمستقبل، هو الذي سجل ساعة ميلاد الإنسان وبدء التاريخ البشري في تقدم عبر الآنية والتعاقبية .

إذا متى صار (الموت) قلقا وجودياAngoisse  يمتزج بمشاعر الفزع والجزع، إلى أن يصل إلى الذروة الأسمى لصور القلق المسماة اينامونو Unamuno[5]. لأنه قلق لا سبب له سوى الوجود نفسه، فهو مرض ميتافيزيقي لا علاج له! " إنها لعنة التناهي" وكأنما قد كتب عليه أن يموت لمجرد أنه قد ولد، ولذا عبر أحد الفلاسفة عنه–أي عن الموت -، ب: " إن الموت بمعنى من المعاني، إنما هو الحضرة المستمرة للغياب "[6] .

لذا يرى العالم النفساني رانكRank ، في الولادة مجرد انفصال للطفل عن رحم الأم، لذلك كانت هذه هي الصدمة الأولى، أي أنها أول مصدر للقلق الإنساني، لأنها عبارة عن تحطيم للوحدة العضوية الكينونية التي كانت تجمع الطفل بأمه، وليست الحياة البشرية باعتقاد رانك سوى صراعا بين الانفصال والاتحاد، أو بين الحياة والموت، وبهذا المعنى لا يكون الخوف من الموت سوى مجرد قلق سيكولوجي تستشعره الإرادة الفردية[7] التي تسعى نحو التفرد والانفصال، وكأن التعرض لخطر فقدان الفردية هو الموت بعينه .

ولذا يحتل موضوع (الموت) مكانا بارزا في كتابات الوجوديين[8]، بحيث يدرجونه ضمن جوهر النهاية، ولقد كان هيدجر من بين جميع الفلاسفة الوجوديين الذي واصل البحث في المعنى الوجودي للموت، وأدمجه في فلسفته عن الوجود البشري؛ باعتبار أن الموت لحظة من الزمن تنهي ركود الآنية صوب إمكاناتها؛ فهي حادثة متصورة من قبل الكائن قبل وقوعه فيها؛ فكيف سيتأتى للكائن تصور تجربة الموت؟ وما الذي سينكشف له في لحظته الآنية لتجربة الموت؟ ليس كحقيقة أنطولوجية كما يفعل دوما كموجود ساقط، ولكن كإمكانية وجودية؟  

وفي الأخير، هل هناك فاعلية للموت بقدر ما هو موت الآخرين؟  لنقرأ هذا النص: " إن الانسحاب من وجود الناس اختيار وقرار يتخذه الموجود– هناك، من أجل أن يستطيع أن يكون وجوده، وجود الذات (الأنا) على وجه حقيقي وإلى أقصى درجة، والشاهد على استطاعة الوجود هذه ، هو (الوعي) "[9] .

يوقظ هيدجر إذن في الكائن[10] كينونته ك ( إمكانية ) تظهر له ذاته في كل اللحظات المكونة لثغرته، وهذه الإمكانية ذاتها ستكون على شكل نداء يوقف الكائن عن الإنصات لكيان الإنسان ولثرثرته، لكن من أين يأتي النداء؟ يأتي من أعماق ذات المرء نفسه[11] . وإلى من يتوجه؟  إلى الذات الساقطة غير الأصيلة، الذات التي يسيطر عليها (الهم) They ، وتقع فريسة الإهتمامات التي تعمل على التحكم فيها بدلا من أن تتحكم هي فيها[12] . وما هو مضمون النداء؟ إنه بغير مضمون؛ ف"النداء يخاطب بطريقة غريبة، هي التزام الصمت"[13].

لـكن كيف يكون النداء؟

إن المنادي هو نفسه المنادى، إذ الذي يستوجب النداء هو الدزاين – ذاته Dasein  ، بقدر ما هو موجود على نمط الهم[14]، أما بالنسبة لمن يستجوب (بضم حرف الياء) ؛ فهو الدزاين- ذاته، بقدر ما يصور خطورة وجوده في الواقع اليومي الزائف[15]، وهذا ما يفسر في ظاهرة الضمير أن النداء يأتي من الأنا ومن فوق الأنا.

وهكذا جميع الدزاين بين ماضيه الساقط في العالم وبين المستقبل في وقائعيته المباشرة الصافية ليعيش حالة التصميم في الحاضر، وهي حالة تحرره من كيان الناس .

وصل إذن الدزاين إلى كينونيته كإمكانية أو كتوقع أخذه نداء الابتعاد عن الآخر، وهو الأمر الذي يطرح إشكالية الزمان في هذه الإمكانية، أو هذا التوقع الذي أحدثه الدزاين لذاته . بمعنى هل أدرك الموجود-هناك تناهيه أو قدرته للوجود (باتجاه الموت) بعيدا عن الموت !  

وقد اكتشف هيدجر من خلال دراسته للأستطيقا الترنسلدتالية تناهي الإنسان[16]، ومن ثمة أصبحت الزمانتية أو التزمينية – (أي الإنسان المتزمن أو الداخل في الزمان)، هي الأطروحة الأساسية في فكره، كما أنه – أي هيدجر – قام باستئصال الشكل الخارجي التتابعي للزمان بمفهومه الأنطولوجي الكلاسيكي اللاأصلاني (ماضي، حاضر، مستقبل)، وقام بإضفاء صفة الأصلانية عليه؛ فكيف استغل هذه البنية الثلاثية الكلاسيكية للزمان من أجل تحديد كينونة الدزاينDasein ؟

رجع هيدجر بالفكرة السابقة الكلاسيكية للزمان إلى أصل السؤال، حيث استأصل الزمان من الكينونية التي أوجده فيها التقليد الأنطولوجي، وجعل من (الموت) إمكانية تحدث استباق الكينونة باعتبارها حياة بشرية Le ben ، وهذا الاستباق الكينوني هو امكانية وقوع الكينونية في اللحظات التي يحضر  فيها الدزاين، دون اللجوء إلى فكرة التسلسل الزمني (ماضي¥حاضر¥مستقبل)، وبهذا الحضور يكون في اللحظة التي ليست الآن هاربة، ولكن هي ذلك الاصطدام بين الماضي والمستقبل الذي يكون في اللحظة التي نرى فيها أنفسنا بوضوح، كما هو الحال في العود الأبدي عند نيتشه "العود الأبدي هو قبول أبدية اللحظة"[17].

إننا إذن، لا نمر بتجربة التناهي الجذري لزمانيتنا في التعاقب الزمني وحده، بل في التوتر القائم بين أبعاد الزمانية، إذ هناك سعي لبلوغ التجربة كلها أو إلى مباشرة الإكتمال الذي يمكنه أن يجمع في ذاته بين الماضي والمستقبل، ويمكن أن يوصف ذلك أيضا بأنه سعي لبلوغ الأزلي .

وبهذا يصبح الزمان هو الكينونية الضامرة في الدزاين، ليتحول السؤال من الزمان في التقليد الأنطولوجي، إلى من هو الزمان في الفلسفة الوجودية، وهو الأمر الذي غير به الوجوديون الوضع الأنطولوجي، وكذا السؤال الأنطولوجي . وإذا قلنا أن الآنية في جوهرها وجود باتجاه الموت؛ فالموت هو حد الآنية، إذ هو ليس إلا النهاية التي تبتلع كل الآنية، وما يقابل هذه النهاية حد آخر هو البداية أو الميلاد من حيث أنه يؤلف تتابعا خطيا مستمرا للأمام يضفي على الزمانية طابع التاريخانية، وفي هذا المجال يقول هيدجر : " لا يكون الموجود البشري Dasein من الناحية التاريخانية ممكنا إلا بسبب زمانيته "[18].

وعليه ؛ فما هو مفهوم التاريخانية في الفكر الوجودي؟

التاريخ لا يتعلق بحركة تحول العالم، ولا في ترابط الذات بالموضوع، بل هو ما يشبه العود الأبدي عند نيتشه، التاريخ هو حدث العالم في وحدته الجوهرية مع الدزاين Dasein[19] ، هذا الحدث الذي يكون جزءا من الكائن الداخلي لهذا العالم، حيث الحركة لا يمكن أن تفهم ببساطة كحركة محلية، وذلك لأن الدزاين المنشغل في العالم الذي يفهم لأول وهلة تاريخية، كتاريخ العالم الذي يحدد به ثباته بقدر ما هو مصير، في تمسكه في وجوده، الولادة والموت مع ما بينهما، بحيث أنه في مثل هذا الثبات هو حاضر في اللحظة لأجل العالم التاريخاني[20] .

 إذن كيف تشكل موضوع الموت في الكتابة الأدبية الجزائرية في العشرية الأخيرة من القرن العشرين .

4. المــــــــوت في الكتابة الأدبية الجزائرية الراهنة :

عرفت الجزائر في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين ، مرحلة خطيرة كادت تذهب بوحدة المجتمع وتقوض دعائم الدولة وأسس الجمهورية، وبسبب شلال الدم الغزير وصور الدمار والدخان اليومي، وزوال قرى بكاملها والهجرة القصرية من الريف إلى المدينة والهجرة النوعية للمادة الرمادية إلى الخارج خاصة أوروبا، كل هذا مس المثقف الجزائري في الصميم بحيث جعله يشعر بنوع من الارتجاج الدماغي والتهوع المعوي وضيق التنفس وتصلب الشرايين وإصابة القلب بالجلطة عدة مرات مما أورده شفير الهلاك، لولا أن سبقت رحمة من ربك ...

 إذن كل هذا حفر آثاره التي لا تزول بزوال الآثار وانقضاء الآجال وتحول الديار، بل صارت عين الأديب عدسة كاميرا لاقطة لكل شاردة وواردة، وأصبح قلمه إزميل نحت يخلد كل فاجعة ، ومن خلال رصدنا لعدد من الأعمال الأدبية الجيدة خلصنا إلى أهمها وكلها تحمل خبرا عن الموت وعن صوره الكابوسية المفزعة للذاكرة، وهذه عناوينها كالآتي :

إبراهيم سعدي : رواية النخر ، فتاوى زمن الموت

أحلام مستغانمي : ثلاثيتها ( ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير )

الأزهر عطية : خط الإستواء

حفناوي زاغر : ضياع في عرض البحر

بقطاش مرزاق : خويا دحمان، دم الغزال

بوجدرة رشيد : تيميمون، إنبهار

بوطاجين سعيد : وفاة الرجل الميت

بن قينة عمر : مأوى جان دولان

جلاوجي عز الدين : سرادق الحلم والفجيعة

حميد عبد القادر : الإنزلاق

حميدة العياشي : متاهات ليل الفتنة

خدوسي رابح : الغرباء

زاغر شهرزاد : بيت من جماجم

قرطبي خليفة : تماسيح المدن المنسية

محمد ساري : البطاقة السحرية

مفتي بشير :( المراسيم والجنائز، أرخبيل الذباب، شاهد العتمة )

منسي الحبيب : متاهات الدوائر المغلقة

واسيني الأعرج : فاجعة الليلة السابعة بعد الألف، ضمير الغائب، سيدة المقام، حارسة الظلال، ذاكرة الماء، مرايا العميان )

وطار الطاهر : الشمعة والدهاليز، الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي .

 

 هذا فيما يتعلق بالكتابة الأدبية في مجال الرواية، أما في مجال الكتابة القصصية نجد :

  بن عجال محمد : يوميات رجل نبيل

بن هدوقة عبد الحميد : الأزل والبندقية

بوطاجين سعيد : ما حدث لي غدا، اللعنة عليكم جميعا

بهلولي محمد العيد : دخان الكوانين

خدوسي رابح : احتراق العصافير

خلاص الجيلالي : السفر إلى الحب

السائح الحبيب : البهية تتزين لجلادها

سعدي نورة : أقبية المدينة الهاربة

زنير جميلة : جنية البحر

عرباوي شريفة : الصعب

عز الدين جلاوجي : لمن تهتف الحناجر

فوغالي جمال : أحلام أزمنة الدم

مفلاح محمد : أسرار المدينة

   أما في الاحتفال بالكتابة الشعرية ؛ فإن الشعراء الجزائريين سجلوا جرح الروح وكدمات الذات المشروخة في أعمالهم الشعرية والتي اطلعنا على ما وقع تحت أدينا وهي :

   عامر شارف : الظمأ العاتي

شايطة محمد : احتجاجات عاشق ثائر

منيرة سعدة خلخال : في امتداد الأحجية

ناصر لوحيشي : لحظة وشعاع

نور الدين درويش : السفر الشاق

عبد الله حـمادي : ديوان البرزخ والسكين .

من خلال استقرائنا لنصوص هذه الأعمال الأدبية والروائية منها بخاصة، سجلنا أن النخبة المثقفة وجدت نفسها في وضعية جد خاصة وحرجة، حيث تعرضت من جهة لسكين الذبح والتقتيل، حيث ذهب كثير من المثقفين والمفكرين وإعلاميين ضحايا في ظل ظروف غامضة غير واضحة، والبعض فضل السفر كهروب إلى الأمام لا يلوي على شيئ، في حين  بقي البعض الآخر يندد أو يوافق، يعارض أو يعاضد، وبهذا تحولت محنة الجزائر إلى محنة ثقافة، إذ بدأ نوع جديد من الكتابة يطفو على السطح معاكسا في جريانه لتيار الكتابات الروائية الكلاسيكية السابقة . ويذهب عبد الوهاب معوشي في كتابه المعنون ب : " تفكيرات الجسد الجزائري الجريح " إلى أن كثيرا من الكتاب الروائيين جسدوا وضعيتهم ومكانتهم في خضم ما تمتحن به الجزائر، من خلال تعرضه لدور المثقفين في المرحلة الراهنة، وهل آن موعد الإعلان عن زوال عهدهم، كما تناول مأزق الهوية الوطنية بسبب ما تتعرض له تجاذب بين القوى المتصارعة حتى لتكاد تعصرها شقا الرحى، وأيضا موضوع الإسلام بين التسييس والتسليح، ومسألة الحرية الشخصية والممارسة الديمقراطية، وحرية المبادرة والخلق والإبداع[21].

فالكتابة الروائية الجديدة للراهن الجزائري تجسد الصراع ما بين الواقع بكل سوداويته وهاجس الضمير الخلقي، ومن ثم تحول الكاتب إلى راو للأحداث أو هو البطل نفسه الذي لا يتعب ولا يكل في البحث الدؤوب عن المعنى، وذلك من خلال ايقاظ الرغبة الكامنة فيصبح المجتمع الذي يأوي الرواية وجها آخر للمجتمع الدنيوي، الذي لا سماء له ويكون زمن التقدم المتوالي وجها آخر لقهر البراءة الإنسانية؛ فبقدر ما كانت الملحمة قريبة من السماء تجول الرواية في عالم دنيوي مأسور بالأنانية والأرواح الميتة[22]. فما هي هواجس الخطاب الروائي الجزائري في ضوء هذه المعطيات الواقعية والطروحات الفكرانية؟

لقد أطلق البعض من زملائنا الأدباء والباحثين الجامعيين، على الكتابة الأدبية في الفترة التاريخية الممتدة من 1990 إلى غاية 2000 اصطلاح ( كتابة المحنة ) و(كتابات الاستعجال) وبهذا الصدد تصرح الأديبة زينب الأعوج : "أن كل مرحلة تاريخية بإيجابياتها وسلبياتها، تفرز لا محالة نوعا من الكتابة المرتبطة بالواقع المعاش بأبعاده المختلفة السياسية الإقتصادية والثقافية والجمالية، ويكون شكلا من أشكال الشهادة على مرحلة معينة من المسار التاريخي، لشعب أو أمة من الأمم وأمثلة ذلك كثيرة من الآداب العالمية من عربية وغيرها"[23].

ومن هنا نركز حزمة الضوء المستقطب على أطروحة النص الروائي، أو كما سماه البعض بكتابة المحنة من منظور أنها الصورة الناطقة بلسان الحال ، ومصدر ذلك القلق الوجودي، لأن النص الروائي يظل يجمع في ثناياه بين ما أختلف وأتلف في هذه الديمومة الوجودية ، ذلك أن التقدم بكل أنواعه أفرز نوعا من الإشكالية الوجودية " إنه تقدم باتجاه المزيد من الألم ... في عالمنا لن تكون هناك عواطف غير الخوف والغضب والغلبة وامتهان الذات "[24]؛ فالإحساس الذي يكتنف الذات الجزائرية هو إحساس متلفع بالخطر الداهم الذي لا يبقي ولا يذر، الأمر الذي يشحن النص الروائي بالتوترات النفسية الحادة التي تتلمس مواطن الضعف واليأس في ربط أجزاء الحدث، فتجد السارد يحكي من دون أن يحدد البؤرة التي يتمركز حولها الخطاب وذلك في ظل ضبابية الرؤية وزئبقية المعنى، لأن الحديث الذي يسرده الروائي في متنه ينشد الحلم أو كأنه الهذيان في الحلم بسبب تكثف الشعور بالغربة داخل الوطن والاغتراب داخل الذات المقهورة، وكما يرى فرويد ؛ فإن الحلم أكثر من لغة بل هو كتابة في صورة تصفح علاماته الأيقونة عن أفكار الحلم، حيث يتم نقلها من وضعها الإشاري إلى وضع جديد يوافق لغة الحلم[25]. ولذا يتداخل في لغة السارد الشعور باللاشعور، والوجود باللاوجود، وكأن العماء شرط الرؤية، وأخذ السارد وتيرة التفرد وسيطرة الأنا على النص أو المتن الحكائي، بحيث هو – أي السارد – هو من يحرك أحداث الرواية ولكن بحبكة ممزقة قصدا، وبزمن من ناشز دائري، أو مفتت قصدا، وبحيز سحري عجيب، وبشخصيات مهزومة قصدا، شاحبة الملامح غريبة السلوك وكأنها أشياء، بل أشياء قصدا، وبلغة متقطعة مؤذاة وربما مؤذية وكأنها ليست لغة، لغة جديدة قصدا[26]. وبهذا تصير اللغة مغامرة جديدة وهل هذا مرده إلى الواقع السياسي مما اضطرها إلى الالتفاف حول نفسها والتشرنق والانكفاء على الذات .ولذا تقول الأديبة زينب الأعوج :

" إن ارتباط الكتابة بالسياسي، أقول السياسي هو الراهن؛ فالواقع الذي نعيشه بتجليه السياسي الذي ينعكس على الحياة الاجتماعية للأفراد ومن بينهم المبدعون الذين يكتبون مثل واسيني الأعرج، والطاهر جاووت وكثيرين غيرهما؛ فالمبدع ليس من واقع المريخ، ولكن أيضا المعايشة مستويات، هناك من ينظر للسياسي بشكل سطحي فلا يتجاوز تجليه الحرفي الملموس، وهناك المبدع الذي ينظر إلى هذا بتجليه السياسي لاستشفاف ما ينبض تحته من تناقضات جوهرية تاريخية متعددة الأبعاد وغيرها، واستغلالها في الكتابة الإبداعية التي هي عملية تحويل للواقع ضمن رؤية جمالية متميزة[27] .

ومن خلال هذه الشهادة، يتضح أن الوضع الواقعي للراهن الجزائري هو مصدر الكتابة الروائية بالاضافة للتجربة الذاتية للكاتب المبدع وخياله وذوقه الفني، وبذا تتموضع تيمة الموت كحجر الأساس في البناء الروائي الجزائري؛ فكيف تشكلت ملامح هذه الصورة؟

وللإجابة عن هذا التساؤل الاستشكالي اخترنا رواية ( تيميمون ) لرشيد بوجدرة كدراسة تطبيقية نستجلي من خلالها أغوار الخطاب المباشر والمستتر على حد سواء، مما يفضح المسكوت عنه فيما بين السطور بل وخلفها؟ وإلى أي مدى سامت موضوعة الموت في تثبيت العناصر النووية للمخيال السردي لدى الروائي بوجدرة؟  بل وما هي القراءة المنفتحة في أفق الإنتظار؟

5. تيميمون بوجدرة ، صورولوجية الصحراء أم سيمفونية الموت

أ/ تيميمون :

هي رواية لرشيد بوجدرة، صادرة عن دار الاجتهاد سنة 1994م، بمعنى أن ظهورها زامن الفترة الساخنة من الجحيم الإرهابي الذي كانت تتلضى بسعيره الجزائر .

( تيميمون )، هي الفضاء والحيز المكاني الذي اختاره الكاتب من أجل الهروب من حقيقة الواقع الدموي، ولكنه فيما بعد سيجد أن ( الصحراء ) غدت أيضا رمزا ل( الموت ) :

" لا زال الخوف يداهمني، ينقض علي ويمزق أحشائي ينخرها، لأنه رهيب، لا يتركني أبدا . أحاول مقاومته بكؤوس الفودكا ، بجولاتي عبر أكبر وأنأى صحراء في العالم، أشعر وكأن نبضات قلبي على وتيرة غير عادية، منذ متى وأنا على هذه الحالة؟  منذ البداية ومنذ الأبد"[28].

إن الفضاء الدلالي ل( الصحراء ) هو العلاقة القائمة بين اللغة الأدبية المجازية ودلالات الواقع؛ فهو " فضاء الصورة المكانية عبر التشكيل الأسلوبي والسرد اللغوي، إنه فضاء متصل فقط بالامتداد الدلالي للغة الأدبية "[29]، وبما أن ( تيميمون ) في رواية رشيد بوجدرة تحمل المعاني البعيدة لها مثل الفناء، الغربة، والموت؛ فالأمر يتعلق إذن بـ (الموت)، تلك القوة الجارفة التي تكتسح كل شيئ، وسواء أقدم بوجدرة عليه أم أحجم؛ فإن الموت سيطاله : " الصحراء عبارة عن غوغاء الكون وتضاربه وهي كذلك عبارة عن انقلاب جغرافي وجيولوجي في نفس الوقت، لم أفصح أبدا عن إحساسي بالموت والانتحار في قعر الصحراء لأي زبون من الزبائن "[30]. إن الدلالة الرمزية هنا تكتسي طابعا وجوديا بالدرجة الأولى، وهي من نتائج الواقع السياسي الذي يعيشه البطل، والوجودية بهذا الشكل التعبيري، تعبر عن رفض الواقع بكل تجلياته الاجتماعية والسياسية، وتقدم لمحة عن مدى تعقد بنية هذا المجتمع الذي أصبح يدعو إلى الهروب والانتحار .

   يقول رشيد بوجدرة : " كان الليل الصحراوي يزداد عمقا وشبقية وصلابة، صعد القمر إلى السماء صعودا، اقترب الشفق وابتعد، كان القمر بلوري اللون، مستدير الشكل، مصقع الظهر، كاد أن يمسي شجرة ورد ضخمة وعارشة، متسلقة كل الجدران المحيطة بها، وكأن صراء تريد لمس العصافير التي اختفت داخل هذه الوردة المزدهرة اليانعة. سمعت أصواتها تتصاعد موشوشة، مخوافة، مرتعشة، متناومة ومتقلقة . وذلك هنيهة قبل السقوط في نوع خفيف وخادع، وذلك لأن عصافير الصحراء كثيرة الحذر والاحتياط والأرق "[31] .

   هذا الوصف، يحتوي على دلالات نفسية عميقة، يبين فيها الراوي القلق الوجودي (الأنطولوجي ) والروحي، الذي يعانيه لأن الصحراء تمثل له الموت والانتحار والشقاء .

   وقبل مواصلة تحليلنا لهذه الرواية، لابد أن نحدد مسار الأحداث داخل هذه الرواية، والتي تتلخص في ثلاث مسارات وهي : الرحلة من العاصمة إلى تيميمون ثم العودة من جديد إلى العاصمة، ثم استرجاع ذكريات الطفولة وعلاقة البطل العاطفية بالفتاة صراء، ثم استحضار الأخبار الأمنية التي تنشرها الصحف الوطنية ووسائل الإعلام البصرية والسمعية، ولذا يمكن القول أن النص الروائي يستعمل تقنية "القصة في القصة"[32]؛ فهو إذن اتبع طريقة تكسير خطية السرد الكلاسيكية، وبهذا نجد زمن السرد مقسما إلى حاضر وماض :

 

ولنعد الآن لاستكمال تحليل موضوعة ( الموت ) وكيفية تمثلها من خلال رواية تميميون، نجد بوجدرة يركز على وصف المناظر الجنسية كالحديث عن الأعضاء الجنسية بطريقة تهكمية، ووصف نزيف أمه وأثوابها الملطخة بالدم واستحضار مشاهد جنسية من سن الطفولة، ونلاحظ أن الراوي / البطل يتقزز من الجنس، ويعتبره شيئا سخيفا لا ينبغي له أن يمارسه، وبالفعل؛ فإنه بلغ الأربعين من عمره، وبالرغم من ذلك لم يقبل امرأة واحدة في حياته أو يعيش معها تجربة جنسية، تجعله يشعر بقيمة اللذة، ولذلك يشكل علاقته العاطفية بالفتاة التي تستقل حافلته، نقطة حيرة واغتراب لديه، ولكنه أحبها باعتبارها صورة لرجل هو ( كمال رايس )، أحد أصدقائه الحميمين .

إن البطل يهرب من (الموت / الدمار)، إلى الانتحار والموت البطيئ في الصحراء، كما أنه يعيش ذاكرة الموت وموت الذاكرة؛ فطفولته وشبابه لم يكونا مثل كل حيوات أصدقائه الآخرين؛ فقد حرم من متاع الإرث، لأن أباه اعتبره شيوعيا صابئا لا يجوز له أن يرثه، وحرم من متاع المرأة، لأنه كره منظر الدم الذي ينزف من أمه، وهي (الصورة) التي كونت للبطل مفهوم الجنس القائم على القوة والعنف، ومن جهة أخرى ؛ فإنه هارب إلى الصحراء من (الموت) الذي يقع في المستوى الواقعي، وإذا ما تأملنا الأسباب الموضوعية الفنية التي شكلت هاجس الموت لدى (الراوي / البطل)، نجدها نابعة من الوضعية الاجتماعية التي عاشها ماضيا ويعيشها حاضرا؛ فنجد أن الطفولة غير السوية التي مر بها جعلته يكره  المرأة، لما كان يراه من صور جنسية في أمه، وأتبع ذلك برفضه للواقع السياسي الصعب الذي يعيشه في زمن السرد، والعلاقة بينهما هي (الدم) الذي يعبر عن القوة والعنف، وقد بدا على بطل الرواية شعوران يترجمان إحساسه بطفولته الشاذة وواقعه السياسي وهما (الخوف) و(الغربة).

الخوف إذن، ناتج عن الوضعية الأمنية التي يعيشها؛ فهو مستهدف أيضا بالموت، من خلال الأخبار الصحافية المسموعة والمرئية التي تنقل صورا مختلفة للموت، أما الغربة فهي نتيجة احساسه بالانفصام بين حياته الداخلية الباطنية وطبيعة الفضاء الذي يشعره بالضياع والمتاهة والوحدة، الأمر الذي كان يدفع به إلى الانتحار مرات عديدة ، لكنه فشل في كل مرة.

    ومن هنا نجد أن الروائي رشيد بوجدرة، يولي اهتماما بليغا بالبعد الميتافيزيقي لقضية الموت والاحساس بالتمزق الذاتي، ومن ثم فهو يستثمر مقولات الفلسفة الوجودية في هندسة معماره الروائي، وهذا ما لم يكن معروفا من قبل زمن الرواية الأيديولوجية المكرسة لرؤية السلطة الأيديولوجية، كما نجده من جانب آخر يستثمر نظريات علم النفس العصابي – الفرويدي في توظيف المفاهيم الليبيدية الجنسية والآليات النفسانية القسرية مثل آلية الكبت والكف والارتكاس ، وكما يرى العالم النفساني رانك أن الخوف من الموت ليس سوى قلقا سيكولوجيا تستشعره الإرادة الفردية الخلاقة، التي تسعى نحو التفرد والانفصال؛ فلا يكون الاعتماد على الغير سوى مجرد تهديد بالانتكاس والعودة إلى الاتحاد أو الارتداد إلى الرحم، وكأن التعرض لخطر فقدان الفردية هو الموت بعينه، وعلى حين أن الخوف من الحياة يتسبب في وقف أو منع الجهد الفردي، نجد أن الخوف من الموت هو الذي يحفز الشخص على القيام بجهد حيوي .

كما أن الخوف والقلق ومشاعر الرعب بصورة قوية تميت التهييج الجنسي ولو كان واقعا، كما تمنع حدوث هذا التهييج ولو اشتد التنشيط الموضعي، وإذا قويت هذه المشاعر المأساوية؛ فإن الإرادة الواعية تنصرف عن النشاط الجنسي بل تقوم بكف الرغبة الجنسية، وكما هو مؤكد أن العقد العقلية والعاطفية تؤثر تأثيرا غير محدود في الدافع الجنسي إما أنها تهيجه أو تكبته .

هذه هي البنى التحتية للقراءة التأويلية التي تكون حوارا بين القارئ والنص، وهي عملية لا تجعل الكاتب ملزما بتوضيح وتفسير كل ما يقول، لأن ذلك من مهمة القارئ الذي يمتلك قدرة الفهم والتأويل .

كما أن فضاء الصحراء يفتح أمامنا المجال لقراءة أنثربولوجية لرواية تميمون، إذ نجد عدة (أيقونات) استخدمها رشيد بوجدرة ليقف بنا على ملحمة الحدود القصوى الفاصلة بين الحياة والموت، الوجود والعدم، وبين نازع البقاء ونازع الفناء، ومن هذه الأيقونات المشفرة لبنية النص البوجدري .، نجد أيقونة ( الصحراء )، إننا أمام أنطولوجيا الصحراء التي لا  تحتفل بالحياة إلا في صورة وجود يتباهى بالاحتمالات القصوى، ويبادر بالمواجهة مع الموت، ويقابل هذا الوجود – نحو – الموت لدى هيدجر، وجود اجتماعي نحو الآخرين، وبهذا استطاع بوجدرة إدخال الصحراء في داخل وعي الإنسان، لايماثل الحس بالفراغ الداخلي، بل على العكس، يجعلنا نعيش تجربة دراما الصورة المكانية، الدراما الأساسية للصور المادية المتصلة بالماء والقحط، بمعنى آخر المتصلة بالحياة والموت . وبهذه الكيفية يدخل ( الراوي / البطل ) في رواية تميمون حقا في حجم الصحراء، لأن كل اتصال جديد بالكون يجدد وجود الإنسان الداخلي ويرخي الروابط الزمكانية العادية ولذا يقول فيليب ديول : " فلا في الصحراء ولا في قاع البحر تظل نفس منغلقة وغير مجزأة "[33]، وهذا التغيير للمكان المحدد من المدينة إلى الصحراء، لا يظل مجرد عملية عقلية يمكن مقارنتها بوعي النسبية الهندسية، لأننا لا نغير المكان، بل نغير من طبيعتنا الداخلية . ولكن تيار التداعيات ينقطع بسبب أخبار الموت التي تلاحق (الراوي / البطل) من ينبوع الطفولة والذكريات الحلوة والمرة والمأساوية رغم فراره من جحيم (المدينة) إلى لانهائية (الصحراء) ملاذ المعرفة المتراجعة .

أما الأيقونة الثانية التي يوظفها بوجدرة فهي صورة (القمر)، ومنه نجد مرة أخرى أن رشيد بوجدرة يستند على الأسطورة ليكمل بناء روايته الداخلي .

لقد انتبه دارسو علم الفلك عند العرب إلى معرفتهم بالتقويم الشمسي كانت معرفة مضطربة، وقع فيها التداخل بين أسماء الشهور، في حين أنهم انفردوا عن غيرهم من الشعوب بمعلومات دقيقة عن منازل القمر، ويعزو ابن منظور هذا الاهتمام بالقمر إلى أن العرب " أنسوا بالقمر لأنهم يجلسون فيه للسهر، ويهديهم السبل في سرى الليل في السفر، ويزيل عنهم وحشة الغاسق، وينم على المؤذي والطارق "[34]. ومن الوجهة الدينية، كان القمر هو المعبود الأول لدى الجاهليين ويقول جواد علي :

" واعتبر الجاهليون القمر أبا في هذا الثالوث ( أي ثالوث القمر– الشمس– المشتري )، وصار هو المقدم فيه وكبير الآلهة، وصارت له منزلة خاصة في ديانة العرب الجنوبيين " ثم يضيف جواد علي قائلا:"وهذا المركز الذي يحتله القمر في ديانة العرب الجنوبية، لانجده في أديان الساميين الشماليين "[35]

والهدف الأخير من كل هذه البنى الثقافية المتراكمة في المخيال المعرفي لدى بوجدرة، يريد من خلالها أن يطرح حيرة الإنسان وهو يحاول التوفيق بين المتناقضات التي يضعها (الزمن) : الرعب أمام الزمن الهارب، القلق أمام الغياب، الأمل باكتمال الزمن والثقة بالانتصار عليه .

فالقمر هو رمز التجدد والانبعاث، وهو أول من يموت كونيا، وأول من ينبعث دوريا، من هنا تبدو الرمزية القمرية دائما محملة بدلالات الزمن الدوري الذي يكرر سيرة القمر موتا وتجددا، يقول دوران : "القمر هو مقياس الزمن الأول، وهو وعد صريح بالعودة الدائمة، ويظهر تاريخ الأديان الدور الكبير الذي يلعبه القمر في تشكيل الأساطير الدورية : أساطير الطوفان والتجدد، شعائر الولادة والنمو، أساطير فناء البشرية التي تستند جميعها إلى أطوار القمر"[36].

و يحمل القمر أيضا في المخيال الصحراوي معنى ( الأب )، و ( الابن ) يكرر سيرة أبيه، وهذا في حركة زمان دائري مغلق . وهذا ما يرفضه رشيد بوجدرة، ولا يريد أن يكون نسخة من أبيه، ولذا تبرأ منه الأب عندما صار شيوعيا نقيض أبيه الإقطاعي، كما أنه لا يريد أن يحيا حياة أبيه القائمة على القوة والعنف في علاقته مع أمه .

كما أن الأيقونة الأخيرة (المرأة) عند رشيد بوجدرة، تعتبر أكبر مصيدة للذكر لأنها ترهن قلب الإنسان فيما هو أرضي، وهو بهذا لا يريد الموت لقيمه الرمزية مقابل حياة القيم المادية، ولذا عليه أن يواجه الموت ليدافع عن بقاء قيمه الرمزية، ولذا يقطع (الراوي / البطل) رحلته إلى الصحراء ويرجع إلى المدينة، وفي هذا دلالة على أن العقبات لا توقف مجرى التاريخ، إذ يراه نهرا متدفقا وليس حركة دائرية مغلقة .

إذن، لابد من إطار مرجعي وذوقي حتى يتمكن القارئ من تفكيك الجهاز المفاهيمي والبنية التخيلية للكاتب رشيد بوجدرة ليقف على المكونات النووية للمخيال السردي لدى الروائي .

 

هوامش

[1]  إصطلاح الإنسانية كما جاء في كتاب الحدود والرسوم للكندي يقصد به الحياة والنطق والموت، انظر عبد الأمير الأعسم : المصطلح الفلسفي عند العرب، الدار التونسية للنشر، ط01 ، سنة 1991 ، ص 227 . 

[2]  أما اصطلاح البهيمية يقصد به الحياة والموت، انظر أيضا عبد الأمير الأعسم : المصطلح الفلسفي عند العرب، ص 227 .

[3]  ابن أبي حديد : شرح نهج البلاغة، دار الأندلس، مصورة عن الطبعة المصرية، ج 01 ، ص 465 .

 [4] الغزالي أبو حامد : كتاب الأربعين في أصول الدين، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 04 ، سنة 1402 ه /1982 م، ص 205 .

[5]  مصطفى غالب : تغلب على الخوف، منشورات دار ومكتبة الهلال، سنة 1403 ه / 1983 م، ص 62 .

[6]  مصطفى غالب : تغلب على الخوف، ص 60 .

[7]  الفردية : مشتق من الفرد ومعناه إتمولوجيا، كلمة مشتقة من اللاتينيةIndividus ، وهو كائن حي تؤلف أجزاؤه كلا واحدا، وقد ظهر هذا المصطلح في كتابات كركجارد عام 1843 ، أما منطقيا : فهو يمثل أدنى مرحلة في سلسلة الأجناس والأنواع، بحيث لا يصبح يدل على مفهوم عام كما لا يعود يحتمل تقسيما منطقيا، إذ يقول كركجارد في هذا المجال : إن الإنسان محتوم عليه أن يكون فردا لأنه لا يبلغ غايته في النوع . أما نيتشه: فقد اعتبر الفرد، الإنسان الذي تجاوز القيمة باعتبارها وعيا مزيفا له . أما الفردية؛ فهي عبارة عن نزعة الإنسان ثائرة ضد اعتبار الفرد رقما في المجتمع وأنه مسخر لخدمة هذا الأخير.

انظر بهذا الخصوص : عدنان بن ذريل : الفكر الوجودي عبر مصطلحاته، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1985، ص 195 و ص 282 وكذلك:

 Armande Colin ; Vocabulaire de la philosophie et des sciences humaines, Paris 1980, p 256 .

[8]  الوجودية: اصطلاحExistentialisme ، وهو تيار لاعقلاني في الفلسفة الحديثة، حاول أن يخلق نظرة عامة وجديدة للعالم، أما ظهوره كان نتيجة انفجار الانسان التقني العقلاني الذي حاول لفترة طويلة من الزمن إلغاء وجوده الذاتي لإثبات لاوجوده العقلي . انظر : مراد وهبة : المعجم الفلسفي، دار مأمون للطباعة والنشر، ط 03، سنة 1979 ، ص 560 .

[9]  بوشنسكي : الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ترجمة عزت قرني ، سلسلة عالم المعرفة، العدد 165 ، ص 210 .

[10]  الكائن : اصطلاح استعملته الفلسفة الوجودية L'etant، إذ منذ سورين كيركغارد (1813 – 1855) Kierkegaared Soren  أصبح ( الوجود ) Existence، يعبر عن الوجود العينيUnique  الفريد لشخصية الموجود البشري . أما هيدجر مارتن (1889 – 1976) ؛ فقد استخدم لكلمة الوجود عدة اصطلاحات مقابلة منها : الكائن هنا Da-sein ، الوجود المتعين Dasein، الكينونة – هكذا So-sein ، الكائن مع Mit-sein، والكائن داخل العالم Etre aupre du monde، انظر : جون ماكوري : الوجودية، ترجمة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1982، صص 90- 92 .

[11]  جون ماكوري : الوجودية، ص 130.

[12]  جون ماكوري : الوجودية، ص 131.

[13]  جون ماكوري : المرجع نفسه.

[14]  فرنسواز دستور : هيدجر والسؤال عن الزمان، ترجمة سامي أدهم، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط 01 سنة 1993 ، ص 70 .

[15] فرنسواز دستور : هيدجر والسؤال عن الزمان، ص 70 .

[16]  سامي أدهم : ما بعد الفلسفة، دار العلم للملايين، بيروت، ط 01، عام 1996 م، ص 150 .

[17]  هيدجر : مفهوم الزمان، مجلة الغرب والفكر العالمي، ترجمة مشال هار، مركز الإنماء القومي، العدد 04، خريف 1988، ص 60 .

[18]  فرنسواز دستور : هيدجر والسؤال عن الزمان، ص 75 .

[19]  فرنسواز دستور : هيدجر، ص 75 .

[20]  فرنسواز دستور : المرجع نفسه .

[21]  عبد الوهاب معوشي : تفكيرات في الجسد الجزائري الجريح، مجلة الاختلاف، العدد 01 ، سنة 2002، ص 74 .

[22]  فيصل دراج : نظرية الرواية والرواية العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 01 سنة 1999 ، ص 20 .

[23]  مراد طرابلسي في حوار له مع الدكتورة زينب الأعوج، حول الكتابة الحديثة في الجزائر، مجلة البيان، العدد 72 ، الأحد 04 مايو 2001 ، الأنترنيت .

[24]  بويجرة بشير : بنية الزمن في الخطاب الروائي الجزائري ( 1970 – 1986 )، المؤثرا العامة في بنية النص، ج 01، ط 01، عام 2001 – 2002، دار الغرب للنشر والتوزيع ، وهران، ص 20 .

[25]  فيصل دراج : نظرية الرواية والرواية العربية ، ص 20 .

[26]  عبد الملك مرتاض : بنية السرد في الرواية العربية الجديدة، مجلة تجليات الحداثة، العدد الثالث ، جوان 1994، ص 11 .

[27]  مراد الطرابلسي في حوار مع الأديبة الدكتورة زينب الأعوج حول الكتابة الحديثة في الجزائر .

[28]  بوجدرة رشيد : تيميمون، ص

[29]  حمداوي جميل : مفهوم الفضاء في الرواية العربية، م/ الكويت، ع 143، سنة 1995 ، ص 44 .

[30]  بوجدرة رشيد : تميمون، ص 68 .

[31]  بوجدرة  : الرواية، ص 100 .

[32]  جان ريكاردو : قضايا الرواية الحديثة، ترجمة صلاح الجهيم، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، ط 01 ، سنة 1977 ، ص 261 .

[33]  غاستون باشلار : جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، ط 05 ، سنة 1420 هـ / 2000 م، ص 187 .

[34]  كارلو نلينو : علم الفك عند العرب في القرون الوسطى، طبعة مصورة عن الطبعة المصرية بالقاهرة ( د.ت )، ص 112 .

[35]  جواد علي : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، مكتبة النهضة، بغداد، 1980 م، ج 06 ، صص 51 – 52-57 .

[36]  دوران غيلبير : الأنثروبولوجيا، رموزها، أساطيرها، أنساقها، ترجمة د . مصباح الصمد، المؤسسة الجامعية، بيروت، 1993، ص 272 .