Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

 

"...  أشعر وأنا أكتب بلغة الآخر بأني أشبه بالطفل اليتيم وهو يبحث عن شكل من أشكال التبني "

عبد الكبير الخطيبي

" تبقى هذه اللغـة الغربيــة أشبــه بزوجـة أب خشنــة وفضّــة "

آسـيا جبــار

 

مطــارحات نقديـة:  

إنّ الهدف من وراء هذه المداخلة المتواضعة هو بحث إشكالية أو أزمة ما تزال تطرح بحدّة في أوساط النقاد والباحثين من خلال كتاباتهم، بل إنّها تشكك أحيانا في هويّة المنتـوج الإبداعي الذي ألّف في أعقاب ثورة التحرير الجزائرية، وبأقـلام كتاب جزائريين لكنهم يكتبون بلغة أجنبية، ويوجّهون كتاباتهم لقراء أجانب، خاصة الفئة المثقفة منها، وقد وقف هؤلاء النقاد في حيرة من أمر هذا الأدب المكتـوب بلغة الآخـر مـن حيـث وصفـه وتصنيفه، فتارة يطلقون عليه تسمية الأدب الجزائـري مباشــرة دون مقدمــات أو إضافات أو حتى توضيحات، بل ودون البحث عن تبرير هويّتـه، وتارة ينعتونـه بالأدب المكتوب بالفرنسية، ونجد فريقا آخر منهم لا يتردد في وصفه بأدب الكتاب الجزائـريين المعبّر بلغة المستعمر، وكأنّ في نبرة كلامهـم تجريد ما كتب بالفرنسيــة من وصـف "الجزائري".

على أنّ فئة أخرى من النقاد المعاصرين يفضّلون وصـفا آخر يجدونــه أكثر تداولا وملائمة لهذا النوع من الأدب، لأنـه يعمّ جمهــرة من الكتاب علــى اختــلاف جنسيـاتهم ( المغرب، الجزائر، تونس )، لكن ما يجمع بينهم هو أنّهم يكتبون بلغة واحدة ( اللغـة الفرنسية )، فتراهم يصطلحون عليـه بـ"الأدب المغاربي" أو "الرواية المغاربية" تعبيرا عن اتّساع حدودها، كما يتضح ذلك من مقال أمين الزاوي في مجلّة التبيين في العدد الخاص المعنـون بـ" الرواية المغاربية، المأزق الحضـاري، إبداعات"، وعنوان مقالــه " الرواية المغاربية ذات التعبير الفرنسي في التسعينات، من الحنين المفقـود إلى نهــوض المنسي"، فنجده يرجع ظاهرة الكتابة الروائية بلغة المستعمــر إلى تمفصلات العلاقــة التاريخية بين المخيال المغاربي والفرنسي وعبره بشكليه الاستعماري أوّلا، ثم في شكلــه الثقافي في مرحلة لاحقة.

ونحن وإذ نعتبر الأدب المغاربي المكتوب باللغة الفرنسية بعيد عن كل استقلالية، أي أنّه يوجد على هامش حقل ثقافي عني أساسا بإشكالية كبرى هي الهويّة، فإنّه لا يمكننا أن نتجاهل العقدة التي طبعت كتابات الروائيين الشباب الذين يطلقون عليهم اسم الجيل الثاني، كتاب مثل رشــيد بوجدرة، نبيل فارس، عبد الواحد مدب، محمد خير الدين أو طاهر بن جلون[1].

وقد اتّسمت ممارسة الجيل الروائي المغاربي في حضرة الآخر في خضم سيولة الرواية  الكولونيالية بكل تقاليدها بثلاث نزعات:

  • نزعـة لاتينية Ecole Latiniste

ب -   نزعـة جزائريانية – مغربانية Ecole Algérianiste-Marocaniste

ج -   مدرسة الجزائر أو مدرسة شمال إفريقيا للأدب Ecole nord-Africaine de Littérature [2].

   إزاء هذه الحيرة وهذا التردد في تصنيف هذا النوع من الأدب، وهذا النمط من الكتابة أحببنا من خلال هذه المساهمة البسيطة أن نستجلي أمر هذه التشكيكات، وأن نسعى ما استطعنا إلى مقاربة الشكل اللغوي الروائي وتمفصلاته في كتابات رشيد بوجدرة، هذه التمفصلات والتحوّلات أوقعته أحيانا فيما أسماه الكاتب نفسه بـ" العصـاب " La Nevrose، وهي حالة نفسية إبداعية كثيرا ما كانت تعتري أدب بوجدرة عامة، وتتجلّى كلما اتّضحت وبدت معالم التحوّل والانتقال في الكتابة، أو بالأحرى داخل صور وأشكال اللغة الروائية لبوجدرة، ومن ثمّ داخل عالمه الروائي.

وقد بدأت أعراض الحالة تبرز منذ الكتابات الأولى لبوجدرة، بحيث كان هاجس اللغة وثقافة الآخر، على أنّ كشف تمظهرات هذا القلق الإبداعي في الكتابة والهوس اللغوي يحتاج منا إلى موضعة أدب رشيد بوجدرة ضمن السياق الذي انبثق عنه، والظروف التي أنتج فيها، ومن ثمّ لابد من متابعة الظاهرة عند بعض أقرانه من الكتاب الجزائريين الذين يحملون نفس المعاناة، فضلا عن الرعيل الأوّل من الكتاب الذين يعدّ بوجدرة تاليا لهم، أو من الجيل الذي تتلمذ عليهم، من أمثال كاتب ياسين، مالك حداد، مراد بوربون، وشيخ الرواية المغاربية محمد ديب.

أ. في شعريّة لغة الكتابة:

إنّ الحديث عن ازدواجية اللغة في أدب رشيد بوجدرة عامة لا يتأتّى إلاّ بعد رصد شكل وطبيعة اللغة في كتاباته، ومناط ذلك والسبيل إليه هو الوقوف على جسد النص الروائي عنده من خلال معاينة قلق الكتابة داخل اللغة ذاتها، التي تطلعنا على سرّ ذلك العصاب الذي حاول الكاتب التعبير عنه، واستفحل أمره واستطار كلما أبان عن مواضع التحوّل والانتقال داخل الأداة على امتداد المسارات السردية.

ليس من الشطط أو المغالاة أن نقول بأنّ تجربة الكاتب الروائي رشيد بوجدرة تتمفصل على نفسها لتكشف لنا عن جوانب هامة من المأساة والمعاناة التي تحوّلت رغم ذلك إلى نوع من الجمالية الإبداعية أوقفت القارئ المتتبع لمساره الإبداعي على الفروقات التأليفية التي طبعت جلّ إنتاجه الأدبي، ومن ثمّ كشفت للنقاد عن تجربــة فريــدة من نوعها استطاعت أن تعانق خطابا روائيا مزدوجا.

إنّ معاينة تجربة الكتابة الروائية عند بوجدرة تبرز لأوّل وهلة مشكلة اللغة والانتصار للغة من اللغة، ذلك أنّ كل نص يصنع ظروف إنتاجه، ويمارس اللغة بطريقته الخاصة، فالنـص ينتج لغته في ذاته، وهذا ما يسمح بتجلي فعل الكتابة، إذ ليس من المهم أن نكتب عـن المفاهيم، ولكن أن نصنع تجربة المفاهيم داخل الكتابة وبالكتابة، في لحظة الكتابة، أو لنقل بفعل الكتابة ذاتها[3].

من هنا كان السؤال الذي لا مناص من طرحه والذي نتّخذه عتبة منهجية نلج مــن خلالها عالما روائيا رحبا للكاتب رشيد بوجدرة وهو:- كيف تجلّت مأساة اللغة عنده ؟، وقبله كيف تمثّلها الرعيل الأوّل من الكتاب الجزائريين ؟

1. تمفصل اللغة/ المأساة و الجمالية :

ما من سبيل لاستجلاء هذا التمفصل سوى بالحديث عن السياق الذي تبلور فيه الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية، وما أثير حوله من جدل واسع بين جمهور الباحثــين و الدارسين المشتغلين بالنقد، لاسيما ما يمت منه بصلة مباشرة بمسألة أو "قضيّة الهويّـة"، فنجد مثلا عبد العزيز بوباكير يثير في مقدمة كتابه  "الأدب الجزائــري في مــرآة استشراقية" مشكلة هذا الأدب، وكيف كان ينظر إليه من قبل النقاد الغربيين خاصــة النقاد الروس[4]، كما هو الشـــأن عند إيرينا نيكيفوروفا، وسفيطلانا براجوغينا، وغالينا جوغاشفيكي، وهم ممن اشتهروا في مجـال التأسيس للدراســة الشاملة للأدب الجزائري.

وأكثر من تعرّض لجوانب هامة من هذا الأدب الباحث عن هويّته الناقــدة إيريـنا نيكيفوروفا، ففي تحليلها للرواية الجزائرية المعبّرة باللغة الفرنسية أثناء الثورة لاحظت هذه الناقدة التغيير الجذري الذي حدث في إشكالية هذه الرواية وفي أدواتها الفنية، وتشير في الوقت نفسه إلى أنّ الأسماء البارزة في هذه الفترة محمد ديب، وكاتب ياسين ومــالك حداد، عبّروا عن عصرهم وموقفهم منه بطرق مختلفة[5]، كما أشارت هذه الناقدة في كتابها الرواية الإفريقية إلى عدد من الكتاب الجزائريين الذين حملتهم لغة المستعمر على الارتباط أكثر بوطنهم الأم، لأنّ كتاباتهم كانت تنوء بالهمـوم الوطنية، ورغم تفوّقهم في الكتابة بلغة الآخر وإتقانهم لأساليبها وبلاغتــها وإحاطتهـم بمكنوناتها، إلاّ أنها (اللغة) مع ما خلّفته فيهم من أسى ولوعة لم تستطع صدّهم عن الشوق الذي حملوه للغتهم، والذين عبّروا عنه رغم اختلاف اللسان.

ولعلّها المأساة التي استمرت مع كاتب من طـراز مالك حداد على امتــداد إبداعاته وإصداراته الأدبية، فمن رصيف الأزهار لم يعد يجيب إلى سأهبك غزالة، إلى الشـقاء في خطر، ظلّ مالك حداد يحمل مأساته المزدوجة، وربما بحسّ يختلف عن حسّ الآخرين، هذا الهم المزدوج " الاستعمار " / " اللغة " هو الذي حدّد مسار كل أعماله، يقول في السيـاق نفسه :" لقد شاء لي الاستعمار أن أحمل اللكنة في لساني… أن أكون معقود اللسان، لو كنت أعرف الغناء لتكلمت بالعربية.."[6]، ثم يقول: " نحن نكتب بلغة فرنسية لا بجنسية فرنسية"، فبالرغم من مأساة اللغة فقد ظلّ هذا الأدب نقيّا يعبّر عن هموم وطنيـة وقومية وإنسانية برؤية تقدمية في شكلها العام[7].

وهنا نتساءل من جديد: - ما موقع النص المكتوب بلغـة الآخــر إزاء الأدب الجزائري المكتوب بلغة الأم ؟ وماذا عن هويّـته ؟

 نقصد بالآخر هنا ذلك المفهوم النقدي في الكتابة الذي يستحضر معه مفهوما آخر أعمق منه وهو مفهوم أو مصطلح الغرائبية كما عبرّ عن ذلك الناقد المغربي حسـن بحراوي في إحدى  تدخّلاته[8]، هذه الغرائبية تتجلى في كتابتك للآخر بلغة الآخر، كتابة تستهدف بالدرجة الأولى القارئ الأجنبي، بحكم ثقافة القارئ واللغة التي يخاطب بها.

قد يكون القارئ شريكا للكاتب في صنع مأساته ودون قصد منه، خاصة وأنّ الكاتب رشيد بوجدرة كان يعي بأنّه يكتب للنخبة من المثقفين الفرنسيين لكون اللغـة الفرنسية كانت لغة القراءة كما كانت لغة الكتابة، وهو ما كان يحمله على الإبداع بلغة الآخر، ثم إنّ هذه المأساة قد عبّر عنها غير واحد من الكتاب الجزائريين، واعترفوا بأنهم غرباء منفيون في لغة أجنبية، وزاد من إحساسهم بهذه الغربة أنّهم يكتبون لجمهـور غــير مواطنيهم، فقرّاؤهم خارج بلادهم، وهذا بسبب انتشار الأمية في وطنهم، وحتى ما ترجم من كتبهم إلى اللغة الأم لم يجد قراء كثيرين، ودفع البعــض إلى أن ينادي بوقف الكتابة بلغــة أجنبية[9].

2. الازدواجــية ومأزق الهويّـة :

سنحاول من خلال هذه العنونة تفكيك مصطلح الازدواجية والحفر في طبقاته، والغوص في أغواره بغية الوصول إلى تحديد المأزق الذي قادت إليه من خلال الجدل القائم بشـأن الحــدود بين الأدب الجزائري والأدب الفرنسي استنادا إلى معيرة اللغـة، وعمدتنا في ذلك كـتـاب الباحــث شـادلـي فيـتـوري الـمـعـنون بــ "Biculturalisme- bilinguisme et éducation"، وهو كتاب قائـم على التأريخ لظاهرة الازدواجيـة  وتأثـيرها على الأدب من خلال فكرة الصراع الذي تعيشه معظم دول العالم الثالث، ومنها دول المغرب الكبير، وكذا بعض الأقليات الإثنية، وقد سمح ذلك بتحليل نقدي طال الإنتاج الأدبي على امتداد خمسين سنة من الدراسات والأبحاث حول الازدواجية اللغوية، ومن ثمّ الكشف عن الخطأ الأساسي الذي وقع فيه أغلب الباحثين الذين خلطوا بين اللغة والثقافة، وأرجعـوا الآثار الإيجابية أو السلبية للازدواجية الثقافية للازدواجية اللغوية فقط، أو بمعنى آخـر من جرّاء الالتقاء السلمي أو المواجهة بين ثقافتين[10]

بالنسبة لأغلب الدول السائرة في طريق النمو الأمور تزداد تعقيدا بسبب أنّ اختيارهم للازدواج اللغوي والثقافي سيصبح النتيجة الحتمية للمثاقفة Acculturation التي تحمّلتها في أثناء فترة الاستعمار، والتي حسب ما يراه مارك ريشال تشكل مرضا حقيقيـا للثقافة، لكي تصل إلى تبادل بين الثقافات كما يبدو من خلال تخصيبها المشترك.

ويحاول الكاتب في كتابه هذا بحث التحديث والتطور الحاصل في اللغة والثقافة والأدب، وهي أهم المساءلات التي يخضع لها، يأتي في مستهلّها تحليل الأدب وكـذلك المقاربــة التجريبية التي تتيح للكاتب إيجاد الأجـــوبة، وذلك بالتمــييز بين المفاهيم التالية: اللغة، الثقافة، الازدواجية اللغويـة، الازدواجيـة الثقافية للوصول إلى تصنيفــها في مجالها الذي يليق بها.

من هنا كان اضطراب المفاهيم واستغلاق التحديدات سببا مباشرا للوقــوع في الحرج النقدي الذي صاحب صيرورة الأدب المكتوب بلغة المستعمــر، في الوقت الذي كان البحث فيه عن الهوية مطلبا عزيزا، وغاية شريفة، ولعل طبيعة التيمات التي كانت متاحـة للخوض فيها أدبيا وروائيا مبررا كافيا وجد فيه الكتاب الجزائريون في تلك الفترة متنفسا لهم وتأكيدا لوطنيتهم، لكن مع ذلك كانت هناك مواضيع أخرى تستهوي القـــارئ الفرنسي، وتجعل فرصة الشهرة والعالمية خيارا ممكنا ومحققا لكثير من الكتاب، نظرا لطبيعة اللغة الفرنسية التي تستبيح المحظورات، وتخترق جميع الطابوهات، وهو ما يفسر النجـاح الذي حصلت عليه رواية التطليق La Répudiation  مثلا التي لقيت رواجا كبيرا خارج حدود الوطن، وفي فرنسا بالذات، في حين أنّها منعت وصودرت داخل الوطن، ومورست عليها رقابة صارمة نظـرا لاحتوائها تلك المساحة المستباحة المجسّدة في بعض الصــور البورنوغرافيـة التي تنافي طبيعة المجتمع الجزائري المحافظ آنذاك، وهو ما جعل الكاتب ينظر إلى اللغة العربية على أنها يمكن أيضا أن تكون لغة مدنسات كما كانت لغة مقدسات، وبين المقدّس والمدنس فجــوة يصعب رتقها ومن العبث التنكّر لها،  ولعلّ ذلك أحد الأسباب التي جعلته يتحوّل إلى الكتابة بالعربية، وإلاّ فكيف نفسّر أدب محمد شكري مثلا الذي كتب بالعربية ومع ذلك تزخر رواياته بالصور البورنوغرافية أو الجنسية مع أنّه لم يكتب بغير العربية، كما تظهر ذلك رواياته "الخبز الحافي، وجوه، غواية الشحرور الأبيض وغيرها".

من هنا كان مأزق الهوية نتيجة حتمية مصاحبة للأدب الجزائري عامة، وهو مأزق إن أخطأ اللغة لم يخطأ طبيعة المواضيع والتيمات السردية، لذلك يتمفصل مفهوم الازدواجية بين اللغـة وما تنوء به أو ما تعبّر عنه، بين شكل السرد ومضمونه.

3. اللغة والثقافة/ سجال أم جدال:

إنّ اللغة إلى جانب أنّها مادة ووسيلة للتعبير فهي تعكس روح الشعب وروح الحضارة التي ينتمي إليها الفرد والأمة، وهي بهذا تمثل جـزء من التفكير لا وسيلــة للتعبير عنه فحسب، هذه الإشكالية في النظر إلى علاقة اللغة بالفكر، وبما تعكسه من روح ثقافية تثار كلما تمثلنا حقيقة هذا الازدواج، وما جرّه على كتابنا، مخلفّا سـؤالا عميــقا لم يغادر كتابات النقاد والمشتغلين بالأدب الجزائري : - ما طبيعة هذا الازدواج؟ هل يمسّ اللغة أم الثقافة؟ ومتى تنتفي الحدود بين ما هو لغوي فقط، وبين ما هو ثقافي متعــالي على اللغة؟

على أنّه ودائما في سياق رصد ومعاينة الظاهرة بأسبابها ودوافعها، وكشف الموقع الذي ينتج منه الكاتب رشيد بوجدرة نصوصه الابداعية، نقول إنّ الرعيل الأوّل مـن الكتاب الجزائريين الذين سبقوا بوجدرة قد اضطرّوا إلى التعبير بلغة الآخر البغيض إلى أنفسهـم، رغم أنّه مكّنهم من أداة طيّعة في أيديهم، وكان سببا لذيوع صيتهم، إلاّ أنّها مـع ذلك حمّلتهم تبعات تكوينهم وتثقيفهم بثقافة أجنبية، " ربما لا يحس بهذا الانفصام من تعلمّـوا لغة أجنبية، وهم لا يملكون لغة قومية ذات تاريخ وحضارة عريقة…أما الأدباء الجزائريون وقد كانوا ينتمون إلى حضارة وثقافة عبّرت عنها لغة حية، فقد أحسّوا بهذا وعبّروا عنه في مناسبات مختلفة، الشيء الذي يفسّر الأزمة الحادة العنيفة التي اعتبرها البعض منهم مأساة، هذه المأساة التي تتمثّل في إحساسهم بأنّ هناك ارتباط بين مشاعرهم وأفكارهم وأحلامهم العربية، وبين اللغة العربية التي كانت تستطيع وحدها أن تعكس هذه المشاعر والأفكـار والأحكام عكسا صادقا"[11].

هذا التمفصل أو الانشطار الذي عاشه بعض الكتاب الجزائريين من الجيل الأوّل عبّـر عنه الناقد عبد المالك مرتاض في كتابه "نهضة الأدب المعاصر في الجزائر" بقوله: وقد كان هؤلاء الكتاب الجزائريون في معظمهم بالفرنسية معجبين كل الإعجاب بالحضارة الفرنسية بوجه خاص والحضارة الغربية بوجه عام، جاهلين بالتاريخ العـربي غير ملمّين بمعــالم  الحضارة الإسلامية[12].

ولعله الموقف الذي يجعل من المأساة المعبّر عنها مجرّد تيمة جديدة تطرح كتابيا وتخييليا لا واقعيا، وهو ما دفع كاتبا آخر مثل واسيني الأعرج ولكن هذه المرة من موقع الناقد لأن يخالف ما ذهب إليه عبد المالك مرتاض على الأقل في كتاباته الأولى، مشيــدا بجهـود الكاتب رشيـد بوجدرة كونه عاش الازدواجية اللغوية، وتمثّلها في كتاباته أكثر من غيره، رغم أنّه مـن الجيل الثاني الذين كتبوا بلغة المستعمر، فقد حظي بوجدرة بتكوين مزدوج ، ومع ذلك لم يمنعه ذلك من استثمار ذاكرته، ومخزونه التراثي من خلال توظيفه في عدد من رواياتـه، كما نلحظ ذلك في روايته التي كتبها بالعربية " معركة الزقـاق "، بحيث تكشف القراءة المتسرّعة لهذه الرواية انبثاقها من النصوص التي قيلت حول معركة خليـج الزقاق، وكذلك من نقد النصوص التاريخية التي تناولت الفتح الإسلامي للأندلس، وتمثل هذه الرواية عدولا نوعيا وبنيويا بالنسبة لأعمال الروائي رشيد بوجدرة، وهي تقدم أيضا تنويعا أكثر جـرأة بالنسبة لروايته " ألف عام وعام من الحنين " التي صدرت سنة 1977 التي تعتبر تجربـة في إعادة بناء التاريخ والغوص في أعماقــه للكشف عن المسكوت فيه[13].

ورغم أن رواية ألف عام وعام من الحنين قد كتبت باللغة الفرنسية فإنها مع ذلك مليئة بالتداخلات والتناصات، وهي تجكي عن أجواء عربية، ويحاول فيها بوجدرة الغوص في التاريخ العربي الإسلامي بكل إيجابياته وسلبياته، لا بعاطفة جوفاء، ولكن بوعي ودرايـة بالتاريخ العربي الإسلامي بنظرة نقدية متفحّصة[14] متجــاوزا بذلك النظرة الضيّقـة للازدواجية، التي تجعل ازدواج اللغة صنوا لازدواج الثقافة.

على أنّ ما يفرق لغة بوجدرة عن الجيل الذي سبقه، وما يميّز نمط الكتابة البوجدرية هو البحث عن الشكل الروائي المتجدد من خلال اللغة وداخل اللغة في حدّ ذاتها، ثم عــدم الركون للغة بعينها، ففي الوقت الذي آثـر فيه مالك حداد الصمت على الكتابـة بعد مسيرة إبداعية حافلة بروايات كتبت بلغة الآخر، نجد الكاتب رشيد بوجدرة يرفــض الصمت حلاّ للمأساة، بل نراه يتحوّل للكتابة بالعربية، ويتنبأ للرواية المكتوبة باللغة العربية بمستقبل زاهر، كما عبّر بذلك في حوار له مع البشير مفتي بمجلّة الاختلاف[15].

وهكذا فإنّ المتتبع لمسيرة بوجدرة الإبداعية سيلحظ جزء من أعماله كتـب باللغـة الفرنسية، وجزء آخر يشكل انتصارا للعربية بعد ضيم أصابها و إحساس بالتقصــير في حقّها، بل نستطيـع القول أنّ إحساسه لا يكاد يختلف عن إحساس الكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي حـين صرّح في المقدمة التي وضعها لروايته " قصة مغربية "- والتي كتبها باللغـة العربيـة بعد انقطاع طويل - قائلا " أشعر وأنا أضع هــذا الكتاب بين يدي القارئ العربي بأنني خرجت أكثر من ذي قبل من سرداب الغربة اللغوية ".

 هوامش

[1] Inscription du langage du corps à travers les béances d’une écriture «Rachida Bousta » Université de Marrakech (in) Psychanalyse et texte littéraire au Maghreb- études littéraire maghrébines n°1- sous la direction de Charles Bonn et Yves Baumstimler- éd: l’Harmattan 1991 - page 97.

[2] أمين الزاوي، جامعة وهران: "الرواية المغاربية ذات التعبير الفرنسي في التسعينات، من الحنين المفقود إلى نهوض المنسي"، مجلة التبيين، ثقافية إبداعية تصدر عن الجاحظية، عدد 9/ 1995، ص22.

[3] L’expérience de lecture par Cécile Hayez - tire du magazine littéraire n°430- avril 2004-consacré à Jacques Derrida « la philosophie en déconstruction » page 57.

[4] لعلّ سبب ومردّ هذا الاهتمام البالغ من قبل النقاد الروس بالأدب والأدباء الجزائريين في الحقبة الزمنية التي تلت الاستقلال هو التوجّه الاشتراكي والمنحى الأيديولوجي الذي كرّسه أدبهم وإبداعهم.

[5] عبد العزيز بوباكير، الأدب الجزائري في مرآة استشراقية، دار القصبة للنشر، 2002، ص5.

[6] Jean Dejeux- La littérature algérienne contemporaine- ed : P.U.F COLL. que-sais-je? Paris 1975- Page 56

[7] واسيني لعرج، اتجاهات الرواية العربية في الجزائر، بحث في الأصول التاريخية والجمالية للرواية الجزائرية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1986، ص79.

[8] تحدث الناقد المغربي حسن بحراوي عن مفهومه للغرائبية خلال مداخلته في حوار جمعه مع نخبة من النقاد و الكتاب منهم عبد الحميد عقار وبهاء الدين الطود، وذلك في لقاء ثقافي متلفز حول أدب الكاتب المغربي محمد شكري بمناسبة ذكرى تكريمه.

[9] عبد الله ركيبي، القصة الجزائرية القصيرة، الدار العربية للكتاب، ليبيا - تونس 1971، ص242.

[10] عن ترجمة لفكرة الكتاب.

Chadly Fitouri :   biculturalisme- bilinguisme et éducation- éd: Delachaux et Niestle, Paris-1983

[11] عبد الله ركيبي، القصة الجزائرية القصيرة، الدار العربية للكتاب، ليبيا- تونس 1977، ص241

[12] عبد المالك مرتاض، نهضة الأدب المعاصر في الجزائر، ص20.

[13] حسين خمري، فضاء المتخيّل، مقاربات في الرواية، منشورات الاختلاف، ط1-2002، ص 116.

[14] واسيني الأعرج، اتجاهات الرواية العربية في الجزائر، بحث في الأصول التاريخية والجمالية للرواية الجزائرية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1986، ص63.

[15] رشيد بوجدرة: " لو توقفت عن الكتابة لفضّلت حينها الموت "، أجرى الحوار بشير مفتي، وحيد بن بوعزيز، مجلة الاختلاف، عدد 1، جوان 2002، ملف خاص بالكاتب رشيد بوجدرة.