Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

1

أقدّر أن الكتابة الروائية ذات التعبير العربي في الجزائر كتابتان متمايزتان: كتابة للكتابة وكتابة لقارئ مفترض؛ فالأولى تراهن على جمالية النص لذاته والثانية على قارئ مفترض يوجه إليه نص في منظور أن يمس أكبر شريحة لا تقرأ؛ لثقل لغته الكلاسيكية أو لهزالها أو لفقدانها الصنعة.

و أزعم أن النص الروائي الجزائري ذا التعبير العربي لم ينتقل بعد من حال التأسيس إلى حال البديهة. وهو نص يشكَّل بأكثر من لغة وبأكثر من خط وبأكثر من لهجة، ويستدعي ترسانة لغوية مما هو شفهي ومما هو هجين لا يخضع لمعيارية الكتابة ويُلزم بأن يتم نقله ثم ترجمته وأخيرا إعادة بنائه.

فلماذا لا يحدث أمر كهذا، وبالحدة، إلا في الجزائر، ويصيب كتابة بالعربية تجد نفسها منذ البدء في مواجهة مع "مقدس" المخيال الجماعي المحدد بمحظورات أخلاقية ودينية وسياسية وتاريخية كلما اتجهت إلى "المساس" بها؟

وكيف يتعامل كاتب الرواية بالعربية مع الفضاء المخيالي الذي منه يستقي إنشاءه إذا كان هذا الفضاء بالزخم اللغوي المتعدد اللسان والأصوات وبالتراكم الثقافي وتنوعه؛ باعتبار الرواية فضاء أوسع لإبراز تميز المخيال عند مجتمع دون آخر، وإن كانت الإنسانية لا تختلف جذريا في منابع مخيالها؟

2

لن أدّعي لمداخلتي طرحا أكاديميا فإن ذلك من شأن المختصين المشتغلين في الحقل الأدبي الجزائري؛ لذلك جعلت منها شهادة تصدر من تجربتي في الكتابة وتتجه نحو طرح سؤال الكتابة الروائية عربيا في الجزائر.

 

3

أخوّل نفسي، إذاً، هامشا من متن الكلام لأتحدث عن الكتابة الروائية الجزائرية ذات التعبير العربي كرهان حضاري، ولكنِ المحدودة بالخصوصية اللغوية والتاريخية والجغرافية في فضاء مخيالي ذي زخم لغوي متعدد اللسان والأصوات وذي تماسّات ثقافية متشابكة.

فإن الكاتب في الجزائر تُلزمه تلك الحدود، في رهانه على كتابة الرواية، بأن يتعامل مع موروثه اللغوي الخام المشكل من لغة الأم، التي تستدعي اشتغالا على تهذيبها وإعادة بنائها نحويا لتتسق مع التركيب العربي، ومع غواية لغة اللسان الشفهي الهجين في الواقع المعيش اليومي المعبَّر به بأكثر من مرجعية لسانية، ومع محزون الحكي العربي على مستوى بناء الحكاية، التي هي أقرب إلى الشفهي منها إلى الكتابي المصنوع، ونقل الخبر (الحادثة)، ومع لغة التراث العربي بقسمه الشعري في تشكيل الصورة الذهنية (المجاز)، ومع تأثير بيان القرآن؛ ما تعلق بالجانب النظمي فيه لإعطاء النص هارمونيا الإيقاع، ثم رواية الحديث الديني نفسه بواسطة ما يعرف بالإسناد، ومع لغة القراءات؛ جميع القراءات، ومع المكتسب مما هو مدرسي وإعلامي وأخلاقي وسياسي كخطابات تعري لغتها من رسميتها وتتنازل للتحريف والتصحيف ليطال سياقاتها التبدل المفاجئ فلا تلتقطها لغة الكتابة الروائية، وصولا إلى لغة الكتابة في حدها النظمي.

أي؛ القيام بعملية نقل مضنية من مستويات لغوية متداخلة إلى مستوى لغة السرد التي هي تلك اللغات جميعُها والتي ليست في تشكّلها النهائي سوى لغة اللغة.

إن الرواية بهذا المعنى هي اللغة.

لذلك، تترسخ عندي قناعة، وهي هاجسي، بأن المشكلة الجوهرية التي تواجه الكتّاب بالعربية في الجزائر هي اللغة في تلك الأبعاد. ويثبت لديّ يقين في أن الدراسات اللسانية والدلالية والعلاماتية، إن وُجّهت نحو المتن الجزائري، اكتشفت هذا التفاعل، بين تلك المستويات اللغوية، الذي تنتجه الرواية الجزائرية بوعي غالبا، وبغيره تحت ضائقة فقر القاموس ومحدودية البدائل التعبيرية.       

فإن الزمن الذي تستغرقه كتابة الرواية في الجزائر ليس هو نفسَه، من حيث طول فترته، الزمنَ الذي يستنفده كاتب في المشرق؛ لعلنا نحن الجزائريين أشبه حالا بكتّاب الرواية في أمريكا اللاتينية في ما يعود إلى لغة الكتابة التي يتم النقل إليها لأن إشكالية الهوية التي تؤسس مرجعية الخطاب السردي مطروحة هنا كما هي هناك لعامل اللغة خاصة، ولسنا بحال مثل الكتّاب في المشرق الذين يكادون يكتبون كما يتكلمون مع الأم مع الأصدقاء، في العمل في خارجه في الحافلة في المقهى في الطائرة...ومن غير أدنى شعور بالاغتراب.

ذلك أن كتابة الرواية في الجزائر يؤرقها التوفيق بين لغة اليومي الضاغط الراكض المنزلق الزئبقي وبين اللغة الشعرية المبحوث عنها، المنقول إليها، التي وحدها تعطي الرواية شرعية النصية الروائية. وإذاً، فإن الرهان هو على إنشاء استعارة وليس على إقامة مرآة عاكسة يكفي خدش فضّتها كي يزول كل شيء.  

على أن المسافة الزمانية بين بناء النص، أي تشكيل هيكله وبين تأثيثه، أي تصْفيته من جميع نفاياته، فإنها من الاستغراق الذي يفوق كل تقدير مسبق لوضع نقطة النهاية؛ لأن النص، بعد اكتساب ملامحه الأساسية، يصير ذا إرادة هي في اعتقادي كائن زماني لا يوجّه الكاتبَ فحسْب، إلى مسارات أصبح النص يطلبها وإلا حرن أو انحرف ومن ثمة تَشوّه، ولكن يحتل ذات الكاتب ويتحرك فيها بالوجع حينا وبالنشوة حينا ولكن بالقلق الدائم إلى لحظة استكمال وجوده، كما يريد هو، على بياض الورقة أو صفحة الحاسوب.

فالنص الروائي في الجزائر حين خروجه، وهذه مفارقة الخصوصية الجزائرية، يروح يبحث عن قارئ ليس منسجما تماما مع لسانه ولا هو في اتصال سُرّي مع مكونات ذاكرته الجماعية ذات المرجعية الأمازيغية العربية الإسلامية الموسومة بتلك الخصوصية في ما له صلة بالمخيال الذي يتكون في جانبه الأساسي من مرجع ديني وخرافي وتاريخي غير موصّف أو مسند، وسياسي ضبابي وتشريعي لا يسري في الواقع في غياب أفق فلسفي لوجود وطن دائم البحث عن صيغة سحرية تجعل من يعيشون فيه يشعرون يوما أنهم منتمون إليه ذاكرةً وحقيقةً، قارئ متعدد اللسان لنص بلسان تخجله غربته إنْ بهذه اللغة أو بتلك.

فعند أي محطة أنتظر من قارئي المتوقع فك الشيفرات التي تشتغل بها ذاكرتي في إنشاء نصي؟

لعل ظاهرة "الراي" تجاوزت كونها غنائية، تعبيرا عن التمرد والتغريب، إلى كونها لغوية (اتصالية)، أدت عملا تخريبيا منتظما للجهاز اللغوي العربي الشفهي والمكتوب، واستولت بذلك على مساحة من حقل استعمالات لغوية ذات صلة بالحوار في الكتابة وفي الوصف أيضا. وتعمل ظاهرة "الراب" الأشد عنفا من "الراي" على إيجاد لسان بديل تماما للمسميات وللتعبير عن الأحاسيس وبناء نظام للتخاطب يُشعر الشخص الغريب عن "المحيط" بأنه مقصى تماما من سياقاته، كما أن عالم الأعمال الأسود والصفقات المظللة وبيئات التهريب وجميع النشاطات الموازية واكتساح لغة الصورة ولغة الإنترنيت، ضيق كل منها مجال استعمال لغة الكتابة العادية.

إن الكتابة الروائية بالعربية في الجزائر تشهد هروبا محموما مما له صلة بالواقع المتحول بسرعة تدوس كل معيارية، وتحاول أن تتمسك بما هو ثابت: التاريخ؛ لأنه منجز. كأن الرواية لا تملك الكفاءة اللغوية والاستعارية التي بها تُثبّت موضوعا ما، كما تفعل الصورة، لتشتغل عليه دون أن تحس أنه يفلت منها كلما رسمت منه ظلا.

فإني لست متأكدا تماما من أن طلبة الثانويات والجامعات تغريهم اللغة التي نكتب بها نصوصنا. أذلك يستدعي ضرورة البحث عن لغة كتابة أخرى، أم أن عملا ما في مستويات معينة في النظام التعليمي والجامعي لا بد أن يتم لتكريس ما هو أدبي في معناه الحضاري وصولا إلى الفصل بين حياة الشارع وبين ما يتطلبه الذوق البشري؟

هناك إغراء حقيقي يترصد كتابتنا: أن تنزل إلى مستوى الصعلكة، أمام حالٍ قريبة من الانسداد في جزائر مؤرقة بمحمولها التراثي المتعدد؛ نظرا إلى أن سياقات بكاملها صارت غير مستساغة في غير منطوقاتها الشفهية. فتراجع لذلك، أمام الكتابة، مجال مهم من الصور ومن المجازات ومن التراكيب التي إما أن تنقلها كما هي، وحينها تقع في الرخيص، وإما أن تتخلى عنها وإذاً فهي مضطرة إلى البحث عن سياقات وسطية، وتلك هي المغامرة، بحثا عن نص ذي أبعاد اجتماعية ونفسية وثقافية ووجودية مشكّل مما هو شفهي ومما هو هجين لا يخضع لمعيارية الكتابة ويُلزم بأن يتم نقله ثم ترجمته وأخيرا إعادة بنائه كيما يمس شريحة كبرى لا تقرأ؛ لثقل لغة الكتابة أو لهزالها أو لفقدانها الصنعة.

أقدر أن النص الروائي الجزائري برغم ما بذل في سبيل نقله من حال التأسيس إلى الحال البديهية، يعرف تغرّبا مؤلما بفعل انحسار انتشاره أفقيا وعموديا (الجزائر وخارجها)؛ نظرا إلى انسحاب صامت من معركة حل المعضلة اللغوية بواسطة الكتابة وحدها.

فهو نص تُربكه تسمية الأشياء المتداولة في الواقع وفي الحياة وفي المعاملات والتعاملات بغير اللغة العربية التي يستعملها الفرد في محيطه نظرا لاقتصادها حتى لتبدو تلك المسميات، بأصلها العربي أو منقولة إليه أو موضوعة وضعا، في السياقات السردية، غريبة لكونها لا تنسجم مع الذوق السائد الذي ينتج مسمياته المختلفة للأشياء غير مبالٍ بأي معيار أو سلّم قيمي؛ فلا يبقى، إذاً، أمام كتابة الرواية سوى خيار الاقتراب من الشعري.

فالنص الروائي الجزائري الجديد ذي التعبير العربي يكاد يتعيّش على محاكاة النص الغربي خاصة؛ نظرا إلى العامل التاريخي الذي جعل من السرد الروائي الجديد يتأخر إلى سبعينيات القرن العشرين، لافتقاره إلى تراكم النصوص العربية ذات التجريب المؤسس. وهو نص في تأثره أقرب إلى الأوروبي (الشرقي سابقا) منه بالعربي، وهذه مفارقة، وإلى الموروث ذي التعبير الفرنسي في الجزائر خاصة: محمد ذيب وكاتب ياسين اللذين تجاذبتهما التجربتان الفرنسية والأمريكية.    

ويتكرس رشيد بوجدرة كقيمة روائية أكثر حضورا وتأثيرا، من بين كتاب جيله جميعا، يمكن موْضعتها بين تجربتي ديب وياسين، ليس في كرونولوجيا الرواية ذات التعبير الفرنسي، ولكن من حيث القطيعة التي أحدثها مع الأول على مستوى التيمة والتكنيك ومع الثاني على مستوى الجمالية؛ خاصة جمالية الجسد في بعده الإيلامي؛ لأن بوجدرة ظل موسوم الذاكرة بألم أمه الذي صار ألَمَه هو من وعي شرطه تجاه أبيه: تلك السطوة القاهرة المخصية.

إن بؤرة فعل الكتابة عند بوجدرة هي الجسد: نصه جسد على درجة من التعقّد والتوتر شبيهة بجسده الفيزيقي المتكوم على ذات معذَّبة هي محصلة الكتابة؛ كأن الكتابة هي التي تشكل جسمه الذي لو شُرّح لظهرت أنسجتُه كلمات، وككيان مشروخ مخصّب بما تبثه ذاكرة تعج بأنواع الرفض كلها لِما هو سلطة، منذ أحس جسد أمه فرآه جرحا نازفا؛ بل إن هذه الذاكرة نفسها، كفضاء كلي لتجربة الكتابة عنده تصير هاجسا مؤرقا لا يتم تسكينه إلا بنص كلما أنهي بدا غير مكتمل فلزمت معاودة التجربة.

لذلك، أجدني في توافق مع رشيد حين يعتبر أن الروائي يكتب طيلة تجربته نصا واحدا يفرّع عليه؛ ما دامت بؤرة الكتابة واحدة عند كل كاتب، كما أجد ما يقربني إليه، أكثر من قربي إلى أي كاتب آخر بالعربية، بصرف النظر عن نوع تعبيرينا، هو هاجس الاشتغال على اللغة قاموسا وتركيبا وصورة لتوليد اللذة الشعرية، إضافة إلى هوس البناء الذي يعد أهم خاصية في أعماله الروائية.           

وفي ما له صلة بتأثير بوجدرة في الكتابة السبعينية ذات التعبير العربي فإن الأمر ينحدّ بالجانب الصدامي مع المحظور ومع السلطات (أخلاقا ودينا وتاريخا وسياسة..) التي تميزت بها نصوصه؛ لأن اهتداء كتاب الرواية الجزائرية ذات التعبير العربي، المكرسين منهم خاصة، إلى الجوانب التقنية الحداثية في الكتابة يعود إلى قراءاتهم؛ فإنهم يكادون يكونون جميعا مزدوجي التعبير. وإن كان بعض كتاب الرواية حاولوا محاكاته فإنهم فشلوا تماما، لأن نصوصه مبصومة بتوافق ثابت مع مشروعه الروائي المؤسس على فلسفة: كل ما سبق وجب تفكيكه ببناء مختلف مستفز إلى حد الاستنزاف.

ولكن يمكن الحديث عن ذلك التأثير على النص ذي التعبير الفرنسي، وهو شأن أكاديمي.

أمام المعاينات، أعلاه، أجدني متشظيّ الإحساس لوعيي أن الكتابة بالعربية في الجزائر إما أن تكون مختلفة متميزة مخلخلة فتكرس نفسها كبديهة إبداعية وإما أن ترضى بما هو مكرور ومبتذل ومستسهل ورتيب وهامشي فتواجه الزوال.