Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

سؤال الكتابة- سؤال الحداثة

تتنوع وتتعدد مختلف القضايا والإشكالات التي تطرحها التجربة الإبداعية عند رشيد بوجدرة –بحسب المقتضيات النظرية والتعبيرية التي تخص سؤال الكتابة الحداثية، وهذا ما يجعل دوما أسئلة الرواية متجددة باستمرار، لتبقى إسهاما معرفيا وفكريا مخصبا للذات المبدعة.

والظاهرة تبعا لهذا المعنى، تجعل الحديث عن هاجس الحداثة عند بوجدرة يظل شديد الارتباط بالمنحى العام للإسهام المعرفي والفكري لما نسميه سؤال الكتابة الحداثية، فالحداثة مصطلحا هي عين الذاتية، أي ما تتميز به كينونة الذات عن غيرها من الذوات، على أنها ليست كينونة –كما يوهم مصطلحها- بل هي على تميزها الذاتي مفتوحة على الذوات الأخرى من حولها من ناحية، ومتناهية مع حركة الزمن ومتغيرات التاريخ من ناحية أخرى. أي أنها صيرورة أكثر منها كينونة، ولهذا فبرغم وحدتها وتميزها الذاتي، فهي متشابكة متفاعلة مع غيرها من الذوات، وتنمو وتتطور داخل وحدتها الداخلية[1]، وبالتالي فتجربة بوجدرة الإبداعية هي تميزها الإبداعي في ذاتها إزاء بقية الإبداعات الروائية في الجزائر، دون أن يعني هذا الحيلولة دون التشابك أخذا وعطاء معها، ومن ثم، فهي تثير تساؤلات جوهريا حول أمرين: تميزها الإبداعي أي خصوصية نابعة من ذات الروائي نفسه، ومميزاتها المحايثة في العمل الروائي.

إن الحديث عن تجربة بوجدرة يظل شديد الارتباط بالمنحى العام للإسهام المعرفي والفلسفي لما نسميه بسؤال الكتابة التخييلية، بتعبير آخر، أن بحث مظاهر هذا الهاجس المركزي ينبغي التفكير في قضاياه وظواهره خارج الأحكام المسبقة، لأن كل سؤال نقدي مطالب في التحليل الأخير بتحديد تجليات الحداثة -خصوصية التجربة الحداثية- بالنظر إلى سؤال حداثة الكتابة: ماذا نبتغي من منطلقات الحداثة؟ وماذا نتوخى من مظاهرها وتجلياتها؟ بتعبير آخر، أن تحليل تجربة بوجدرة، لا يقف عند الحدود الدالة على اعتبار سؤال الحداثة ذا إحالة تقنية بحتة، لأن كل خصوصية حداثية في هذه الحالة محكوم عليها أن تكون نسبية، بل أنه اعتبار يدرج سؤال الحداثة ضمن مقولات التخييل والنص والمرجع وغيرها من المقولات المتصلة أساسا بتصور العالم الإبداعي وفهمنا الخاص لهذا التصور[2] ولعلّ أي تقدير لتحديد تلك الحداثة، سيظل تصورات مجردة وعامة ما لم يقارب إنجازاته الإبداعية وتحققاتها النصية. يقودنا هذا التحديد الموضوعي إلى القول بأنه من الممكن فهم مركزية الحداثة عند بوجدرة انطلاقا من رؤيته للعالم.

السياق المرجعي للرؤية الإبداعية

ما السياق المرجعي للرؤية الحداثية عند بوجدرة؟ بمعنى آخر، ما الخلفية الاجتماعية والإيديولوجية والمعرفية التي تحكمت بصياغتها؟ يثير هذا التساءل، سؤال الوعي الذي شكل رؤيته للعالم. وهو كأي وعي محكوم بالسياق المعرفي الذي نهض فيه، إذا تواجهنا إشكالية حداثته في حقل كتابته الروائية بأسئلتها وانخراطها في مشكلات أولية من قبيل اللغة –الدين- الجنس- السياسة- الهوية- الأصالة المعاصرة- التاريخ- الأنا و الآخر. وبذلك فإشكالية الحداثة عند بوجدرة لا تجد إطارها الموضوعي إلا في إطار وضع رؤيته للعالم «كطرف مواز للثقافة العربية بأصولها الدينية والإلهية موضع تساؤل أو شك أو رفض»[3]، وهنا ينبغي التمييز بين العناصر الثقافية –الدينية- التي شكلت المجتمع الجزائري تاريخيا، وبين العناصر التي أوجدتها رؤيته لتأسيس مشروعه الحداثي –المجتمع الروائي- من موقع إنتاج حقل معرفي، إبيستيمولوجي يؤسس لعين ذاتية الحداثة دون إخفاء أهمية العلاقة الجدلية بين الأنا والآخر في تشكيل حداثته، لأنها لن توجد إلا عبر الانفتاح على الآخر، والوعي بصيرورة الزمن والحركية التاريخية التي انتجت خصوصية ذاتيته الحداثية وحداثة الذاتية.

إن مشروعية المساءلة والبحث عن تأسيس الرؤية للعالم عند الروائي بوجدرة في ضوء المعطى الإبيستيمولوجي –يحيل إلى أن الثقافة السائدة في المجتمع الجزائري بوصفها قيما وقواعد وسلوك، تشكل نظاما مغلقا لقيم ثقافية دينية أحاطت المجتمع الجزائري بسياج دوغمائي –لا يرى العالم، إلا من زاوية الحفاظ على التراث، بالاستجابة الميكانيكية لإنجازات العصور السابقة وبالتالي، فإن فشل هذه الرؤية الثقافية السائدة يعني له «تطوير هذه الأشكال في ذاكرة البشرية –المجتمع الجزائري- لإعادة إنتاجها (…) فالإنسان بوصفه هدفا وغاية في ذاته للتقدم الاجتماعي يفترض ليس فقط تشكيل الجوهر الإنساني في كل فرد خلال تمثل تجارب الأجيال السابقة، كما تتمثل في الأشكال المدونة من الثقافة، وإنما يفترض أيضا التطوير الخلاق لأشكال جديدة من الوجود، بل يفترض تطوير الإنسان نفسه»[4].

في ضوء هذا المعطى، فإن الحداثة تشكل إطارا فكريا وفلسفيا، تتحدد في مواجهة الوجود بما هو سؤال في التاريخ وحركيته بأسئلتها الحارقة، أي مساءلة الهوية الثقافية للإنسان الجزائري في ضوء مكونات ثقافته الحداثية لكونه إنسانا ينتسب إلى منظومة بلدان البحر المتوسط –متعدد الأعراق- واللغات، وتراهن في الوقت ذاته على مستوى ثقافة انثروبولوجية خصبة وعميقة، ثقافة شعبية تشكل اللاشعور الجمعي للمرجعيات التي تعيش في هذا الوطن[5].

إن طبيعة التجربة الحداثية عند رشيد بوجدرة، بين عملية التصوير والمرجع، وبين سؤال التخييل ومعطيات الواقع، يحيل إلى أن الكاتب مؤمن بحكمة اللايقين روحا للرواية و مجالا لقلق السؤال أو التساؤل والشك والافتراض، ومحاولة الفهم والتحليل والتفكيك قبل أي حكم ومواجهة تعقيد عالم الحياة والتباس الوجود بسؤال الفني- سؤال الرواية[6]، وبالتالي فإن تصور بعض السياقات الثقافية والفكرية لإمكانات اشتغال الحداثة في التجربة الروائية عند بوجدرة –تعني أن الحداثة –عنده- تصبح مكونا روائيا قادرا على التشخيص والاستنطاق، إلا أن الحداثة عند بوجدرة تعني أن فهم هذا الاشتغال من زاوية سؤال الكتابة يظل نظريا ممكنا إلا أنه عند التطبيق يواجه العديد من الأسئلة الموازية التي تفرضها تصورات النص على مستوى إمكان إقامة تمييز بين النص الحداثي وغير الحداثي. فكيف تتجلى إذن الحداثة بوصفها هاجسا مركزيا في رواية ليليات امرأة آرق؟

حداثة الأنوثة وأنوثة الحداثة/ من الهامش إلى المركزي

تسلط رواية –ليليات امرأة آرق -الضوء على موضوع- المرأة- الأنوثة المتجسدة في شخصية الطبيبة عديمة الاسم أو اللقب- وهي إذا تلملم حكايتها حول موضوع ثورة الأنوثة انطلاقا من المراهنة على أدوار شخصيتها وموقعها –بالدرجة الأولى- سواء من خلال طبيعتها وتكوينها السيكولوجي أو من خلال وضعها الاجتماعي أو المهني المفضي إلى تبلور –الإيديولوجي في النص- فلأن هذا المستوى الأخير هو الذي يتحكم في تحديد طبيعة منظور الشخصية –الطبيبة- هكذا إذن، تشكل شخصية المرأة- الطبيبة- كما يؤشر عنوان الرواية بؤرة لتنامي الأحداث في النص بالنظر إلى طبيعة علاقاتها المتعددة بشخوص تظهر وتختفي، لكي تعاود الظهور مرة أخرى –ولو على مستوى الاسترجاع- ومن جهة أخرى توجد بعض الشخصيات –في مستوى آخر –وإن كانت- هي أيضا- تعرف بعض التمايز فيما بينها على مستوى الحضور الكمي والوظيفي في النص. انطلاقا من مجموع هذه الأصوات تغدو الرواية عبارة عن بؤرة لتفجير مجموعة من الخطابات واللغات وهو البعد الذي استطاع الروائي تلغيمه بوقائع تخييلية يحينها -الكاتب- لأجل خدمة الأبعاد المرجعية والمضمرة في النص، انطلاقا من رؤية جديدة لواقع المرأة.

«فبنية الرواية لا ينشأ من فراغ، وإنما هي ثمرة للبنية الواقعية السائدة اجتماعية والحياتية والثقافية على السواء، وهي ثمرة بلغة التخييل لا بلغة الاستنساخ والانعكاس المباشر، أي هي تعبير إبداعي صادر عن موقع وموقف وممارسة وخبرة حيّة وثقافية في قلب هذه البنية الواقعية، ولهذا فهي إضافة متخيلة إلى هذا الواقع تعبر عنه، وتنفعل به وتجاوزه في آن»[7]. لذلك فالصيغة التي طرح بها الروائي المرأة المثقفة –الطبيبة- يحيل إلى أن ثقافة المرأة فعل تنويري، وهو المخرج المحدد لتثوير عملية تحررها من وضع الذكورة بوصفها سلطة. والكاتب إذا يجعل من ثقافة المرأة فعلا تنويريا –تثويريا-فهو يقدم –أي فعل التنوير- كلحظة تقبل فيها المرأة على استعمال وعيها الخاص دون الرضوخ إلى أي نفوذ كان. لذلك يكون نفوذها في هذه اللحظة بالذات ضروريا، ما دام دورها ينحصر في تحديد الشروط التي يكون فيها استعمال الوعي أمرا مشروعا لأجل تحديد ما يمكن معرفته، وما يجب فعله.

إن تفاعلا بين حرية المرأة والواقع من أجل تغيير ملامحه، وهذا التشكيل المرتفع للذات الواعية المتنورة، -كل ذلك- لا يتصور بوجدرة حدوثه على مستوى المجتمع أو الجهاز السياسي  –بل لا يمكن تحقيقه إلا في مجال آخر، هو ما يمكن تسميته بثورة الوعي ووعي الثورة، وبالتالي أليس بالإمكان تصور حداثة المرأة  –الطبيبة- بالموقف، بدل تصورها بالمرحلة التاريخية لما بعد الاستقلال وإفرازاتها المختلفة والمتناقضة؟ أليس الموقف بيان الظاهرة الأنثوية التي قامت على تأكيد وعيها ودعم استقلالها وإرادتها إلى مستوى يكون فيه –الوعي- مرجع سلوكها والقاعدة المعيارية لممارساتها الاجتماعية بإزاحة أنماط الشرعية الذكورية المتعالية وحقها المقدس في أشكال الوصاية التي انتجها خطابها الدوغمائي؟

«إن الموقف من المرأة يحدد الموقف من الإنسان ومن المجتمع ومن الوجود بأسره».[8] تضعنا هذه المقولة أمام نسق كامل ومتكامل ومنسجم، مبني على أسس ليس من السهل النيل منها أو تجاوزها، إنها طريقة في تنظيم المناطق الحياتية من جهة نظر حداثية، إن الأمر يتعلق بنسق سميائي يلخص تاريخيا طويلا في الممارسة الحياتية، وهو في الوقت نفسه نسق يشتمل على صيغة تنظيمية للفعل الاجتماعي من حيث مقبوليته ومن حيث مرفوضيته، إن هذه الصيغة تتحدد من حيث المبدأ انطلاقا من تقسيم ثنائي للفعل –فعل الأنوثة.

فعل الأنوثة: مرفوض –> حرام

فعل الذكورة: مقبولة -> حلال

وبما أن كل نسق يحتوي على مجالات للتطبيق والممارسة، فإن إمكانية الخرق التي يفرضها طرف على الآخر –تحدد نظرته إلى العالم[9] من هنا تبني الأنوثة –الطبيبة- الذات المركزية –الأنا- معبرة عن الحداثى، أما الآخر –الذكورة- التي لا تدخل ضمن هذا الكل الثقافي فإنها تقع ضمن خانة ما يجب أن يرفض وأن يحارب. وتبعا لذلك، تدخل ضمن دائرة المضامين التي ستعمل الحركة السردية –خطاب الأنوثة- على تغييره.

إن التمييز بين خطاب الذكورة بوصفه خطابا أوليا –خطاب آدم- بحمل أشكال القيم الموجودة خارج أي سياق تاريخي ينتج قيمه، وبين خطاب الأنوثة لكونه خطابا تبعيا يتصل بالحلقة المركزية الذكورية المحققة لسلم القيم المجتمعية، لا يعني أننا أمام انتقال بسيط وأحادي الاتجاه، والذي يؤدي دوما إلى تصور ممارسة ذكورية واحدة ووحيدة.

إن الخطاب الأنثوي –خطاب حواء- المسكوت عنه تاريخيا، أخذ يتسلل إلى مستويات الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وإلى كل الأجهزة المشكلة لكيان المجتمع الجزائري. ومن ثم، فإن تقصي خطاب المرأة –الطبيبة- سيفضي بنا إلى تشكيل وإعادة تشكيل الذكورة عبر صيرورة العناصر المنتجة لفكرها من خلال خطاب الشخصية، الخطاب السلوكي، الخطاب اللغوي، الخطاب الخاص بالكينونة.

ترتسم ملامح شخصية الطبيبة في الرواية مفتتة من الداخل، موسومة بلعنة البحث عن الذات وأصل الأشياء لتضيف إلى عصرها ثقافة العصر، وتؤسس فكرا تنويريا وتجلي منظورا من أعماق رحم الواقع الجزائري المعاصر، دون أن تشك لحظة في إيمانها «كيف القضاء على هذا التخلف الذي ينخر العقليات»[10]، ففي هذه المعادلة وفي الصلة بأطرافها تشكلت دائرة كيانها، وارتسمت تخوم فعاليتها –فعالية الخطاب الأنثوي- الذي لا يملك إلا قراءة الذكورة في صلتها بالمنظومة المرجعية المعرفية -الدين- التي تنتهل منها مصادر فكرها، أو التي تقيم معها علاقة فكرية –الفقه- الفقيه- إضافة إلى علاقتها بالحقل الاجتماعي للذي يحدد طبيعة العلاقة بين الجنسين.

ومن خلال هذا المعطى –يبدو أن خطاب المرأة- الطبيبة- «يكثف داخله مجموع الاستيهامات التي ولدتها ذكورة قدمت –ولا زالت تقدم نفسها- على أنها منبع التاريخ ومنتهاه، فكل شيء يمر عبر وعي مركزي يشتغل كمصفاة ثقافية تتحكم في كل المعطيات التي ستوصَف في النص وتحدد آفاقها (…) إن الوعي المعرفي الكلي الذي يتحكم في النص ينساب من عين ذكورية تقيس الأشياء والأوضاع انطلاقا من قوانين عالمها الخاص»[11].

لذلك يقدم الروائي شخصية الطبيبة، والإيديولوجيا النموذج، للمرأة الباحثة عن تحررها وتحرر نوعها، و عليه فأزمتها، هي فكرتها عن ذاتها كامرأة في مجتمع متخلف، وطموحها للتجاوز والتحرر ضمن شروط تكبلها وتحاصرها، وحتى في بحثها عن العواطف لدى الرجل، نجدها لا تبحث عن الدفء والصدق والحرارة، بل عن الرجل المثال المتسق إيديولوجيا، أي الرجل القادر على تحقيق المصالحة مع ذاته، بين ممارساته وقناعاته من جهة، وقناعاته مع المرأة بالتحديد من جهة أخرى.

لذلك كله، نجد أن رواية –ليليات امرأة آرق- لم تهتم ببناء أزمنة الحكاية بقدر اهتمامها أكثر ببناء الزمن النفسي والوجودي للشخصية، إلى جانب اهتمامها بتركيب الشخصية على المستوى النفسي والاستيهامي والذهني، بتعبير آخر، أن الرواية تتوخى من جهتها قراءة المجتمع الجزائري، وتفكيكا لبنية الذكورة النفسية والفكرية ومساءلة وتأويل مجموعة من محطات تاريخها الثقافي والاجتماعي من موقع الجدل والرفض، إلى جانب رصدها لتحول الذوات والقيم وانشطارها داخل المجتمع «فالذوات لا تكتسب حضورها وقيمها وهويتها وتأثيرها، إلا من خلال التصاقها بأمكنة متحولة وبأزمنة لا تتكرر»[12].

الأنوثة ومسار التحولات: العقلانية-التحرر:

إن مسار تحولات الأنوثة سيفضي إلى تشكيل وإعادة تشكيل الأنا المؤدلجة عبر العناصر المنتجة لها، وبالتالي فالعلاقة الرابطة بين فلسفة العقلانية وفعل التحرر هو تصور لحركية الزمن في الوعي الأنثوي بوصفه «الدعاء الذي تحين داخله القيم وتتغير وتتطور وتولد وتنمو، وهذا التحول في العلاقات بين المفاهيم والمنظور لا يمكن له أن ينجز إلا وفق ما يحدده الجهاز الإيديولوجي الذي يعاد داخله[13]. النظر في المقولات السابقة والجاهزة.

ومن ثم، فالمنظومة الفكرية التي تدعو إليها –الطبيبة- وتناضل من أجلها وتعمل على إبرازها من خلال سلوكها، ليست سوى تعبير عن بناء فكري –عقلاني- وجد نفسه في موقع تصادم مع حقل ذكوري دوغمائي.

لذلك يتجلى الجنس والدين كمفصلين رئيسيين من مفاصل شخصية المرأة المثقفة. إن الجنس يعادل هنا الموت قدر ما يعادل الحياة، وبقدر ما يسعى الكاتب كي يجعل له معاني ثورية، فإنه لا يتجلى إلا في حالات مرضية نموذجية فرويديا.

أما عن الدين فقد راهن البديل الروائي على أن يكون تحديث المفاهيم الدينية هو أول خطوة نحو التغيير الثوري، وبالإمكان تجسيد ذلك من خلال السياقات التالية: «كان كل يوم جمعة يزور قبر أبي، يقضي أمام القبر الساعات الطوال، أما خطاي فما وطأت الجبانة قط. أنا رفضت وطأها. ولطالما غضب أخي. ولم يفهم لماذا؟»[14]

«مازالت الجماهير تفتقر إلى الدين الذي هو وسيلة وقائية تقيها من الآفات الطبيعية والمشاكل الدنيوية»[15]

«قال لي أحد الزملاء أنه عيب على امرأة أن تدخن، مضيفا أنّ السيجارة مفقدة للمرأة أنوثتها، يا للثرثار! ويشعل هو السيجارة تلو الأخرى، لم أجبه قط (…) لم أقل له أنّ السيجارة التي يضغط عليها بنو أصابعه ويمتصها بين شفتيه امتصاصا إنما تقوم مقام القضيب، وإن دلّ ذلك على شيء فعلى نزعة تخنثية عند الرجال قاطبة، إذن أنا لا أدخن خارج البيت، حرام أن تدخن المرأة»[16]

«لقد استقللت في المساء حافلة مكتظة بالخلق، حاول شخص قرص إليتي فتجاهلته. قلت في نفسي ها نحن في صلب الموضوع. الهوس الجنسي. وأعرف أنه ناجم عن الحرمان»[17]

إنّ وعي الشخصية يعيد قراءة البنية الفكرية –الدينية- والنفسية للذكورة قراءة جديدة بنوع من الهدم والتدمير، وذلك باعتباره يمثل رؤية إشكالية متأزمة وحتى تكتسب هذه الأنا الفردية بعدا رؤيويا ينقذها من أن تكون مجرد حالة فردية خاصة، ويحولها إلى تلخيص لضمير الأنوثة –هنّ- أو بالأحرى للجانب الحساس المرهف في الموقف الجمعي الأنثوي، فإنّ وعيها لا يستطيع –من جراء سلطة الذكورة- أن يحيا من غير أن يحطم الحواجز التي يقيمها الفكر الديني، والكبت الجنسي. وهي حواجز لا تقل في أي من جوانبها رهبة من الموت الذي يطال المرأة في حركتها الإنسانية والتاريخية.

 

   يتحدد في هذه الهيكلة الفعل الروائي بوصفه فعلا لتملّك الذات –الأنا- والذي تقرأ في ضوئه الطبيبة تاريخ الأنوثة، أما ثقافتها بوصفها حضورا في التاريخ الحديث والمعاصر، فهي تملك لعقلانيتها ووعيها التحرري، وبالتالي فمعارضة الفكر الديني والفكر الجنسي ولكل تجاوز يتهدد مبدأها المستقبلي –الاستشرافي- إنما هو في الواقع تكريس لموتها الفكري والفلسفي ولحركتها التقويضية التي لا تكل.

ومن ثم تبرز للعيان العلاقة الوثيقة التي تربط بين تكسير ما تواطأت عليه الذكورة العربية -الجزائرية- في غيابها التاريخي، وبين عملية انتهاكه التي يناط بها تفجير وعي المرأة. كما تتضح العلاقة الجدلية التي تنشأ بين قانون الرجولة وبين عملية خرقه، أي هذه الثنائية التي تعدّ بمثابة حجر الأساس الذي قامت عليه فلسفة الوصاية –وصاية الذكورة بقاعدتيها الفكر الديني والفكر الجنسي- ومرد ذلك عند بوجدرة أنّ الفكر الديني والكبت الجنسي لم يكفا في المجتمع الجزائري عن البروز في أعتى وأعنف مظاهرها -وهو الأمر الذي شكل عبر تاريخ المجتمع الجزائري انسدادا أمام القوى الإنتاجية للمرأة- وعيها –عقلانيتها-حركيتها التاريخية.

إنّ ثقافة لموت –موت المرأة في المتخيل الذكوري- تشكل –من حيث لا تدري- انفتاحا على استمرارية الوجود الكلي للجانب الآخر من الحياة، فهي وإن كانت نفيا وإقصاء لها على مستوى المنظومة الفكرية الذكورية –وما تواضعه من مفاهيم ومقاييس ومعايير- تعد بمثابة تأكيد لها ودعم لقواها على المدى الاستشرافي «ذلك أنّ الموت هو الذي ينظم الحياة، وهو الذي يضع لتجاوزاتها وزخم فيضها الضوابط والحدود»[18]. لذلك يطرح بوجدرة ثنائية الدين –الجنس على محك القراءة الأنوثية الجديدة وتجاوزها لمفاهيم الذكورة وذلك حماية للحياة من التبديد والضياع.

وهذا ما يدفع إلى قراءة للرواية تضمر الهيكلية التالية:

الحلال           المتخيل الأنثوي           الحداثة                   العقلانية

 الحرام        المتخيل الذكوري             الفكر الدوغمائي            اللاعقلانية         

إنّ إعادة النظر في المنظومة الفكرية الذكورية هو تعرية الذكورة، فانتهاك قانونها التاريخي أو التعدي على حدوده «ليس مجرد تفريغ لشحنة زائدة من الانفعالات –الأنثوية- ولا مجرد تخلص من توتر الدفعات الغريزية بطريقة تلقائية، إذ أنه على النقيض من ذلك، يتطلب بعضا من الثقافة والتنظيم، ويفترض ضروبا من القواعد والمعقولية»[19]. ومن ثم نفهم كيف تبلغ الرغبة بالشخصية –الطبيبة- في حدتها وعنفها إلى الدرجة التي تكتسح فيه كل مفهوم لحواجز وحدود الوعي الزائف، وكيف تجعل من فلسفة الأنوثة التي تتجسد فيها مثال التجاوز وانتهاك محرمات بنية العقل الذكوري، وذلك إلى الحد الذي لا تقبل فيه الشخصية بأي لون من ألوان المساومة، طالما أنّ ما تكيله لها الذكورة من صنوف الهوان يحقق لها كل ما تطمح إليه من تمجيد ذاتها وتأكيد وحدتها –خصوصيتها- واستعلائها على كل عرف أو قانون صيغ في غيابها التاريخي، وبالتالي فالشخصية التي لا تقيم وزنا إلا لعقلانيتها، يكتسب مفهومها للحرام في صورته العامة من حيث هو فرق وانتهاك للفكر الديني –الدوغمائي- والفكر الجنسوي، قيمته الحداثية في قدرته اللامتناهية على التحول من قوة انتهاك لرؤية العالم الذكروية إلى قوة ثورية تفتق وعيها وتلهب خيالها  وتحرر مستقبلها، ذلك أنّ عقلانيتها ليس أمرا معطى منذ البدء، بل هو لعملية صراع، وهذا يعني أنّ منظور الشخصية الروائية يؤسس لاستراتيجية ثقافية توصف بأنها «ليست كتلة جامدة ولا ماهية ثابتة، ولا عقلية متحجرة، وإنما علاقة توتر مستمرة، وثمرة هذا التوتر الدائم بين الوعي والواقع، والذات والموضوع، والحاضر والمستقبل، والحلم والإمكان»[20]. وهي بذلك تعيد النظر في بنية الثقافة العربية وتؤسس رؤية للعالم لا تفهم فيها الثقافة إلا بوصفها مظهرا للوعي الذي يستوعب المرأة.

ومن خلال هذه العلاقة –أو المعادلة- الاجتماعية الجديدة بين الرجل والمرأة بين وعييهما والوجود، وبين الذات والموضوع، يولد واقع جديد، أو بنية موضوعية –جديدة- تؤثر في الوقت ذاته في طريقة الفكر وفي طريقة عمل الوعي –عند الرجل والمرأة- كذات فاعلة.

إنّ هذه النظرة المتجذرة في التجربة الإنسانية، والحاملة لموقف جديد من المرأة والرجل –الجديد- والتي تراهن على العقل –العقلانية- والحرية الفردية لا يمكن إلا أن تكون حداثية.

 هوامش

[1] محمود أمين العالم: هل هناك خصوصية للرواية العربية؟ فصول. مج16. ع3. 1997. ص10.

[2] عبد الفتاح الجحري: هل لدينا رواية تاريخية. فصول المجلد 16، ع3. 1997. ص60.

[3]  أدونيس: زمن الشعر ومشكلات التجديد. دار العودة. بيروت. ط1. 1972. ص47.

[4] فؤاد مرسي: علاقة الهوية والتراث بالتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية في العالم العربي. قضايا فكرية. الكتاب 2. 1986. ص186.

[5] محمد منصور: خرائط التجريب الروائي. ط1. 1999. ص53-55.

[6] المرجع نفسه.

[7] محمود أمين العالم: الرواية بين زمنيتها وزمنها. فصول المجلد 12. ع1. ربيع 1993. ص13.

[8] جورج طرابيشي: سقوط التصور الجنسوي للتاريخ. دراسات عربية. ع8. 1979. ص157.

[9] سعيد بنكراد: النص السردي (نحو سيميائيات للإيديولوجيا. دار الأمان. ط1. 1996. الرباط. ص60.

[10] رشيد بوجدرة: ليليات امرأة آرق. م.و.ك. الجزائر. 1985. ص50.

[11] سعيد بنكراد: النص السردي. ص62.

[12]  عبد الرحيم العلام: الفوضى الممكنة (دراسات في السرد العربي الحديث. دار الثقافة. ط1. 2001. الرباط. ص105.

[13] سعيد بنكراد: النص السردي، ص62.

[14] رشيد بوجدرة: ليليات امرأة آرق. ص12.

[15] المصدر السابق: ص29.

[16] المصدر نفسه: ص8.

[17] المصدر نفسه: ص87.

[18] محمد علي الكردي: جدلية التحريم والعنف عند جورج بطاي، فصول، ع/59، شتاء 2002، ص50.

[19]  المرجع نفسه: ص59.

[20] برهان غليون: اغتيال العقل. سلسلة صاد. موفر للنشر. 1990. ص86.