Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

" إن الفكر الفلسفي، و بعدما انتقد أساطير الأولين على أنها أوهام، غدا يحكي أساطير جديدة،

أصبحت من جملة طرائقه المنهجية .**

                                                          

1. هل الفلسفة حقا خطابٌ عَقلاني ؟

بداية نقول، إن هناك رأيا شائعا عن طبيعة الفلسفة، وعن خصائص المعرفة الفلسفية، يبدو أن معظم الفلاسفة يُرَوِّجوُنه و يساهمون في إعادة إنتاجه. َمفادُ هذا الرأي أن الخِطـَاب الفلسفي، خطاب يملك خصائص تُمَيِّزه عن باقي الخِطـَابات المعرفية الأخرى، و خاصة منها تلك التي يدخل في إنتاجها و أسلوبها التخييلُ والتَّمْثِيلُ و الأسطورة. وهذه العناصر يُنظر إليها عادة على أنها نقيض للفلسفة و من منبوذاتها. من منظور هذا الرأي إذن، يتميَّز الخِطـَاب الفلسفي أساساَ بكونه خطابا عقلانيا، و لا مكان فيه لما يتنافى مع العقل و المنطق. و غاية هذا الخطاب ليست هي الإقناع العقلي والتأثير على الآخرين و استمالتهم فحسب، بل هي بالأحرى إرساءُ الحقيقة، إرساءً يقوم على دعائم الدليل والبرهان.

في هذه الدراسة، نناقش الرأي السابق، و نطرح حوله التساؤلات التالية : هل الفلسفة حقا خطاب عقلاني، و هل المُتَخَيَّـل بأصنافه و درجاته، غريب عن هذا الخِطـَاب تماما؟ أليس بالإمكان الحديث عن المُتَخَيَّل في الفلسفة، أو على الأقل عن استثمار للمُتَخَيَّل في مجالها؟ و نحن لا ندعي أن هذه التساؤلات، مع الإشكالية التي تجمعُها، تُثارُ في هذه الدراسة لأول مرة، وأن الفضل في ذلك يرجع إلينا. و إنما نقترح التفكير فيها من جديد، و حافزُنا على ذلك، أن الاهتمام بإشكالية المُتَخَيَّـل في الخطاب الفلسفي، قد تَجَدَّدَ في السنوات العشر الأخيرة، كما أصبَحَت مُتَوفِّرَةً عنها عديدٌ من الدراسات الحديثة [1].

و حتى نتمَكَّن من اقتراح أجوبة عن تلك التساؤلات، نستهِلُّ دراستنا بتحليل مقتضب عن الاستدلال بالتَّمْثِيل في الفلسفة، ثم نفحَصُ بعض النماذج من استعمال الخيال بصفة عامة في النص الفلسفي، و من توظيف المُتَخَيَّل بأصنافه المعروفة، واستخدامه كأدوات حِجاج و استدلال على الحقيقة، التي يسعى النص الفلسفي إلى التبشير بها، و إيصالِها إلى المُتلقيـن. و سنختِم بتقييم هذا النوع من الاستدلال في الفلسفة و إبراز وظيفته و أغراضه.

2. عن "التَّمْثِيل" في الخِطـَاب الفلسفي ...

لدى المهتمين بدراسة طبيعة الخِطـَاب الفلسفي، هناك ما يشبه الاتفاق العام، عـلـى أن مـن الـسمـات البارزة لـهـذا الـخـِطـَاب أنـه خــطـاب حــِجــاجـي، (Argumentatif)، بمعنى أنه ينتَهِج استراتيجية معينة، الهدفُ من ورائها، ضمنيا أو صراحة، هو التأثير على المُتَلقي بالحُجج، و إقناعه برأي أو بوجاهة فكرة ما، سواء كان هذا المتلقي مُحاوِراً واقعياً أو مفترَضاً. و نحن نذهب إلى أن هناك  في ثنايا كل خطاب فلسفي، مهما كان شكله و مضمونه، "حقيقة" ما يُراد تبريرُها والتدليل على مصداقيتها، وفي نهاية المطاف، إيصالُُها إلى الآخرين، المُخاطَبين و المُحاوَرين، و إقناعهم بها. و لا نعرف فلسفة أو نصّاً فلسفيّاً خل تماماً من الخاصية الحِجَاجية و الاستدلالية بوجه من الوجوه، حتى لو تلَبَّستَ تلك الفلسفة رداء التصوُّف أو ارْتَدَتْ لـُُغَة الشعر![2].

و إذا كان الفكر الفلسفي فكراٌ حِجاجيا بامتياز، فأي شكل من أشكال الحِجَاج يتم اتباعُه و اعتمادُه في هذا المجال، و ما هي أدواته؟ كتمهيد للجواب عن هذا السؤال، نقول إنه خارج أشكال الاستدلال المنطقية التقليدية المعروفة، أي الاستنباط و الاستقراء، فـإن الاستـدلال بالتَّمـْثِيل أو الـتـّـَمْثِيل أو المُمَاثلة، كما يقال اختصارا، (Analogie) يُعد من بين الأدوات الأخرى المتبقية، الأكثر استعمالا في النص الفلسفي. بل إن مقولة التَّمْثِيل، كما يذهب إلى ذلك المفكر الفرنسي ميشيل  فوكو في كتابه الكلمات و الأشياء، قد هيمنت، في الثقافة الغربية، على نظام معرفي بكامله، هو النظام الذي ساد في العصر الوسيط، واستمر حتى عصر النهضة[3].

و الاستدلال بالتَّمْثِيل من القُدُرَات و الآلِيَّات الذهنية عند الإنسان، يستعملها كأداة للمقاربة و للاستكشاف، و لربط العلاقات بين الظواهر والأشياء من مناظير متعددة. و هذه العلاقات المنسوجة تكون في غالب الأحيان، خياليَّة وافتراضيَّة. إن التَّمْثِيل يفترِض وجود علاقات تشابُه خفِيٍّ بين الموضوعات التي يُراد الاستدلال بها، رغم أن هذه الموضوعات عادة ما تكون مختلفة فيما بينها اختلافا بيِّناَ. والظاهر أنه عن طريق هذه الآلية، يصير بإمكان الخِطـَاب الفلسفي، التحدُّث عن كثير من الموضوعات الميتافزيقية، التي يصعب تناولها بطريقة مباشرة. من تلك الموضوعات نذكر على سبيل المثال: الله، الوجود، الحقيقة، الخير. وقد استُخْدِمَت آلية التَّمْثِيل بكثرة، من طرف الفلاسفة المدرسيين في العصر الوسيط. و كان غَرَضُهم من استعمال هذه الآلية، هو تقريب و تفهيم ما باستطاعة البشر معرفته عن ماهية وصفات الله مثلا، رغم الاقتناع المسبق، باستحالة معرفة هذه الماهية تماما، لأنها لانهائية.

إن مؤسس المنطق الصوري، الفيلسوف اليوناني أرسطو،عندما تناول موضوع التَّمْثِيل، في الأخلاق النقوماخية، و كتاب الخِطـَابة، و كتاب الشعر، وحَلَّل بعض النماذج منه، كان في مُعظم الأحيان يرمي من وراء ذلك، إلى التعبير عن فكرة وجود تماثُل و تناسب بين علاقات معينة، شبيه بالتنـاسب الهندسي كما وردت صيـغته عند اقليدس في كتـاب المبادئ. وكان يعرضه في الصيغة التالية : نقول إن هناك تمثيلا عندما تكون علاقة الحد الأول "أ" بالحد الثاني "ب"، هي كنسبة الحد الثالث "ج" إلى الحد الرابع "د". و من الأمثلة المشهورة التي كان يسوقها:

ـ إن العقل بالنسبة للنفس هو كالعين بالنسبة للجسم؛

ـ إن الأجنحة بالنسبة للطير هي كالخياشيم بالنسبة للأسماك،

ـ إن الشيخوخة بالنسبة للعمُر هي كالمساء بالنسبة إلى النهار[4].

و من المُؤكَّد أن الاستدلال بالتَّمْثِيل لم تكُن له حظوة كبيرة عند هذا الفيلسوف، سواء في منطقه، أو في مقالاته الميتافزيقية. بل إن انتقاصَه من القيمة المعرفية لهذا النوع من الاستدلال، كان مُعْلَناً وصريحاًً، و خاصة عندما كان يبتعد كثيرا عن شكل التناسب الرياضي السابق الذكر. ففي هذه الحالة كان يعتبره مجرد وسيلة للتأثير والإيحاء. و لا ننسى في هذا السياق، أن أرسطو طالما آخذ على أستاذه أفلاطون لُجُوءَهَ المُفرِط إلى استعمال المُتَخَيَّـل بأصنافه، في شرح نظريته عن الحقيقة.

و معروف عند المناطقة و الإبستمولوجيين أن بنية التَّمْثِيل و التماثل، رغم مرونتها، و رغم ما تسمح به من ربط لعلاقات متعددة، لا تُفضِي إلى إثبات تطابق وهُوية بين موضوعين، و لا إلى تقارب موضوعي وواقعي بين طبيعيتين. بل إن  كل ما تسمح به في هذا المجال، هو الانتقال الذهني من علاقة معينة بين حَدَّين، إلى علاقة أخرى يفترض أنها مشابهة لها، كما يتجلى ذلك في المثال الارسطي الذي أتينا على ذكره : إن الشيخوخة بالنسبة للعمر، هي كالمساء بالنسبة إلى النهار، لذا نقول عن الشيخوخة إِنها مساء العمر، و عن المساء إنه شيخوخة النهار. و لكن يجب أن يكون واضحا لدينا هنا، أن الأمر لا يتعلق بعلاقة هُويَّة و تطابق بين الشيخوخة و المساء، و لا بين العمر والنهار، وإنما بنوع من الإيحاء بوجود تشابه مُتخيَّل، بين العلاقة الأولى والعلاقة الثانية، و لكن على مستوى المغزى فقط.

3. نَماذِج من استعمال المُتخيَّل في الخِطـَاب الفلسفي

3.1. عن المُتَخَيَّـل في النص الأفلاطوني 

لا نبتدع جديدا عندما نقول إن الخِطـَاب الفلسفي الأفلاطوني، يترك انطباعا قويّاَ لدى الكثيرين من المهتمين بالفكر الفلسفي، بأنه خطاب عقلاني، يُعلِي من قيمة التفكير العقلي، و يعتبر العقل الوسيلة الأضمن لبلوغ اليقين و معرفة الحقيقة. وأنه بهذه الصفة، ساهم في تأسيس نزعة عقلانية ميتافزيقية، أصبحت لها، في سِجِّل تاريخ الفلسفة، مكانتها المتميزة. و رغم وجود ما يبرر هذا الانطباع، فإننا نَعْرِف لهذا الخِطـَاب وجها آخر مغايِرا، تكشف لنا عنه أغلب الدراسات التي انكبّّت على تحليله. يتجلّى ذلك في كون هذا الخِطـَاب، عند إمعان النظر، يُمْكِن عَدُّهُ  نموذجا بارزا للخطاب الفلسفي، الذي يستثمِر المُتَخَيَّـل إلى أبعد الحدود، من أجل شرح أفكاره والتدليل عليها وإيصالها إلى المخاطبين و إقناعهم بها. و فضلا عن ذلك، فهو يستخدم منهجا فريدا من نوعه،  يتجاوَر فيه التفكير العقلي و المنطق، مع الحوار والجدل و الأمثلة والأسطورة. و قد كان فيلسوفنا مُتمكِّنا من هذه الأساليب الثلاثة، يستخدمها بمهارة يشهد له بها كثير من مؤرخي الفلسفة[5]. و إذا ظهرت هذه الخاصية بوضوح في جميع المحاورات الأفلاطونية، فهي  أكثر بروزا في محاورة الجمهورية. و بالفعل فإن أغلب الدراسات التي أنجزت حول هذه المحاورة، تقول عنها إنها في نهاية المطاف، ليست سوى تمثيل طويل قائم بين الشمس في العالم المحسوس، و الخير في العالم المعقول؛ تمثيل يبلغ أوْجَه في أسطورة الكهف، المعروضة في الكتاب السابع، من  نفس النص[6].

إن أفلاطون في هذه الأسطورة، يعيد إنتاجَ إشكالية رئيسية في الفكر الفلسفي بصفة عامة، وفي الأفلاطونية بصفة خاصة. و نعني هنا إشكالية العلاقة بين الحقيقة والمظهر. إنه يعيد إنتاجها في صيغة جديدة، مستعينا بالتَّمْثِيل و التخييل المفعَم بالإيحاءات : فالسجناء الذين تتحدث عنهم الأسطورة، المُقيَّدُون بالأغلال والموجودون داخل الكهف، لا يعرفون عن العالم الخارجي وأشيائه و كائناته الواقعية الموجودة خارج الكهف، إلا الظلال التي تنعكس على الجدران، بفعل أشعة الشمس المنبعثة من الخارج. و من المُرَجَّح أن يكون لجوء الفيلسوف في محاورة الجمهورية، إلى التَّمْثِيل و استعماله التعابير المجازية، القَصْدُ منه شرحُ فكرة محورية في مذهبه، يبدو أن من الصعب توصيلها بطريقة مباشرة، أو عن طريق الاستدلال العقلي. و نقصِد التدليلَ على أن حقيقة الوجود التي تنشدها الفلسفة، خَفِيَّة و مُستعصية على الإدراك المباشر؛ و أن ما يعتقد عامة الناس، أنه أشياء واقعية، إنما هو من قبيل الظلال و الأشباح، التي تنعكس عل جدران الكهف.

و إنما الفلاسفة وحدهم، القادرون على إدراك الواقع الحقيقي، الذي يُمثل في هذه الأسطورة، بالأشياء الحقيقية كما نُدركها عن طريق نور الشمس. ذلك لأنهم قادرون على التحرُّر من قيود الجسد و "كهف" الحواس من أجل ممارسة التفكير العقلي. و هكذا، و استلهاما من رأي  التيار الفلسفي اليوناني القديم، المنحدر من بارمنيد عبر سقراط، حول طبيعة الوجود و الحقيقة النهائية، فإن الأسطورة الأفلاطونية، تُمثل المعرفة التي يحصل عليها الإنسان، عن طريق تجاربه الحسية بالظلال، كما تُمَثِّل التفكير العقلي الذي ينتهجه الفلاسفة، بنور الشمس الهادي إلى اكتشاف الحقيقة الخالدة.

و إذا ما اقتصرنا على نموذج أسطورة الكهف فقط، لتكوين فكرة عامة عن أهمية الدور الذي يلعبه المُتَخَيَّـل و الأسطوري في رَصِّ عناصر الفلسفة الأفلاطونية وإعطائها نوعا من التماسك، يُمْكِننا القول إن الفيلسوف في هذا السياق، يستعين بالتخييل والتَّمْثِيل، و في محاولات دءوبة، من أجل نسْج حديث في أمور تتعلق بمسائل فلسفية كبرى، يبدو أن العقل يعجز عن وصفها وإيصالها و التدليل عليها، بأدوات الاستدلال العقلية المتعارف عليها، مثلما هو عليه الحال في مسائل من قبيل: الحقيقة النهائية للوجود وماهيتها، طبيعة العالم الآخر المثالي، و نوعية علاقته بالعالم الأرضي. فعن طريق التَّمْثِيل و الأسطورة، يجتهد الفيلسوف هنا، كي يُدَعِِّم َمصداقية "نظرية المثل"، بدلائل تكون أكثر إقناعا.

و هذه النظرية كما لا يخفى، تقول بوجود عالمين مختلفين في الدرجة وفي الطبيعة: عالم الظواهر، و هو العالم الذي نحيا فيه و نراه و نلمسه ونُحِس به و تتم فيه جميع تجاربنا؛ و "عالم المُثُـل" أو الحقـائق في ذاتها، و هو العالم الذي لا يكِلُ الفيلسوف و لا يَمَلُّ من التأكيد بأن إدراكَه و تكوين تصَوُّر عنه، لا يتيَسَّر إلا بممارسة الفلسفة و باعتماد التفكير العقلي الخالص وحده. و لكن المرء لا يحتاج إلى ذكاء خارق ليكتشف بنفسه، أن إثبات وجود "عالم المثل"، لم يتيَسَّر لأفلاطون نفسه إلا باستعمال أقصى درجات الخيال !

و ما دمنا في سياق الحديث عن الفلسفة الأفلاطونية، نُذَكِّر أن نيتشه، الفيلسوف الألماني المشهور بانتقادِهِ العنيف للفكر الميتافزيقي، اعتبر أن الأفلاطونية تُمَثِّل  البِنية الثابتة التي  تقوم عليها كل ميتافزيقا، ذلك لأنها تقدم لنا العالم مقلوبا. من ناحية أولى، فكلُّ ميتافزيقا تتجاهل العالم الطبيعي والواقعي الذي يعيش فيه البشر وتعتبره ناقصا، و من ناحية ثانية كل ميتافزيقا تُشَيِّد للإنسان عالما آخر تُضفِي عليه جميع صفات الكمال. وقد ارتأى نيتشه في النهاية، أن تجاوز الميتافزيقا، يتطلب القيام بعملية "قلْب" جذري للأفلاطونية (Renversement). و من الواضح أن نيتشه من خلال موقفه الداعي إلى تجاوز الميتافزيقا، قد لجأ بدوره إلى استعمال تعبير مجازي آخر، لتمثيل و تشخيص ما يجب أن يتسم به كل نقد جذري للميتافزيقا، وهو فكرة "القلْب". و من غير المستبعد أن يكون قد  استلهم هذه الفكرة من فكرة مُمَاثلة سابقة، وردت في سياق نقد ماركس لهيجل. و ستعرف فكرة "القلْب"هاته، مساراً آخر جديداً في أطروحات المفكر الفرنسي لوي ألتوسير، حول علاقة ماركس بهيجل.

و لم يَبَق توظيف أفلاطون للتمثيل و للمتخيل والأسطوري، محصورا في مجال الميتافزيقا وحده، بل لقد طال كذلك مجال الفكر الاجتماعي. ففي هذا المجال أيضا، استعمل الفيلسوف تلك العناصر، من أجل الدفاع عن أطروحاته الاجتماعية والسياسية. و أقرب مثال يتبادر إلى ذهننا في هذا السياق، هو ما ورد في الفقرة 415، من محاورة الجمهورية. في هذه الفقرة يُبَرِّرُ أفلاطون ظاهرة التفاوت و اللامساواة بين البشر في المجتمع، و يعتبرها أمرا طبيعيا و ضروريا، لا يجب تغييرُه و لا المساس به. و "الحجة" الوحيدة التي  يستند إليها لتدعيم موقفه هذا، هي أن البشر في تفاضلِهم و اختلاف أوضاعهم و مكاناتهم الاجتماعية، هم كالمعادن في اختلاف أنواعها و قيمها: عِِلِّيـَّةُ القوم المُؤهلون للحكم، يٌمَثِّلُهُم الفيلسوف بمعدن الذهب، والجنود والمحاربون يٌمَثِّـلُهُم بمعدن الفضة. أما الفلاحون و الصناع و عامة الناس، فقد مَثَّلهم بمعدن النحاس و الحديد. و بما أن اختلاف المعادن و قيمتها ناجم عن الطبيعة، فذلك أيضا ما يجب أن يكون عليه الأمر بالنسبة إلى تقسيم البشر إلى طبقات اجتماعية متفاوتة و متمايزة. إن النظام الطبيعي للعالم هو الذي اقتضى ذلك، كما أن الآلهة نفسها راضية عن هذا الوضع و تباركه. نقرأ للفيلسوف في هذا الصدد: "...إن الله الذي خلقكم، قد مزج تركيب أولائك الذين يستطيعون الحكم منكم بالذهب، ثم مزج تركيب الجند و الحراس بالفضة، و الصناع بالحديد و النحاس[7].

3.2  "  شجرة الفلسفة "  بين ديكارت و هيدجر:

ليس من المألوف في مجال الفلسفة، أن ينطلق الفيلسوف في بداية مساره الفلسفي، من خواطر و أفكار مصدرها الحُلم و المُتَخَيَّـل، و ينتهي به المطاف في النهاية إلى إنشاء فلسفة جديدة، أصبحت تُوصف بأنها أم العقلانية الحديثة. و لكن ذلك على ما يبدو، هو ما حصل تماما للفيلسوف الفرنسي ريني ديكارت، (1596-1650) .إن تاريخ الفلسفة  يُذكِّرُنا، أن " أبا العقلانية الحديثة"، لمْ يشرع في وضع اللبنات الأولى لفلسفته الجديدة؛ و لم يرسم الخطوات العامة لمنهجها، و لم يَصُغ مفاهيمها، إلا بعد أن مرَّ بالطريق الملكي للأحلام، حسب عبارة لسيجموند فرويد، وردت في سياق آخر. و بالفعل فإن الأحلام الثلاثة التي رآها الفيلسوف الشاب في منامه، في إحدى ليالي خريف سنة 1619، كانت حسب ما دوَّنه الفيلسوف عنها بعد استيقاظه، منبعَ الإلهام الذي استقى منه فكرة مشروع تأسيس فلسفة جديدة، تستوحي روحها من المنهج الرياضي، و تكون مغايرة لتقاليد التراث الفلسفي السابق. و هكذا تكون العقلانية الديكارتية قد وُلِدَتْ من رحِم المُتَخَيَّل، و تكون بداية اكتشاف طريق فلسفي جديد للبحث عن الحقيقة، مناماً و حلماٌ[8].

و الظاهر أن فيلسوفنا العقلاني، نسي مع مرور الزمن، الأصولَ الأولى لمشروعه الفلسفي، و صار من الداعين إلى إقصاء الخيال من التفكير الفلسفي، مُعلنا أن العقل قادر بمفرده على إدراك الحقيقة. و لكن موقفه هذا لم يمنعه من أن يستدرك في بعض الأحيان، و يُضيف أن من المستحسن أن يُعانَ  بالحواس و بالذاكرة .

نعود إلى موضوع تمثيل الفلسفة بالشجرة. و نسوق هنا مقطعا من حوار خيالي جري بين الفيلسوف الألماني هيدجر و ديكارت. لقد اشتهر ديكارت  في تاريخ الفلسفة كما نعلم، بأنه اقترح تعريفا  لماهية الفلسفة و علاقتها بباقي المعارف الإنسانية الأخرى، اعتمد فيه على تمثيلها بالشجرة. و قد ورد هذا التَّمْثِيل في رسالة كتبها الفيلسوف إلى مترجم كتابه مبادئ الفلسفة (1644)، وهي الرسالة التي أصبحت فيما بعد تُشَكِّلُ مقدمةً لنفس الكتاب. و قد جاء في هذه المقدمة : "... و هكذا يُمكن تمثيل الفلسفة كلها بالشجرة: تُشكِّلُ الميتافزيقا جذورَها، و الفيزياءُ جذعَها، وتُشكِّل العلوم الأخرى الباقية، الأغصانَ المتفرعة عن الجذع. و تلك الأغصان يُمْكِنُ ردُّها إلى ثلاثة رئيسية هي الطب والميكانيكا والأخلاق. و أعني هنا الأخلاق السامية، التي تتطلَّب معرفة كاملة بسائر العلوم الأخرى، و تلك هي أعلى درجات الكمال "[9].

و يبدو أن تمثيل ديكارت الفلسفة بالشجرة، لم يُرضِ تماما الفيلسوف الألماني المعاصر مارتن هيدجر، إذ اعتبره غير كاف للدلالة على ماهية الفلسفة، كبحْث عن حقيقة الوجود. و ليس بالأمر الخافي، أن خطاب هذا الفيلسوف نفسه، الذي يدعو إلى تقويض الميتافزيقا و تجاوزها، يمْتزِج كثيرا بالإيحاءات الشعرية، ولا يتردد في اللجوء إلى استعمال الأسطورة.

عاد مارتن هيدجر إذن، في مقدمة كتابه"ما هي الميتافزيقا؟"، إلى التَّمْثِيل الديكارتي، بُغيَة  إغنائه  و تعميق دلالته . و طرح بصدده هذه التساؤلات: " في أي أرض تجد جذوُر الفلسفة مَقرَّها؟ و من أي أساس تستمد الجذورُ، و من خلالها الشجرة كلها، العصارةَ و القوةَ اللازمتين لنموها؟ و ما هو العنصر المَحْجُوب في الأرض، و الأساس الذي يدخل و يحيا في الجذور، التي تدعَم الشجرة و تنميها ؟ أين تقيم الميتافزيقا ذاتها، منظورا إليها من أساسها..." وأجاب فيلسوفنا نفسه عن تلك التساؤلات: إن "حقيقة الوجود" هي التي تُشكِّل الأرض و الأساس الذي تستقر فيه الميتافزيقا، و منه تتغذى بوصفها جذورا لشجرةِ الفلسفة، كما تحدَّث عنها ديكارت .

و ما ذا يعني مفهوم "حقيقة الوجود" في الخِطـَاب الفلسفي الهيدجيري؟ نعلم أن فيلسوفنا، يحرص كثيرا على وصف فلسفته بأنها "فلسفة الوجود"، وأنها كَكُلِّ فلسفة تبحث في "حقيقية الوجود". و لكن هيدجر في بحثه  وتأملاته، و بعد مسار شاق و طويل من التفكيك و التأليف، يُفاجئنا في نهاية المطاف بالقول، إن "حقيقة الوجود" تكمُن في أن هناك اختلافا أنطلوجيا جذريا، بين لانهائية الوجود ومحدودية  الكائن البشري. و هذا الاختلاف الجذري لا يمكن نسيانُه و لا قهره؛ إن "حقيقة الوجود" بالنسبة للفيلسوف هي مرادف آخر للعدم و للموت و لغياب المعنى، وللعتمَة التي تلف الوجود. إنها  بهذا المعنى هي  الأصل في التفلسف والباعث عليه. إنها بمثابة الأرض التي تنمو عليها "شجرة الفلسفة". والأرض هنا هي العنصر الهام الذي أغفله ديكارت في وصفه "شجرة الفلسفة". إنها الأساس الذي تستقر فيه الشجرة، وتتغذى منه جذورُها، و الجذور تمتد و تضرب في الأعماق، وتتفرَّع في الأرض، لِتُمَكِّن الشجرة من الحياة و النمو. و لكن الشجرة ما أن تكبُر وتينَع، حتى تنصرف الميتافزيقا إلى الاهتمام بها وحدها، مُسدِلة حجُبَ النسيان على الجذور و على الأساس، و إنها لَتُرْسِلُ العصارةَ كلها، و القوةَ كلها إلى الجذع  و فروعه، و لا تعود مكترثة بالأساس، أي "حقيقة الوجود"[10].

3.3. عن المُتَخَيَّـل في الفلسفة الكانطية :

إذا قلنا إن الخيال حاضر باستمرار في فلسفة إمانويل كنط (1804-1724)، سيكون قولَنا هذا بدون شك، مدعاة للاستغراب. و السبب واضح و يتعيَّن في ما نعرفه عن هذا الفيلسوف الألماني من جِدية و صرامة عقلية مُفرِطة؛ و أيضا لما نلاحظه في جل مؤلفاته، من نُدْرَة الحديث المباشر عن دور الخيال في مجال الاستكشاف و الإبداع، و في مجال المعرفة بصفة عامة. و تدْعَمُ هذا الرأي فِكْرَة متداولة في الفلسفة الغربية الحديثة، عن أن فيلسوفنا أهمل إبراز دور الخيال في نظريته عن المعرفة، و لم يُخصِّص لهذا الموضوع و لو فصلا واحدا في مؤلفاته، و ما أكثرها. و حتى الإشارة العابرة إليه، كانت تتم بشكل متردِّد وخجول.

و يبدو أن الدور الذي يضطلع به الخيال، في سيرورة تكوُّن المعرفة في النسق الفلسفي الكانطي، مُقَدَّرٌ عليه أن يظل خفيا مَرَّتَيْـن : أولا، لأن الخيال في حد ذاته مُشَوَّش و ضبابي وغامض، و دائما في حاجة إلى التأويل. و ثانيا، لأن الفيلسوف نفسه يتعمَّد إخفاءه عنا، بل و يَعمَدُ إلى إيجادِ تبرير لذلك، كما نفهم من هذه العبارة المقتطفة من كتابه نقد العقل الخالص: "إن هذه القُدْرَة التي يملكها الإنسان، على رسم الخطاطات الذهنية، وعلى التَّمْثِيل و التصوير و التأليف بين العلاقات والأشياء، هي فَنٌّ خَفِيٌّ و مَدفُون في أعماق النفس البشرية. و سيبقى دائما من الصعب أن ننتزع من الطبيعة أسرار الكيفية التي تشتغل بها هذه القدرة، و نعرضُها مكشوفة أمام الأعين[11].

و إلى جانب هذه الفكرة الرائجة عن مكانة الخيال في فلسفة كانط، هناك موقف آخر مُخْتَلِف بدأ يَبرُز في الدراسات الحديثةُ. و مَفَادُهُ أن الخيال في هذه الفلسفة، حاضر باستمرار في جميع أجزائها، و له فيها دور نشيط وفعَّال. كما أن له علاقة بجميع قُدُرَات الإنسان المعرفية التي تُحَلِّلُها  نظرية المعرفة. و لكن رغم أهمية هذا الدور، يبدو و كأن الخيال قد أدخل إلى النسق الكانطي خِفْية و تُرك يشتغل فيه من وراء الستار. أليس الخيال هو المنبع لكل ما يملكه العقل من قُدْرَة على  الحدس والاستباق و التركيب ؟ أليس هو الجِسرُ الذي لا غنى عنه لتحقيق التواصل بين الحساسية و الفهم؟ أليس هو الذي يُقدِّم للمقولات، و للمبادئ القبلية، المادةَ التي تشتغل عليها؟ أليست هذه المقولات، و تلك المبادئ، كانت ستبقى فارغة، و بناءً اصطناعياً مجرداً، لولا الخيال الذي يُنزِلُها من سماء التجريد الميتافزيقي، إلى أرض الوقائع، حيث تساهم في التكوين الفعلي للمعطيات ؟[12].

و من موضوع دور الخيال في النسق الفلسفي الكانطي، ننتقل إلى دور مقولة "التَّمْثِيل" (Analogie). فنحن بالتأكيد، نظل في نفس المجال. و من الطريف أن نذكر هنا أن فيلسوفنا، عندما يعْمَد إلى مُقارَنة مشروع الفلسفة النقدية، بالتراث الفلسفي التقليدي، فإنه لا يتردد في الاستعانة  بالتَّمْثِيل التالي: إن الفلسفة النقدية بالنسبة للفلسفة التقليدية، هي كعلم الكيمياء بالنسبة إلى الكيمياء الزائفة، أو كعلم الفلك، بالنسبة إلى علم التنجيم!

إن مَرْجِعنا الرئيسي، في ما يتعلق بأهمية دور مقولة "التَّمْثِيل" في فلسفة كانط، هو كتابُ الباحث الفرنسي فرنسوا مارتي،  (François Marty)، ميلاد الميتافيزيقيا عند كانط، المنشور سنة 1980. في هذا الكتاب، الذي هو في الأصل أطروحة جامعية، يُبْرِزُ المؤلف الدور الكبير الذي تقوم به مقولة "التَّمْثِيل"، في بناء صرح الفلسفة النقدية، و خاصة في المؤلفات الكانطية النقدية الثلاثة: نقد العقل الخاص، نقد العقل العملي، نقد ملكة الحكم. كما يكشف عن أن كانط استعملها في تلك المؤلفات، حوالي 269 مرة[13].

و إذا كان كانط، قد استخدم مقولة "التَّمْثِيل" بكثرة، فإن الأهميَّة التي خصَّصَها لهذه الآلية الذهنية في تحصيل المعرفة، تظل مع ذلك نسبية ومحدودة. فالتَّمْثِيل عنده لا يوصل إلا إلى تخمينات متخيلة، و دورُه ينحصر في كونه رابطة احتمالية تسمَحُ لنا، انطلاقا مما  نعرفه عن طريق إمكانياتنا وقدُراتنا المعرفية الإنسانية المحدودة، بتكوين تصوُّر تقريبي عما لا نعرفه، بل وعما لن نتمكن أبدا من معرفته. إن التَّمْثِيل يُفيدنا في توسيع دائرة معارفنا، ولكن في حدود عالم الظواهر التي تقع تحت حواسنا. أما في عالم "الأشياء في ذاتها "، فإنه لا يَسْمَحَ لنا إلا بربط علاقات متخيلة؛ كتصوُّرنا عن العلاقة بين الله، الذي لا نملك عنه أية معرفة مباشرة، و بين العالم المحسوس الذي نحيا فيه و يحيط بنا، و الذي لدينا عنه معرفة بقدر ما تتكشف لنا ظواهرُه.

و حسب كانط دائما، إن تصورَّنا عن الله يستند إلى معرفتنا بظواهر العالم، وليس إلى معرفة مباشرة به. فالحقيقة الإلهية تبدو لنا، و كأنما هي تتصف بأسمى درجـات الكمال، بالمقـارنة مع الكمال المحدود و العابر، الذي نلاحظه عند البشر وفي العالم. و عندما نقول إن الله بالنسبة للعالم، هو كالمتناهي بالنسبة للامتناهي، فإن هذه المقاربة عن طريق التَّمْثِيل، لا تضيف شيئا إلى معرفتنا بالطبيعة الإلهية، إذ هذه المعرفة تظل مجهولة لنا إلى الأبد. نقرأ في الفقرة 57، من مقدمة لكل ميتافزيقا يمكن أن تصير علما: " ليس من المعقول و لا من المشروع أن نأمل في معرفة أي شيء أكثر مما تتيحُه لنا التجربة الممكنة، و ليس من المعقول و لا من المشروع أن ندَّعِي امتلاكَ أدنى معرفة بالشيء الذي نسلم أنه ليس موضوعا لأية تجربة ممكنة "[14].

و لكن الفيلسوف لا ييأس من كون قدرة الإنسان على التخييل و التَّمْثِيل تستطيع تخطي هذه العقبة الكأداء التي تنتصب أمام المعرفة الإنسانيةِ. فالتفكير باستعمال آلية التَّمْثِيل هو الإمكانية المتاحة للإنسان، كي ينشئ، انطلاقا من معارفه عن عالمه المحسوس و المرئي، خطاباً عن عالم المعقولات  و الموضوعات الميتافزيقية. إن اللجوء إلى التَّمْثِيل حسب كانط، يكشف عن محدودية العقل الإنساني و تناهيه. فكيف يتأتي لفكر مُتنَاهٍ أن يتحدث عما يتجاوزه، و عما ليس في متناول قُدُرَاته المعرفية ؟ ولا يتردد الفيلسوف في انتقاد ما يُعرَف في الفلسفة بالدليل الوجودي لإثبات وجود الله، لأن هذا الدليل يتأسس على هذا النوع من التمثيل، و معلوم أن ديكارت كان قد استعمله في تأملاته الميتافزيقية. و من الطريف أن الانتقاد الكانطي لهذا الدليل، يستند بدوره على تمثيل آخر. نقرأ لكانط في هذا السياق :"إن الوهم الذي يجعلنا نعتبر ما هو ممكن فكرياً و كأنه موجود واقعيا، هو كوهم التاجر الذي يظن أنه ينمِّي ثَروَته بإضافة بضعة أصفار إلى حسابه"[15].

3.4. عندما تستيقظ الفلسفة في المساء للتأمل في أحداث النهار!

للفيلسوف الألماني هيجل (1770-1831)، عبارة مشهورة، وردت في كتابه مبادئ فلسفة الحقوق. فيها يُقَدِّم تصويراً مجازياَ جميلا، يَعرِض من خلاله مفهومَه الخاص لطبيعة المعرفة الفلسفية، و الغاية المثلى منها. تقول هذه العبارة ما معناه: "إن طائر منيرفا، إلهة الحكمة، لا يَحلِّق في الفضاء، إلا عندما تغرُب الشمس و يُخيِّمُ الظلام على الوجود". و "منيرفا" (Minerve)، كما نعلم، هو اسم إلهة العلم و الحكمة، في الأساطير الرومانية القديمة، وتقابلها في أساطير الإغريق الإلهة "أثينا"،(Athéna). أما طائرها المشهور فهو من فصيلة البوم، و من خصائصه أنه لا يطير إلا بالليل.

و لعلَّ الفكرةَ التي أراد هيجل إيصالَها إلينا من خلال هذا التَّمْثِيل، هي أن الفيلسوف، في بعض عاداته على الأقل، أشبه ما يكون بطائر "منيرفا"، فكلاهما، الفيلسوف و الطائر، لا يَكثُرُ نشاطُه إلا عندما يُخيِّم الظلام على الكون. و يبدو أن الليل بالنسبة للفيلسوف، هو فترة النشاط المُنتِج و الهادئ، ففيه تُتاح فُرَص التأمل والتفكير المتأني و العميق، في ما حدث من وقائع أثناء النهار.

و نظن أن هيجل، خلال هذا التَّمْثِيل، إنما يُوحِي إلينا بما هو متواتر عن المعرفة الفلسفية، بأن من طبيعتها الميلَ إلى التحرُّر قدر الإمكان، من الانشغالات اليومية والمنفعية المباشرة، و من اسْر الأحداث و الوقائع المألوفة. و أنها في فترات معينة، تنكمش على نفسها، و تفضل الانزواء والمكوث في الظل. كما يُذَكِّرُنا بأن غاية الفلاسفة، من وراء اتخاذ هذا الموقف المترَيِّث تجاه الأحداث و هي في عنفوانها، هي الانتظار حتى تنجلي الأمور، و تختمِر التساؤلات عن دلالاتها العميقة، بعدما تتوفَّرُ عنها  عناصر كافية، تساعد على استيعابها وتمثلها و استخلاص العِبر منها[16].

و قد أعجَب هذا التَّمْثِيل الهيجيلي لطبيعة المعرفة الفلسفية، الفيلسوف الفرنسي المعاصر لوي ألتوسير (1918-1990)، فاستعاره و أعاد توظيفه في سياق قريب من الأول، سعى من خلاله، إلى الكشْفِ عن جوانب أخرى من طبيعة المعرفة الفلسفية، غير تلك التي تخُصُّ علاقاتها بالأحداث الإنسانية اليومية العادية. لقد قصدَ ألتوسير من استخدام التَّمْثِيل الهيجيلي السابق الذكر، إلى توضيح علاقة الفلسفة بالعلوم، وموقف الفلسفة من الاكتشافات الجديدة في الميادين العلمية. و قد ذهب في هذا الاتجاه، إلى أن من طبيعة الفلسفة أيضا، أن لا تستيقظ إلا بعد انقضاء فترة زمنية كافية على ميلاد علم جديد. فهي مثل طائر الحكمة "منيرفا"، تنشط بعد زوال  نهار الأحداث العلمية الجديدة. و الفيلسوف هنا إنّما يدعم أطروحته الشهيرة عن علاقة الفلسفة بالعلم: "إن الفلسفة ليست علما، و هي تأتي دائما متأخرة عن العلم الذي أثارها بفترة قد تطول أو تقصر. ذلك لأن الآثار التي تخلفها الثورات العلمية في الحقل الفلسفي، لا تُدرَك في حينها، فهي تحتاج إلى وقت كاف يعقبها، حتى تستطيع تهييئ نفسها لصياغة ردود الفعل"[17].

3.5. الفلسفة حلَبَة للصِّرَاع الدائم

وعن ألتوسير أيضا، نقول إن الفكرة الناظمة لمشروعه الفلسفي، تتلخص في السؤال التالي: كيف يمكن للفلسفة أن تساهم في عملية التغيير الاجتماعي؟... و في محاولات متواصلة للإجابة عنه. و هي محاولات أسفرت في نهاية المطاف، عن نظرية جديدة حول طبيعة الفلسفة، استثمر الفيلسوف في تشييدها فيضاَ من الصُّوَر المجازية و التَّمْثِيلات، رغم ما يُعرَف عنه من  حِرْص كبير على تدقيق مفاهيمه، وتطهيرها من شوائب المُتَخَيَّـل الإيديولوجي. و لعل أكثر تلك التَّمْثِيلات إثارة، تمثيلُُه مجالَ الفلسفة بحلَبَةِ صراعٍ دائم بين المذاهب و التيارات الفلسفية. و لا شك في أن  فيلسوفنا لم يكن أوَّلَ من استعمل هذا التشبيه. فقبْلَه عَبَّر  كانط، في مقدمة نقد العقل الخالص، عن نفس الفكرة. كما أن أفكار و خواطر فريدريك نيتشه،(1844-1900)، حول مفهوم إرادة القوة، تسير في الاتجاه ذاته، و خاصة عندما تتبنى فكرة أن ظاهرة الصراع تهيمن كليا على الحياة و الفكر. كتب نيتشه في هذا الصدد: "هل تريدون اسما لهذا العالم...، و حلا لجميع أسراره وألغازه؟ إنه إرادة القوة و لا شيء آخر غيرها"[18].

و لكن خطاب ألتوسير عن الفلسفة كميدان للصراع، يتميَّز عن غيره بشكل ملفت للنظر. فهو يُشَخِّصُ هذا الصراع بواسطة سلسلة من التَّمْثِيلات و الصور المجازية تحيل جميعُها إلى الميادين العسكرية و الحربية و السياسية. إنه يتحدث باستمرار عن جبهات القتال في الفلسفة، وعن الهجوم و الانقضاض، وعن التقدم والانتصار، والتقهقر والهزيمة، و عن احتلال المواقع واكتساح الميدان، و رسم الحدود، و عن الإستراتيجيـة و التكتيك، و عن الحلفاء والأعداء، و عن الأسلحة و المتفجرات، وعن الانقلابات والاستيلاء على الحكم، و عن الخضوع و الهيمنة، الخ...[19].

و بفضل هذه المجموعة من المفاهيم والمصطلحات الحربية، يتحوّل تاريخ الفلسفة، إلى تاريخ صراع نظري لا يتوقف، تُهيمِن فيه التيارات الفلسفية الجديدة، على الأشكال الفلسفية التي كانت سائدة من قبل، أو تعود الأشكال الفكرية القديمة إلى الهيمنة، و لكن في ثوب جديد. وهذا الصراع الدائم، لا يُسفِر إلا عن استبدال هيمنة فلسفية بأخرى. و كأننا هنا في ميدان تحدث فيه "انقلابات" مستمرة، تُتداول فيها الهيمنة الفلسفية بالتَّناوُب بين الاتجاهات الأساسية. و كأننا نشهد ما سمَّاه نيتشه مجازياً، بالقلْبِ المستمر للأفلاطونية. وبتمثيله مجالَ الفلسفة بحلَبَةِ صراعٍ دائم بين المذاهب والتيارات الفلسفية، يكون فيلسوفنا قد وضع اللمسات الأخيرة، على صيغة أطروحته النهائية حول طبيعة الفلسفة: "إن الفلسفة في نهاية المطاف هي صراع طبقي على المستوى النظري". و يبدو أنه لم يَعدِل عن هذه الأطروحة قط، حسب ما جاء في سيرته الذاتية، المستقبل يدوم طويلا، المنشورة بعد وفاته[20].

4. المُتَخَيَّـل في الخِطـَاب الفلسفي، دَورُه و قيمته :

نتساءل الآن عن دور المُتَخَيَّـل بأصنافه في الخِطـَاب الفلسفي، و عن قيمته المنطقية و المعرفية. و في هذا الصدد نقول إنه من منظور الفلسفة إلى ذاتها، يبدو أن حضور المُتَخَيَّـل بأشكاله في خطابها، دخيل عليها، و إنما هو يُستدْعَى فقط لأداء دور تعليمي، يتحدَّد في تيسير فهم الحقائق الفلسفية، وإكسابها نوعاً من الواقعية والمصداقية من خلال استثمار  الصور المحسوسة، و الأمثلة المستوحاة من الواقع الإنساني الملموس.

إن استعمال المُتَخَيَّـل في الخطاب الفلسفي، مُوَجَّه أساساً إلى أولائك الذين يُفترَض أن ليست لهم دراية كافية بالفلسفة و بأسرارها.  و لو كان التخاطب يجري بين الفلاسفة وحدهم، لأمكن الاستغناء عن ذلك تماما. إن الغاية من استعمال المُتَخَيَّـل هي في نهاية المطاف، تشخيص الأفكار الفلسفية، التي يبدو من الصعب، تبليغها بكيفية مجردة، إلى المتمرنين المبتدئين في التفلسف، و تقريبها للعقول التي لم تألفها كثيرا. و أغلب المدافعين عن هذا الرأي، هم من الفلاسفة الذين يُنسبُون عادة إلى النزعة العقلانية، و منهم: أفلاطون، أرسطو، ديكارت، سبينوزا، و لايبنز ...، وموقف هؤلاء جميعا، لا يختلف كثيرا عن الموقف الذي عبَّر عنه ابن رشد، في فصل المقال: "إن طباع الناس متفاضلة في التصديق، و أن طرق التصديق منها ما هو لعامَّتِهم وهي الخِطـَابية و الجدلية، و منها ما هو لِخاصَّتهم و هي البرهانية[21].

و لكن الاهتمام بإشكالية المُتَخَيَّـل في الخطاب الفلسفي، قد تَجَدَّدَ في السنوات العشر الأخيرة، و ظهرت دراسات حديثة حولها. و قد ساعد ذلك على بلورة رأي آخر مُغاير يرى في الحقيقة التي اعتادت الفلسفة على نسجها حول خطابها؛ و في موقف التيار العقلاني عموما من المُتَخَيَّـل، نوعاً من الاختزال و التبسيط. و مَفَادُ هذا الرأي أن حضور المُتَخَيَّـل في الخِطـَاب الفلسفي، من أسطورة  و أمثلة و تمثيل، واستعارة و مجاز، إنما هو بالأحرى أَمَارات و أعراض دالة، تكشف عن وجود ثغرَات و مكامِن ضَعْف و تَوَتُّـر في بنية مشروع الفيلسوف ذاته. فاستدعاء المُتَخَيَّـل إنما يأتي لنجدة النسق الفلسفي، و دعمه بما يعجز عن تبريره نظريا، رغم كونه ضروريا لبنائه و تماسكه. و المثال البارز الذي يتبادر إلى الذهن هنا، هو  "نظرية المثل"  في النسق الفلسفي الأفلاطوني، وقد سبق الحديث عنها. إن تبريرَ هذه النظرية، و الدفاع عنها عقليا و منطقيا، لم يكن مُتيسِّرا للفيلسوف تماما، مما جعله لا يلجأ إلى استعمال المُتَخَيَّـل كوسيلة للتبرير و الإقناع فقط، بل و يتبنَّاه ويُدمِجه في صميم خطابه، بل و لا يكاد يُفرِّق بينه و بين المعرفة الفلسفية التي يُعرِّف بها. و لقد أوقعه ذلك، كما نعلم، في كثير من المفارقات و المواقف النظرية المتناقضة.

إن لجوء الفلاسفة إلى استعمال المُتَخَيَّـل، لتقريب ما يعتقدون أنه الحقيقة بعينها، يجعل خطاباتهم تُعاني أشكالا من الاضطراب و التوتر، يتجليان في ما يمكن ملاحظته من تأرجح بين التشابه المفترض، الذي يسعون إلى إقامته والتدليل عليه، (عند أفلاطون مثلا: الشمس = النور= الحقيقة = الخير)؛ وبين الاختلاف الواقعي الصارخ، الذي يحاولون عبثا القفز عليه: فالشمس لا علاقة واقعية لها بالحقيقة و لا بالخير. و كأن المُتَخَيَّـل هنا يقوم بدور جِسر ذهني، عن طريقه تُبذل مُحاولات سيزيفية لِعبور الحدود نحو ما يفترض الفلاسفة وجوده، و لكنهم في الوقت ذاته يعترفون، ضمنيا على الأقل، بِعجزهم عن وصفه، وعن تكوين تصَوُّر ملموس عنه، و التدليل عليه. والفلاسفة  يُغامِرونُ أحيانا،  فينطلقون من مجرد علاقات افتراضية ومتخيلة، إلى التسليم بوجود هُويَّة و تطابُق بين طرفين، أحدهما من عالم طبيعي واقعي وإنساني، و الثاني من عالم آخر غيبي، أو قد يكون من إبداع ثقافة البشر، ولكنه مع تقادم الزمن، أصبح عالماً مُفارِقاَ.

خاتمة

بعد إمعان النظر في النماذج و التحليلات السابقة، فإن الاستخلاص المُمْكِن الخروج به، و الختم به في نفس الوقت، هو أن المُتَخَيَّـل من صميم الخِطـَاب الفلسفي و من مُكوِّناته، و من العمليَّات و العناصر المنتجة له. و هو يمنح لهذا الخِطـَاب إمكانية الانفتاح على خطابات أخرى أدبية و فنية و شعرية. إنه كما يقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر، بول ريكور، قد أصبح يشكل بعداَ من أبعاد الفكر الفلسفي[22].

و من خلال النماذج التي عرضناها، نلْمَسُ عن كثب أن الفلسفة، على الرغم من سعيها المتواصل لعقلنة خطابها، وحرصها على تبرير قضاياها والتدليل على أطروحاتها، وفقاً للمعايير المنطقية، فإنها تظل مع ذلك، حاملة في ثناياها، بعضاَ من آثار ورواسب ماضيها القبل عقلاني. لقد وُلِدَت المعرفة الفلسفية من رَحِم الفكر الأسطوري، و انفصلت عنه بالتدريج، و شكلت خطابا مُتميِّزا و مُستقلا. و لكن حنينها إلى ماضيها لا يزال يعاوِدها باستمرار. كما أن عناصر الأسطورة و التخييل، لم تتوقف أبدا عن التدخل في تكوين الموضوعات الأساسية للفكر الفلسفي، قديمُه وحديثُه.

 و إذا بدا المُتَخَيَّـل و الأسطوري في الخِطـَاب الفلسفي مكبوتاً، فهذا لا يعني بالضرورة أنه مَيّْت تماما. فهو لا يَكُفُّ عن الظهور و الاختفاء،  في أغلب الخِطـَابات الفلسفية، و لا نستثني منها الخِطـَابات المعاصرة ذاتها. ولعلَّ  ميزة هذه الأخيرة، هي أنها لم تعد تخجَل من رد الاعتبار لكل ما كان العقل الفلسفي التقليدي من قبل، يُقصِيه و ينبذُه من أصناف المُتَخَيَّـل. وربما كان استمرار المُتَخَيَّـل، في ثنايا الخِطـَاب الفلسفي، نشيطا في الخفاء، هو الذي يُمِدُّ هذا الخِطـَاب بالحيَوِيَّة وبالحوافز؛ بل بما يجعله أحيانا، يتَفَتَّـقُ عن لمحات إشراقية و إبداعية رائعة[23].

 الهوامش

** Détienne,  Michel : L’invention de la mythologie.- p.156.

[1]  هذه بعض عناوين الدراسات الحديثة حول هذا الموضوع :

- Le Doeuff, Michèle : L’Imaginaire philosophique.- Paris, Payot,1980.

- Cossuta, Federic : Eléments pour la lectures des textes philosophiques.- Paris, Bordas, 1989.

- Védrine, Hélène : Les grandes conceptions de l’imaginaire.- Paris, Biblio essais 1992.

- Proust, Joëlle ; Schwartz, Elisabeth : La connaissance philosophique.- Paris, P.U.F., 1995.

Curatolo, B. et Poirier, J. : L’Imaginaire des philosophes.- Paris, Editions L’Harmattan, 1998.

ِلتكوين فكرة عن النصين الأولين، نحيل القارئ إلى مقالة السيد سحبان، الحسين : الأمثلة في درس الفلسفة.- مجلة البحث البيداغوجي، عدد3، دجنبر1992.- ص.ص. 71-77.

[2] عن موضوع الحِجاج ( Argumentation)، والحِجاج في الفلسفة بصفة خاصة، يمكن الرجوع إلى دراسة السيد أعراب، محمد حبيب : الحِجَاج و الاستدلال الحِجَاجي : عناصر استقراء نظري.- الكويت، مجلة عالم الفكر، يوليو- شتنبر 2001.- ص.ص. 97- 138.

[3] يشير هذا المفكر الفرنسي الراحل، إلى أن مقولة التشابه (La ressemblance)، كان لها دور كبير، في تنظيم  و إنتاج المعارف في مرحلة معينة من تطور الثقافة الغربية، سادت حتى عصر النهضة. نقرأ له في هذا السياق " إن للتمثيل" قدرة لا حد لها، على ربط العلاقات، و إقامة التشابهات. فمن نقطة واحدة، يُمكن إنشاء عدد لا يحصى من العلاقات، و أشكال غير مرئية من التقارب. و عن طريق "التَّمْثِيل"، يمكن أيضا أن نقارب بين جميع الأشكال و الأشياء في العالم، مهما بلغت اختلافاتها...  في فضاء "التَّمْثِيل" المتعدد الاتجاهات، هناك نقطة انطلاق بارزة هي الإنسان... فالتَّمْثِيل يتعلق بالإنسان، و يدور حول اهتماماته و مشاغله ومشاكله ومخاوفه. الكلمات و الأشياء، النص الفرنسي.- باريس، منشورات كاليمار، 1966.- ص.ص. 36-38.

[4] حول موضوع "التَّمْثِيل"، و باقي أنواع الاستدلال المستعملة في الفلسفة، من المفيد الرجوع إلى دراسة الأستاذ الطاهر واعزيز، المناهج الفلسفية.- الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1990.

[5]  يراجع في هذا الصدد :

- Rivaud, Albert : Histoire de la philosophie.- Paris, P.U.F., tome 1, 1948.- p.p. 167-171.

- Secrétan, Philibert  : L’Analogie.- Paris, P.U.F., 1984.- p.p. 19-23.

[6] أنظر : أفلاطون : محاورة الجمهورية، ترجمة فؤاد زكرياء.- القاهرة، دار الكتاب العربي، 1968.- ص.ص. 246-284. أيضا :  زكرياء، فؤاد : دراسة لجمهورية أفلاطون.- القاهرة، دار الكتاب العربي، 1967.- ص.ص. 84-168.

[7]-  أفلاطون : محاورة الجمهورية.- ص. 115.

[8]- من أجل الاطلاع على خلاصة لهذه الأحلام، نُحِيل إلى كتاب نجيب بلدي، ديكارت.- القاهرة، دار المعارف، 1959.- ص.ص.33-36. و قد دون ديكارت بعد  يقظته ما علق بذاكرته من هذه الأحلام. ويبدو من خلال ما كتبه في هذا السياق، أنه كان متفائلا بها، حيث اعتبرها " الحدث الأكثر أهمية في حياته الفكرية"؛ وأنها كانت بالنسبة إليه حافزا أساسيا جعله ينذر حياته للعقل وللبحث عن الحقيقة. نُشِرَت مضامين هذه الأحلام كما دونها الفيلسوف، في مجموعة أولمبيا (Olympia). كما تحدَث عنها  الفيلسوف نفسه، في القسم الثاني من كتابه مقال في المنهج، و لكن هذه المرة باعتبارها من بنات خواطره و تأملاته، في خلواته الفكرية. حول هذا الموضوع، نحيل إلى:

- Marion, Jean Luc : La pensée rêve -t-elle ? Les trois songes ou l’éveil du philosophe.- in Questions cartésiennes, méthode et métaphysique, Paris, P.U.F., 1991.

- Jama, Sophie : La nuit des songes de René Descartes.- Paris, Aubier, 1998.

[9] Descartes, René : Les principes de la philosophie.- Paris, Bibliothèque de la Pléiade, Gallimard,1953.- p.p. 557-558.

[10] هيدجر، مارتن : ما الميتافزيقا.- ترجمة محمود رجب، القاهرة، دار الثقافة، 1974.- ص.ص. 77ـ97. و كذلك الترجمة الفرنسية لنفس النص:

- Heidegger, Martin : Qu’est-ce que la métaphysique.- in Question I, Paris, Gallimard, 1968.- p.p. 31-32.

[11] Kant, E. : Critique de la raison pure.- Paris, P.U.F., 1967.- p.153.

[12] Wolff : étude du rôle de l’imagination chez Kant.- Thèse universitaire, Bibliothèque de la Faculté des Lettres de Rabat, sous le n° TL/577.

[13] أحصى هذا الباحث عدد المرات التي استعمل فيها كانط مقولة " التَّمْثِيل"، ابتداء من صدور كتابه نقد العقل الخالص،(1781)،  فوجد أنها تصل إلى 269 مرة. و لاحظ أن كانط، كان يشير إلى مقولة " التَّمْثِيل"، بصفة خاصة في المقدمات و الحواشي و الهوامش. يراجع في هذا الصدد :

MartyFrançois : l’analogie7 chez Kant, une  notion critique.- in Les Etudes philosophiques, Paris, P.U.F.,1989.- p.p. 455-474.

[14]  كانط، إمانويل : مقدمة لكل ميتافزيقا يمكن أن تصير علما، ترجمة نازلي إسماعيل.- القاهرة،1967، فقرة 58.- ص.ص. 196-199، و فقرة 57.- ص.185.

[15] كانط، إمانويل : نقد العقل الخالص.- مرجع سبق ذكره.- ص.430.

[16] Hegel : Principes de la philosophie de droit.- Paris, Gallimard,1940,Tome 1.- p.45.

[17] للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع، يُمْكِن الرجوع إلى " عناصر لنظرية في الفلسفة عند لوي ألتوسير"، ضمن كتابنا : حوار الفلسفة و العلم و الأخلاق مطالع الألفية الثالثة، الدار البيضاء، دار المدارس،2002.

[18] Nietzsche, F.: La volonté de la puissance.- Paris, Gallimard,1940,Tome 1.- p.216.

[19] Badieu, Alain : Qu’est-ce que Louis Athusser entends par philosophie.- in politique et philosophie, dans l’œuvre de  Louis Athusser, ouvrage collectif, Paris, P.U.F. , 1993.- p. 29.

[20] Athusser, Louis : L’avenir dure longtemps.- Paris, Stock/IMEC, 1992.- p.161.

[21]  ابن رشد : فصل المقال...، تحقيق محمد عمارة.- القاهرة، دار المعارف،1983.- ص.ص.31-59.

[22] Ricœur, Paul : Finitude et culpabilité.- Paris, Aubier, 1960.- p.13.

[23] Gusdorf, G. : Mythe et métaphysique.- Paris, Flammarion, 1953.- p.8.