Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

إن تدريس الفلسفة في إطار الإصلاح الذي اضطلعت به الدولة يجب أن يكون له مكانة متميزة لدى مؤسسات التعليم الثانوي و الجامعي.

انطلاقا من هذا المبدأ ينبغي أن يتمّ العمل بين أساتذة الفلسفة على تصوّر مقرّارت الفلسفة مستلهمين في ذلك تطوّر المادّة في البلدان الأكثر تقدّما مثل ألمانيا، فرنسا، الولايات المتّحدة الخ... و هم في هذا المسعى ينبغي أن يوظفوا ما لديهم من معارف خدمة للمادة النبيلة التي يدرّسونها أي الفلسفة. و قد صار ضروريا، من الناحية التنظيمية وكما بيّنه كانط منذ قرنين، التّشبّث بالمؤسسة التعليمية (الثانوية، الجامعة و غيرهما) كفضاء لممارسة الفلسفة ذلك ما يؤكده أحد الباحثين عندما يذكر اعتراف أرسطو بانتسابه لأفلاطون واعتبار كانط لهذا الأخير مرجعا في الفلسفة، ثم يستنتج هذا الباحث أنه "كنّا لنُكون فكرة عن الفلسفة لولا وجود الفلاسفة، فكيف تكون لنا الرغبة و القدرة على التفلسف إذا لم نكن حصلنا على ذلك من الفلسفة ذاتها، أي من الكتب والمدارس؟"[1]

و إذا نظرنا إلى الفلسفة من ناحية فنّية، التعليم فأوّل ما يتبادر إلى الذهن هو الطريقة السقراطية كما جسّدها أفلاطون في محاوراته. بهذا يكون سقراط من خلال أفلاطون قد قدّم طريقة نموذجية في التدريس.

ومن خلال المؤسسة التعليمية تستطيع الفلسفة أن تتخذ لنفسها مهمّة تنمية قدرات الطالب على تـــكوين الأحكام (à former des jugements) و على التحليل والتقييم و المحاجّة (argumentation)، و هذه بعض سمات العقلانية (rationalisme) التي يجب أن تعمل الفلسفة على نشرها لتنقُل بذلك النور إلى مجتمع يعاني من الجهل والتخلف الفكري.

و هذا يجعل دورنا كأساتذة في الفلسفة واضحا و نبيلا مهما كانت الوحدة التي نقوم بتدريسها.

و بمناسبة هذا المحفل العلمي الموّقر رأيت أن أشرككم تجربتي المتواضعة المتمثلة في تدريسي لوحدة علـم المصطـلـحات الفـلـسـفـية بالـلّـغة الفرنـسـية (terminologie philosophique en langue française) بقسم الفلسفة مركزّة على نصوص من الفلاسفة المحّدثين. و بما أنّ الأمر يتعلق بالمصطلحات فالأحسن بنا أن نبدأ بتحديد المبحث نفسه، وهو (terminologie). يمكننا إجرائيا أن نترجم هذا المصطلح و نقترح له المقابل العربي أي "علم المصطلحات". وفي هذا يذكر " André Lalande" أنه يحتوي على معنيين، فهو يشير أوّلا إلى أنه "دراسة المصطلحات التقنية (أو الفنية) المتعلقة بعلم من العلوم أو بفنّ من الفنون". و يستعمل كذلك للدلالة على "مجموعة المصطلحات و اللّغة التقنية الخاصة بأحد المباحث أو بإحدى المدارس أو بأحد الكتاب"[2] .

و إذا كنّا نقرّر بأنّ مدرسة معيّنة أو فيلسوفا معيّنا لهما مصطلحاتهما الخاصة بهما فهذا لا يعني من الناحية النقديـة أنّ هـذه المصـطـلـحات تامّة (complètes) ودقيقة وواضحة و  ثابتة، (elles ne sont pas claires ni précises ni fixes) من ذلك مثلا أنّ مصطلح الجوهر عند أرسطو مصطلح غامض و غير ثابت لأن له أكثر من معنى، فهو يعني أحيانا الأفراد (les individus) كما ورد في كتاب المقولات، وأحيانا أخرى يعني الصورة (forme) و يلتبس أحيانا بمفهوم الكلّي (universel) كما ورد ذلك في كتاب الميتافيزيقا.[3]

و نفس التذبذب (hésitations) نجده عند كانط بالنسبة إلى مـصـطـلـح النّومــيـن (Noumène)، فهل يعني هذا المصطلح الشيء في ذاته، (la chose en soi) أو الموضوع المتعالي (l'objet transcendantal)، و هي مصطلحات استعملها كانط كلّها في نقد العقل الخالص لكن من دون دقّة و وضوح و هذا يربك القارئ.

نظرا إلى هذا الغموض راح فلاسفة آخرون يرفضون تصوّر أرسطو للجـوهـر (مثال Spinoza) و يـرفـضون النـومـين (Noumène) عـنـد كانـط مـثـل (Fichte) وهـيـجـل (Hegel).

يمكننا الآن أن ننتقل إلى تناول النص الفلسفي (le texte philosophique) بصفته الفضاء الذي تتحرّك فيه المصطلحات التي تعدّ المفاتيح لتفكيكه وفهمه. و كوصف أوّلي يمكننا أن نقول إن منهجية التناول تقتضي:

1. اختيار النص المناسب للموضوع المدروس.

2. أن يكون النص من مصادر الفيلسوف (la source).

3. أن يكون النص يحتوي على إشكالية أو فكرة جوهريّة يعالجها الفيلسوف، وهذا لمعرفة رأيه و موقفه.

4. أن يحـتـوي الـنـص عـلـى الـمـصـطــلـحـات الـخـاصـة بالــفــيــلـســوف (Une terminologie propre au philosophe) أو المدرسة التي ينتمي إليها أو حتّى التي يعارضها.

عندما نشرع في تناول النص نفسه، ينبغي أن نلاحظ أنّنا أمام نصّ بلغة أجنبية يقدّم لطلبة مستواهم ضعيف في هذه اللّغة، و لذلك تبرز الحاجة إلى الشرح قبل التحليل.

إذن فالقراءة و الشرح: و هنا يتمُّ تناول النص على مستوى لغوي بحت. لقد لاحظنا مدى ضعف الطلبة كما يظهر ذلك في افتقارهم إلى رصيد لغوي بحيث لا يستطيعون فهم الكثير من المفردات العادية، كما يظهر ضعفهم في عدم إلمامهم بقواعد اللغة، و هذا يجعل الطالب يواجه صعوبة في تراكيب الجمل والعبارات ممّا يضطرنا أحيانا إلى إبراز البنية النحوية للتراكيب اللغوية، هذه المرحلة من التعامل تصرف جهد الأستاذ في مسائل بعيدة عن الوجهة الفلسفية للنص.

أمّا خطوات التحليل (و لا أعني هنا أن فيه خطوات محددة) فهي أوّلا استخراج المصطلحات و هنا نلاحظ عدّة جوانب للمصطلح، فقد يكون المصطلح أجنبيّا أو دخيلا حتّى على لغة الفيلسوف نفسه، أعني بذلك أنه قد يكون ذا أصل يوناني أو ألماني أو إنجليزي يستعمله فيلسوف فرنسي و العكس أيضا، و هنا يتعيّن على الأسـتـاذ أن يـبـيـّن الانـتـماء الـلـغـوي للـمصـطلح، مثلا يستعمل Leibnitz مصطلح (l'atome spirituel) هنا Atome ليست كلمة فرنسية بل يونانية و مع ذلك صارت مصطلحا في لغة بعض الفلاسفة.

و هناك جانب آخر للمصطلح وهو الاستعارة أي استعارة الفيلسوف لمصطلح من فيلسوف آخر أو فلسفة أخرى.

و هنا إمّا أن يُبقي الفيلسوف على المعنى الأصلي للمصطلح أو يعطيه معنى آخر، فسبينوزا (Spinoza) [4] مثلا استعار مصطلح الجوهر و لكنه أعطاه معنى يختلف عن معنى أرسطو أو معنى ديكارت، فأرسطو و ديكارت وغيرهما يقولون بتعدد الجواهر، أمـّا Spinoza فيقـول بجــوهــر واحــد و مـن ثـمَّ وُصـفـت فـلسـفـتـه بالـواحـديـة (monisme)، و هناك جانب ثالث في المصطلح و هو أن يكون الفيلسوف قد أتى بمصطلح جديد خاص به، من ذلك مثلا مصطلح الذرية المنطقية(l'atomisme logique) عنـد راسـل (Russel) أو دازايــن (Dasein) عـنـد هـيـدقـار (Heidegger) أو ابيـستيم (Epistémè) عند (Bachelard) إلخ الأمثلة. في تحليل النص يجب مراعاة هذه الجوانب حتى يكوّن للطالب فكرة واضحة عن طبيعة المصطلحات المستعملة، ويتفطن كذلك إلى أنّ المصطلح الفلسفي لا يتقيد بالـلّغة الأصلية للفـيـلسوف لأن الفـيـلـسوف (est considéré comme un chasseur de concepts)  يعتبر صيادا للمفاهيم.

 ولكن هذه الجوانب لا تفي بغرض التحليل إذ لا بد من إظهار السيّاق الذي يتّحرّك فيه المصطلح حتّى يتضح معناه ضمن النسق العام للفيلسوف، لهذا ننصح طلبتنا بوضع الـمصـطـلـحات فـي سياقـها،(mettre le concept dans son contexte pour dégager le sens) و كما لاحظنا في المصطلح نلاحظ أيضا في الإشكالية عدّة جوانب، فهي قد تكون واضحة عندما يطرحها الفيلسوف طرحا واضحا.

ويساعد في الوضوح إذا اتّخذت الإشكالية صياغة سؤالية، و لكن ليس  مطلوبا أن تتمّ بهذه الصورة فالصيغة السؤالية مسألة لغوية، و من ثمّ فليس كل سؤال هو بالضرورة إشكالية.

ولذلك يجب على قارئ النص أن ينتبه إلى طبيعة اللغة التي تصاغ بها الإشكالية حيث تتّسم الصّياغة الإشكالية أحيانا بالحيرة و الاستغراب، يظهر هذا مثلا في تأملات ديكارت (Descartes était dans un état sceptique) وأحيانا بالتوتّر (tension) وأحيانا بالتشكك.

و مهما كان الأمر فإنّ الإشكالية لا بد أن تتجسّد في مصطلحات فلسفية معينة خاصة بالفيلسوف الذي يطرحها (elle est propre au philosophe).

موقف الفيلسوف:

و نحن نعلم أن المقصود به هو الطرح الخاص بالفيلسوف تجاه الإشكالية المطروحة، و يُلاَحَظ أنّهُ قد يكون جانبان للموقف أحَدُهما سلبي و الآخر إيجابي، بمعنى أنّه يمكن للفيلسوف أن يتّخذ موقفا نقديا من إشكالية معيّنة كأن يرفض طرحا معيّنا مثلا رفض  Lockeللأفكار الفطرية[5] و رفض Marx لمثالية Hegel، و قد يكون الموقف إيجابيا و يظهر هذا في دفاع الفيلسوف عن  طرح معيّن، و سواء تعلق الأمر بهذا أو ذاك فالفيلسوف دائما يستخدم المحاجّة (l'argumentation) و المحاجة تقتضي منه استخدام المصطلحات بصفتها السلاح الذي يهدّم به الطرح المخالف والذي يراه فاسدا، أو بصفتها أدوات البناء و التدعيم إن كان يريد بناء طرح وتتبيته.

مثال الهدم: عندما أراد Locke أن يهدّم أطروحة الأفكار الفطرية لجأ إلى مصطلحات التجربة التي ردّ إليها الأفكار ليبين بذلك أنها هي مصدر المعرفة، و هذا ينفي المصدر الفطري للمعرفة.

أمّا مثال البناء: عندما أراد كانط أن يبين أن المعرفة لا تعتمد فقط على التجربة لجأ إلى القول بالأساس القَبْلي لها (l'apriori) فقال بالصورة القبلية للزمان و المكان وبالمقولات (catégories) القبلية الذي تتأطر بالزمان والمكان، و الفهم (entendement) الذي يوفر المقاولات. و نلاحظ من  كل هذا الحضور الدائم للمصطلح لأنه سلاح ذو الحدّين فهو يصلح للهدم في سياقاته النقدية، و يصلح كذلك للبناء في سياقاته الحجابية و التدعيمية و  التبريرية.

ممّا سبق يتبيّن مدى أهمية المصطلحات و دورها في بناء النص الفلسفي، ولكن هذا الدور هو الذي يجعلها تتفاوت في درجتها و  قيمتها، ومن ثمّ فهي ليست في مستوى واحد و لا تبقى تملك نفس الدور الذي يتغيّر من نص إلى آخر.

فإتباع هذه الخطوات و مراعاة حيثيتها يُكْسب النص معقولية و تتّضح تدريجيا العناصر التي بدت غامضة، و عندئذ يمكن أن  يخضع النص لمساءلة نقدية من طرف القارئ ليفتح لنفسه، فضاءا آخر به يتجدّد فهمه. و هذا الفهم لا يلزم القارئ بتبني موقف الفيلسوف، إذ الغرض من تقديم النصوص هو إطلاع الطالب على نماذج التفكير المختلفة في مواضيع تهمنا و على دعوته إلى التفكير هو أيضا. و ما يستفاد من هذا هو أن الفيلسوف الحق لا يملي علينا ما يجب التفكير فيه بل يرشدنا إلى الطرق المختلفة و الممكنة للتفكير[6].

و بعد  هذا العرض يمكن أن  يتسائل البعض عن وظيفية النص الفلسفي باللغة الأجنبية (يجعل الطالب يحتك باللغة)، و هذا يضطرُّنا إلى الاستنتاجات التالية:

1. إنّ النص الفلسفي باللغة الأجنبية يجعل الطالب يحتك باللغة الأصلية للفيلسوف.

2. إنّ هذا الاحتكاك يمكّن الطالب من المصطلح الفلسفي باللغة الأجنبية.

3. إنّ  التمكّن من  المصطلح في سياقه الأجنبي لا يجعل الطالب مطّلعا على فلسفة ما بل يجعله قادرا على نقل هذا المصطلح إلى لغته هو،  ذلك أنّ تدريس النصوص ليس غاية في حدّ ذاتها ما دام مرتبطا بتكوين طالب ينتمي إلى ثقافة مغايرة، إضافة إلى ذلك أنّ حاجات الطالب إلى المصطلح الأجنبي تظهر مُلِّحة عند قيامه بالبحث.

4. تعريف الطالب على طرق التفكير في فضاء لُغويّ أجنبي، ذلك أن قراءة النص في أصله، يختلف كثيرا عن قراءته مُترجما إلى العربية.

Notes

[1] Mugliani, Jacques : L'enseignement philosophique et la lecture des grands textes.- Paris, Revue N°4, Mars-Avril 1993.

[2] Voir Lalande, André : Vocabulaire technique et critique de la philosophie

[3] Voir Aristote, Métaphysique, Traduction J.Tricot, livre 1.

[4] Voir Spinoza, Ethique, première partie, définitions N° 111

[5] Locke, J. : Essai de l'entendement humain, livre 1

[6] Mugliani, Jacques.- p. 65