Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

مقدمــــة :

ـ إن الممارسة الفلسفية مرتبطة، عضويا بعملية تدريسها، وذلك منذ النسق "الأفلاطوني" إلى الآن، إذ الفلسفة كثيرا ما تضطر للتنازل عن تجريداتها كي تتحول إلى بيداغوجيا، الشيء الذي يجعل اضطراب هويتها الثقافية والمعرفية تنعكس بشكل قوي على عملية تبليغها وتلقيها. على اعتبار أن كل مادة معرفية يكون لها حق الوجود بين جدران المؤسسة لابد أن تخضع لصفتين أساسيتين هما: "المؤسسيـة والقصدية "[1] الأولى : تعني أن الممارسة تلتزم ضوابط قانونية من حيث المحتويات والمناهج التدريسية.. والثانية : تتمثل في قصدية المشرع من المؤسسة التعليمية ومن تدريس المادة المعينة.. كأهداف عامة ومقررات.

ولأن مفهوم الفلسفة يعد مفهوما محوريا في الدرس الفلسفي، المفهوم/المفتاح الذي عن طريق فهمه واستيعاب محولاته ودلالاته المعرفية والاجتماعية، يتمكٌن الطالب / المتلقي من أن يفهم، العديد من الإشكاليات والقضايا التي يتضمنها عادة درس الفلسفة[2] بالمفهوم الواسع للمصطلح. لذا فإن التعرف على الكيفية التي يتقدم بها الخطاب الفلسفي[3] .. وعلى المضامين التي يمنحها للمفهوم، كفيل بمعرفة إلى أي مدى يصبح المفهوم أداة إجرائية وعملية واضحة الدلالة والتحديد، كما يمكن أن يكون عكسيا ، أي مجالا للغموض والالتباس والتعميم ..مما يترتب على ذلك مستتبعات إما سلبية أو إيجابية، على مستوى الممارسة البيداغوجية[4] ـ وللتدليل على ذلك يكفي الإشارة إلى التمييز بين الخطاب الفلسفي والخطاب العلمي ـ .

وإذن مما يجب أن تصاغ أهداف الدرس الفلسفي ؟ هل من فلسفة المؤسسة الرسمية، أم من الوعي الحر والمطابق للأستاذ /المدرس بطبيعة ونوعية التدريس[5] الذي يمارسه والمادة الدراسية التي يلقنها؟ وهل يمكن للمنهاج/ المقرر أن يقدم مضمونا فكريا نظريا ومنهجيا نموذجيا للمدرس، بحيث يساهم في خلق إطار "موحد" نسبيا لممارسة تدريس الفلسفة، أم أن طبيعة المادة ـ الفلسفة ـ كتعليم للتفلسف لا كتلقين " للفكر الجاهز " تقتضي بالضرورة أن يكون لكل أستاذ/ مدرس درسه، فيصبح الاختلاف على ما هو واقع سمة مميزة لممارسة تدريس الفلسفة ؟. وهل القصد بدرس الفلسفة كما يقدمه الفيلسوف لأتباعه ..[6] أم الدرس كمجموع ممارسات تعليمية تهدف إلى إيصال معرفة ما، ضمن معايير وتحديدات مفترضة من المؤسسة المؤطرة للعملية التعليمية ككل ؟. وبالتالي هل الدرس الفلسفي هو بذاته خطاب فلسفي، أم خطاب في الفلسفة، أم خطاب عن الفلسفة، أم خطاب حول الفلسفة ؟.

الحادث أن الدرس الفلسفي كان دائما ومنذ القديم مثار أخذ ورد .. ومرد ذلك إلى عدم استقرار النسق التربوي الذي يخضع لتقلب الإرادات المتصارعة داخل المجتمع.

بصدد واقع الدرس الفلسفي : مقاربة تشخيصية / نقدية:        

ـ  يعيش الدرس الفلسفي في المؤسسة الجامعية خاصة جملة من العوائق، منها ما هو مرتبط بالمؤسسة كإطار، ومنها ما يتصل بالوضعية النظرية التي يتحرك ضمنها. وما التساؤلات الآنفة الذكر عن هوية الدرس الفلسفي وتميزه عن الدرس اللافلسفي، ونوع المعرفة التي يتضمنها… إنها تساؤلات تتمحور حول درس الفلسفة وعلاقته بالمؤسسة والغاية والوظيفة التكوينية، هذه العلاقة التي تأبى الخضوع لنفس المواصفات والمعايير التي تخضع لها دروس المعرفة الأخرى.

فتاريخيا يمكن تمييز ثلاث مناهج في تعليم الفلسفة على مر العصور، فهناك منهج الحوار الذي ينسب إلى "سقراط" من خلال لقاءات حرة في الساحات العامة، يتضمن موضوعات متفرقة اتجاه مستويات فكرية متفاوتة.. (لكنه ليس تعليما بالمعنى الدقيق للكلمة). ثم بعده تلميذه "أفلاطون " الذي كان يقدم دروس يدوٌن الطلاب مذكراتهم من خلالها، ثم "أرسطو" لاحقا، والذي كان يعلٌم دائما في شكل دروس يلقيها على الطلاب وفي شكل محاضرات لجمهور أكبر.. أما في الإسلام لم يَعْطِ دروس في شكل حواري. بينما في أوروبا لا نجد فلاسفة معلٌمين إلا بدءا من القرن الثامن عشر.. فكانت الطريقة تتمثل في استخدام كتاب معين كأساس محوري والتعليق على الأفكار الواردة به وتطويرها.[7] وهناك منهج الدرس الذي يلقيه الأستاذ، إذ يكتفي الأستاذ / المدرس بالكلام والطالب بالإنصات وتدوين المذكرات.. (لكن هذا الأسلوب عمق الهوة بين الأستاذ وطلابه) ناهيك عن التساؤلات العديدة من مثل ما إذا كان الأستاذ / المدرس يلقي درسه في شكل عرض مستمر دون كتاب محدد ؟، أو كان عليه إلقاء الـدرس وفــق كــتــاب مـحـدد كـما كـان الـحال لدى "كانط"[8]. وأخيرا هناك الحلقة الدراسية وهي عبارة عن فصول أو مجموعات صغيرة ملتفة حول مناقشة موضوعات مع الأستاذ / المدرس، حيث يكون دور الطالب أكبر ودور الأستاذ أقل مما يحدث في الدرس الذي يلقيه الأستاذ. كما تأخذ الحلقة شكل مجموعة من الطلبة أو الباحثين تعمل تحت إشراف أحد الأساتذة[9]، وإذن هي "حلقة دراسية " تأخذ أحيانا شكل "دروس" على شاكلة " حلقات هايدغر" في ألمانيا.

لكن الصعوبة في تعليم الفلسفة والدرس الفلسفي تحديدا في الجامعة والمعاهد العليا قد تنجم من تمتع التعليم الفلسفي بقدر كبير جدا من الحرية من جانب مدرسي الفلسفة، وهي حرية ضرورية لا غنى عنها لأي بحث أو دراسة جامعية مرتبطة بواقع التاريخ الفلسفي.. إلا أن الضرر واقع بالنسبة للتعليم الفلسفي إذا كانت القطيعة تامة بين النظرية والممارسة التربوية[10]، لأننا إذا تصورنا أن الممارسة النظرية للفلسفة لاتكون ملزمة أبدا بأن تأخذ بعين الاعتبار الممارسة التربوية، فذلك يعود إلى اختلاف وجهات النظر اتجاه شكل هذه الممارسة. فمدرسي الفلسفة غير مقيدين ببرنامج و موضوعات أو دروس محددة سلفا أو بفلاسفة مقررين بصورة إلزامية .. (فهم يندرجون ضمن مباحث عامة، فلسفة إغريقية، إسلامية، حديثة ومعاصرة..) ومن النادر للغاية أن ينجز الأستاذ المقرر أو المنهاج الذي يعلن عنه في بداية السنة الدراسية "إذ غالبا ما يبقى من النوايا الطـيبة". على حد تعبير د. عبد الرحمن بدوي[11].

نظرا لغياب أية أهداف واضحة ودقيقة للدروس المفترض تدريسها (دون أن يعني ذلك غياب مطلق لأي أهداف). كما يعود إلى نقص التفكير التربوي عموما ومسألة التربية والتعليم في جانبها الفلسفي خصوصا. ما عدا تلك المقررات أو البرامج التعليمية العامة..

فما يتعلق بالمنهجية السائدة في التدريس مثلا، فالوضع كالتالي : من مؤيد ليكون الدرس الفلسفي عبارة عن تمرين على التفلسف انطلاقا من موضوعات عامة.. إلى من يميل إلى أن يأخذ الدرس الفلسفي النهج التاريخي بانتقاء موضوعات معرفية تتوافق ومستوى الطلبة..، وإلى من ينكر حتى وجوده على اعتبار أن ما يروج عندنا من كتابات وأفكار تعليمية.. لا تعدو أن تكون مجرد ترويج لما يصدر في الغرب. في حين الممارسة التربوية تكون حيث يكون هناك واقع تربوي، أي حيث يكون هناك تلقين للمعارف من جانب وتلقي لها من جانب آخر، فالتعليم العالي على هذا الأساس مكان للممارسة التربوية يؤدي التغافل عنها إلى التأثير سلبا على تحليلنا لواقع هذه الممارسة التربوية. كما تعود الأعراض التي يعاني منها الدرس الفلسفي داخل المؤسسة الجامعية، في مجملها إلى تغييب مساهمة الطالب / المتلقي لفظيا في سير درس الفلسفة إلا نادرا.. فهو يقتصر على الاستجابة الفورية للأسئلة التي تطرح من طرف الأستاذ / المدرس (قلة تواصل، قلة مبادرة)، مما يكرس أحادية الإيقاع، والإلقاء الشفوي لمفاهيم لا يستطيع الأستاذ تقويم مدى استيعابها من طرف طلبته. ولأن اعتماد المراكمة المعلوماتية في الدرس والاضطراب في فقراته.. يؤدي إلى امتلاك الطالب عقلية تجميعية وتناقض مضموني فيما يتلقى، الشيء الذي يتناقض وأهداف تدريس الفلسفة كمنهج للفهم، والنقد والتحليل والتركيب ..وليس كمضامين جاهزة وتامة.

أما على مستوى الممارسة البيداغوجية لِما نسميه مجازا بالدرس الفلسفي، فإننا نجد وضعيتة تتسم بهيمنة المنطق الوصفي، الذي يعتمد التجميع والمراكمة دون عمق في التحليل.. إنه عبارة عن ركام معرفي يدور حول مفهوم ما أو غيره، إذ يُقدّم في الغالب كمأثور أدبي وكموروث فكري يفتقد ذلك التداخل المعرفي والجدلي بين ما هو فلسفي وأدبي وعلمي، بين ما هو معقول ولامعقول، فهو خال من التفرد والتميز.. إلا من توصيف خطي ساكن. وفي أحسن الحالات لا يكون من مثل هذا الدرس الفلسفي المعطى صالحا إلا لذاكرة آلية ميتة، "بينما ذاكرة الحياة تتطلب فلسفة حية، تخاطب الأحياء، اليوم وغدا".[12] وكذا طرق الاستدلال التي يستخدمها الخطاب المبحوث بطريقة تأكيديه ووثوقية affirmative et dogmatique. ويخلو من أي استدلال بالمعنى العلمي (الاختباري والمنطقي) بل طريقة التكرار هي السائدة وهي الوسيلة الوحيدة للإقناع ." من باب أن كل فكرة ولو كانت خاطئة، إذا تكررت أقنعت"[13] وإذن كما لو كان الدرس نسقا جامعا مانعا، متراصا ومتماسكا، قطعيا ونهائيا،" متعال عن ملابسات الزمان والمكان والمجال.."[14] مما يمنع محاولة فهمه في زمنيته الخاصة، ومنطقه المتميز. وكأن المعرفة مجرد نقل استذكاري لا مكان فيه لأي تبادل معرفي، لأي تعارف empathie متعلق بما هو حي فينا وحولنا، بحاضرنا ومستقبلنا كجنس عقلاني… " في حين التمثل الحي لا يستمد حيويته إلا من حيوية حضورنا في العالم، في العصر.[15] أي يستمد من معنى حضورنا بالذات.

بصدد خصوصية الدرس الفلسفي :

ـ إن الدرس الفلسفي، لا من حيث صياغة أهدافه العامة أو الإجرائية ولا من حيث تقويم تحقق هذه الأهداف، قابل لأن يتحول إلى موقف تعلمي أو عملية تقنية دقيقة نسبيا مع مراعاة خصوصيات المضامين المعرفية لهذا الدرس، كاعتبار قضاياه من إنتاج مفكرين أو فلاسفة.. مما يتطلب فهما ناضجا وتأملا متأنيا.. لذا الحديث عن درس الفلسفة ليس كالحديث عن درس في الرياضيات أو التاريخ أو الجغرافية ..بل درس الفلسفة تكمن إشكاليته في علاقته بالمؤسسة من جهة وفي الوظيفة التكوينية التي تأبى الخضوع لنفس المواصفات والمعايير من جهة أخرى، إذ من حيث طبيعته كدرس فلسفي يتقاطب فيه المضمون المعرفي المعلوماتي التلقيني، والروح الفلسفية والفعل الفلسفي كإبداع حر، ومن أجل هذا وغيره .. يظل الدرس الفلسفي درسا ثريا للتعدد والاختلاف. فعادة ما يقال بأن ميزة الدرس الفلسفي تتأسس على حرية التعبير والتفكير مع السعي من أجل أن يحصل الطالب على أكبر قدر من الحرية في اختيار الاتجاه الفلسفي الذي يتوافق ونمط تفكيره .. مما ينجم عن ذلك أن تدريس الفلسفة أكثر التصاقا بمدرسها الذي يبقى "حرا" في اختيار طريقة تدريسه وانتقاء مواضيعه، الشيء الذي يظهر في اختلاف تدريس نفس الموضوع الفلسفي من أستاذ إلى آخر.. وإذن هناك عدم تحديد لأية أهداف عامة أو إجرائية بل وعدم الالنزام بأبسط شروط الممارسة التعليمية. في حين التدريس فن وعلم وتقنية يحتاج ممارسه إلى معرفة نظرية ومنهجية تطبيقية ووعي وتقدير لكل عناصر العملية التعليمية وهي أمور يثبت غيابها واقعيا.

وعليه، يمكن القول أن خصوصية الدرس الفلسفي لا تعود بالضرورة إلى أسباب إيديولوجية أو عقائدية أو نفعية، بل تعود بالأساس إلى ما يميزه كخطاب ذو وجود فعلي من خلال سماته الأصلية التي تظل ملازمة له. هذا الخطاب الفلسفـــي الذي تشتغل ضمنـــــه "ديداكتيك الفلسفة "[16] انطلاقا من حقول معرفية متعددة ومتنوعة نذكر منها للحصر، حقل المادة الدراسية ذاتها : أي تاريخها مناهجها، أهدافها.. وطبيعة التفلسف وآلياته واستراتيجياته، طبيعة المفاهيم الفلسفية مقارنة بالمفاهيم العلوم.. وحقل البيداغوجيا : الذي يتعلق بالتفكير في نوعية طرائق التدريس الأكثر ملائمة لطبيعة الفلسفة و كذا الأهداف من تعليمها وتعلمها، بطرائق التدريس وبخصوصيات دراسة الفلسفة في آنية واحدة غير منفصلة.

إمكانات إنجاز الدرس الفلسفي :

ـ بما أن مادة الفلسفة ذات خصوصية متفردة تطرحها العلاقة الإشكالية القائمة في تاريخ الفلسفة منذ القديم، ما بين قطبين أساسيين في تدريس هذه المادة وهما "درس ـ فلسفة " ومدى ما يمكن أن يطرحه هذا التقاطب من تناقض أولا تكامل.[17] لكن ألا يتناقض الدرس الفلسفي بهدفه المؤسسي التلقيني كفعل بيداغوجي مع الفلسفة كمنهج للتفكير، للتجدد والتجديد، والحوار، والتساؤلات.. ؟.

الحاصل بالنسبة لأساليب التدريس، ليس هناك أسلوب واحد متفق عليه من قبل مدرسي الفلسفة، ولكن هناك شبه إجماع لعدم الاعتماد على أسلوب المحاضرة وحده ونبذ أسلوب الإملاء والتلقين بصورة تامة (ولو من باب النوايا الطيٌبة) إذ يولون أهمية لمشاركة الطلبة وإفساح المجال أمامهم للمناقشة والحوار على الطريقة " السقراطية ". هذه الطريقة الحوارية التي لا تخر ج عن "النموذج المتمركز حول الأستاذ / المدرس"[18]، هذا النموذج الجامع لطرق بيداغوجية أخرى مثل الطريقة الإلقائية   magistrale أو الطريقة الدوغمائية، مع فارق وحيد بينهما وهو أن الطريقة الحوارية تثير مساهمة الطالب عن طريق الأسئلة.. لكن أسس هذه الطريقة من حيث التنظيم والتسيير والضبط لا تختلف عن الطريقة الإلقائية، لأنهما يقومان على الدور المركزي للأستاذ / المدرس في فعل التعليم والتعلم .(انظر الشكل رقم 1).               

 

في حين إمكانية إجراء الحوار تتطلب وجود أطراف ذات مستوى متقارب إن لم يكن متكافئا وليس الحال بين الأستاذ وطلابه، وإلا سيتحول إلى حوار أحادي ..إن هذا النموذج المهيمن قائم على تصور فلسفي سلبي للإنسان / الطالب، لأن الإنسان / الطالب داخل هذا التصور لا يمتلك قدرات على بناء المعرفة وليس ثمة مبادرة ذاتية لتنظيم تجاربه، مواقفه .. بل ينبغي له وفق هذا التصور أن يعتقد ويعبر عن أ شياء قد تكون متناقضة وتجاربه .. " إن مصيره شبيه بالمصير المأساوي لـجـاليلي Galilée "[19] ـ فالحقيقـة معلومة مسبقا ـ ( ذات وجود قبلي موضوعي وواقعي في الكتب والمراجع ..) وبالتالي آليات التعلم في هذا النموذج مورست خارج ذات المتعلم ،كونها مفروضة من طرف الذي يبلغها.. وكأن كل معرفة خارج ما هو مسطر سلفا تعتبر خطأ ينبغي إقصاؤه.

 فهل يقتصر الدرس الفلسفي على إعطاء معلومات فلسفية للطلبة، أم يوظف من أجل إنماء التفلسف بما فيه من إبداء الرأي وبلورة الرؤية ؟. بل كيف يمكننا صياغة هذه الأهداف بشكل لا يجعلها تحدد أنشطة الطالب / المتلقي ومبادراته ؟. بمثل هذه التساؤلات وغيرها سيغدو الهدف مقصدا يستهدف منتوجا منتظرا، أي قدرة تتجلى في معرفة حسن التصرف اتجاه مضامين معرفية محددة.. وبمعنى آخر إذا عملنا على تصفية وتحديد بيان المقاصد المعلنة.. من خلال عمليات : المعرفة / الفهم / التحليل / التركيب / التقويم.. في مقابل ـ تجاوز المفاهيم القبلية ـ نكون أمام أهداف ذات مصداقية نسبية، أهداف لها طابع مرن تؤدي إلى نتيجة يراوح بلوغها المد يبين القصير والمتوسط، ستصلح لا محالة كدليل يؤشر إلى الاتجاه الذي ينبغي أن يأخذه الفعل التربوي. فالأهداف ستصبح إجرائية عندما يتم تخصيصها وتدقيقها وذلك بوصفها أعمال مضبوطة يجب القيام بها.[20] مما يمٌكننا من استبدال المقرر التعليمي التقليدي بمقرر إجرائي يتضمن جملة من الأنشطة والقدرات وحسن التصرف التي يجب أن يكشف عنها الطلبة في نهاية عملية التعلم. ذلك لأن من طبيعة الدرس الفلسفي المنجز كممارسة تربوية دينامية مرتبطة بالمعايير التي تحكم هذه الأهداف. كالانطلاق من المجال الأصلي للدرس الفلسفي بالذات أي (الحقل الفلسفي) كسمة من السمات التي يتسم بها التفكير الفلسفي ـ أي بضرورة نقله (كمشروع نظري) إلى مستوى الإنجاز الذي يستمد منه دلالته الفعلية ـ لأن وجوده مرتبط أصلا بفعل تحققه وإنجازه. هذا الوجود الحاضر في الخطاب الفلسفي يكشف عنه كمنتوج جملة من العمليات.. (البناء، الطرح الإشكالي، صياغة جهاز مفاهيمي، البرهنة، التركيب..) على اعتبار أن الخاصية البيداغوجية المميزة للخطاب الفلسفي تجد مصدرها في كون ـ الخطاب الفلسفي في مجاله الأصلي ـ يعد التعليم الوحيد الذي يتجلى من خلال ذلك النشاط بالذات الذي يمارس من خلاله. فعلى سبيل المقارنة، تعليما معينا للتاريخ ليس تعليما تاريخيا، ولا يمكن أن يكون كذلك، وكذلك الشأن بالنسبة للكيمياء.. أما تعليم الفلسفة فلا يمكن أن يكون على العكس من ذلك سوى تعليما فلسفيا.[21] كما قد يفتقر مدرس الفيزياء إلى الكفاءة والخبرة التربوية مثلا.. لكن هذا لا يهدد من وجود الفيـزيـاء كـعـلم [22]، أما الفلسفة فهي على العكس من ذلك، إنها معنية بالذات في كل درس ينظر إليه كدرس في الفلسفة. فتلك هي الخاصية المستمدة من مجاله الأصلي، والتي تضفي عليه طابع السيرورة وتجعله بعيدا كل البعد عن العمل الجاهز. ومن ثم يكون الهدف المعلن غير متعلق بتعويد الطالب على إعادة إنتاج الخطاب ـ كما عرضنا من قبل ـ بشكل وثوقي أو تجميعي أو مجاور.. بل الهدف هو الوقوف أساسا على الكيفية التي يشتغل بها ذلك الخطاب وينتج بها نفسه أي (أدواتـه، أسسه، منطلقاته، أبعاده، تمفصلاته.. الخ. وإذن البعد الوظيفي للدرس الفلسفي هو تمكين المتعلم / الطالب من ممارسة التفكير الفلسفي بالفعل كسيرورة أو عملية .. وعليه فإن عملية إنجاز درس نقدي بديل لنموذج " الدرس / الخطاب ـ المتمركز حول الـمدرس " (الشكل 1) يتطلب استلهام الموقف " الكانطي " "أن الفلسفة لا تعلم وأن ما يتعلم هو فعل التفلسف". لأن موضوع الفلسفة هنا هو كلام المتعلم / الطالب، فدرس حول الفلسفة السياسية مثلا لا يهدف إلى تغيير آراء الطالب حول السياسة، بل يهدف إلى تغيير الطريقة التي اكتسب من خلالها آرائه السياسية.[23] وهدف الفلسفة مرة أخرى هو تعليم الطالب / المتعلم كيف يخلق تباعدا بينه وبين تجربته ومواقفه .. لكن لن يتسنى لنا ذلك إلا من خلال « النموذج المتمركز حول الطالب »[24]  كبديل يتيح للطالب إمكانية الانخراط فيما يفعله انطلاقا من اختياراته وحوافزه الداخلية، ومن ميولا ته وتوجهاته وحاجاته .. ( لكن ليس مجرد فعل يقوم على الحوار ـ سؤال/ جواب ـ)، لأن الأمر هنا لا يتعلق بإعادة اكتشاف جميع المعارف.. بل يقوم على المبدأ الذي يرى أن ما يكتشفه الفرد ويصل إليه بنفسه هو ما يبقى راسخا في ذهنه.

فإنتاج " المعرفة " ليس وقفا على المدرس / الأستاذ  ـ كما كان سائدا في نموذج الشكل رقم 1  ـ  بل دوره الفعلي ـ أي الأستاذ ـ يكمن في إتاحة شروط سيكولوجية وعلائقية ومادية .. تمكن الطالب من التعلم والإنتاج الذاتي .. بمعنى أدق، الأستاذ يستثمر جميع أدواته ومضامينه لكي يستخلص خلاصة أو خلا صات (مفتوحة) تغدو في تمثل الطالب ضرورية. أي بناء الدرس مع فتح واجهاته وفرضياته .. ومن ثم بالفعل تتحول وظيفة المدرس ( بشكلها التقليدي ) إلى مدرس مرشد وفق بنية ديداكتيكية مضبوطة، ـ ( انظر الشكل 2) ـ  تقوم أساسا على البحث عما يصنع القضايا الفعلية المرتبطة بموضوع ما، كالأسئلة الأساسية والمفاهيم الضرورية..              

 

.. فهو هنا ـ أي الأستاذ / المدرس ـ ليس مبلٌغ موضوعي.. وليس فيلسوف مصغٌر يدافع عن نظرية أو موقف.. بل هو واسطة بين حقل الفلسفة والطالب وفاعل في الفلسفة كمعرفة أو مضمون معرفي..[25] كما أنه ليس مؤرخ فلسفة بل يعيد إنتاج موضوع أو خطاب بلغة بيداغوجية تعليمية داخل نسق الخطاب، إذ لا يلخص المواقف فحسب بل يستخلصها، ولا يحكم عليها بل يبرز حركيتها .. على أساس أن المعرفة ليست خارجة عن ذات الإنسان فهو الذي يبنيها لذا من غير المنطقي أن نلقن الطالب / المتعلم معرفة جاهزة وثابتة … فهي تأخذ شكلها ـ أي المعرفة ـ في الدرس من الموقع الذي تحتله في بناء الدرس. فوظيفة الأستاذ / المدرس هنا لا ترتكز في سلطتــه (الوهمية) بل في علاقته بالطلبة كمساعد ووسيط، وفي لغته كوسيلة ديداكتيكية تعليمية تتجلى في تجسيد نمط مقاربــة الموضوعات وبنائها بناء فلسفيا. فالتواصل[26] داخل هذا الإطار لا يتجسد كاتصال عمودي مدرس ــ طالب، بل يتجسد كتواصل أفقي ينبني على لامركزية المدرس وتجاوز سلطته الوهمية، لأن الدرس هو درس الطالب / المتلقي والمتعلم في آن. والحوافز في النموذج المتمركز حول الطالب، ترتكز على الميول والحاجات والفضول في الاكتشاف (مقابل النموذج التقليدي). كما ترتكز على فتح الدرس الفلسفي على دروس المواد الأخرى، عن طريق استعارة المتخيل الأدبي، والفني، والتاريخي، وكذا فتحه على المتخيل الثقافي أو التراثي .. شريطة الاحتفاظ على خصوصيته.

خلاصة عامة :

إن إدماج الدرس الفلسفي في التوجه التربوي المعاصر الذي يقوم على تلقي مناهج التعلم وتقنياته.. ومدى تصور المدرس لحاجيات الطالب بالاعتماد على مجموع الطرق واستغلال مختلف المعطيات السيكولوجية والبيداغوجية والسيكو ـ سوسيولوجية الحديثة التي يتعين على المدرس / الأستاذ توظيفها لتلبية تلك الحاجيات.. والتي يمكن من خلالها الاستجابة لها، هو ما يمثل بحق جوهر العملية التواصلية في إنجاز الدرس الفلسفي. لأن الدرس الفلسفي تكمن بدايته في إمكانية تدشين فعل تواصلي، أي في بداية خلق علاقة الرغبة في التواصل لدى الطالب لكي ينخرط في الموضوع المطروح.. فإننا بدون هذا الفعل يصعب علينا تصور بناء أي درس. وما النضج الذي يتم بلوغه بعد عدد من العمليات الذهنية المنظمة.. إلا نهاية (مفتوحة) لهذا البناء. الشيء الذي يمكننا من جهة أخرى، من فهم مشاكل الفلسفة في التعليم العالي بأنها ليست مستقلة تمام الاستقلال عن شروط التعليم ما قبل العالي، حتى وإن بدا لنا التعليم العالي بمثابة قفزة نوعية في تغيير مضمون التعليم وشكله وطرقه.. وذلك دون أن نتغاضى عن ما نفتقده في مجال التعليم العالي من غياب للأبحاث الميدانية في مجال الممارسة التربوية، وكذا الأبحاث والدراسات التي أنجزت حول إشكالية الدرس الفلسفي، خاصة وأننا لم نحسم بعد في مسألة خصوصية الدرس الفلسفي، كما لم نضبط أنواع التداخل البيداغوجي والديداكتيكي لدرس الفلسفة.. الخ. وإذن لا يسعنا في الأخير إلا أن نتساءل عن إمكانية السعي لصياغة بيداغوجية جامعية تساعد على رفع مستوى وكفاءة أساتذة الفلسفة في التعليم العالي بالنظر إلى التعقد المتزايد والسريع للأنساق التربوية وتكاثر تخصصاتها الفرعية في عالمنا اليوم.. لأن ما يعد عائقا اليوم أمام إنجاز "خطاب علمي" في جامعاتنا، هو رفض مثل هذه التقنيات رفضا لا يستند على الدلائل العلمية في أغلب الأحيان بقدر ما تحركه توجهات إيديولوجية أو اعتباطية فارغة من أية مقاصد.

المراجع المعتمدة :

1ـ مصطفى القباج. تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي (اجتماع الخبراء بمراكش يوليو 1987. ط 1. 1990. دار الغرب الإسلامي .بيروت.

2 ـ عبد الرحمن بدوي. تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي. (اجتماع الخبراء بمراكش يوليو 1987. ط 1. 1990. دار الغرب الإسلامي .بيروت.

3 ـ محمد وقيدي : تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي. (اجتماع الخبراء بمراكش يوليو 1987. ط 1. 1990. دار الغرب الإسلامي .بيروت.

4 ـ انظر العربي وافي : تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي. (اجتماع الخبراء بمراكش يوليو 1987. ط 1. 1990. دار الغرب الإسلامي .بيروت.

5 ـ مصطى محسن : المعرفة والمؤسسة." مساهمة في التحليل السوسيولوجي للخطاب الفلسفي المدرسي في المغرب" ط1. 1993.دار الطليعة .بيروت .

6 ـ خليل أحمد خليل: " العقل في الإسلام. بحث فلسفي في حدود الشراكة بين العقل العلمي والعقل الديني " دار الطليعة. ط 1. بيروت 1993.

7 ـ جميل ابراهيم : " نظرة نقدية للثقافة المدرسية من زاوية تكافؤ الفرص التعليمية " مجلة الفكر العربي، عدد 24. ديسمبر 1981 .بيروت معهد الإنماء العربي.

8 ـ أعمال الندوة التكوينية الأولى. المنظمة لفائدة أساتذة مادة الفكر الإسلامي والفلسفة. أكاديمية الدار البيضاء. 1991. المغرب.

9- GUY PALMADE. « Les méthodes pédagogiques. » Ed. P.U.F. colloque sais-je.p.60.                 

الهوامش

[1] القباج، مصطفى : تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي (اجتـماع الخـبراء بـمـراكش يوليو 1987).- بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1990.- ص.16.

[2] درس : عبارة عن وحدة أو مقطع من التعليم يشكل كلا منسجما من الأهداف والمضامين والطرائق والوسائل وأساليب التقويم ، ويستند إلى منهج أو طريقة أو مقاربة معينة.. ولكل درس مرجعية نظرية لأن كل طريقة أو مقاربة لها أصول ومنطلقات.

[3] الخطاب الفلسفي: ونعني به مجموعة الأفكار والمواقف المعبر عنها باعتبارها مضمون مؤسس ومبني من عناصر متعددة …  مقروء / متلقي/ قارئ/ مخاطب …أو المستقبل لهذا الخطاب، والمراد بهذا المقروء هو تلك الصيغة أو مجموع الصيغ التي بها يقرأ ويفهم أو يؤول الخطاب.

[4] محسن، مصطفى : المعرفة والمؤسسة.مساهمة في التحليل السوسيولوجي للخطاب الفلسفي المدرسي في المغرب .- بيروت، دار الطليعة، ط1، 1993.- ص.ص.54 وما بعدها.

[5] نوعية التدريس : القصد منها مفهوم (طرق التدريس = الديداكتيكا) أي التنظيم الذكي للدرس الفلسفي من حيث أغراضه وأدواته التربوية المساعدة كالنصوص مثلا.

[6] بمعنى هل هو درس فلسفي يقتضي دروس الفلاسفة المعلمين ، ويقتضي بذلك الأنصار والأتباع ؟ أم كإبداع فكري حر، بالمؤسسة بإيديولوجيتها، وتنظيماتها، وأهدافها، وميكانيزمات اشتغالها في وسط مجتمع محدد في الزمان والمكان؟.

[7] انظر بدوي، عبد الرحمن : تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي.- المرجع السابق.-  ص.61.

[8] ـ نفسه.- ص.66.

[9] ـ نفسه.-  ص.69.

[10] ـ وقيدي، محمد : تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي.- المرجع السابق.- ص. 255.

[11] ـ نفسه.- ص.70.

[12] ـ أحمد خـليل، خليل : العقل في الإسلام. بحث فلسفي في حدود الشـراكـة بـين العقل العلمي والعقل الديني ".- بيروت، دار الطليعة، ط 1، 1993.- ص. 298

[13]ـ انظر د. ابراهيم، جميل:  نظرة نقدية للثقافة المدرسية من زاوية تكافؤ الفرص التعليمية.- بيروت، مجلة الفكر العربي، عدد 24، ديسمبر 1981، معهد الإنماء العربي.- ص.ص.67 و مابعدها.

[14] ـ محسن، مصطفى : المرجع السابق.- ص.93.

[15] ـ أحمد خليل، خليل : المرجع السابق.- ص.300.

[16] ديداكتيك الفلسفة :  يعنى بها دراسة وضعيات وسيرورات تعليم وتعلم الفلسفة قصد تطويرها وتحسينها..

[17] انظر. أعمال الندوة التكوينية الأولى. المنظمة لفائدة أساتذة مادة الفكر الإسلامي والفلسفة. أكاديمية الدار البيضاء. 1991. المغرب. ص 184.

[18] النموذج المتمركز حول المدرس : يقوم على اعتقاد أن المعرفة ذات وجود قبلي ، أي أنها منفصلة عن ذات الإنسان مما يقود إلى الدوغمائية التي تعتقد أنه من الممكن تبليغ معرفة يفترض أنها صحيحة إلى الآخر.. وإذن من الناحية المعرفية يقود هذا النموذج إلى الدوغمائية ، ومن الناحية العلائقية يقود إلى تجسيد السلطوية.

[19] ـ انظر :Palmade, Guy : Les méthodes pédagogiques.- Ed. P.U.F., colloque sais-je.- p.60.

[20] ـ انظر العربي وافي : تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي. المرجع السابق .ص 286.

[21] انظر: الندوة التكوينية.- المرجع السابق.- ص.20.

[22] لأن المعرفة العلمية تظل بحكم طبيعتها قابلة للتعليم والتبليغ ( تستخلص منها خطاطات، تلخيصات، أنواع متعددة لكيفية استعمالها.. أما المعرفة الفلسفية لا يمكنها أن تتجلى إلا من خلال المؤلفات الفلسفية .. لأن المنتوج الفلسفي يحتل موقف جوهريا ضمن الدرس الفلسفي.

[23] راجع : الندوة التكوينية.- نفس المرجع.- ص.37.

[24] يرتكز النموذج المتمركز حول الطالب على مبادئ التعليم الذاتي انطلاقا من إمكاناته وقدراته، كما يتمركز حول إنجازات ونشاط الطالب ،  إذ يعطي أهمية لفر دانية الشخص في مقابل النموذج المتمركز حول المدرس .

[25]  راجع الندوة التكوينية.- المرجع السابق.- ص.52.

[26] مفهوم التواصل حسب تحديد " شارل كولي " : هو الميكانيزم الذي بواسطته توجد العلاقات الإنسانية وتتطور ، إنه يتضمن كل رموز الذهن مع وسائل تبليغها عبر المجال وتعزيزها في الزمان ..