Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

طرح المشكل:

ما معنى التعليمية الجديدة ؟ و ما هي بعض معالمها البارزة ؟ وإلى أي مدى يمكن تطبيق هذه المعالم في تدريس الفلسفة في الطور الثانوي؟ وهل يمكن أن نجد في طبيعة الفلسفة ما يساعدنا على أداء هذا العمل التربوي و على تطبيق هذه النظرية التربوية الجديدة ؟

1. معالم التعليمية الجديدة

أ. ما هي التعليمية الجديدة ؟

كلمة "التعليمية"[1] ترجمة لكلمة didactique و هي مشتقة من كلمة didactika اليونانية و كانت تطلق على ضرب من النظم يشرح معارف علمية أو تقنية. و من التعريفات الواردة في بعض المعاجم : "التعليمية هي ما يهدف إلى التربية و ما يتعلق بالتعليم". "هي علم موضوعه دراسة طرق التعليم". والحق أنها تهتم لا بالطرق البيداغوجية التربوية فحسب، و إنما بكل ما يتعلق بالعملية التربوية. فهي "تهتم بكل جوانب العملية التعليمية ومركباتها من متعلمين و مدرسين ومؤطرين وإمكانيات و طرائق و كل ما هو جزء من هذا النظام".

و يجدر بالذكر أن مجال البحث التربوي في هذه النظرية، لا يقتصر على كيفية نقل المعلومات و المفاهيم إلى المتعلم، الأمر الذي يشكل التعليم بمعناه العادي. وإنما مجال دراستها أوسع تتجاذبه أطراف ثلاثة:

المادة التعليمية، المعلم و المتعلم.

                               

  الطرف الأول : هو المجال المعرفي أي: ماذا نعلم؟

الطرف الثاني : هو المجال البيداغوجي أي: من يتعلم؟           

الطرف الثالث : هو المجال النفسي للمتعلم أي: من نعلم؟

العلاقة : متعلم / معرفة : التربية التقليدية تعتبر المعلم فردا محايدا في التعليم وتعتبر عقله فارغا ينبغي حشوه بالمعرفة بينما التعليمية تنظر إليه على أنه فرد فعّال يشارك في التعليم أو يعيق التعليم بناء على معارفه السابقة.

العلاقة معلم / معرفة : تهتم التربية التقليدية بكمية و نوعية المعرفة الواجب تدريسها بينما التعليمية تدعو إلى تكييف هذه المادة المعرفية مع مستوى التلميذ و مع الاختبارات المنهجية و مع جملة من الأهداف السلوكية و الإجرائية. 

العلاقة: معلم / متعلم: و هي التي تمثل العلاقة البيداغوجية المحضة المسماة بالعقد التعليميdidactique  contrat المبرم. فما هي طرق التدريس الأفضل؟ و ما هي الآليات الكفيلة بتكوين التلميذ معرفيا و تقويمه سلوكيا؟

فروع التعليمية: لكل مادة دراسية خصوصياتها، محتواها المعرفي، الوسائل والأساليب البيداغوجية الكفيلة بتبليغ هذا المحتوى للتلميذ. وكذا لكل مادة أهداف محددة تصب في الأهداف العامة المتوخاة من المنهاج التربوي العام لدولة من الدول. فهناك تعليمية التاريخ، تعليمية الجغرافيا تعليمية البيولوجيا، تعليمية الرياضيات...إلخ

ب. الأهداف التربوية

هي أول مكون للمنهاج التربوي التعليمي لمادة أو لمجموع المواد. فهي عبارة عن صور للمستقبل ترسم في الحاضر. فهي تحدد ملمح المواطن الذي تسعى المدرسة لتكوينه عبر المراحل الدراسية.

لقد اختلف رواد التعليمية في تصنيف الأهداف فهناك عدة تصانيف منها:

 

 

ج. شرح الأهداف التربوية [2]

الغايات: هي المبادئ العامة التي توجه النظام التربوي. هي ترجمة لقيم المجتمع و ثقافته وآماله. إنها تحدد ملمح المواطن المراد تكوينه.

أمثلة: حب الوطن، الاعتزاز بالتراث الإسلامي، فضيلة التسامح. فالغايات يرجى بلوغها من وراء عدة برامج لعدة مواد عبر عدة مراحل دراسية من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية وربما حتى الجامعية.

المرامي: و هي تشتق من الغايات. (من الغاية الواحدة تشتق مجموعة من المرامي). فهي تعكس النوايا التربوية التي تحددها مجموعة معينة من المربين لبرنامج مادة معينة في طور دراسي. فإن كانت الغايات هي الأهداف البعيدة، فالمرامي أهداف قريبة نسبيا.

أمثلة: تنمية روح الاستقصاء عند التلميذ، إكسابه معارف رياضية، تنمية القدرة لديه على التفكير المنطقي السليم.

الأهداف العامة: تشتق من المرامي. فالمرمى الواحد يتم بلوغه بواسطة عدة أهداف. و الهدف العام هو قدرة عقلية أو نفس – حركية أو وجدانية تتم تنميتها لدى التلميذ بواسطة عدة دروس أو محاور، أي خلال فصل دراسي أو سنة دراسية.

أمثلة: - القدرة على التعبير الدقيق.

      - القدرة على استعمال و قراءة الخرائط الجغرافية.

      - القدرة على تحليل و مناقشة نصوص بطريقة فلسفية (أو كتابة مقالة فلسفية حول نص).

      - القدرة على تحرير مقالة فلسفية.

الأهداف الخاصة: تشتق هي الأخرى من الأهداف العامة. فهي مرتبطة بمحتوى درس معين. لذا فمدة تحقيقها قصيرة نسبيا. فإذا كان الهدف العام هو كتابة مقالة فلسفية حول نص، فإن الهدف الخاص يمكن أن يكون القدرة على إبراز المشكل المطروح في النص أو القدرة على إبراز موقف صاحب النص من المشكل أو القدرة على إبراز الحجج الواردة...الخ.

أمثلة من مواد أخرى:

الهدف العام هو القدرة على التعبير ← الهدف الخاص هو القدرة على إنجاز مقدمة أدبية سليمة.

الهدف العام هو قراءة الخرائط     ← الهدف الخاص هو القدرة على قراءة الخرائط الطبيعية.

الهدف العام هو حل المعادلات     ← الهدف الخاص هو القدرة على حل معادلات من الدرجة الأولى بمجهول واحد.

 الأهداف الإجرائية: الهدف الإجرائي هو نفسه الهدف الخاص مصاغا بطريقة دقيقة عملية تصف الأداء المتوقع قيام التلميذ به. و هو أداء قابل للملاحظة والقياس.

و فيما يلي، نخصص الحديث عن الأهداف الإجرائية.

د. شرح الأهداف الإجرائية

الهدف الإجرائي: يعني الأداء المتوقع قيام التلميذ به عند دراسة محور تعليمي أو عند تلقي درس نظري أو تطبيقي لمادة تعليمية ما. بمعنى وصف الحاصل أو ناتج التعليمي. و هو قابل للملاحظة و القياس. لذا، تجب صياغته بدقة وإيجاز تعكس الطابع العملي البراغماتي لهذا الهدف.

أهمية الأهداف الإجرائية:

1- الهدف الإجرائي يدفع المعلم إلى تنظيم عمله بحيث يؤدي إلى تحقيق سلوك تعلّمي ظاهر، قابل للملاحظة و القياس.

2- الهدف الإجرائي معيار يختبر به المعلم مدى نجاحه في التدريس و يسمح له بالبحث عن أسباب الفشل قصد الرفع من مستوى أدائه التربوي.

3- الهدف الإجرائي يجعل التعلم سهلا، واضحا و فعالا. فيجعل المتعلم متوجها بوعي وإرادة إلى طلب المعرفة و مقبلا على التكوين، لأن الهدف المراد بلوغه محدد وواضح أمامه.

4- الهدف الإجرائي دليل في أيدي أولياء التلاميذ للوقوف على مستوى التحصيل لدى أبنائهم. و دليل في يد الهيئات المشرفة على التربية و التعليم على مدى نجاعة العملية التعليمية لأنه هدف يترجم في سلوك ملاحظ و قابل للقياس.

كيفية صياغة الهدف الإجرائي: هناك عدة تقنيات منها تقنية (ميجر). و تتكون من ثلاث خطوات و هي:

1- تحديد السلوك المتوقع قيام المتعلم به، و هو سلوك ملاحظ و قابل للقياس.

نقول: أن يكتب، أن ينجز، أن يقارن، أن يعرّف...الخ.

2- تحديد شروط الأداء التي يجرى فيها هذا السلوك. نقول: باستخدام الكتاب المقرر، باستخدام الآلة الحاسبة، توظيف معلومات الدرس...الخ

3- تحديد معيار الأداء المقبول للحكم على مستوى النجاح. نقول: كمية المردود المطلوب في مدة زمنية معينة، نوعية المردود المطلوب في مدة زمنية معينة، الحد الأدنى المطلوب لأداء معين. مثال: حل تمرين في المنطق دون الرجوع إلى الدروس في 5 دقائق.

ملاحظة: يسهل التمييز بين الأهداف الخاصة و الإجرائية في المواد التطبيقية. لكنه يصعب في المواد النظرية. فالأهداف الخاصة – في هذه المواد – هي ذاتها الأهداف الإجرائية.

تصنيف (بلوم) للأهداف الإجرائية

تصنيف بلوم عبارة عن سلم متدرج للأهداف ينتقل من البسيط إلى المعقد. فهو تصنيف عام و محايد، بحيث يمكن تطبيقه على كل المواد الدراسية و في جميع المستويات و يسمح بإجراء تقويم جدي و دقيق من وراء الامتحانات التي تجرى على التلميذ.

 مستويات التصنيف:

1- مستوى الحفظ: مستوى التذكر و الاسترجاع و فيه يطلب تذكر معلومات مختلفة.

الأفعال السلوكية الدالة: أن يصنف، أن يعدد، أن يذكر، أن يسترجع.

2- مستوى الفهم: تحويل معلومات من صيغة إلى أخرى أو إعادة بناء للأفكار أو القدرة على تجاوز المعطيات لاستنتاج ما يترتب عنها.

الأفعال السلوكية الدالة: أن يحولّ، أن يترجم، أن يوضح، أن يلخص، أن يعلل.

3- مستوى التطبيق: مستوى ترجمة ما تم فهمه إلى إجراء عملي من خلال أعمال ذات طابع تجريدي كما في الرياضيات أو تجسيدي كما في الكيمياء.

الأفعال السلوكية الدالة:أن ينظم، أن يستعمل، أن  يحسب، أن يبرهن، أن يتنبأ، أن ينتج، أن يرسم، أن يطبق.

4- مستوى التحليل: مستوى تجزئة المادة التعليمية إلى عناصر فرعية بسيطة لفهم بنيتها و إعادة تنظيمها. و يتناول تحليل العناصر الرئيسية والعلاقات بين الأجزاء و كذا الأسس التي تقوم عليها البنية.

الأفعال السلوكية الدالة: أن يحلل، أن يجزيء الموضوع، أن يقارن، أن يوضح، أن يبين.

5- مستوى التركيب: مستوى وضع أجزاء المادة التعليمية في قالب جديد أي إعادة تنظيم المادة في هيئة جديدة كما في تأليف قصة أو في وضع خطة.

الأفعال السلوكية الدالة: أن يركب، أن يقترح، أن يخطط، أن يصمم، أن يربط، أن يعيد تنظيم شيء ما، أن يستخلص.

6- مستوى التقويم: مستوى الحكم على قيمة المادة الدراسية داخليا أو خارجيا.

الأفعال السلوكية الدالة: أن يقيم، أن يقرر، أن يوازن، أن يناقش، أن يحكم.

2. نماذج للتطبيق في مادة الفلسفة لتلاميذ الطور الثانوي

أ. النموذج الأول:

العمل: درس تطبيقي.

الموضوع: نص للمفكر (رسل) حول قيمة الفلسفة.[3] (تحليل و مناقشة).

الأهداف التربوية:

الغاية: بث الروح النقدية لدى التلميذ.

المرمى: تدريس الفلسفة في الطور الثانوي كما تنمي التفكير النقدي.

الهدف العام: تنمية القدرة على المعالجة الفلسفية للنصوص و هي قدرة عقلية.

الهدف الخاص و الإجرائي: القدرة على إبراز ثلاثة أحكام و حجتين مع بيان نوعيها في ساعة بتوجيه الأستاذ.

" تنشأ الفلسفة من محاولات عنيدة، يحاولها الإنسان للوصول إلى المعرفة الصحيحة، إذ المعرفة التي يتقبلها الناس بالتسليم معيبة بمآخذ ثلاثة لا ترضي الفيلسوف. فهي أولا تتعجل اليقين قبل أن تتوافر أسبابه. و هي غامضة ثانيا، ثم هي متناقضة بعضها مع بعض ثالثا. وإنك لتخطو الخطوة الأولى في سبيل الفلسفة إذا أدركت هذه النقائص في تفكير العامة، لا لتستريح إلى شك خامل عقيم، بل تقيم في مكان تلك المعرفة معرفة أخرى تتميز بميلها إلى التجريب، الدقة، الاطراد و الشمول. وأعني بالشمول أن يتسع علمنا بحيث يتناول من الكون أوسع ما يمكن أن يتناوله".

و عمل الفلسفة هو أن تزيل هذه النقائص من المعرفة الإنسانية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، بدون أن تشك ذلك الشك الذي يتنكر لها جملة واحدة و ينفيها. فلكي تكون فيلسوفا، ينبغي لك أن تشتد بك الرغبة في المعرفة الصحيحة. وأن تمتزج هذه الرغبة بالحذر في قبول ما تقبله. و لا مندوحة لك عن حذق منطقي و دقة في التفكير. فالفلسفة فاعلية لا تنفك بحثا عن الكمال". (برتراند رسل).

مقدمة:

صاحب النص: فيلسوف و رياضي إنجليزي معاصر (1872-1970). من رواد الوضعية المنطقية و من مؤسسي الرياضيات المعاصرة و المنطق الرياضي. من آثاره: "مبادئ الرياضيات" الذي اشترك في تأليفه مع (و إيتهيد) وكتاب: "الفلسفة بنظرة علمية".

الإطار الفلسفي للنص :  يندرج النص في فلسفة  المعرفة و يتناول قيمة الفلسفة ودورها في البحث العلمي.

طرح المشكل: إذا كانت القضايا الفلسفية غير يقينية، فكيف يكون التفلسف سبيلا للوصول إلى الحقيقة؟

التحليل

موقف صاحب النص: البحث عن الحقيقة يتم بالفلسفة و التفلسف.

العنصر الأول: (تنشأ...ثالثا)

الحكم: الفلسفة معرفة رافضة للمعرفة الشائعة و الساذجة.

الحجة: المعرفة الساذجة دوغمائية، غامضة و غير منطقية. لكن الفلسفة لا هي دوغمائية ولا هي غامضة و هي في الوقت نفسه منطقية (أي غير يقينية، واضحة، دقيقة و معقولة).

إذن، الفلسفة هي الخصم اللدود للمعرفة الساذجة.

نوعها: حجة صورية (منطقية) من نوع القياس الحملي:

كل أ هو ب. كل ج ليس ب إذن كل ج ليس أ

العنصر الثاني: (وإنك...يتناوله)

الحكم: رفض الحس المشترك و البحث عن الحقيقة العلمية هو ذاته اشتغال بالفلسفة.

الحجة: الشك في المعرفة الساذجة تفلسف. و التفلسف حركة فكرية لبلوغ الحقيقة. و الحقيقة تتصف بما يلي:

- معرفة تجريبية.

- معرفة دقيقة وواضحة.

- معرفة قابلة للتفسير بالسببية و الحتمية.

و هي كلها مبادئ في التفكير العلمي. و بدونها لا ينشأ العلم. إذن، الروح الفلسفية تقود – بالضرورة – إلى وجود العلم. و باختصار، إن كان هناك تفلسف، فهناك بحث عن الدقة، عن الموضوعية و المعقولية. إذن، إن كان هناك تفلسف كان هناك بحث عن العلم. من هذه النتيجة نستنتج: إن لم يكن هنالك بحث عن المعرفة العلمية Ü لم يكن هنالك تفلسف طبقا لقانون عكس النقيض.

نوعها: حجة صورية من نوع برهان القياس

[(أ ⇐ ب) Ù (ب ⇐ ج) ] إذن [ أ ⇐ ج] نستنج لاج ⇐ لا أ.

العنصر الثالث : ] وعمل الفلسفة... الكمال[.

الحكم : البحث عن الحقيقة لا يعني الرفض المطلق للمعرفة الإنسانية برمتها, وإنما يجب أن يتميز دائما بما يلي: بروح نقدية للموضوع و للذات بفطنة منطقية وبدقة في التفكير و التعبير. وهي صفات يجب أن يتحلى بها كل من الفيلسوف والعالم.

الصورة المنطقية للنص:

كل موقف نقدي للمعرفة الساذجة هو شرط لبلوغ الحقيقة.

الفلسفة موقف نقدي للمعرفة الساذجة

‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾

إذن الفلسفة شرط بلوغ الحقيقة

مناقشة:

الروح الفلسفية بالفعل دعامة الروح العملية، حيث أننا إذا ألغينا التفلسف من البحث العلمي، اختفى هذا البحث.

البحث الفلسفي هو مصدر المنطق و مناهج البحث العلمي. ولو لا المنطق ولو لا هذه المناهج، لما كانت هنالك علوم. و تاريخ المعرفة يثبت ذلك. لكن، هل هذا يعني أن نص الفيلسوف خال من كل ذاتية؟

لقد أكدنا و أثبتنا دائما بأن كلام الفيلسوف يتراوح بين الذاتية والموضوعية. و إذا كان كلام (رسل) يقترب كثيرا من الموضوعية لقوة حججه المنطقية ومن الناحية الواقعية و العلمية، فإنه يعكس انتماءه المذهبي "للوضعية المنطقية". و هو مذهب يقيم الحقيقة على ركيزتين إثنتين و هما المنطق و الواقع الفيزيائي وما تجاوزهما فهو ضرب من الأوهام. فالفيلسوف الذي يتحدث عنه (رسّل) ليس أي فيلسوف، بل هو بالدرجة الأولى فيلسوف تجريبي وضعي يعتقد بما يعتقد به رسل. فقيمة الفلسفة تقاس بمدى ما تقدمه من خدمات للعلوم الرياضية و الفلسفية و الاجتماعية وأعمال (رسل) الفكرية شاهدة على ذلك سواء تلك التي ألفها بمفرده أو بالاشتراك مع آخرين مثل (وايتهيد).

النتيجة: للفلسفة دور فعال في نشأة العلم و تقدمه. فبدون روح فلسفية لا توجد روح علمية و بدونها لا يوجد علم و لا يتقدم. غير أن للفلسفة أدوارا أخرى لا تقل أهمية تتمثل في كونها منهجا لنقد القيم و نقد الأوضاع الاجتماعية من أجل المساعدة على تقديم الحلول الممكنة. و كذا، هي نظرة شاملة للإنسان و الوجود.

ب. النموذج الثاني:

العمل: درس تطبيقي

الموضوع: نص للفيلسوف (ابن سينا)[4] حول الشخصية (تحليل و مناقشة).

الأهداف التربوية:

الغاية: تمجيد التراث الإسلامي مع تحليله و نقده.

المرمى: التعرض للفكر الإسلامي في برنامج تدريس الفلسفة.

الهدف العام: تشجيع التلميذ على تحليل و نقد التراث الإسلامي الفلسفي (قدرة وجدانية و قدرة عقلية)

الهدف الخاص الإجرائي: ملاحظة مدى النفاذ إلى المحتوى الفكري أو ملاحظة مدى القدرة على مناقشة نص قديم من التراث.

"المراد بالنفس ما يشير إليه كل أحد بقوله أنا (...) تأمل أيها العاقل في أنك اليوم في نفسك هو الذي كان موجودا جميع عمرك، حتى أنك تتذكر كثيرا مما جرى من أحوالك. فأنت إذن ثابت مستمر لا شك في ذلك. وبدنك وأجزاؤه ليس ثابت مستمرا، بل هو أبدا في التحلل و الانتقاص. و لهذا يحتاج الإنسان إلى الغذاء بدل ما تحلل في بدنه (...) فتعلم نفسك أنه في ذمة عشرين سنة لم يبق شيء من أجزاء بدنك و أنت  تعلم بقاء ذاتك في هذه المدة، بل جميع عمرك. فذاتك مغايرة لهذا البدن وأجزائه الظاهرة و الباطنية.(...)

إن الإنسان إذا كان متهما في أمر من الأمور، فإنه يستحضر ذاته، حتى أنه يقول: إني فعلت كذا أو فعلت كذا. وفي مثل هذه الحالة يكون غافلا عن جميع أجزاء بدنه، و المعلوم بالفعل غير ما هو مغفول عنه. فذات الإنسان مغايرة للبدن. (...)

إن الإنسان يقول: أدركت الشيء الفلاني ببصري فاشتهيته أو غضبت منه. وكذا يقول: أخذت بيدي و مشيت برجلي و تكلمت بلساني و سمعت بأذني و تفكرت في كذا و توهمته و تخيلته. فنحن نعلم بالضرورة أن في الإنسان شيئا جامعا يجمع هذه الإدراكات و الأفعال. و نعلم بالضرورة أنه ليس شيء من أجزاء هذا البدن مجمعا لهذه الإدراكات و الأفعال. فإنه لا يبصر بالأذن و لا يسمع بالبصر و لا يمشي باليد ولا يأخذ بالرجل. ففيه شيء مجمع لجميع الادراكات و الأفعال فإذن الإنسان الذي يشير إلى نفسه بأنا مغاير لجملة أجزاء البدن، فهو شيء وراء البدن".

الإطار الفلسفي للنص: يندرج النص في فلسفة المعرفة و يتناول طبيعة الأنا في الإنسان أي جوهره أو هويته.

طرح المشكل: فهل هو من طبيعة جسدية أم روحية؟

موقف صاحب النص: جوهر الشخص (الأنا) من طبيعة روحية. فالأنا هو الجانب النفسي في الإنسان و الجانب النفسي في الإنسان هو الأنا.

العنصر1: [تأمل... الباطنية]

الحكم: هوية الإنسان ليست من طبيعة بدنية.

الحجة: لو تأمل كل واحد في نفسه لوجد أن هويته ثابتة عبر الزمن رغم التغير الخارجي و الداخلي على المستوى البدني.

نوعها: حجة حدسية (استبطانية)

العنصر 2: [إن الإنسان...للبدن]

الحكم: هوية الإنسان ليست من طبيعة بدنية.

الحجة: تحمل المرء لمسؤولية خلقية أو قانونية دليل على أن جوهره أو هويته من طبيعة روحية، حيث أن النفس هي التي تتحمل المسؤولية و ليس الجسد. فالجسد ليس أداة لتنفيذ أو أمر النفس.

نوعها: حجة اجتماعية.

العنصر 3: [إن الإنسان يقول...وراء البدن]

الحكم: مركز جميع الأفعال و القدرات الحسية، الحركية و الذهنية مفارق للجسد. وهو العقل.

الحجة: لكل عضو و لكل حاسة وظيفة معينة واحدة. ولو فرضنا أن جميع الأفعال و القدرات موجودة في عضو واحد أو حاسة واحدة، فإنه بهذه الحاسة أو بهذا العضو الواحد يرى، يسمع، يشم و يتذوق...إلخ و هذا محال. إذن، فالمركز الذي يتحكم في الإنسان ليس بدنيا. فهو مفارق للبدن أي من طبيعة روحية.

نوعها:حجة صورية من نوع البرهان بالخلف. و صورته الرمزية:

[(ق ←  ك) ?- ك] ← ق

الصورة المنطقية للنص:

إما أن يكون جوهر الإنسان من طبيعة بدنية أو روحية

لكنه ليس من طبيعة بدنية

‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾‾

 إذن، جوهر الإنسان من طبيعة روحية.

 مناقشة:

يستحيل على المرء في عصرنا – و في ضوء المستجدات العلمية الحديثة – أن يقول بهذه الإثنينية الميتافيزيقية التي كانت راسخة في أذهان الكثير من الفلاسفة منذ القدم إلى العقلانية الحديثة مع (ديكارت).

إن الطب المعاصر، علم النفس و طب النفسي، كل من ناحيته، أثبت بالتجارب العلمية وجود ترابط و  تفاعل بين النفس و الجسد. فالظاهرة النفسية يرافقها تغير سلوكي (مورفولوجي و فيزيولوجي). كما أن كثيرا من الأمراض العضوية تعود إلى أسباب نفسية عصبية (أمراض بسيكو – سوماتيكية) فضلا عن أن بعض الأمراض النفسية تعود إلى خلل على مستوى العضوية (بعض الأمراض العصابية و الذهانية).

النتيجة: ذات الإنسان لا هي مادية صرفة كما يرى الماديون و لا هي روحية خالصة كما يرى (ابن سينا) و غيره من المثاليين. و إنما هي من طبيعة مزدوجة قوامها نفس و جسد متفاعلان.

ملاحظات

يلاحظ أن النص أرضية خصبة لتطبيق هذه التعليمية الجديدة، إذ أن الفاعل في المعالجة هو التلميذ بينما الأستاذ يقوم بدور المرشد و الموجه. هذا من جهة، و من جهة أخرى أن الهدف الإجرائي التطبيقي (الذي ينضوي تحت الهدف العام المتمثل في تنمية قدرة عقلية أو وجدانية بالدرجة الثانية) هدف حقيقي و يمكن ملاحظته في هذا النشاط. و من جهة ثالثة، تتحقق العلاقة المباشرة بين المتعلم و المادة التعليمية أي بين التلميذ و التراث الفلسفي – فلا يعود الأستاذ (وصيا) على المادة ورسولا من المفكر إلى التلميذ – و هي علاقة ذات أهمية في هذه النظرية الجديدة.

و من جهة رابعة، العمل على تنمية القدرات الإجرائية بشكل متدرج من البسيط إلى المعقد ضروري جدا في معالجة النصوص و هو يتم لا في عدة أنشطة إنما في نشاط واحد. فمن شرح النص و فهمه إلى تحليله ثم تركيبه في صورة منطقية ثم تقييمه ومناقشته. (تطبيق تصنيف بلوم)

ج. النموذج الثالث :

العمل: درس تطبيقي

الموضوع: إنجاز مقالة فلسفية حول المقارنة بين الفلسفة و الرياضيات.

الأهداف التربوية:

الغاية: التنسيق بين المواد التعليمية لتكوين مواطن مثقف وواع.

المرمى: تدريس الفلسفة في الطور الثانوي كمادة تعتمد على غيرها من المواد.

الهدف العام: المقارنة بين الفلسفة و العلوم. و هي قدرة عقلية.

الهدف الخاص و الإجرائي: القدرة على إجراء مقارنة بين الفلسفة والرياضيات. بالاستعانة بأمثلة و بإشراف الأستاذ.

المقدمة: إذا كانت الرياضيات علما يبحث في العلاقة بين المقادير الكمية، فما هي مواطن الاتفاق و الاختلاف بينها و بين الفلسفة ؟ و ما علاقة كلتيهما بالأخرى؟

التحليل

طريقة التحليل: مقارنة

مواطن الاتفاق:

1. كلتاهما تتناول بالبحث قضايا نظرية مجردة.

  

2- طابع البرهنة في كلتيهما نظري، إستنتاجي فكل من الفيلسوف والرياضي يشتغل بفكره ولا يدخل إلى المخبر.

3- الطابع النظري الإستنتاجي وراء قدم كلتيهما (من الناحية التاريخية)

مواطن الاختلاف:

العلاقة:

1- البحث الرياضي و الرياضيات – بشكل عام – موضوع للتأمل الفلسفي (ميدان فلسفة الرياضيات).

2- الميتافيزيقا كانت وراء نشأة المنطق الأرسطي. و هذا المنطق كان مقدمة ضرورية لنشأة المنطق الرياضي الحديث. و هذا المنطق الأخير هو أساس الرياضيات المعاصرة. فإذا كانت نظرية العدد هي أساس علم التحليل الرياضي (تحسيب التحليل)، فإن نظرية العلاقات المنطقية هي أساس نظرية العدد. و هي أيضا تقوم على نظرية الأصناف (المجموعات) و هذه تقوم على نظرية دوال القضايا. إذن، فالفلسفة القديمة و منطق الفلاسفة كان لهما دور كبير في نشأة الرياضيات المعاصرة.

النتيجة:

الرياضيات تقتضي البحث الفلسفي أو الروح الفلسفية في النشأة و التطور.

ملاحظات

يلاحظ أن إنشاء المقالة الفلسفية – هو الآخر – أرضية خصبة لتطبيق التعليمية الجديدة. فالفاعل هنا هو التلميذ وحده إن كان ينجزها في القسم مع أستاذه وزملائه فهو فاعل أيضا بالدرجة الأولى. وإن كان التلميذ ينشط في حصة النص لتحليله وتقييمه، فهو في كتابته لمقالة بصدد إنشاء نص فلسفي بدون نص مفروض عليه. بينما في الحالة السابقة، يطلب منه إنشاء مقال انطلاقا من نص.

أما عن الهدف الإجرائي، فهو هنا واضح وأكيد. فالتلميذ هو الذي يطرح المشكل و هو الذي يتخذ موقفا من المشكل. وهو الذي يبرهن على موقفه. وفي النموذج السابق، يثبت نقاط الاتفاق و يثبت نقاط الاختلاف و يبين العلاقة. و هو في جميع المراحل يكيف المعارف و يوظفها لإنجاز مقاله. فالعلاقة إذن، مباشرة بينه و بين المادة التعليمية. فهو عمل يجعل الأستاذ يلاحظ الأداء بـشكـل دقـيـق و يـقـيـسه و– بالتالي – يقيمه و يقومه. فالمقالة الفلسفية هي ثمرة جميع الأنشطة و جميع الجهود التربوية.

المراجع:

الكتاب السنوي 1998/ المركز الوطني للوثائق التربوية/مطبعة هومة الجزائر 1998

- زكريا محمد، دواودي شريكي، أمل بوخبزة، التكوين عن بعد – الإرسال الأول 1999، منشورات وزارة التربية الجزائر 1999.

برتراند رسل، الفلسفة بنظرة علمية، ترجمة زكي نجيب محمود،النص مأخوذ من كتاب النصوص الفلسفية للسنة الثانية آداب، محمد ربيع، بلبشير، أحمد أورياشي،

ابو علي بن سينا، رسالة في معرفة النفس الناطقة، النص مأخوذ من كتاب النصوص الفلسفية الميسرة للسنة الثالثة ثانوي – الجزء الأول، محمود يعقوبي، جلول حلمو، عبد المالك حمروش، المعهد التربوي الوطني الجزائر 1991.

الهوامش

[1]  الكتاب السنوي 1998/ المركز الوطني للوثائق التربوية / مطبعة هومة – الجزائر، 1998

[2] محمد، ز ؛ شيريكي، د ؛ بوخبزة، أ. : التكوين عن بعد – الإرسال الأول.- الجزائر، منشورات وزارة التربية، 1999.

[3] رسّل، برتراند : الفلسفة بنظرة علمية/ نص مأخوذ من كتاب النصوص الفلسفية للسنة الثانية آداب.– الجزائر، م.ت.و.، 1994.

[4] ابن سينا، رسالة في معرفة النفس الناطقة/ النص مأخوذ من كتاب النصوص الفلسفية الميسرة – الجزء الأول م.ت.و/ الجزائر 1991.