Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

-1-

بقي الفلاسفة، وممتهنوا تدريس الفلسفة (أقصد أساتذة الفلسفة) بمنآى عن أي سؤال نقدي لممارستهم التعليمية، سؤال مستمر، متجدد، مولد لإمكانات ذات آفاق جديدة. في حين أن الفلسفة ذاتها تحيلهم إلى النظر، وإعادة النظر في كل مسعى يباشرونه. هذه المفارقة، هي التي دفعتنا وتدفعنا للوقوف عليها من أجل فهم كنهها بتبصر وهدوء.

إننا ننظر إلى المسألة من زاوية تجاوز الحدود التي انغلقنا فيها. ونؤسس لمسعى الانتقال من مفهوم الفلسفة كمعرفة عالمة لها منطق وصرامة نظرية، إلى الفلسفة كمعرفة مدرسية يحكمها منطق آخر هو منطق تعلم القدرة والمهارة (قدرة ومهارة التفلسف).

إنه مسعى نظري متفتح على المسائل العملية والوقائع التعليمية المشخصة يومئ إليها ويتغذى منها؛ إن اهتمامنا ينصب على الفلسفة وهي مستضافة في المؤسسة المدرسية الثانوية ضمن مجموعة من المواد المدرسية التي تندرج في سياق كوروكوليوم يفضي إلى تحضير المتعلم لامتحان البكالوريا. كيف يتم التعامل معها ؟ وهل التصور الحالي لتدريسها يمكن من تحقيق الأداء الملائم لوظيفتها ؟

-2-

صحيح أن تعليم الفلسفة، قد ارتبط من الوجهة التاريخية بالفلسفة، من حيث هي معرفة عالمة، من طراز خاص، كافية ذاتها بذاتها، إذ نجد الفيلسوف ينظر ويبدع ويعلم. إن ارتباط التجربة التعليمية للفلسفة بإبداع الفلسفة شكل يقينا راسخا لدى الفلاسفة وممتهني تعليمها " المنهج مرتبط بماهية الفلسفة ذاتها "[1]. لكن اعتماد هذا الطرح لتبرير وضع اليد على كل نظر في تعليم الفلسفة، واستبعاد مساهمة الديداكتيكيين يؤدي إلى الغلق الايبستيمي ويقطع الطريق أمام أي نظر يتوخى إمكان تحقيق فتوح في هذا الشأن.

"لدى الفلاسفة مقاومة شديدة لبلورة ديداكتيك تعليم الفلسفة نتيجة حذر مريـب (Défiance) اتجاه العلوم الإنسانية،...، تردد للتمييز بين الفلسفة وتعليمها (الفلسفة لها بيداغوجيتها ذات الطابع الخصوصي محمولة في ذاتها)، ينبغي أن يكون تكوين الأساتذة نظريا ومشروعية المعلم تكمن في التفكير الكاريزمائي ذي المستوى العالي. يكون للجميع متطلب واحد، منطق عرض واحد لدرس متماثل"[2] (ميشال طوزي).

إن أطروحة كانط[3] التي تفرق بين الفلسفة، التي لا يمكن تعلمها في نظره والتفلسف الذي يحمل هذه الإمكانية، قد مكنت من تحقيق فتوح سرعان ما أغلق نتيجة بقاء النقاش حبيس حقل الفلسفة وبالتالي فيما بين الفلاسفة وممتهني تدريسها من حيث هم الفاعلون في هذا الحقل وليس غيرهم، يستمدون منه مشروعية تدخلهم ويرفعونها عن غيرهم. يتغذى هذا التمثل، نظريا، من أطروحة هيغل[4] بحكم أنها أطروحة غالبة ومهيمنة في اللاوعي المدرسي للفلاسفة[5] وممتهني تدريسها. وأدى إلى تشكل عقدة المكابرة لدى هؤلاء في بنية لاوعيهم الفلسفي (مفهوم اللاوعي الفلسفي هو للباحث لويس بانتو مأخوذ من مفهوم اللاوعي المدرسي لبيار بورديو[6]، الذي يعني مجموع البنيات المعرفية الذهنية التي تعزى إلى التجارب ذات الطابع المدرسي). وبقي الأمر، والحال هكذا،مغلقا ضمن براديغما البيداغوجيا الكلاسيكية. ولم يتم رَحْرَحَةُ النقاش إلى حقل البيداغوجيا المعاصرة إلا مع نهاية القرن العشرين استنادا على اجتهادات ميشال طوزي، إلا أن الاهتمام بقي في حدود الهامش ولم ينتقل إلى المركز. 

وبقي، والحال هكذا، يجرف ضد التيار المهيمن ولم يتم الانتباه، بيقظة ووفق منظور متفتح على الممكنات، للنقد الايبستيمي الذي أنجزه غاستون باشلار في مؤلفه تكوين العقل العلمي[7]. لقد نظر إليه الفلاسفة وممتهنو تدريسها، وفي الأغلب، من أفق أحادي في حين هو حامل لأفق مزدوج أفق المعرفة العالمة العلمية، إذ أخضع علوم المادة الجامدة وتطورها للنقد الايبستيمي، إنه الأفق المتداول في حقل الفلاسفة وبه يعرف غ.باشلار وتحدد هويته الفلسفية والعلمية. وأفق المعرفة التعليمية، وهذا غير متداول في حقل الفلاسفة فلم يكن موضوع نظر لديهم نتيجة غلق الإمكان وتهميش الفتوح الكانطي الخلاق والاستثنائي.  

- 3-

إننا نشر إلى اعتماد التفلسف، كمفهوم لتأسيس العملية التعليمية التعلمية (على مستوى مفهوم التفلسف تصبح الفلسفة معرفة مطواعة وموظفة لغايات تتخارج عن حقلها الإيبستيمي، لا يعني هذا إطلاقا أنها تفقد كلية طابعها المخصوص)، من خلال اعتباره فعل معرفي ذهني فعال. إنه يومئ للقدرات الذهنية في حالة حركة وأتون، يوظف المعرفة الفلسفية وكذا معارف مدرسية وغير مدرسية من أجل استبطان المساءلة النقدية المؤسسة والمعززة للأحكام النسبية متجاوزة للاطلاقيات. أكثر ما يومئ للمعرفة الفلسفية من حيث هي كذلك، منتوج نظري صارم ومنجز. إنه يحيل،وفق هذه الدلالة، إلى :

- أن البنيات الذهنية في وضعية نشاط (فعل)

- أن نشاط هذه البنيات متداخل، متفاعل، مؤثر (فعال)

- أن العملية الذهنية الناتجة عنه راسخة ومستبطنة على الدوام

إن المؤسسة المدرسية الثانوية، وهي تستضيف المعرفة الفلسفية، تحولها إلى رحم يتم فيه إنضاج، باستبطان، التعلم على القدرة على التفلسف، الذي بدوره يمكن أن يعبد المسلك وفق الإمكان والرغبة لمن نشد أو ينشد ليكون فيلسوفا. إن التفلسف، استنادا على هذا التأطير والدلالة، يمكن (بتشديد الكاف) من إدراك ثلاث لحظات تتعاقب، في فضاء العلبة السوداء[8]، بتفاعل معقد ذي طابع خصوصي (أنظر الرسم التخطيطي رقم 1). يتشكل الفعل المعرفي-الذهني داخل العلبة  من قطع متعددة ذات ديناميكية دائمة و مدمجة.

ففي المدخلات نجد لحظة الحس المشترك، وهو زمن الصفر، إنها اللحظة التي يجهل فيها المتعلم قدرات التفلسف تماما ؛ ثم تأتي لحظة العملية التعليمية التعلمية، وهو الزمن 1 حيث المتعلم يتدرب على العملية الذهنية المعرفية، إنه يتعلم على اكتساب قدرات ومهارات التفلسف؛ وأخيرا في المخرجات نجد لحظة التفلسف، التي تمثل الزمن 2، فيها يتم تملك باستبطان هذه القدرات والمهارات.

في فضاء الزمن 1، فضاء المعرفة كفعل، وفي أتونه يتم تعلم الفعل المعرفي – الذهني الانتقالي (l'acte cognitif de transition) الذي يقع بين معرفة الحس المشترك المعطاة و المستبطنة و المعرفة الفلسفية المبنية على أنقاض الأولى و بالتفاوض معها. إنه (هذا الفعل المعرفي الانتقالي) هو الذي نطلق عليه، و نحن نستلهم الطرح الكانطي، تعلم التفلسف و الذي هو تعلم القدرات والمهارات على أرضية التعارض والتناغم بين المعرفة المكتسبة في الزمن الصفر والمعرفة الفلسفية أساسا ؛التناغم والتوازن السابق يتحول في ظل التعارض إلى حد التضاد إلى حالة اللاتوازن[9]، إننا نلاحظه بوضوح حين يتم الاختلاف بين معلم التفلسف والمتعلم له داخل القسم (أنظر الرسم التخطيطي رقم2) الذي يمثل تكبيرا لإحدى قطع الفعل المعرفي–الذهني داخل العلبة السوداء.

إذ بين لحظة غياب القدرة ولحظة تملك القدرة باستبطان في الفضاء الذهني ـ المعرفي التعلمي نجد الحس المشترك، كمعرفة سابقة مستبطنة في أغلبيتها، تستيقظ وتتحول إلى عقبة مانعة، إنها اللحظة الذهنية التي في أتونها العميق تنبثق قدرة التفلسف وتتشكل لدى المتعلم، شريطة أن يكون المعلم واعيا باللحظة معتبرا إياها رأسمالا يستثمره بمهارة من أجل تجاوز العقبة وتحقيق الهدف المتمثل في الوصول إلى توازن جديد. 

إننا أمام قطيعة مع الحس المشترك وبالتفاوض معه، إن الهدم وإعادة بناء للبنيات الذهنية ـ المعرفية تتحقق والمتعلم منخرط بوعي في المجهود التعلمي، والمعلم يدفع بالمتعلم إلى ذلك الأتون.  

- 4-

إن المعرفة الفلسفية وهي تقبل أن تكون معرفة مدرسية تطلب واقع الحال وفق التحليل السابق إلى عناية متبصرة بدون شك من طرف الفلاسفة، أساتذة الفلسفة وعلماء التعليمية. إن هذا الجهد المتظافر هو الذي يمكن من الوقوف على أتون أنشطة قسم الفلسفة في المدرسة الثانوية وتكشف عن المسالك الممكنة لتحسين آداءات تدخل المعلم والمتعلم لتحقيق غاية التعلم المستبطن. 

 

الهوامش

[1] Folscheid, Dominique ; Wunenburger, Jean-Jacques : Méthodologie philosophique, voir avertissement.- PUF, avant 1992.- pp. VII-XII.

[2] Tozzi, Michel : Quelques concepts didactiques tel que fondé par un didacticien philosophe ou un philosophe didacticien.- Cahier pédagogique, N°298, Nov 1991.

[3] Kant, E. : Critique de la raison pur.- Trad A. Fremsoyques, PUF, 4ème Ed., 1993.

[4] Hegel, G.W.F : Au ministère Royal des affaires médicales, scolaires.- Berlin, GREPH, 16 avril 1982 ; qui a peur de la philosophie .- Flammarion, 1977.- p.p. 63-71; Lefbre, Jean-Pierre : Hegel au lycée.- GREPH ; qui a peur de la philosophie : 1977.-p.p. 55-71 ; Derrida, Jacques : L'âge de Hegel.- GREPH ; qui a peur de la philosophie.- p.p. 73-107.

[5] Puito, Louis : l'inconscient scolaire des philosophes.- Actes de recherche des sciences sociales, n°135, Seuil, déc 2000.- p.p. 48-57.

[6] Bourdieu, Pierre : L'inconscient d'école.- Actes de recherche des sciences sociales, n°135, Seuil, déc 2000.- p.p. 3-5.

[7] باشلار، غاسطون : تكوين العقل العلمي : مساهمة في التحليل النفسائي للمعرفة الموضوعية.- ت. خليل أخمد خليل، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع، 1980 .- أنظر بالخصوص الاستهلال.- ص.ص. 7-20.

[8] Astolfi, Jean Pierre :  L'école pour apprendre.- Paris, ESF, 1992.- p.115.

[9]  النموذج البنائي هو أحد النماذج الثلاثة التالية : النموذج التلقيني، الاشراطي- الإجرائي و البنائي