Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

حيال التحولات الهائلة والسريعة التي طرأت على جميع الأصعدة : الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، تلقى الإنسانية نفسها مجبرة على إعمال النظر من أجل إصلاح منظوماتها التربوية التي لم تعد تساوق هذه التطورات والتحولات الجمة.

إن جل البلدان اليوم قد أقدمت على هذه الإصلاحات كما تشهد على ذلك الدراسات والأبحاث التي أجريت والتي تجري في العالم، لا سيما في مراكز البحث والهيئات الدولية كاليونسكو على سبيل المثال.

ولئن كانت هذه الدراسات والأبحاث تقر بأن المنظومات التربوية في أزمة، فإنها مع ذلك تؤكد على ضرورة دعم وإصلاح التربية، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تدعو إلى إحاطة التربية بالأولوية في كل إصلاح، وقد كتب فورو في هذا الباب يقول: "لا يوجد أي استثمار أكثر مردودية من الاستثمار الذي تستفيد منه التربية" ذلك أن أساس كل نهضة حقيقية إنما هو التربية، فبفضلها يتم تكوين شبان قادرين على الاندماج في الحركة الاقتصادية التي تزداد تعقيدا، كما تجعلهم قادرين على الإبداع من أجل تحسين الأداء، ليكونوا في الـمحصلة "فاعلي المستقبل" "les acteurs du futur"، على حد قول جاك دولور[1].

إن بلادنا التي تعرف هي الأخرى تحولات عميقة، على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتسعى إلى الدخول بقوة في الألفية الثالثة، مدعوة لأن تجعل من التربية أولوية الأولويات وقطاعا استراتيجيا، تسند له مهمة إعداد وتكوين المواطن الذي يحسن مواجهة المشاكل وحلها، فالإنسان يشكل الثورة الدائمة بالنسبة للأمم، ومن ثم فإن تكوينه يمكن المجتمع من مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

1. تشخيص واقع تعليم الفلسفة

يمكن النظر إلى تدريس الفلسفة في النظام التربوي الجزائري من منظورين:

الأول: يتمثل في النظر إلى هذا التعليم كما تم تنصيبه تدريجيا في منظومتنا بأهدافه وبرامجه وأدواته التعليمية وأساليبه البيداغوجية وطرائق تقييمه بقصد معاينة الإختلالات والجوانب الإيجابية والسلبية.

الثاني: يتمثل في التساؤل عن العلاقة القائمة بين ممارسة هذا التعليم كما هي جارية عندنا والطبيعة أو الدلالة والأهداف المرتبطة بتدريس هذه المادة.

أ. بالنسبة للمقاربة الأولى، نسجل أن الفلسفة تدرس في السنة الثالثة ثانوي لكافة الشعب وقد أدخلت منذ سنوات في السنة الثانية ثانوي شعبة الآداب.

لهذا التدريس امتداد في الجامعة حيث توجد أقسام الفلسفة تكون طلبة في الليسانس ليصبحوا أساتذة الفلسفة في الثانوي.

غير أن هناك عدة نقائص تمس تدريس الفلسفة جعلت من الفلسفة المادة التي يخفق فيها الطلبة أكثر من غيرها في امتحان البكالوريا[2]. فأسوأ العلامات إنما تسجل في هذه المادة (قبل العربية والتاريخ). إن إهمالها في غالب الأحيان من طرف الطلبة يعود إلى أسباب منها شروط تدريسها غير المتوفرة وعاملها القوى في الشعب الأدبية مما يجعلهم يتهيبون منها ويحتفظون بذكريات سيئة عنها.

ما هي العوامل التي تعلل أسباب هذه النتائج السيئة ؟

إن برامج الفلسفة المعتمدة حاليا هي نتيجة مزج لبرامج أجنبية، الأمر الذي يسئ إلى وحدة التصور لهذه المادة. فالجهد المحمود الذي بذل في نهاية الستينات لترجمة البرنامج الفرنسي للفلسفة إلى العربية والذي صاحبه جهد أكبر في بداية الثمانينات بقصد وضع برنامج جزائري لم يؤتيا ثمارهما، على ضوء التجربة. لأن التعديلات تمت بشكل براغماتي دون إعادة النظر في الغاية من تدريس الفلسفة. فبرنامج الفلسفة ما زال يتسم بعدم الانسجام.

إن حال البرنامج كحال الكتاب المدرسي والسندات التعليمية الأخرى التي وضعتها الوزارة في متناول التلاميذ. نعلم أنه إلى غاية 1990، لم يكن يوجد سوى الكتاب الرسمي (كتاب 1968 أولا ثم كتاب سنة 1988) الذي لازمه كتاب غير رسمي (وضعه مفتش في مادة الفلسفة) عنوانه "قضايا فلسفية"[3] عرف نجاحا كبيرا. منذ هذا التاريخ، اقترحت عدة كتب تدخل في الصنف شبه المدرسي تهدف إلى الدعم البيداغوجي في شكل حوليات وإرشادات للمقالة الخ ... بيد أن جميع الكتب تظل مرتبطة بالبرنامج والتطور الذي ينطوي عليه بالنسبة لتدريس الفلسفة.

إن التصور المنصوص عليه في البرنامج والمترجم في الكتب وكذا في مناشير المفتشية العامة للفلسفة يمكن وصفه على النحو التالي: تدرس الفلسفة وفق أساليب تعليمية لا تتميز عن العلوم الأخرى ويعني أن المنهج البيداغوجي الأساسي المسخر عبر هذا التعليم هو الذاكرة أي التعليم عن طريق الحفظ. إن مثل هذا الانحراف قد أدى في منتصف الثمانينات إلى تفضيل التلاميذ في امتحان البكالوريا للاختبار المتمثل في الإجابة على خمسة أسئلة تتعلق بالدروس (يشبه اختيار الأسئلة ذات الاختيارات المتعددة QCM). إن عبث مثل هذه المقاربة وكذا الإخفاق الذي واجهته بما في ذلك عند التلاميذ الذين لم يوفقوا في تكييف ما أعدوه بسرعة لمواجهة الأسئلة المطروحة قد أدى لحسن الحظ في سنة 1994 إلى إلغاء هذا الامتياز الممنوح بدون وجه حق لامتحان الأسئلة على حساب المقالة أو شرح النص.

إن الأمور لم تتحسن لأن تدريس الفلسفة لا يزال يخضع لطرائق تعليمية تشجع الحفظ والاستظهار.

ب. أضحى تدريس الفلسفة في نظامنا التربوي تدريسا سكولاستيكيا أي أن غايته تكمن في ذاته بوصفه ممارسة مدرسية ترمي إلى اجتياز امتحان البكالوريا ليس إلا. والحال أن فضائل تدريس الفلسفة للتلاميذ في الثانوي مغايرة تماما لهذا الذي قدمناه إذ يتعلق الأمر بتعليمهم تسخير ذكائهم بشكل من الاستقلالية الذاتية والصرامة لمعالجة موضوعات ترتبط بالتساؤلات حول الحياة والمجتمع والذات والحقيقة...

إن المشكل يكمن في تلقين أسماء فلاسفة بملخصات عن حياتهم وأخرى عن مذاهبهم في وقت لا يهدف فيه اللجوء إلى كبار المفكرين إلى تكديس معارف مجردة بل يهدف إلى تمكين الطلبة من إدراج تفكيرهم في صلب الاستمرارية التاريخية للفكر البشري الباحث عن الحقيقة بانتهاج السبل العقلانية وامتحان نسبية الآراء والتصورات حول العالم. ومن فضائل هذا التعليم أيضا، تمكينهم من اتخاذ مواقف نقدية إزاء الأفكار الرائجة السارية وإزاء " الحقائق المطلقة " حول القضايا المختلفة وكذا الأحكام المسبقة.

إن مثل هذا التصور لتدريس الفلسفة يفترض بطبيعة الحال بيداغوجيا خاصة ووسائل تعليمية نوعية. وهذا لا يمكن أن يأتي من الحوار حتى وإن كان ذا بال، بل يستلزم تعلم قراءة النصوص الفلسفية فقراءة أمهات النصوص أمر أساسي وبفضلها يتعلم التلميذ التفكير بمفرده بمواجهة كتابات مفكر كبير.

يمكننا تقييم الواقع الحالي لهذا التدريس في بلادنا بالنظر إلى المتطلبات البيداغوجية والتعليمية التي يجب أن تصاحب تعليم الفلسفة وبقصد تفسير الوضع القائم نقول العوامل الثانوية حقيقة تساهم في العجز مثل التعداد الكبير للتلاميذ وسوء إعداد التلاميذ الذين يصلون إلى السنة النهائية من الثانوي وهم لا يحسنون جيدا اللغة العربية وضعف ثقافتهم العامة والنوعية الرديئة للإخراج المادي للوسائل التعليمية، وغياب دعم الأساتذة وغياب المجلات الفلسفية وقلة المحاضرات البيداغوجية وكذلك نقائص التكوين في الجامعات.

إن جميع هذه العوامل تلعب دورا هاما وبالإمكان التأثير عليها بقصد تحسين الوضع. لكن من غير المعقول التفكير في الإقدام على التحسين الجذري لتعليم الفلسفة إن لم ينصرف الجهد الأساسي إلى احترام غايات التعليم وتوفير الشروط والأساليب والكيفيات التي تتيح تحقيق هذه الغايات في الميدان.

إنها مهمة عظمى ولا يمكن الشروع فيها إلا بالانطلاق من الأساس، أي إعطاء تدريس الفلسفة غايتها الأولى المتمثلة في تعليم التفكير من خلال وسائله الخاصة وتعليم " الجرأة " على التفكير كما يدعو إلى ذلك كبار الفلاسفة.

مثل هذا التشخيص لا يعني أن المسؤول عن الوضع القائم هم الأساتذة بالعكس نعتقد أن الأساتذة مثل الطلبة ضحية له.

في الواقع، كل المنظومة التربوية الجزائرية منذ نشأتها خضعت لمبادئ ومرجعيات يمكن إجمالها في براديقما "البناء الوطني" على قاعدة "أصالة" جامحة[4] وحداثة محتشمة (عبارة فيها استفزاز). هذه القاعدة أوكلت للعلوم الإنسانية في المنظومة التربوية الجزائرية مهاما ووظائف لا تخرج عن نطاق التبرير والتكريس دون اعتبار لمقتضياتها المعرفية و المنهجية.

فالإصلاح يجب أن يبدأ بإعادة النظر في هذه المبادئ وهذه المرجعيات وإعادة بنائها على ضوء التحديات الداخلية (الجزائر بعد 1988) والخارجية (العولمة وتبعاتها) والتوجهات العالمية للتربية.

2. مقترحات اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية:

فرضت التحديات الداخلية والخارجية والتوجهات العالمية للتربية ضرورة إصلاح المدرسة الجزائرية.

فالتحديات الداخلية: يمكن تلخيصها فيما يلي:

إرجاع مهام المدرسة إلى وظائفها الطبيعية: التعليم، التنشئة والتأهيل لتجنب التحزب والتسيس والأدلجة.

كسب رهان النوعية بتحقيق المعايير الدولية للمؤهلات والكفاءات كحتمية للانتقال والنجاح والترقية وتحمل المسؤوليات.

كسب رهان التحكم في العلوم والتكنولوجيا التي يجب أن تطبع المحتويات والطرائق التعليمية.

كسب رهان العصرنة: يجب أن تلهم الحداثة المدرسة في تجسيد غاياتها وأهدافها.

أما التوجهات العالمية للتربية، فيمكن إجمالها فيما يلي:

إعطاء الصدارة للمتعلم في العملية التربوية (مراعاة استعداداته ومصالحه و وثائر الإدراك لديه).

التعلم والتكوين بكيفية تسمح بتحضير المتعلمين لا لمهنة واحدة بل لقدرة التكيف مع مختلف الوضعيات، أي مواجهة المرونة التي يتسم بها سوق العمل العالمية.

تعلم مفاهيم جديدة خاصة بالإعلام والاتصال ومواد تكوينية للمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية البيئة.

تقتضي هذه التحولات الشاملة والعميقة إعادة النظر في دور العلوم الإنسانية والفلسفة ومكانتهما ضمن المنظومة التربوية الوطنية. تسعى العلوم الإنسانية بمفهومها الحديث إلى بناء أنماط تفكير تقوم على البحث و التحليل بهدف تنمية ملكات النقد والإبداع والتجديد لدى المتعلمين. و تضطلع إلى تحسين قدرة المتعلم على عقلنة الأعمال البشرية والتجارب الإنسانية. في هذا السياق تضطلع الفلسفة إلى تفسير قضايا الإنسان والوجود والعلوم بمنظور يخدم التقدم والرقي.

3. المقترحات المنهجية والمعرفية:

تدريس بنية الاختصاص، أي التركيز على المعارف البنائية وعلى امتلاك الأدوات الفكرية التي تجعل المتعلم قادرا على بلورة مشروع فردي.

لا ينبغي تدريس تاريخ المذاهب الفلسفية القديمة والحديثة بهدف حشو عقول المتعلمين بالمعارف المجردة بل ينبغي توجيه التعليم نحو تمكين المتعلمين من إدراج تفكيرهم في صلب الاستمرارية التاريخية للفكر البشري الباحث عن الحقيقة بانتهاج السبل العقلانية وامتحان نسبية الآراء والتصورات حول قضايا الإنسان والعالم.

عند تحديد المضامين والمحتويات، يجب التركيز على الموضوعات الفلسفية التي تمكن المتعلمين من اتخاذ المواقف النقدية إزاء الأفكار السائدة والحقائق المطلقة ولتعويد المتعلم على التفكير العميق ينبغي الاهتمام بتدريس الايبستيمولوجيا وفلسفة العلوم بهدف تمكينه من استيعاب آليات الخطاب الفلسفي.

يقوم تدريس الفلسفة على التساؤل والبحث والقدرة على مناقشة الأفكار ووجهات النظر ويتم ذلك بإعداد المتعلم على قراءة النصوص الفلسفية وبإعادة الاعتبار إلى المقالة الفلسفية وشرح النصوص.

في الختام، لابد للإصلاح التربوي أن يكرس مادة الفلسفة كفكر للنقد و التنوير وتحرير الوعي و ترشيد الممارسة للوصول إلى ثقافة نقدية جديدة. نحن بحاجة إلى فلسفة مدرسية و جامعية تكرس قيم الحداثة و التحرير، فلسفة تخلص العقل من وثوقيات و معتقدات و أفكار جاهزة.

ما نسعى إليه بالأساس هو إشاعة روح التفكير في فضاءاتنا التربوية و الاجتماعية حتى يتمكن المواطنون و خاصة الشباب منهم، من امتلاك القدرة على ممارسة النقد وإقحام التفكير في تفاصيل الواقع الطبيعي و الإنساني. فالهدف من تدريس الفلسفة هو توعية التلاميذ و الطلبة و اكتسابهم مهارات التفكير الممنهج و أساليب الفهم والتساؤل و النقد و مساعدتهم على تكوين رؤية واضحة للواقع الوطني و الدولي.

الهوامش

[1] تقرير منظمة UNESCO– باريس مارس، 1999 (بالفرنسية)

[2]  تقرير المفتشية العامة للفلسفة.... الجزائر 1995

[3] في بداية السبعينات صدر كتاب "الوجيز في الفلسفة" لمحمود يعقوبي كان ترجمة (بتصرف) لكتاب : Vergez : Nouveau précis de philosophie

[4] تدرس الفلسفة الإسلامية من منظور سلفي، و بدعوى التبسيط، يتم إفراغ البرنامج من محتواه المعرفي والفلسفي...