Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تمهيد: الفلسفة في حضرة الزمن العولمي الجديد

في الوقت الذي يعيش فيه العالم المعاصر مدا كاسحا لثورة معرفية وتكنولوجية وحضارية عارمة، تكرسها مفاهيم وشرطيات العولمة والكوكبة والتنافسية والاستحقاقية والحوار والتواصل المتعدد الوسائط والوثائر…الخ مما يروجه خطاب ما أصبح يدعى بــ "الثقافة الكونية الجديدة"، التي أصبحت من أهم مقومات"النظام العالمي الجديد"، في هذا الزمن العولمي/المعولم والمعولم بالذات، ما يزال وطننا العربي والإسلامي ـ كجزء من مجتمعات العالم الثالث ـ محتضنا للعديد من القوى والشروط، وأشكال القيم، ونماذج التفكير والسلوك …المكرسة للتقليد ـ في مضمونه السلبي تحديدا ـ ضد الحداثة، وللتخلف ضد التنمية، وللظلامية والخرافية ضد العقـلانية و" ثقافة التنوير"...الخ.

وليس أدل على هذا المعطى من ذلك الوضع الذي ينظم الفلسفة في مجتمعاتنا. وذلك بالحصار والاستبعاد تارة، والتهميش والتحقير والاستهجان تارة أخرى. وسواء كان ذلك على مستوى المؤسسة التربوية: المدرسة والجامعة ونحوهما، أو على مستوى المجتمع بشكل عام. وسواء تعلق الأمر بالقطاعات والمؤسسات والمجالات الاجتماعية المختلفة، أو بالمعيش اليومي المعبر عما يصطلح عليه في مفاهيم العلـوم الاجتماعية بــ "الحس المشترك: Sens commun " الحامل للثقافة المجتمعية الشمولية السائدة، وذلك بالمدلول السوسيوأنثروبولوجي العام لمفهوم "الثقافة: Culture". ولعل فيما يتضمنه خطاب هذا المعيش اليومي من" أمثال، وحكم، ونكت..." ما يؤكد هذه الواقعة الدالة. إذ كثيرا ما ينظر هذا الخطاب إلى الفلسفة وفق منظور قدحي انتقاصيPéjoratif  واصفا إياها بالتجريد والغموض والتناقض والعبثية والتهافت والفراغ واللاجدوى[1]….

هكذا إذن، وفي غمرة تفاعلات هذا الزمن العربي الردئ، العاثر، الذاهل أمام هذه الحركة الغاشمة التي تلفه وتزج به في دوامتها المرعبة، تحارب الفلسفة ـ كثقافة مدرسية ممأسسة، وكممارسة فكرية بشكل عام ـ مرة باسم تجريديتها ومجافاتها للتطبيق العملي الملموس في عصر هيمنة العلم والتقنية ومقتضيات اقتصاد السوق الداعمة لـهـمـا، ومـرة أخـرى لـكـونـها " ثقافة مزعجة" مربكة للعوالم الفكرية والنفسية والعقدية للناس، وخاصة منهم الشباب وممن هم، بالذات ، في مؤسسات التربية والتعليم والتكوين: (المدارس والجامعات…). وذلك حين تقذف بهم هذه الفلسفة (المُدانة) في "حلقات مفرغة" من الأسئلة والتساؤلات الناقدة، "النابشة" في أتون الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية المستعرة، دون أن ترسو بهم على "أجوبة مريحة" تمنحهم ذلك الإحساس المنشود بالتناغم مع مناخات الواقع والاندماج فيه، دون أي عناء أو تناقض وجداني، أو معاناة فكرية وعقدية مبرحة. وتارات أخرى تهاجم الفلسفة أيضا اعتمادا على مبررات كثيرة مختلفة عالجنا بضعها في غير هذه المساهمة، ولا يسمح المجال هنا بالعودة إليها من جديد لإثارتها وتفصيل الحديث عنها[2].

وقد كان لهذه المواقف النافية للفلسفة، المبخسة لدورها ومكانتها التربوية والعلمية الاجتماعية… ولمرد وديتها المباشرة… مستتبعات خطيرة على هذه المستويات كلها، ولعل من أبرزها ما يلي:

1) على المستوى التربوي: لقد عززت المواقف الآنفة، على هذا الصعيد، دعوة غير مؤسسة إلى تبني "تمهينية:Professionnalisme " فجة وساذجة أحيانا، أريد لها أن تكون خلفية لـ "تمهين:Professionnalisation " بعض قطاعات التعليم والتكوين، بحثا عن ملاءمة مفتقدة أو متخيلة بين هذه القطاعات من جهة، وبين أسواق الشغل/التشغيل، ومجالات الإنتاج، والمجتمع بشكل عام، من جهة ثانية.

وقد كانت الجهات المعنية والمسؤولة غالبا ما تعتقد، في إطار تكريس هذا التبني، أن معضلة انفصال أنظمة التربية والتعليم والتكوين في مجتمعاتنا عن محيطها السوسيو اقتصادي والثقافي…معضلة لا يمكن حلها إلا في إطار نهج سياسة " تمهين" ما يعتمد حاليا من تعليم "نظري" عام، غير منتج، وغير مستجيب، في مجمله، لشروط ومقتضيات السوق، بما لها من طلب اجتماعي واقتصادي لمنتوجات "ملائمة" ينتظر أن توفرها مخرجات نظم التعليم والتكوين، وقد تمت إعادة هيكلتها وتوجيهها و"تمهينها" وتكييفها وإصلاحها ـ  مضامين وتخصصات وآليات اشتغال ـ لتصبح أكثر استعدادا وقدرة على تلبية الطلب الاجتماعي والاقتصادي الآنف. غير أن تبني مثل هذا التوجه كثيرا ما يتم ـ كما هي حال مجتمعنا المغربي، بل ومجتمعاتنا العربية بشكل عام ـ دون معرفة علمية دقيقة وكافية بمجمل الشرطيات والميكانيزمات المتحكمة في اشتغال هذه القطاعات السوسيواقتصادية المختلفة، من جهة، وبلا وعي أيضا بما لمثل هذه التوجهات من جذور ومن خلفية فكرية وسوسيوتاريخية، من جهة أخرى…[3].

وهكذا، فإن الأخطر من هذا كله هو أن الدعوة إلى نبذ الفلسفة لصالح الدعوة إلى تدعيم "التمهينية" في مجالات التعليم والتكوين تغفل تماما، أو تكاد، أن هذا التوجه التربوي، كما برز في سياق المجتمعات الغربية، قد كان، في بعده الفكري والسياسي العام، ترجمة عملية ل "فلسفةّ"، وبالتالي  ل"سياسة" تربوية واجتماعية واضحة الأسس والمعالم والمكونات، لها شروطها ورهاناتها وتوجهاتها ومصالحها المحددة …كما لها أيضا مستتبعاتها وآثارها السلبية بالذات، والتي جعلتها، في عقر دارها، عرضة للنقد الصارم، وللمراجعة ، وإعادة البناء والتأسيس[4].

وفي إطار هذه الغفلة، أو التغافل، يتم الزج بأنظمتها التعليمية والتكوينية نحو الوقوع تحت طائلة رؤى اختزالية وتبسيطية، ضيقة الأفق، اتباعية،  ومكرسة للدفع بهذه الأنظمة، لا باتجاه إنتاج "منتجي الثقافة والفكر والأدب والفن…"، إلى جانب أطر ذات كفاءة مهنية عملية ووعي فكري في الآن ذاته، وإنما باتجاه تفريخ جيوش من الطاقات الشبابية المعطلة، لاعن العمل والإنتاج فقط، بل عن التفكير والإبداع أيضا. ونظرة متفحصة إلى مضامين المناهج الدراسية، ولا سيما تلك المعتمدة منها في شعب كل من التعليم التقني والتكوين المهني وبعض الشعب العلمية أيضا، وإلى ما تعاني هذه المضامين من فقرـ إن لم يكن غياب ـ "المادة الفكرية والثقافية بشكل عام، إن هذه النظرة كفيلة بأن تؤكد هذه الواقعة السوسيوتربوية ذات الدلالة الوازنة [5].

2 ـ على المستوى السوسيوثقافي العام: إن شيوع أنماط متعددة من النزعات التقنوية والاختبارية في ميادين التربية والتعليم والتكوين ـ بل والبحث العلمي أيضا ـ لا يقف عند تخوم هذه الميادين، بل إن تنامي وامتداد هذه النزعات ينتقل بها ـ في وضعية غياب أو هشاشة وعي نقدي اجتماعي عام ـ من المستوى النظري، من الفكر والمعتقد إلى مستويات الممارسة الاجتماعية المختلفة. وهكذا تفسح الفرصة في مجتمعنا لترويج وتداول خطابات تبسيطية مبتذلة مدعمة لكل ما هو " تقني" أو "علمي" أو "عملي..." ومفندة، في نفس الوقت وبالمقابل، لكل ما هو "نظري" أو "فكري"، وبالتالي فلسفي، وذلك بالمعاني والدلالات السطحية الضيقية لهذه المفاهيم المدعمة أو المفندة.

وهكذا، وفي إطار هيمنة هذه التصورات الاختزالية، تصبح مفاهيم أساسية مثل: "التنمية، والحداثة أو التحديث، والتقدم، والعلم، والتقنية... الخ" مفاهيم مستبعدة لأي تنظير أو تفلسف، بل وحتى لأي إعمال للفكر أو طرح للسؤال. بل إنها كثيرا ما تبقى مرتبطة، في الوعي السائد، وبشكل أوتوماتيكي ومباشر أحيانا، بالعلوم الدقيقة والتكنولوجيا والتطبيق العملي... وذلك دون وعي بأنّ "الفلسفة هي مكبوت العلم والتقنية الحديثة"[6]، على اعتبار أنها تشكل الإطار النظري والخلفية التجريدية لطرح وتحليل التساؤلات العميقة المعقدة حول مختلف العلوم والتقنيات، حول مسلماتها، منطلقاتها، مناهجها، مفاهيمها، ونتائجها… وعوائقها الإبستمولوجية، ووظائفها، ورهاناتها المعرفية والإيديولوجية، و السوسيو حضارية المختلفة. ذلك أن الفلسفة تمثل ـ تاريخياـ تلك الجذور الفكرية الأولى التي نشأت عنها وتحدرت منها مختلف العلوم والمعارف الحديثة، سواء تعلق الأمر بالعلوم الدقيقة، أو بالعلوم الإنسانية والاجتماعية. هذا فضلا عن كون الفلسفة، كممارسة فكرية ـ اجتماعية، قد شكلت، كما هو معروف، ومنذ المد الديكارتي وما تلاه من مذاهب وتيارات فكرية وسياسية مختلفة المرجعيات والتوجـهات، رافـعـة هـائـلة   لـ "مجتمع الحداثة"، ليس  فقط فيما يتعلق بالمضامين الفكرية والقيمية والعقائدية لهذه الحداثة، وإنما أيضا فيما يرتبط بمختلف مناحيها العملية والتطبيقية ومنتجاتها الحضارية، المادية منها والرمزية، والتي اخترقت جميع ميادين الحياة الاجتماعية: بنيات ومؤسسات تربوية وثقافية واقتصادية وسياسية، وأشكال تنظيم ومأسسة وآليات اشتغال وتبادل …[7].

المبحث الأول: الفلسفة بين مهام تحرير العقل وتأسيس ثقافة التنوير والحداثة.

وعلى خلاف ما هو مطلوب من تأسيس لمنظور انفتاحي وتكاملي واع للتنمية والحداثة والتقدم، لا يحصرها في جوانبها ومؤشراتها ودلالاتها المادية والكمية فحسب، وإنما يدخل في الاعتبار جوانبهـا وأبعـادها النوعيـة أيضا، نجد أن مجتمعاتنا العربية ـ وسيلاحظ القارئ أننا قد أكدنا على هذه الواقعة غيرما مرة ـ ما تزال بعيدة جدا عن التبني العقلاني لهذه النظرة الحداثية المنفتحة التي تعطي للبعد الفكري والفلسفي لأسئلة ومشاريع التنمية والتحديث أهميته الشارطة ومكانته المركزية. إلا أنه في غياب هذا المنظور، وفي الوقت الذي تهيمن فيه رؤى وتصورات ونزعات تقنوية واختزالية متهافتة، تصبح الممارسة الاجتماعية ممارسة "غفلاء"، هشة ومبتذلة. وذلك بفعل محاصرتها واختراقها بالعديد من مظاهر التقليد، والاتباعية، والعشوائية، والتخبط، والدوران في الحلقات المفرغة. كما تغدو مفاهيم محورية متداولة مثل: الديمقراطية وحقوق الإنسان، واللامركزية والجهوية، والشراكة، والتجديد التربوي والثقافي، والإصلاح والتحديث والتنمية… مفاهيم فاقدة لأي تجذر في الواقع المعيش، بل إنها كثيرا ما تتحول ـ في إطار ممارسة اجتماعية يغيب فيها الفكر النقدي الحر، وتهيمن على مكونات وشروط اشتغالها وتفاعل عناصرها آليات تقليدية ولا عقلانية في مجملها ـ إما إلى مفاهيم منتقدة نظرا لغربيتها وتعميمتها ولا إجرائيتها...  وإما إلى مطية لتحقيق أغراض ومآرب قد تكون مناقضة لمقتضياتها ومدلولاتها تمام المناقضة. ولعل مما يساهم في تعميق استفحال وضعية الرداءة الفكرية والممارسية هذه عدة عوامل متداخلة ومعقدة، نؤكد من بين أهمها على ما يلي:

أ ـ غياب تبلور نقد عقلاني رصين ومؤصل للمفاهيم والمرجعيات المؤطرة والموجهة لممارساتنا الفكرية والتربوية والاجتماعية… نقد معرفي واجتماعي وحضاري متعدد الأبعاد، كفيل بأن يوفر لنا المعرفة العميقة والدقيقة بهذه المفاهيم والمرجعيات، وبآليات إنتاجها وتشكلها ضمن الشروط والحيثيات السسوسيوثقافية والحضارية…التي أفرزتها، والتي تعد فضاءها الزمكاني المرجعي الذي يتعذر فهم مدلولاتها ومضامينها خارج مكوناته الخصوصية وأبعاده المتعددة.

ب ـ غياب نقد مماثل للسياق السوسيومعرفي والحضاري الذي يتم نقل هذه العدة المفاهيمية والمرجعية النظرية الآنفة إليه. وذلك بهدف تبيئتها فيه، واستثمارها إما في تجديده أو إصلاحه أو تغييره بشكل جذري، مثلما يحصل في مجمل مجتمعات العالم الثالث عامة، ومجتمعاتنا العربية والإسلامية بالذات. إن معرفة الآخر ـ منتج العلم والتقنية والحداثة … ـ ومحاولة نقده وفهمه في كافة أبعاده المعرفية والحضارية، وفي اختلافاته وتعدده…إن هذه المعرفة النقدية المنفتحة والمحاورة هي، في تقديرنا، ذلك الشرط الضروري الذي لابد منه لتأسيس معرفة نقدية للذات في أبعادها المختلفة، ولتحقيق التصالح معها ومـع الآخر/ المختلف في آن[8].

ج ـ غياب أو تغييب قصدي، للفكر الفلسفي النقدي، ليس فقط على مستوى المؤسسة المدرسية والجامعية وحقول البحث العلمي وتدبير مجالات الشأن العام، وإنما غياب هذا الفكر من حياتنا الاجتماعية العامة: بدءا من البيت إلى المدرسة، إلى الشارع، إلى المصنع والمقاومة أو المنشأة الاجتماعية والإدارية، إلى المجتمع بشكل شامل، وفي كافة مجالاته ومكوناته. وهكذا فليس غريبا أن يقع ترسيخ وترسيم هذا النمط من الغياب الشامل والمعمم في ظل أوضاع ما تزال، في مجتمعاتنا، متسمة بهيمنة طاغية لــ" ذهنية تقليدية منغلقة" مقصية لكل سؤال أو تساؤل أو تشكك أو تشكيك أو نقد. وذلك حتى حينما يتعلق الأمر بإرادة المعرفة وبالتساؤل النقدي حول ما يسود عندنا من معتقدات غيبية وفكر أسطوري خرافي….مما لم يعد مقبولا تبنيه  ـ أو غدت خلخلتة وتفكيكه وإعادة التفكير فيه ضرورة فكرية وحضارية ـ في زمن العلم والتقنية والحداثة بمشمولاتها الفكرية والحضارية الواسعة.

وهكذا يصبح النمطان السالفان من الغياب ـ للسؤال الفلسفي النقدي ـ مرتهنين بتعالقهما الجدلي والتفاعلي مع هذا النمط الثالث، وذلك ضمن تركيبة معقدة ومتشابكة من حالات وأصناف الغياب المتعدد الأبعاد، والدلالات، والآثار التربوية والفكرية والسوسيوحضارية الوخيمة القاتلة أحيانا.

"إن تحليل أركيولوجية هذا الغياب(…) هو المهمة الرئيسية، كما أرى، للعاملين في ميادين الفكر المتنوعة. فالسؤال الملح هنا ليس: "كيف نخرج من هذا الغياب؟". وهو السؤوال الذي يسود في أوساطنا الفكرية المأخوذة بتقديم الأجوبة ـ البدائل(…)  وإنما السؤال الملح هو: "لم هذا الغياب"؟ .فلا بد، لكي نخرج من أن نعبر مسافة، أعني لا بد أن نستوعب هذا الغياب، وأن نتمثله نقديا ومعرفيا"[9]….

ونعتقد أنه، لكي نعبر هذه المسافة، ولكي نحقق هذا الاستيعاب النقدي ـ المعرفي لأبعاد ومدلولات ومستتبعات ذلك الغياب المركب المومإ إليه آنفا،لابد من تكثيف الوعي بضرورة تدعيم الفلسفة كفكر للنقد والتنوير وتحرير الوعي وترشيد الممارسة، وكجسرعبور إلى تأسيس " ثقافة نقدية جديدة،" سواء في المؤسسة التربوية أو على مستوى المجتمع بشكل عام، ثقافة منفتحة، جريئة، قادرة على طرح الأسئلة الحقيقية لا الزائفة، وعلى الفهم والاستيعاب والتحاور. نحن بحاجة ،إذن، إلى فلسفة ـ مدرسية وجامعية. ـ مكرسة لقيم التحرير والحداثة، ومقاومة ل " ثقافة الرداءة"، تلك المبخسة، في مجتمعاتنا، لجل القيم الفكرية والخلقية والدينية والاجتماعية الأصيلة المنتجة… فلسفة تخلص"العقل المعتقل" عندنا ـ حسب تعبير أدونيس ـ مما يقيده من أصفاد ووثوقيات ومعتقدات وأفكار منمطة جاهزة وجامدة... فلسفة تشكل حصانة فكرية ضد أي "اغتيال للعقل" أو شله وتكبيله بتلك الترسانات الهائلة من أساليب القمع والمنع والتعطيل والمصادرة...[10].

نحن لا نريد بهذه الدعوة إلى تدعيم الفلسفة، فكرا وممارسة، تسييدا مطلقا للفكر الفلسفي، في مجتمعاتنا، على كل أشكال النظر والفعل والتطبيق العملي، وإن كانت الفلسفة بطبيعتها تظل، بالفعل، خلفية مؤطرة لكل هذه الأنماط. كما أننا لا نطمح إلى أن نجعل من كافة المواطنين فلاسفة بالمعنى المدرسي والأكاديمي الضيق ، ومصادرة كل اهتماماتهم وميولاتهم وانشغالاتهم المهنية والمعرفية والاجتماعية المتعددة. إن ما نرمي إليه من وراء هذه الدعوة هو، بالأساس، إشاعة روح التفكير الفلسفي في فضاءاتنا التربوية والاجتماعية. وذلك حتى يتمكن المواطنون ـ ولا سيما الشباب باعتبارهم عدة وعتاد المستقبل ـ من امتلاك القدرة على اجتراح الأسئلة، وممارسة النقد، واقتحام التفكير في تفاصيل الواقع الطبيعي والاجتماعي، في العلني والمضمر، والمستحضر والمنسي، في المفكر واللامفكر فيه. سواء كانت أبعاد ودلالات وشروط هذا اللامفكر فيه مرتبطة بقصدية واعية مبيتة، أو بحالة من حالات اللاوعي أو الاغتراب والاستلاب، أو ما شابه ذلك من أحوال وملابسات، وسواء كان ذلك متعلقا بالماضي أو بالحاضر أو بالمستقبل. علما بأن هذا التفكير النقدي الحر ليس دائما مدعاة للانزلاق الأهوائي نحو"فوضوية فكرية" سائبة، وإنما يفترض فيه أن يظل محترما لقيم وأعراف وتقاليد وأخلاقيات الممارسة العلمية ـ الفكرية، والتي لها، بالتأكيد، مرجعيتها الثقافية والسوسيو حضارية المؤطرة، ونموذجها الإرشادي
الموجه :[11]Paradigme.

المبحث الثاني: الفلسفة في الوطن العربي ورهانات تشييد مجتمع الحداثة:

كيف نجعل من الفلسفة في الفضاء المؤسسي وفي المحيط الاجتماعي، فاعلة منتجة، حاملة لهذا الدور التنويري النقدي الخطير؟ ذلك هو السؤال المركزي المركب الذي نحاول هنا أن نطرح بعض جوانبه وبعض تفريعاته الأساسية. إنه هاجس البحث عن فلسفة مدرسية وجامعية موجهة وموجهة تكون، بالفعل، بوابة دخولنا إلى "مجتمع الحداثةّ"، وبالتالي بوابة انخراطنا في "ثقافة الحداثة" ، "ثقافة التغيير والتجديد والابتكارالتي نرفعها الآن ـ سواء في المغرب أو في جل مجتمعات الوطن العربي ـ شعارا للمرحلة الراهنة التي تواجهنا فيها تحديات "ثقافة العولمة" الزاحـفـة[12].

إن الحداثة التي نروم تملك أهلية وشروط الانتماء إليها ليست "حداثة الشعارات" المنمقة بقشور الموضة الهشة  ومساحيق التلقيحات المزيفة… وإنما هي ذلك البحث الواعي المسترسل عن كل ما هو حديث، خلاق، ومبتكر… "والحديث هو الجديد والطلائعي، بمعنى المغامرة نحو المستقبل، والانفلات من قيود الحاضر وماضيه. غير أن الحديث ليس هربا من الحاضر بل تأكيدا له.  فالإبداع والخلق لا يحدثان إلا في اللحظة الحاضرة، في الآن التي تتحول إلى زمن جديد. الحاضر هو أرض المستقبل وهدفه.  ودون العمل في الحاضر وتغييره لايمكن العمل في المستقبل وبناؤه"[13].

وبهذا التجذر في الواقع/الحاضر تتأصل هذه الحداثة وتمتلك شرعية وجودها وانتمائها التاريخي.  وهي إذ تقوم على القطع الإرادي مع المهترئ المتآكل والمتجاوز من منتوجات ومقومات وقيم الماضي، فإنها تتأسس، في الآن ذاته، على ما هو منـها قابل للتجديد والتجدد والاستمرارية والتفاعل الإيجابي مع عناصر ومفاعيل التغير والتبدل، مشكلة بذلك استيعابا نقديا واعيا لهذه العناصر والتراكمات وتجاوزا لها في نفس الوقت. وذلك في إطار سيرورة جدلية ديناميكية تبادلية وتفاعلية متواصلة بين القديم والجديد، الماضي والحاضر والمستقبل. دينماميكية تنتج فيها الحداثة، عبر توالي وتطور لحظاتها، تاريخها/تواريخها الخاصة، كما تفرز فيها أيضا قيمها وثقافتها المتميزة المشعة، بل وتنتج فيها كذلك "مهملاتها وهوامشها المقصية". وبذلك تتجذر في شرطها الكوني والحضاري العام،  وتتفاعل وتنتج في شروط سياقاتها الخصوصية المتعددة[14].

إلا أنه يجب التذكير بأن هذا المفهوم المستنير للحداثة الغربية قد أمسى هو ذاته متجاوزا كمعطى تاريخي لمرحلة محددة في الزمان والفضاء. وذلك بفعل انتقال المجتمعات الغربية إلى فترة "ما بعد الـحداثة: Postmodernité" أي تلك المرحلة التي "تعبر عن نفسها، بنظرنا، من خلال موقف متشكك ينبثق من أوضاع مجتمع الرأسمالية المتقدمة والمجتمعات الاشتراكية التي أخذت بإعادة النظر في أنظمتها.  ويقوم هذا الموقف، في تعبيره الغربي، على التشكيك في التراث الفكري للقرن التاسع عشر، متمثلا بالحركة النقدية البنيوية ونقدها الجذري  للعلوم الاجتماعية والإنسانية ونظرية المعرفة. ويقوم، في تعبيره الاشتراكي، على فقدان الثقة بالنظريات الطوباوية ونماذجها الثورية الرومانسية، وعلى إعادة النظر في الممارسة الاشتراكــيـة الصحيحة"[15].

وهاهو العالم ينتقل الآن من مرحلة "ما بعد الحداثة" ـ مع ضرورة استحضار ما لها من آثار ومفعولات في بلورة شروط هذا الانتقال ـ إلى زمن "العولمة:Mondialisation التي يشهد فيها المسرح الدولي تحولات جذرية عميقة وشاملة، حطمت تقاطباته الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية والحضارية التقليدية، واكتسحت مختلف مكوناته ومؤسساته وموازين قواه وممارساته وتبادلاته الفكرية والقيمية والعقائدية.. وذلك بشكل أصبح معه هذا التحول بمثابة "انقلاب عالمي" شمولي متعدد المناحي والأبعاد والمستتبعات، وخاصة فيما يتعلق بمفاهيم الدولة والثقافة الوطنية … الخ.

وفي إطار هذه التحولات الانقلابية" أصبح النظام الدولي هو أكثر النظم السياسية افتقارا إلى الاستقرار. ولأنه يتألف من عدد لانهائي من الوحدات التي تتحرك جميعها. فهو يتبدل تحت أنظارنا دون أن يتسنى لنا تقنينه أو تتبع مصيره(…) وفي الوقـت الذي أصبحت فيه العلاقات الدولية، دون أن تخرج تماما من أيدي الدول، هي أيضا من صنع المشاريع المتعددة الجنسيات، والكنائس، وجماعات الضغط عبر القومية، وتوابع الاتصالات، بقدر ما هي نتاج تركيبة الأفراد  والمهاجرين سرا، والطلبة الأفارقة والآسيويين الذين يأتون للدراسة بالجامعات الغربية، أو من يكتفون بمجرد استهلاك المنتجات المستهلكة، تتضاءل فرصة وضع معايير فعالة، كما تقل فرصة تجنب نشوب الصراعات أو مجرد إدارتها، وكذلك إمكانية التوصل إلى نماذج تحليلية صالحة وفاعلة (…) وأمكن التأكيد، في ظل هذه الظروف، على أن العالم قد عاد إلى وضع النمط الإقطاعي، وأنه ارتبط، من جديد، بشكل من أشكال الفوضوية، بل حالة العودة إلى الطبيعة. بيد أن الأمر الفعلي، دون التمادي إلى هذا الحد، هو أن النظام الدولي يتجه بالأحرى نحو مظاهر الانفجار أكثر مما يسير في اتجاه الصورة المثالية للمجتمع المتحضر"[16].

من هنا تتكشف طبيعة الوضع  الإشكالي الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية، بل وجل مجتمعات العالم الثالث، في هذه المرحلة العولمية الراهنة، ذلك أنه في الوقت الذي حقق فيه الغرب مكتسبات علمية وتكنولوجية وسياسية مهمة ومتعددة في سيرورة انتقاله التاريخي إلى هذه المرحلة الحاسمة، وفي الوقـت الذي ينشغل فيه أيضا بتجديد متواتر لبنياته ومؤسساته وآليات تدبيره لرهانات وتحديات وصراعات وتبادلات النظام الدولي الجديد في مرحلته الانفجارية هذه، في الوقت الذي ما نزال فيه نحن الثالثيين، في "مجتمعات الهوامش" المبعدة، لم نتجاوز مجرد المراهنة ـ اليائسة والمتعثرة في الكثير من الأحيان ـ على تملك ما غدا متجاوزا من ثقافة الغرب الحداثي، وبالمعنى الذي أصبح الآن كلاسيكيا للحداثة، أي  تملك قيم العقلانية  والتنظيم والمأسسة، ومفاهيم الحرية واليمقراطية والمواطنية والمساواة واحترام حقوق وكرامة الإنسان… وتمثل ذلك وعيا ثقافيا وممارسة اجتماعية متعينة.

ليس المطلوب منا، بالطبع، في هذه الظرفية الحرجة من تطور مجتمعاتنا هو أن  نخلق المعجزة بثورة انقلابية جذرية على ما يسود في أوضاعنا من قيم وشروط وممارسات مهترئة فاسدة ـ مع التذكير بأن العالم قد تخطى الآن، ضمن ثقافته السياسية الجديدة، تلك المدلولات والشعارات الكلاسيكية لمفهوم "الثورة" باعتبارها طفرة نوعية جارفة تهدم قديما متداعيا ومتآكلا لتبني على أنقاضه جديدا تمام الجدة والتفرد ـ وليس مطلوبا منا كذلك أن نستعيد، في سيرورة تجربة انتقالنا الديمقراطي ـ الحداثي، كل أو  جل عناصر ومقومات وتجارب التاريخ الغربي في مختلف منعرجاته ومساراته التطورية، ولا أن نستنسخ هذا الغرب المتقدم، أو نقلده، أو نتقمصه، أو أن نكونه هو ذاته، كما تدعو إلى ذلك بعض تيارات التحديث، ونـزعـات التغـريـب والاغـتراب والغـربـنة الـمـغالية في تبعـيـتها ولا واقعيـيـها: "Occidentalisation – Occidentalisme". كما أنه ليس مطلوبا منا أيضا، للخروج من مأزق التبعية والتخلف، أن ننغلق في دائرة خصوصانية متحجرة متطرفة وميتافيزيقية في الآن ذاته : Spécifisme  …الخ . كل ذلك لم يعد متيسرا ولا مقبولا ولا ممكنا، نظريا وواقعيا. وذلك لمجموعة من الاعتبارات السوسيولوجية والتاريخية التي تكمن، بالأساس، في اختلاف وتمايز المقومات والخصائص المادية والرمزية للسياقات الاجتماعية والحضارية بين كل من الغرب ـ ككيان متعدد الأبعاد والفضاءات والمكونات ـ وبين ماينعت بـ "مجتمعات العالم الثالث" ـ باعتبارها أيضا كتلة غير متجانسة المكونات والخصوصيات ـ والتي عانت، وما تزال، من آثار وتبعات الاستعمار والأمبريالية، وما ارتبط بذلك من استغلال لهذه المجتمعات، وتشويه لجل مقوماتها وبنياتها وتواريخها الخصوصية، وإعاقة لتطورها الحضاري، ورهن لمصائرها بأهداف وتوجهات مراكز القرار المهيمنة على المستوى العالمي. ولعل ما مني به مجمل مشاريع وتجارب "التحديثية التغريبية" في هذه المجتمعات لدليل واقعي على هذا المعطى السوسيو حضاري الهام[17].

إن ما هو مطلوب منا بالذات، ولا سيما في شرطيات هذا النظام الكوني الجديد الذي تحول فيه العالم بالفعل إلى ما يشبه: "القرية الصغيرة"، كما سبق أن قال ماكلوهان، إلى فضاء يتم فيه نقل وإرسال وتبادل وتحصيل وتداول المعلومات والأفكار والأخبار والقضايا ونماذج القيم والسلوكات وأنماط العيش وأساليب التفكير والتدبير والتعامل وأشكال الهموم والاهتمامات والتطلعات.الخ، وذلك بسرعة غريبة مذهلة...، إن ما هو مطلوب منا الآن هـو المـراهنة على إقامة قطيعة نقدية واعية مع إيديولوجيا " التحديث التغريبي" التي ظلت في مجتمعاتنا، شعارية "مستوردة"، هذا أولا، وثانيا، مع خصوصانية جامدة تنظر إلى الذات كما لو كانت معطى متميزا ومتفردا وخارج التاريخ الكوني، وكأنها لا يربطها به بالتالي أي انتماء، مع العلم بأنها تشكل منتوجا لتفاعل تطوراته، حتى وإن كان هذا المنتوج ـ أي مجتمعات العالم الثالث ـ مبعدا ومهمشا على أكثر من صعيد[18].

إن ما نرومه، هنا بالتحديد، هو تأكيد ضرورة المراهنة على تأسيس فكر جديد، ومنظور عقلاني واقعي يكامل، ضمن فلسفة حداثية متأصلةـ وليس في إطار توفيقية تلفيقية لا تقوم على اختيار واضح المنطلقات والمعالم: Eclectisme ـ ما بين الخصوصي/الذاتي، وبين الكوني/الغربي، منظور يكامل بين الهوية والاختلاف، والمماثلة والمغايرة وفق سيرورة جدلية ديناميكية متفاعلة العناصر. وذلك بحثا،  من جهة، عن كونية مكرسة للتعدد والانفتاح والتواصل والتبادل والتحاور …ومن جهة أخرى، عن خصوصية متميزة المرجعية والجذور متكاملة ومتفاعلة، في الآن ذاته، مع "عالمية حوارية مؤنسنة". غير أن ذلك لا يمكن تحقيقه إلا حينما تتوفر ـ كما أشرنا إلى ذلك قبلاـ معرفة علمية دقيقة ومعمقة بشروط وأبعاد الذات والآخر معا.

أو ليس السؤال الفلسفي الذي ندعو إلى تنشيطه ـ سواء داخل المؤسسة التربوية أو على المستوى المجتمعي العام ـ كفيلا بالمساهمة في تفجير بعض جوانب ودلالات الإشكالية الآنفة وتشريح متضمناتها وأبعادها، بما يقتضيه كل ذلك من تحليل ومراجعة وتأصيل نقدي معمق؟ أليست الممارسة الفلسفية، كممارسة نقدية وتنويرية، مدخلا ضروريا لبلورة رؤية حضارية شمولية واضحة الأسس والأهداف والتوجهات، مؤسسة للانخراط الواعي والفاعل في زمن التنمية والحداثة والعولمة ؟.

من هنا كانت دعوتنا إلى إعـادة النظر في مجمل الشروط والأوضاع التربوية ـ البيداغوجية والاجتماعية عامة، ولشروط تدريس الفلسفة المدرسية والجامعية خاصة، وما تستلزمه هذه الدعوة من معارضة موضوعية لكل تهميش لها، أو تقليص لحجمها الزمني، أو لمكانتها ضمن المناهج الدراسية، أو حذفها بالمرة من بعض المؤسسات المدرسية والجامعية والتكوينية، كما هو حاصل، بالفعل، في المغرب، بل وفي جل مجتمعات الوطن العربي. وذلك باسم تصور تقنوي وميكانيكي للتنمية يربطها، حصرا، بما هو تكنولوجي عملي مباشر. وهو تصور يعبر، على مستوى خلفيته، إما عن موقف مغرض مناهض بل ومتخوف من الفكر النقدي الحر الذي تحمل لواءه الفلسفة، وإما عن رؤية تبسيطية ساذجة، وذلك حين يغفل أو يتغافل أنه لا وجود لتنمية أوحداثة حقيقية لا تقوم على فلسفة تؤسسها، توجهها، وتشكل إطارها المرجعي ضمن مشروع فكري واجتماعي وحضاري متكامل المكونات[19].

المبحث الثالث: الوعي الفلسفي وضرورة تجديد وتأصل النظر النقدي في "المسألة الثقافية"

ومما يجدر بنا التذكير به في هـذا المساق هـو أن اهتمامنا بمسـألة الفلسفـة ـ المدرسيـة والجامعية تحديـدا ـ يندرج ضمـن اهتمامنا العام بـ : "المسألة التربوية" و"المسألة الثقافية" كمسألتين فرعيتين ضمن ما يعرف  في خطاب العلوم الاجتماعية  بـ "المسألة الاجتماعية" في مدلولها الشامل. وهي مسائل تستوجب، في رأينا، ضرورة تفعيل الحوار التربوي والثقافي والسياسي والاجتماعي حول مشمولاتها وأبعادها ودلالاتها وتحديات تدبيرها في سياق تفاعل مكونات ومحددات الشرط المحلي والكوني الراهن. ذلك أن التخلف الذي تعيشه مجتمعاتنا ليس، في تصورنا، مجرد فقر مادي في الثروات الطبيعية أو البشرية مثلاـ فهي في بعض هذه المجتمعات ثروات هامة ووازنة، إما مستغلة من طرف قوى أجنبية، أو أنها ما تزال خاما لم يتم بعد إخضاعها لاستثمار رشيد معقلن على المستوى الوطني المحلي ـ بل إن هذا التخلف هو، في جزء هام منه، مرتبط بعدة عوامل ثقافية، بالمدلول السوسيوأنثروبولوجي لمفهوم "الثقافة": (عوامل تتعلق بالقيم والاتجاهات والمواقف  والأعراف والتقاليد والتصورات ورؤى العالم ...الخ)، مما يعمل على توفير شروط مواتية لإنتاج  وإعادة إنتاج وإدامة التبعية والتخلف وكل ما يتناقض ومقتضيات وشروط التنمية والحداثة والتقدم فكرا وممارسة. ولنا فيما لا يزال مهيمنا في مجتمعاتنا من تصورات تقليدية متقادمة للسلطة، والعمل السياسي، وللمرأة والأسرة، وللعمل، والمعرفة، وللآخر، وللتقدم، والمستقبل..الخ أمثلة داعمة لما نقول.

غير أن " ثقافة التخلف" هذه هي إفراز طبيعي لأوضاع موضوعية متخلفة أكثر مما هي، في حد ذاتها وبطبيعتها، متخلفة دونية وقاصرة. ذلك أن ظروف القهر والاستعمار والاستغلال وتحطيم المقومات الذاتية الحضارية والاجتماعية والثقافية..وغير ذلك مما عانت منه مجتمعات الهوامش في العالم الثالث، هي التي شكلت التربة المناسبة لاستنبات مجموعة من القيم والتصورات ونماذج الممارسات والعلاقات المكرسة لما نعتناه آنفا ب" ثقافة التخلف" . هذا دون أن ننسى ما لبعض العوامل الذاتية الخاصة بهذه المجتمعات من دور أيضا في تجذير هذا الاستنبات وتعميق هذه "الثقافة المتخلفة"،  التي تتفاقم أزمتها حاليا بما تفرضه عليها لحظتنا الحضارية الكونية الراهنة من شروط ورهانات وتحديات…[20].

إن هذا المنظور السوسيوبنائي ـ التاريخي، الذي يكامل، ضمن رؤية جدلية، بين العوامل الموضوعية والعوامل الذاتية في إنتاج وإعادة إنتاج ظاهرة التخلف في شتى أبعادها وتجلياتها الاجتماعية والثقافية، منظور يقف على النقيض تماما إزاء بعض الطروحات الاستشراقية أو الكولونيالية ذات الطابع أو المنظور الميتافيزقي على المستوى الفكري، وذات المبيت السياسي ـ الإيديولوجي والعنصري على مستوى منطلقها وخلفيتها السوسيوتاريخية والحضارية. ذلك أن هذه الطروحات كثيرا ما تفسر تخلف مجتمعات العالم الثالث بإرجاعه إلى طبيعتها ومقوماتها وخصوصياتها المتخلفة أصلا. وهكذا تجعل من "الطبائع أو الخصائص الثابتة للشعوب والمجتمعات" عاملا مفسرا إما لتخلفها، كما هو الأمر بالنسبة لمجتمعات العالم الثالث، وإما لتقدمها وتحضرها، كما هو الأمر بالنسبة للمجتمعات الغربية المتقدمة. فتقع بذلك في منزلق منطق مثالي مجرد ولا علمي تفنده معطيات العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، كما تدحضه معطيات ووقائع التاريخ  الكوني وتجارب البشرية.

وبناء على هذه الاعتبارات كلها، فإن نشر الوعي الفلسفي، والوعي بالوظيفة النقدية للفلسفة، بدءا من المدرسة إلى الجامعة إلى المجتمع برمته، مسألة بالغة الأهمية. وإذا أدخلنا في الاعتبار أيضا ما أصبح يشهده العالم المعاصر من " تحول للسلطة" واتجاهها نحو جعل امتلاك الاقتدار المعرفي دعامة مفصلية لامـتـلاك الثروة،[21] وما تفاعل مع ذلك من " ثورة في المعلومات والمعلوميات". أو ما يصطلح عليه بــ : "ثورة الإنفوميديا"[22]، إضافة إلى العديد من التحولات الفكرية والقيمية  والسياسية والتنظيمية… التي يتعاظم اختراقها للمسرح الدولي، مما أدى إلى "انفجار المسألة الثقافية"، بالمفهوم السوسيولوجي لأبعاد ومدلولات هذه المسألة…، إذا وضعنا كل هذه الاعتبارات في الحسبان فإنه يتضح لنا أن الرهان على بناء "ثقافة وطنية" واعية بشروطها الذاتية ولحظتها الحضارية وسياقها الكوني الجديد قد أصبح ضرورة شارطة لا محيد عنها للتفاعل مع هذا الانفجار الثقافي، مع معطياته وآثاره وما يفرضه أو يفترضه من رهانات وتموضعات وقواعد لعب وتعامل … كما يتبين لنا أن إقامة هذه "الثقافة الوطنية الذاتية" على موقف حضاري متفاعل ومتحاور في الآن ذاته مع الذات، ومع الآخر، ومع الواقع المجتمعي المتنفذ، ومع اللحظة الحضارية التي تشكل السياق السوسيوتاريخي لتعالق وتآثر وتبادل هذه العناصر كلها قد غدت أحد أهم شروط امتلاك أحقية الانتماء إلى العصر، والانخراط في"ثقافته السياسية الكونية الجديدة" بكل مفاهيمها وتحدياتها وآليات اشتغالها…

وهكذا فإن اهتمامنا بالمسألة الثقافية، وبجعل الفلسفة دعامة محورية لتنشيط الحوار الفكري وتفعيل العمل الثقافي وإشاعة مفاهيم وقيم الحوار والنقد… يندرج في إطار انشغالنا بضرورة جعل "الجبهة الثقافية" منطلقا لبناء فكر جديد وممارسات اجتماعية عقلانية جديدة ومتجددة،  وبالتالي بناء مجتمع جديد قادر على اختراق أزمنة التنمية والحداثة والعولمة. ذلك "أن الثقافة تلعب دورا في ذلك كمتغيروسيط، بما تضفيه من معنى على العلاقة بين الممارسة التعبوية والنتاج الذاتي. وهو ما يتفق مع التعاريف التي أعطيت للثقافة مؤخرا، فلم يعد ينظر إليها كنظام مشترك للقيم، إلى حد تضاءلت معه بصفة خاصة فرص التوصل إلى توافق في الآراء بشأن قيم معينة في الجماعات الاجتماعية الحديثة، كما أنه لايمكن تمثلها في المأثور، حيث تتغير وتتكيف مع الظروف (…) و(إنما) أصبح ينظر إليها كنظام للمعني يشترك فيه عامة أعضاء  نفس الجماعة. وعلى ذلك فإن الثقافة تحدد مجموعة الرموز التي يتفاهم بها اللاعبون في اللعبة الاجتماعية، كما تشير في الوقت ذاته إلى المعنى الخاص الذي يتخذه العمل الاجتماعي والمؤسسات الاجتماعية في كل جماعة"[23].

وعلى هذا الأساس فإن الثقافة، في إطار هذا الفهم السوسيولوجي، لم تعد وظائفها تنحصر في تحريكها لديناميكية البنية الاجتماعية المتنفذة في فضاءات مختلفة وحسب، وإنما أصبحت التحولات الانقلابية التي يشهدها العالم راهنا تفرض ضرورة توسيع مروحة هذه الوظائف لجعلها أكثر حضورا وفاعلية ومواكبة لهذه التحولات، ولعل مما يستحسن التذكير به من أدوار ووظائف الثقافة في هذا المساق ما يلي:

ـ إن الثقافة تساهم في" تحديد احتمالات نجاح التعبئة الذاتية: فلا يمكن لهذه التعبئة أن تتحقق إلا إذا كانت هناك دعوة إلى الانتماء إلى مجموعة يتعارف الأفراد في داخلها على أساس أولويات محددة، وهكذا ندرك أن التعبئة تتعذر بصفة خاصة في المجتمعات التي تعاني من نقص في رابطة الرموز (…).

ـ إن المتغير الثقافي يلعب دورا وسيطا على وجه الخصوص بما يضفيه من معان مختلفة على مفهوم الهوية. فيمكن لتلك الهوية، حسب  الثقافات، أن تتجسد في الأمة أو في القبيلة، أو أن تتخذ الطابع الإقليمي، أو تمتزج مع الهياكل الجماعية التي ترفض أية محاولة لإنشاء حيز(…).

ـ إن الثقافة تنظم سلوك اللاعب الذي يمكن تعبئته، بل وكذلك تصرفات اللاعب الذي يمسك بمقاليد السلطة. وتزداد أهمية تلك الظاهرة عند تحليل نشاط المسرح الدولي، ولا سيما التفاعل بين الشركاء الذين ينتمون إلى عمليات تنشئة اجتماعية بالغة الاختلاف (…) فصانعو القرارالدوليون لديهم تصورات عن العالم وعن الآخرين وعن الخصم قد تبدو حاسمة في تحديد خيارهم الاستراتيجي وترتبط بثقافتهم الخاصة إلى حد كبير(…).

ـ إن لكل ثقافة مبدأها الانتقائي الذي يؤدي باللاعبين المنتمين لثقافات مختلفة إلى عدم استخدام نفس التصنيفات، أو بالتالي عدم تحديد ذات الأولويات(…).

ـ وأخيرا فإنه لا يمكن إغفال أثر الانفجار الثقافي المرتبط بعبر الماضي وبالقراءات المتضاربة، بالضرورة، للتاريخ. فالتشويش، الناجم عن ممثالة حتمية للمستحدثات بماض معروف ناقل للانفعالات، يلعب دورا حاسما في إنتاج استراتيجيات دبلوماسية وفي إعادة بنائها ثقافيا…"[24].

لم يكن غرضنا المنهجي من هذا الاقتباس الانتقائي، من برتران بادي وماري وكلود سموتس في مقاربتهما لــ " سوسيولوجيا المسرح الدولي"، مجرد الرغبة في توفير تراكم معرفي، أو التأكيد على ما أصبح يلهج به خطاب " الثقافة الكونية الجديدة" من مفاهيم وقيم وإشكالات… ـ مع الإقرار بأهمية هذه المسألة ـ وإنما كنا نستهدف، بالأساس، إبراز بعض جوانب النقاش الفكري الذي غدا سائدا الآن حول أهمية إعادة اكتشاف أبعاد ووظائف ودلالات " المسألة الثقافية"، وحول دور الثقافة، بمدلولها السوسيولوجي العام، في بلورة مختلف مفاهيم وآليات وشروط التبادل والتفاعل على مستوى الجبهة الداخلية للمجتمعات المعنية، كما على المستوى الدولي بكل جبهاته وموازين قواه وتحالفاته وأطرافه الفاعلة[25]….

وإذا استحضرنا ما لا تزال تتسم به مجتمعاتنا من قيم ورموز ومعتقدات ونماذج تفكير وسلوك…أي من "ثقافـة" تعمل، في مجملها، على تكريس واقع التخلف والتقوقع و "الانحطاط" فإنه يبدو لنا جليا ما ينتظر من الفلسفة ـ أو بالتالي من تعليم ممنهج وهادف للفلسفة ـ أن تلعبه من أدوار في تعميم ثقافة وقيم النقد والتساؤل وخلخلة بعض الأطر الفكرية والممارسية المهترئة التي ما يفتأ يتعاظم تأثيرها السلبي على مسيرتنا الديمقراطية وانتقالنا الحداثي، وبالتالي على استحقاقيتنا للمساهمة في حوار حضاري تبادلي فاعل ومنتج[26].

المبحث الرابع: تعقيب عام: الفلسفة والمؤسسة في الوطن العربي: أسئلة الموقع ورهانات الدور

يتضح، من خلال ما سقناه آنفا، أن انشغالنا بتعميق النقاش الفكري والتربوي والاجتماعي والسياسي حول تدريس الفلسفة بمجتمعنا المغربي، ومجتمعاتنا العربية بشكل عام، يندرج ضمن محاولتنا لإنماء الوعي بما لهذا التعليم ـ متى كان محكوما برؤية سياسية تربوية متكاملة وبمشروع فكري واجتماعي واضح المنطلقات والأهداف ـ من دور في توعية الأجيال الصاعدة من التلاميذ والطلبة الذين هم عدة وعتاد المستقبل، وفي إكسابهم مهارات التفكير الممنهج وأساليب الفهم والتساؤل والتحاور والنقد….وفي مساعدتهم على تكوين رؤية واضحة للعالم ولواقعهم الطبيعي والاجتماعي،  والوطني والدولي…ويمتلك هذا الدور الخطير لتدريس الفلسفة، ولا سيما في المرحلة الثانوية، أهميته القصوى نظرا للاعتبارات التالية:

ـ " أولا: لهذه الآلاف من الطلبة الذين يدرسون الفلسفة في هذه المرحلة ويتأثرون بما يدرسون أو ما يدرس لهم.  وهم أكبر بكثير من العدد المحدود الذي يدرس الفلسفة في الجامعات بعد ذلك. وأغلب هؤلاء الطلبة لا يواصلون دراسة الفلسفة بل تتنوع وتختلف دراستهم بعد المرحلة الثانوية، أو يتجهون إلى مجال العمل الاجتماعي، حاملين معهم ما ترسب في نفوسهم وعقولهم من فكر نظري، خلال دراستهم، إلى الممارسة اليومية.

ـ ثانيا: لأن الطلبة في هذه السن ـ التي يمكن أن يطلق عليها نهاية مرحلة المراهقة وسن الأسئلة الكبيرة التي تتعلق بقضايا جوهرية في الحياة ـ يحسمون إلى حد  كبير توجههم الفكري والعملي  بحسب ما يتلقونه من إجابات حول تلك القضايا. ودرس الفلسفة مصدر مهم من مصادر هذه الإجابات.

ـ ثالثا: لأن برامج الدراسة رسمية، ولأن المدرسة جهاز من أخطر أجهزة  التوجيه الإيديولوجي والسيادة الإيديولوجية للنظام القائم، فإن برنامج تدريس الفلسفة في المرحلة الثانوية هو باب من أهم أبواب هذا التوجيه وهذه السيادة بما تمتلكه الفلسفة من مفاهيم نظرية مجردة تساعد على بلورة وتثبيت الدلالات والقيم التي يراد تسويدها"[27].

وبالرغم من هذه الأهمية الوازنة لتدريس الفلسفـة، ليس في المدرسة فحسب، بل وفي الجامعة أيضا، وما لذلك من وظائف وآثار تربوية وثقافية واجتماعية تمت الإشارة إلى بعضها آنفا، فإن أوضاع تدريس الفلسفة في مجتمعاتنا العربية تظل مخترقة بالعديد من السلبيات التي تتجلى فيما تتعرض له الفلسفة من تهميش ومحاصرة وتقليص لوظائفها المعرفية والتربوية ولدورها الاجتماعي  التنموي. وذلك في مقابل الإعلاء المبالغ فيه لمكانة العلوم والتقنيات ولأهمية التطبيق العملي على الممارسة النظرية، حتى ولو كان هذا التطبيق غفلا ساذجا، وبلا خلفية نظرية موجهة.

وهكذا تبقى "الفلسفة غير مستحبة عموما وغير مشجعة كثيرا على الصعيد المجتمعي العربي، كما أن سمعتها التقليدية تبقى سيئة في الوسط الثقافي الواسع بالرغم من تزايد عدد المهتمين بها ومحبيها والمساهمين في نموها في الوطن العربي. فالفلسفة ما زالت تعاني ( …) من الجرم الذي فرض عليها وعلى تعاطيها في مراحل معينة من تطور الفكر العربي الإسلامي الكلاسيكي، ومن التكفير الذي لحق بأبرز أعلامها حين عالجوا مسائل فلسفية صميمية (...) لهذا نجد أن الحكمة التقليدية المعادية للفلسفة والقائلة:" من تمنطق تزندق" ما زالت عالقة في الأذهان ومؤثرة  في العقول. من ناحية ثانية، نحن نعرف أيضا أن الفلسفة بمعناها الحديث تميل  إلى الشك بالقائم والمستقر من المعتقدات منذ ديكارت، وتميل إلى النقد الهدام والبناء منذ كانط، وتميل إلى السلب والتركيب الجديد منذ هيجل، وتميل إلى تقويض أركان العالم القديم منذ ماركس. كذلك نحن نعرف أن الفلسفة تميل  إلى الشمول، بمعنى مطالبتها الفيلسوف برأي  صريح وواضح، ليس  في المقولات والزمان والمكان فحسب، بل أيضا في التربية والسياسة والأخلاق والتقدم والتخلف والعدالة والاستبداد والحرية وحقوق الإنسان إلى آخر ذلك من الموضوعات الشائكة عربيا، والخطيرة خطورة عظيمة (مميته أحيانا) في وطننا الكبير اليوم. من هنا النزعة الرديئة المنحطة التي نلحظها، عربيا، في تدريس الفلسفة، إن كان في المرحلة الثانوية أو الجامعية"[28].

ولعل من أهم ما يعتور هذا التدريس في هذه الظرفية الرديئة، بكافة متضمناتها وأبعادها ومشكلاتها التربوية والثقافية والسياسية، والاجتماعية،مراوحة تعليم الفلسفة، في مؤسساتنا المدرسية والجامعية على العموم، بين ممارستين بيداغوجيتين وفكريتين  كثيرا ما تتناقضان مع الدور النقدي للفلسفة:

ـ فإما أن تقع هذه الممارسة في تلقينية تجميعية يتركز اهتمامها في مراكمة المعلومات عن الأعلام والمذاهب وفلسفاتها وتواريخها …فتتحول بذلك عن الفلسفة، كمنهج في التفكير والتساؤل والنقد، إلى ما يشبه "تأريخ الأفكار"، وذلك بالمعنى التبسيطي للتأريخ، أي باعتباره مجرد جرد عرضي وتصفيف وتحقيب للتواريخ والأحداث والمعطيات حول الفلسفة عبر تطورها التاريخي. وقد كان ـ وما يزال ـ هذا النمط من التلقين المدرسي الضيق متداولا في بعض أنظمتنا التربوية في الوطن العربي.

ـ وإما أن يتم الاهتمام، في هذه الممارسة التدريسية، بالتركيز على النص الفلسفي والانطلاق منه في مناقشة تيمات أو مفاهيم أو إشكالات فلسفية معينة. وإذ يتجنب هذا النمط من التدريس ما يقع فيه النمط السابق من الاعتماد على مراكمة تجميعية لا يؤطرها وعي فلسفي وتاريخي نقدي بالمادة الملقنة، فإنه يقع بدوره ـ وخاصة في إطار تدخل العديد من متضمنات وشروط ومشكلات وعوائق وآليات اشتغال الممارسة البيداغوجية في مؤسساتنا التعليمية ـ في منزلق تقديس أو تقدير مبالغ فيه للنص الفلسفي باعتباره مصدرا أساسا للتيمات والمفاهيم والقضايا الفلسفية، والتي يتحول تدارسها وتدريسها، في ظل هذا التصور التقنوي التبسيطي، إلى مجرد تحليل استعراضي لأفكار مجردة  مجزأة معزولة، ومنتزعة من سياقها السوسيو تاريخي، ومن حقلها الثقافي والمعرفي الذي أفرزها، والذي شكل خلفيتها وإطارها المرجعي[29].

وهكذا يتم " تحويل الفلسفة إلى جملة من العقائد التبسيطية والشعارات الجاهزة التي يمكن حفظها بسهولة عن ظهر القلب، أو إلى مجموعة من الأفكار الإيديولوجية مسبقة الصنع، التي يسهل تلقينها إلى التلاميذ تلقينا آليا يجنبنا متاعب كل ما له علاقة بالشك أو النقد أو السلب أو الشمول"[30]. أو بعبارة المفكر العربي أنور عبد الملك نجد أن الفلسفة ـ المدرسية والجامعية معا ـ  تتحول في حقل هذه الشروط المحبطة إلى "كاتالوج لآراء الأعلام ونظرياتهم، دون محاولة فهم الأسباب التي من أجلها قالوا بهذه النظريات، دون نقدها طبقا لمقاييسنا وقيمنا المعاصرة"[31].

لذا، فتجاوزا لهذا الوضع الكارثي الذي تعيشه الفلسفة المدرسية والجامعية مغربيا وعربيا، ولوضع تعليم هذه الفلسفة على طريق البحث الهادف عن فلسفة للعقلانية وللتنوير وللتنمية والحداثة، لابد من التأكيد على ضرورة توفير جملة من الشروط السوسيوتربوية والسياسية والثقافية… الكفيلة بتحقيق هذا المطلب الهـام. وإذا كنا قد أشرنا, في مظان ما سبق، إلى بعض هذه الشروط فإن من أهم ما نود التذكير به أيضا نجمله هنا فيما يلي:

1) الأهمية الاستعجالية لرفع الحَظْرِ عن التعميم الشامل لتدريس الفلسفة بمفهومها الواسع في مختلف مؤسسات التعليم والتكوين، وعدم التمادي في تقليص حجمها أو حذفها بالمرة من بعض الشعب والمؤسسات الجامعية والتكوينية وبلا مبررات تربوية أو معرفية منطقية معقولة. وذلك على غرار ما هو حاصل في المغرب، بل وفي غيره من بعض الأقطار العربية. وإذا كانت حجج الارتباط بالتخصص  والتركيز، في التعليم والتكوين، على مجالات معرفية أو  مهنية دون أخرى تعد من أبرز ما يتحجج به البعض لتسويغ ذلك التقليص أو الحذف، فإن الفلسفة ـ بحكم سعة موضوعها وشمولية ميادين اهتمامها واشتغالها ـ تظل قادرة على التفاعل والتأقلم مع مختلف التخصصات والمجالات، وعلى أن تشكل مرجعية نظرية وفكرية لمعارفها ومناهجها وجوانبها التطبيقية… وهكذا تساهم الفلسفة في تجنيب هذه التخصصات منزلق الوقوع فيما انتقدناه آنفا من منظورات تقنوية أو اختبارية تبسيطية باسمها يبرر تهميش الفلسفة ومحاربتها وتحجيم دورها الفكري والتكويني والاجتماعي[32].

2) ننطلق من الملاحظة السابقة لنذهب إلى أبعد من ذلك، إلى الدعوة إلى اعتبار ربط الفلسفة بالعلم والتكنولوجيا، على مستوى، التدريس والتكوين والبحث، ضرورة منهجية شارطة. وإذا كان تاريخ كل من الفلسفة والعلم يبرز لنا، في قديمه وحديثه، ما بينهما من علاقات التواشج والتفاعل، التي يرفد، في إطارها، كل منهما الآخر: يسنده، يغنيه، ويعمل على تجديده وتطوير مفاهيمه ومبادئه ومناهجه ومعارفه...، فإن ما هو حاصل في مجتمعاتنا العربية مناقض لذلك تماما.

أن جعل تعليم الفلسفة، وخاصة على مستوى الجامعة وبعض مؤسسات التكوين المهني وتكوين الأطر، مقصورا على بعض الشعب  وبعض المؤسسات المرتبطة بالآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية خاصة، وحذف هذا التعليم بالمرة من كليات العلوم والتكنولوجيـا ومـن مجمل المؤسسات العلمية والمهنية والتكوينية المتخصصة ـ كما هو الوضع في المغرب حاليا ـ يعد، في تقديرنا،  من أفدح الأخطاء العلمية والتربوية.

ولذا، فإنه بالرغم من أن التعليم في مجتمعاتنا العربية قد أدى إلى إنتاج نخبة لا يستهان بها من أطر العلم والتكنولوجيا الحديثة، من علماء رياضيات وبيولوجيا وكيمياء وطب، ومن مهندسين، ومختصين في ميادين علمية وتقنية دقيقة رفيعة المستوى …فإن هذا التعليم ـ نظرا لما سبق ذكره ـ لم يمكن هؤلاء من أن يكونوا منتجي علم ومعرفة وفكر، أو أن يجعلوا من معارفهم ومجالات تخصصهم مواضيع بحث وتفكير ونقد وتساؤل، فيكون من بينهم مثلا إبستمولوجيون، وفلاسفة علوم، ومناطقة، ومؤرخون للعلم، ولمناهج العلوم، وخبراء تكنولوجيا…الخ.هذا في الوقت الذي يهتم فيه بهذه الميادين والقضايا، بحثا وتخصصا، فلاسفة ومفكرون قادمون، في جلهم من حقول الآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية بشكل عام.

وهكذا يشذ هذا الواقع الغريب في مجتمعنا العربي عن القاعدة، ويقلب، في الآن ذاته، منطق تاريخ الفلسفة، والعلم بالتحديد.إذ أن من أهم ما يفيدنا به هذا التاريخ أن الكثير من النظريات والمفاهيم والقضايا الفلسفية قد تحولت إلى ميدان العلم، إما كمعارف أو كحقائق وإما كإشكالات وقضايا ومحاور واهتمام. كما أن المعرفة العلمية نفسها قد تحولت بامتياز، وبعد أن خرجت من رحم الفلسفة الأم واستقلت عنها كما هو معروف، إلى موضوع للنظر الفلسفي. وذلك في إطار سيرورة تاريخية من التفاعل والتبادل بين كل من الفلسفة والعلم، مما تعمل التطورات والمستجدات المعرفية الراهنة في مختلف المجالات على دعمه باستمرار، ضمن مشروع معرفي كوني، قائم على تكامل المعارف والعلوم، وتداخل وتفاعل التخصصات والميادين، ومستند على رؤية علمية شمولية مكرسة لجدلية ديناميكية بين العام والخاص، وبين الكلي والجزئي، وبين الوحدة والاختلاف [33].

وما يصدق على علاقة الفلسفة بالعلوم الدقيقة، يصدق أيضا على علاقتها بالعلوم الاجتماعية والإنسانية. ليس فقط لحداثة استقلالها أو انفصالها عن الفلسفة، وإنما نظرا كذلك للارتباط الوثيق بين مواضيع ومفاهيم وقضايا هذه العلوم وبين النظر الفلسفي. هذا فضلا عن طبيعة المعرفة في هذه العلوم، وذلك باعتبارها مشروعا معرفيا مفتوحا، على الدوام، أمام التساؤل والنقد  والمراجعة وإعادة البناء والتشكيل... وعلى أنها ترسيمات أو خطاطات لقراءة وفهم الواقع أكثر منها " حقائق" ثابتة أو نهائية ومطلقة. وإذا كانت بعض التجارب التربوية ما تزال تحتفظ بجمع ـ شكلي بالأساس ـ للفلسفة مع غيرها من العلوم الاجتماعية والإنسانية، مثل: علم النفس وعلم الاجتماع ـ كالتجربة المغربية التي تضم فيها شعبة الفلسفة، بكليات الآداب التي تتواجد فيها، كلا من: الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، وتحمل نفس هذا الاسم المتعدد ـ فإن إعادة النظر في هذه العلاقة، والتفكير في تجديد بنائها على رؤية واضحة المنطلقات والمعالم والأهداف مسآلة، قد أصبحت، في رأينا، مطلبا منهجيا في غاية الإلحاح والأهمية والراهنية. وذلك نظرا للعديد من الاعتبارات الآنفة الذكر، وأيضا لاعتبارات أخرى غيرها ليس هذا مقاما مناسبا لتفصيل الحديث عنها ومناقشها.

3) ـ يتطلب الموقف أيضاـ إضافة إلى ربطها بالعلوم المختلفة ـ ضرورة فك العزلة عن الفلسفة وربطها بسياقها المجتمعي والحضاري العام، أي بـ "المسألة الاجتماعية" في أبعادها ومكوناتها العامة. فقضايا وإشكالات ومفاهيم مثل:التنمية  والحداثة والتخلف والدولة والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والتراث، والمسألة النسائية والثقافية…ما تزال في مجتمعاتنا في حاجة ماسة إلى تفكير وإلى إعادة تأصيل فلسفي. وإذا كانت بعض مناهج التعليم في المدرسة والجامعة تحمل ـ حسب اختلاف السياقات الاجتماعية في الوطن العربي ـ بعض ما يرتبط بهذه المفاهيم والقضايا، فإن ذلك يظل، في الغالب ، غير خاضع لمنهج محدد دقيق، أو لتوجه بيداغوجي ـ تربوي أو فكري واضح المعالم والأهداف[34].

4) ـ يستدعي الأمر، إذن، بلورة موقف علني ممنهج من غايات تدريس الفلسفة ومن موقعها ودورها في البنية الاجتماعية المتنفذة. وإذا كان هذا الموقف يستلزم مشاركة كل النخب والفعاليات الفكرية والتربوية والسياسية والاجتماعية المشكلة للمجتمع المعني، فإن ما تعرفه الظرفية  الراهنة في سياقنا القومي العربي     ـ كما هو راهن المغرب ـ من سياسات وتوجهات مكرسة للانفتاح والتراضي، ودعم التشارك، وتداول السلطة، والانتقال الديمقراطي إلى زمن التنمية والحداثة…الخ، يمكن أن يشكل، متى توفرت له الإرادة السياسية القادرة على الاختيار والحسم، عوامل مشجعة وواعدة ضمن سيرورة بناء الموقف الآنف.

وإذا كان العديد من التظاهرات واللقاءات والمؤتمرات العلمية في الوطن العربي قد أكد على أهمية تحديد موقف عقلاني صريح من الفلسفة، تدريسيا وممارسة فكرية واجتماعية، بهدف استنبات فكر فلسفي عربي مؤصل متجذر في الواقع المعيش، فإننا مع ذلك، وبالرغم من الشروط المشجعة الآنفة الذكر، ما نزال ـ قطريا وقوميا ـ بعيدين عن تحقيق ذلك[35]. ولعل الشرط السياسي يشكل، بثقله الوازن في مجتمعاتنا، أهم عامل في هذا المساق. ذلك أن "الدولة الوطنية" القطرية قد استأثرت، منذ بداية  الاستقلال، بالسيطرة شبه التامة على كل مجالات ومكونات المجتمع، وصادرت توجهاته ومبادراته، وحاصرت قواه وتحركاته وأنشطته وفعالياته… ضمن عملية "تدويل:  "Etatisationضابطة، ضاغطة، واسعة النطاق. وقد كانت الفلسفة في صلب هذا التطويق الخانق  المحكم[36].

إلا أن ما يجب الوعي به والاستفادة منه في إطار تحولات الوضع الكوني الراهن هو أن الانحسار المتزايد لدور وسلطة ـ أو تسلط ـ الدولة في المجتمع المعاصر، وبروز فاعلين اقتصاديين واجتماعيين وثقافيين جدد، محليا وكونيا، مثل الشركات المتعددة الجنسيات، والأسواق الحرة، والهيئات والمنظمات والجمعيات الوطنية والدولية، ووسائل الإعلام والمعلوميات والتواصل المتعددة، وبروز مجتمع مدني حي متحرك وفاعل... كل ذلك قد ساهم في اتجاه تغيير المفهوم التقليدي للدولة، وتطوير أساليب الحكم، واستراتيجيات اتخاذ القرار، وسياسات تدبير مختلف المجالات وإدارة الشأن العام. مما ينبغي استحضاره والإفادة منه في بلورة الموقف الآنف الذكر[37].

5) تتأسس الملاحظة الآنفة على نقد بعض الطروحات والتصورات المثالية للفلسفة، والتي تعتبرها ممارسة فكرية محايدة وغير متحزبة سياسيا وإيديولوجيا خلافا لما يبرز عبر تاريخ الفلسفة ذاتها مما يؤكد انخراطها في هموم واهتمامات وشؤون لحظاتها التاريخية المتباينة حسب اختلاف الزمان والفضاء. وهو انخراط جعلها، في التصور الماركسي بالأساس،" خلاصة روحية لعصرها" و"صراعا اجتماعيا ـ طبقيا على مستوى النظرية".

وإذا كان هذا المنظور النقدي يقوم على الإقرار بالبعد السياسي ـ  الإيديولوجي للممارسة الفلسفية فإنه ينبغي التذكير بأن " عملية تسييس أو " أدلجة" الفكر بعامة، والفلسفة بخاصة، لا يمكن تجنبها عن طريق نظرة للعقل تجرده من وظيفته المعيارية ـ الجوهرية، أي عن طريق التقيد بمبدإ العقلانية المنهجية والتقنية الذي وجدناه مجرد ستار لنظرة إيديولوجية محافظة. فالخيار(…) إذن، ليس بين تسييس أو "أدلجة" الفلسفة وعدم تسييسها أو "أدلجتها" ، بل بين جعلها سلاحا في أيدي القوى المحافظة، وجعلها سلاحا في أيدي قوى التغيير، أي "بين" أدلجتها" على نحو يساهم في ترسيخ الوضع القائم، و"أدلجتها" على نحو يساهم في تجاوز الوضع القائم(…). ولذلك (…) فلا نملك (...) سوى أن نختار إما الاستمرار في تجريد الفلسفة من وظيفتها النقدية ـ التقويمية ، فتظل سلاحا طيعا في أيدي القوى المحافظة، أو إعادة هذه الوظيفة إليها لتعود فتلعب دورها التحريري والتنويري. الخيار هو أن تكون الفلسفة خادمة لكل شئ ما عدا الإنسان، أو أن تكون خادمة للإنسان، أن تكون أداة لترسيخ ما هو كائن، أو تكون حلقة الوصل بين ما هو كائن وما يجب أن يكون"[38].

نحن لا نريد، إذن، فلسفة "مستقيلة" أو "مُقالة"، بل فلسفة تراهن على الفعل والتأثير في وتائر التغيير والتحويل الاجتماعيين، ملتزمة في ذلك بأن تجعل من فعلها هذا أكثر إنسانية، وأكثر استجابة للقيم والمعايير والمبادئ التي يسعى البشر إلى تحقيقها في أوضاعهم البشرية المختلفة. وإذا كان من بين مهام الممارسة الفلسفية المساهمة في إنتاج معرفة تستهدف عقل وفهم الواقع الطبيعي والاجتماعي في أبعاده الأنطولوجية  والإبستمولوجية والأكسيولوجية، فإن ذلك لا يلغي دورها في تغيير هذا الواقع أيضا. شأنها في ذلك شأن أي معرفة بشرية لا ينحصر دورها ولا تقيم نجاعتها ومصداقيتها بمدى قدرتها التحليلية والتفسيرية فقط، وإنما تعد نجاعتها التاريخية، أي مدى قدرتها على توجيه وهيكله وتغيير الواقع والفعل الإيجابي فيه، من بين أهم معايير تقييم صدقيتها العلمية كذلك. مع ضرورة التأكيد على أن النجاعة التاريخية لمعرفة ما ـ فلسفية كانت أو غير فلسفية ـ لا تفصل فيها مجرد الرغبات أو النوايا، مهما كان صدقها ووضوحها، وإنما تفصل فيها، بإلاضافة إلى ذلك وبالأساس، طبيعة موازين قوى وصراعات وترتيبات وتفاعلات الوضع الاجتماعي الناجز المتعين في الزمان والمكان[39].

وهكذا، وكما هو الأمر بالنسبة للفلسفة، فإننا لا نريد أيضا نخبا اجتماعـية "مستقيلة" أو "مقالة"، ولكن نخبا واعية بشرطها التاريخي مدركة لوظيفتها ولمهامها ولإمكاناتها وقدراتها التأسيسية. نحن بحاجة، إذن، إلى"فلسفة للتغيير" مدعومة بـ "قوى اجتماعية للتغير". إلا أن ما ينتج هذين العنصرين ويجعل منهما متكاملين متبادلين بشكل ديناميكي منتج يتمثل في منظومة من العوامل المرتهنة بالمشروطيات السوسيوتاريخية للوضع المعني. وهي مشروطيات لا يمكن ـ كما أسلفناـ فهمها بالعمق الكافي إلا عبر ربطها بسياق مجتمعي محدد في الزمان والمكان، في إطاره تدرك أبعادها ومكوناتها ودلالاتها المتعددة… وتلك قضية سوسيولوجية معقدة، كما هو معروف، ليس هذا مقاما مناسبا لمناقشتها.

6) ـ نستخلص، من كل ماسبق، أن الفلسفة التي نحن بصدد الحديث عنها، والتي نريد أن يتعزز حضورها، في مجتمعاتنا، عبر المدرسة والجامعة والممارسة السوسيوثقافية عموما، هي الفلسفة التي تستطيع أن تقودنا إلى تشكيل "رؤية للعالم: Vision  du Monde"، رؤية فكرية  وحضارية تتحدد فيها لدينا معالم الماضي والحاضر والمستقبل، الكائن والممكن، الواقع والمتوقع. رؤية تمكننا،  لا فقط من عقل ووعي العالم الذي نعيش فيه، بل تمكننا أيضا من إدراك الموقع والدور، وما الذي بإمكاننا أو يتوجب علينا القيام به سواء تجاه الذات أو الآخر أو اللحظة السوسيوحضارية الحاضنة لتفاعلات الذات والآخر بكل أبعادها ومكوناتها ودلالاتها المتعددة.

وإذا استحضرنا الآن زمن العولمة بكل ما يعج به من رهانات وتحديات ومتغيرات جديدة، ومن مفاهيم وتصورات ونماذج تفكير وسلوك  تسعى إلى تأسيس ثقافة عولمية مختلفة… ، فإننا ندرك كم أصبحنا الآن،  وأكثر من أي وقت مضى،  بحاجة إلى رؤية فلسفية منخرطة في شرطها الاجتماعي والكوني الراهن، قادرة على فهم  ووعي المتضمنات الفكرية والحضارية والإيديولوجية العميقة لمكوناته ورهاناته وتحدياته، وعلى توجيه الفكر والممارسة نحو تفاعل حواري منفتح مع قوى وأطراف وفعاليات النظام الدولي الجديد. وذلك على العكس مما تروج له بعض الطروحات الاقتصادوية الضيقة التي تحصر تفاعلات هذا النظام في بعده الاقتصادي مثمنة لمفاهيم الربحية والسوق والتنافسية وحرية التبادل ودور الخوصصة...إلخ. إلا أنه بالرغم من الأهمية الوازنة لهذا البعد الاقتصادي للنظام الكوني الجديد، فإن المراهنة  على تفعليه بشكل عقلاني منتج لا يمكن ضمان نجاحها بدون إقامتها على رؤية فكرية موجهة. ومن هذا المنطلق فإن التوفر على فلسفة، في بعدها التغييري والملتزم الآنف، يغدو شرطا ضروريا لتفكير أبعاد اللحظة الراهنة ونقدها  والتساؤل حول تعاليمها وقيمها وتوجيهاتها… ولبناء استراتيجية عقلانية للتبادل والتحاور معها، وتدبير رشيد وهادف لمختلف رهاناتها وتحدياتها. فلسفة منفتحة على مناخ العصر، مكرسة، بوعي نقدي متفهم، لما اصبح يتسم به هذا العصر من بروز لمشروع "ثقافة كونية جديدة" ملتزمة بقيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والتسامح، مدعمة لتقبل الخصوصيات واحترام التعدد والاختلاف، مقصية، وبعقلانية نقدية منفتحة أيضا، لأي انغلاق شوفينـي، أو فكر أو أصولي متطرف، أو مواقف أو أفكار محنطة، أو عقديات جامدة."[40]

من هنا لم تكن دعوتنا إلى تدعيم الفلسفة مجرد تعبير عن نزوع إلى تحقيق ترف فكري لم يعد في مضمونه مواكبا لعصر العلم والتقنية وهيمنة الصراعات الاقتصادية الشرسة، كما يتم ادعاء ذلك أحيانا حين يراد تبرير أي حصار أو حيف يلحق بالأوضاع التربوية والاجتماعية للفلسفة في مجتمعنا، وإنما كانت هذه الدعوة، في العمق، دعوة إلى تحرير العقل من أغلاله المتعددة المثقلة بشتى الرواسب والطابوات. وذلك حتى تشرع الأبواب للتفكير والانفتاح على آفاق السؤال الفلسفي الرحب المتعدد الأبعاد والدلالات والوظائف، ولتفسح الفرص لتكوين تربة ملائمة لاستنبات ثقافة تغييرية مغايرة، ووعي نقدي جديد متجدد، ورؤية حضارية تحاورية يمكن أن تشكل أس المشروع التاريخي والسوسيوحضاري ـ في بعديه القطري والقومي معا ـ ذلك المشروع الذي نريد بناءه ليصبح قاطرة لمسارات الانتقال الديمقراطي وللعبور إلى زمن التنمية والحداثة بما يتطلبه ذلك من استحقاقية واقتدار.

غير أن ما ينبغي التنويه به والتأكيد عليه من جديد هو أن هذه المساهمة لا تطمح بأي شكل إلى تقديم أجوبة نهائية على مختلف الأسئلة والتساؤلات المحرجة التي تطرحها علينا وضعية الفلسفة في سياقاتنا التربوية والاجتماعية، كما لا تستهدف هذه المساهمة أيضا وضع وصفات علاج جاهزة للأدواء والظواهر السلبية المختلة التي ينبغي أن يتجه نحوها التفكيك والمساءلة الفلسفية والمراجعة النقدية… ذلك أن هذه المهام لا يمكن الوفاء بإنجازها ضمن الحدود المعقولة والمقبولة إلا عبر العمل الجماعي التكاملي المكثف الممنهج والهادف. إن أقصى ما نسعى إلى تحقيقه هو المساهمة الفاعلة في سيرورة تأسيس فكر جديد، والتأثيث لتشييد فضاء ملائم لممارسة ثقافية وتربوية واجتماعية بديله متجددة…وإننا إذ نعي تماما جسامة وخطورة الرهان، بل وعوائقه ومنزلقاته أيضا، فإننا نعي بالقدر ذاته، كون هذا الرهان مشروعا وضروريا وممكنا. ألم يكن العديد من المشاريع الناجزة الآن مجرد اضغات أحلام في يوم ما؟ ذلك هو الدرس البليغ الذي نتعلمه، باستمرار، من تاريخ البشرية، بل من تاريخ الفلسفة ذاتها.

 الهوامش

[1] للاطلاع على المدلول السوسيو أنثروبولوجي لمفهوم الثقافة، ارجع إلى:

مدبوني، جلال : الاجتماع الثقافي.- القاهرة، دار الثقافة للطباعة والنشر، 1979.

Chambrat de Law,  P.H. : Image de la culture.- Paris, Ed. Payot, 1970.

وارجع أيضا، بشأن صورة الفلسفة في وعي " الحس المشترك"، إلى:

محسن، مصطفى : المعرفة والمؤسسة: مساهمة في التحليل السوسيولوجي للخطاب الفلسفي المدرسي في المغرب.- بيروت، دار الطليعة، الطبعة الأولى، 1993.- ص.ص. 133- 1353.

[2] محسن، مصطفى : نفس المرجع السابق.

[3] المجلس الوطني للشباب والمستقبل: أية تربية، أي تكوين، أي تشغيل لمغرب الغد: نحو ترابط أفضل بين النظام التربوي والنظام الإنتاجي، منشـورات المجلس، الدورة الثالثة (الرباط: 16 و17 و18 فبراير 1993). وللاطلاع أيضا على رؤية نقدية لسياسات " تمهين التعليم"، عد إلى:

د. البيلاوي، حسين : رجال الأعمال وجيشهم الاحتياطي،مجلة"أدب ونقد".- القاهرة، إصدار حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، العدد125، يناير1996.- ص.ص .54-90.

[4] د. البيلاوي، حسين : نفس المرجع السابق.

[5] يجب ألا نغفل ما لهذا الوضع من آثار سلبية على سيرورة تشكيل الوعي الثقافي والسياسي والاجتماعي لخريجي هذه الشعب والتكوينات.

[6] الخطيبي، عبد الكبير : في تقديمه لكتاب:

   بنعبد العالي، عبد السلام : الميتافيزيقا، العلم والإيديولوجيا.- الرباط، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، بيروت، دار الطليعة، الطبعة الأولى، 1981.- ص.3.

[7] ارجع، للتوسع، بشأن مفهوم " الحداثة"، إلى:

لوفيفر، هنري : ما الحداثة ؟ ترجمة كاظم جهاد.- بيروت، دار ابن رشد، 1983.

برادبري، مالكوم : الحداثة، ترجمة مؤيد فوزي حسن.- حلب، منشورات مركز الإنماء الحضاري، 1995.

[8] للتعرف على رؤيتنا النقدية لهذا الوضع، ارجع ـ إضافة إلى كتابنا الآنف ـ إل ى: محسن، مصطفى : في المسألة التربوية : نحو منظور سوسيولوجي منفتح.- الرباط، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1992.- ص.ص 5 ـ 8 و ص.ص. 25ـ 28 و ص. ص. 64ـ70.

[9] أدونيس : مـن كلمة له في الملتقى الأول للمفكرين والكتاب العرب في المهجر.- باريس، ديسمبرـ كانون الأول 1986، في:

ـ مجموعة مؤلفين : الثقافة العربية في المهجر، الدار البيضاء، دار توبقال، سلسلة (معالم)، الطبعة الأولى، 1988.- ص.16.

[10] غليون، برهان : اغتيال العقل : محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية.- بيروت، دار التنوير، 1985.

[11] لأخذ فكرة موسعة عن مفهوم الـ "براديغم"، عد إلى:

كوهن، توماس : بنية الثورات العلمية، ترجمة علي نعمة.- بيروت، دار الحداثة، الطبعة الأولى، 1986.

[12] غليون، برهان و أمين، سمير : ثقافة العولمة وعولمة الثقافة، (سلسلة: حوارات لقرن جديد).- بيروت، دار الفكر، دمشق، دار الفكر المعاصر، الطبعة الأولى، 1999.

[13] شرابي، هشام : النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين.- بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1990.- ص.87.

[14] الجابري، محمد عابد : نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، الطبعة الرابعة، 1985.

[15] شرابي، هشام : نفس المرجع السابق.- ص.87.

وانظر أيضا، حول نقد الحداثة وما بعد الحداثة:

ـ تورين، ألان : نقد الحداثة، ترجمة صياح الجهيم.- دمشق، وزارة الثقافة، (في جزئـين)، 1988.

ـ روز، مارجريت : ما بعد الحداثة، ترجمة أحمد الشامي.- القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994.

ـ بروكر، بيتر: الحداثة وما بعد الحداثة، ترجمة د.عبد الوهاب علوي.- الإمارات العربية المتحدة، منشورات المجمع الثقافي، 1995.

[16] بادي, برتران  و سموتس، ماري ـ كلود : انقلاب العالم: سوسيولوجيا المسرح الدولي، ترجمة سوزان خليل.- القاهرة، كتاب العالم الثالث، دار العالم الثالث، الطبعة الأولى, 1998.

Cf. Badie, B. : La fin  des territoires.- Paris, Ed. Fayard, 1995

[17] نذكر هنا بأن مفهوم " العالم الثالث"، بالتحديد، قد أمسى مدعاة لإعادة التحليل والتعريف. وخاصة بعد انهيار التقاطب التقليدي بين الكتلتين الكبيرتين: (أمريكا والاتحاد السوفياتي سابقا)، وما نجم عنه من "نظام عالمي جديد" ذي هيمنة قطبية أحادية. غير أننا، مع التذكير بوعينا بهذا المعطى السوسيوحضاري الهام، لا نرى مانعا من استعمال مصطلح " العالم الثالث" للدلالة على نفس المجتمعات التي وضع للتعبير عنها. وذلك لمهادنة نقاش ليس هذا مجاله رغم أهميته، وأيضا لأن هذا المصطلح ما يزال رائجا ومتداولا في العديد من الخطابات السوسيولوجية والاقتصادية والسياسية والفكرية بشكل عام. وذلك رغم احتياجه ، بالفعل، إلى مراجعة نقدية دقيقة.

ـ وللتعرف على بعض أوضاع العالم الثالث في إطار هذا الوضع الكوني الجديد، انظر:

 ـ توماس كوترو، وميشال هوسون: على أبواب القرن العشرين: أين أصبح العالم الثالث؟ ترجمة نخلة فريفر، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، سرت، الجماهيرية…؛الطبعة الأولى، 1995.

[18] للوقوف على نقد قيم لاستيراد النماذج السياسية والثقافية، عد إلى:

ـ بادي، برتران : الدولة المستوردة : تعريب النظام السياسي، ترجمة لطيف فرج، كتاب العـالم الثالث.-القاهرة، دار العالم الثالث، الطبعة الأولى، 1996.- ص.111 ـ 197.

[19] لقد شكل الدفاع عن الفلسفة، المدرسية والجامعية بالذات، بهدف تخليصها مما تعانيه في ظل هذه الشروط، محور اهتمام جل مدرسي الفلسفة بالمغرب، وخاصة في إطار" الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة" التي عادت مؤخرا إلى الساحة الثقافية والتربوية عبر أنشطتها، ومن خلال مجلتها " فلسفة". وتعبر أعدادها الصادرة إلى حد الآن عن هذا الاهتمام، أو الهم المشترك.

[20] حجازي، مصطفى : التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور.- بيرزت، معهد الإنماء العربي، الطبعة السابعة، 1998.

[21] توفلر، ألفين : تحول السلطة…، ترجمة لبنى الريدي.- القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، (الجزء الأول)، 1995، ص ص: (17ـ 38).

[22] كيلش، فرانك : ثورة الأنفوميديا: الوسائط المعلوماتية وكيف تغير عالمنا وحياتك، ترجمة حسام الدين زكريا، سلسلة" عالم المعرفة".- الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، العدد 253، يناير/كانون الثاني2000.

[23] بادي، برتران و سموتس، ماري ـ كلود : انقلاب العالم… مرجع مذكور سابقا.- ص.20.

ـ يتقاطع هذا الفهم للثقافة، المعبر عنه في هذا الاقتباس، مع المدلول السوسيولوجي العام لمفهوم الثقافة. عد، بشأن هذه المسألة أيضا، إلى:

- Collectif : Niveau de Culture et groupes Sociaux.- Paris, Ed.  Mouton, 1967.

- Rocher, Guy : Introduction à la Sociologie générale, Vol. I : L’action  Sociale.- Paris, Ed. H.M.H,  « Point », 1968.

 [24] بادي، برتران و سموتس مارن ـ كلود : نفس المرجع السابق.- ص ص21 ـ 23.

[25] انظر حول علاقة الثقافة بالتنمية والتغير الاجتماعي:

ـ مجموعة مؤلفين : الثقافة والتحولات الاجتماعية، أعمال الندوة المنظمة من طرف كلية الآداب والعلوم الإنسانية 2، الدار البيضاء (من16 إلى 19مارس 1988).- الرباط، منشورات عكاظ، 1989. وخاصة دراسة حليم، عبد الجليل : "الثقافة والتنمية" في نفس المرجع.- ص.ص.7ـ 23.

- Lé Than Khoi (Sous la dir) : Culture et développement.- Revue «Tiers – Monde », Janvier – Mars 1984.- p.p. 43-58.

- LE Than Khoi : Culture, créativité et développement.- Paris,  Ed. L’harmattan, 1992.- p.p 45-83.

[26] مجموعة مؤلفين: في الثقافة والفلسفة: (دراسات مهداة إلى الأستاذ أحمد السطاتي).- الرباط، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 74، 997. وانظر، في هذا الكتاب بالذات، النماذج التالية:

ـ أفاية، محمد نور الدين : الثقافة بين التجذر والعولمة.- ص.ص.37 ـ 49.

ـ ربيع، مبارك : الثقافة العربية والمتغيرات العالمية الجديدة.- ص.ص.51 ـ 57.

ـ يفوت، سالم : النظام الفلسفي الجديد.- ص.ص. 99-119.

ـ محسن، مصطفى : الفلسفة المدرسية ورهان التنمية البشرية….- ص.ص. 147 ـ 183.

[27] العالم، محمود أمين : ثلاثة نصوص وثلاثة مواقف في منهج تدريس الفلسفة للسنة الثالثة التوجيهية في مصر، في: مجموعة مؤلفين : الفلسفة في الوطن العربي المعاصر (بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الأول الذي نظمته الجامعة الأردنية).- بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1985.- ص.124.

[28] العظم، صادق جلال : دفاعا عن التقدم والفلسفة…مجلة" الفكر الديمقراطي"، العدد4، خريف 1988.- ص.71.

[29] ضمن هذا الإشكال المعرفي والبيداغوجي يندرج واقع تدريس الفلسفة بالمغرب، والذي يتم الاعتماد فيه على الاشتغال على النص الفلسفي. غير أنه، بالرغم مما يبذل من جهود مشتتة في مجالات التأطير والتكوين المستمر، أحيانا، فإن هذا التدريس يظل دون تحقيق أهدافه وغاياته المعلنة، وبعيدا عن أن يكون فلسفيا، إذ لا يعدو، في الكثير من الحالات، أن يكون مجرد" قراءات في الفلسفة أو عنها" منزوعة من سياقها التاريخي وإطارها المرجعي.

ـ ارجع، حول أهمية ربط الفلسفة بتاريخها، إلى:

ـ وقيدي، محمد : الفلسفة بين الارتباط بتاريخها والتحرر منه.- مجلة " دراسات عربية"، العدد11/12، السنة الثلاثون، أيلول ـ تشرين الأول/ سبتمبر ـ أكتوبر 1994.- ص.ص. 54 ـ 59.

[30] العظم، صادق جلال : نفس المرجع السابق.- ص.72.

[31] عبد الملك، أنور : دراسات فـي الثقافـة الوطنية.- بيروت، دار الطليعة، 1967.- ص.38.

[32] نعتقد أن العديد من الإخفاقات التي تمنى بها مشاريع وسياسات التنمية والتحديث في جل مجتمعات العالم الثالث، بل وكل خيبات وتخبطات ممارساتنا التربوية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية… كل ذلك يرجع إلى ما نعتمده من منظورات وتوجهات اختبارية وتقنوية واختزالية ضيقة الآفاق، مستبعدة لأي إطار مرجعي فلسفي أو نظري شمولي ومنفتح. وحول علاقة الفلسفة بالعلوم الإنسانية تحديدا، عد إلى:

- Godmann, L..- : Sciences Sociales et philosophie.- Paris, Ed. Gonthier, 1966.

[33] إرجع، إضافة إلى ما قدمناه آنفا من إحالات حول هذه المسألة، إلى:

- Althusser, L. : Philosophie et Philosophie des Savants.- Paris, Ed Maspero, 1974.

- Weber, Max : Le Savant et la Politique.- Paris, Ed. Plon, 1959.

- Hegel, F. :  Leçons sur l’histoire de la philosophie.- Paris, Ed. Gallimard, 1954.

[34] ضاهر، عادل : دور الفلسفة في المجتمع العربي، في: مجموعة مؤلفين: الفلسفة في الوطن العربي المعاصر، مرجع سابق الذكر.- ص.ص. 71-91.

[35] انظر، في نفس المرجع السابق :" الفلسفة في الوطن العربي المعاصر"، الدعوة إلى ضرورة الاهتمام بالفلسفة وتدريسها في الوطن العربي، وخاصة في الملحق رقم 2:" الدعوة إلى تأسيس جمعية فلسفية عربية وتأكيد الاهتمام بتدريس الفكر العربي المعاصر".- ص.ص: 313-320، والملحق رقم 3: "البيان الختامي للمؤتمر الفلسفي العربي الأول".-ص.ص:321-322.

[36] وفيما يتعلق بعلاقة الدولة بالمجتمع في العالم الثالث عامة  والعالم العربي خاصة، ارجع إلى الدراسات التالية، كمجرد نماذج وأمثلة فقط:

ـ محسن، مصطفى : الدولة والمجتمع في العالم الثالث: طروحات أولية حول أسبقية الآلية السياسية في تحديد وتفسير النسق المجتمعي العام.- مجلة "دراسات عربية"، العدد 5/6، السنة السابعة والعشـرون، آذار ـ نيسان/ مارس ـ أبريل 1991.- ص.ص.50-64.

ـ بادي، برتران : الدولتان: الدولة والمجتمع في الغرب وفي دار الإسلام.- ترجمة نخلة فريفر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ بيروت،1996.

ـ د. محم الهرماسي، د عبد الباقي : المجتمع والدولة في المغرب العربي.- بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1987.

ـ مجموعة مؤلفين : جدلية الدولة والمجتمع بالمغرب، أفريقيا الشرق.- الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1994.

- Cf. Collectif :  L’Espace de l’Etat, Réflexions sur L’Etat au Maroc et dans le Tiers – Monde.- Rabat, Ed. EDINO, 1985. 

[37] انظر، بصدد هذه المسألة:

ـ توفلر، ألفين : حضارة الموجة الثالثة، ترجمة عصام الشيخ قاسم، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، مصراتا، الجماهيرية، الطبعة الأولى، 1990، السلطة التكنوقراطيـة.- ص.ص.71- 77، و انحلال الأمة.- ص.ص.343-361، و الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين.- ص.ص.457-478.

ـ تفلر، ألفين : تحول السلطة …مرجع سابق، (عصر السلطات الجديدة.- ص.ص.17-27)، و(سلطة الشبكة، ص.ص. 149-161)، و (اتساع الصراع، ص.ص. 162-174)، و (فسيفساء السلطة.- ص.ص. 263 ـ 279).

ـ بادي، برتران و سموتس، ماري ـ كلود : انقلاب العالـم، مرجع سابق، (المقدمة.- ص.ص. 8 ـ 16)، و(الانفجار الثقافي.- ص.ص.19ـ 62).

- Cf. Merle, Marcel : Les acteurs dans les relations internationales.- Paris, Ed. Economica, 1987.

- Cf. Badie, B. : La fin des territoires.- op, cit.

[38] د. ضاهر، عادل : دور الفلسفة في المجتمع العربي، مرجع سابق الذكر.- ص.91.

[39] بوسينو، جيوفاني : نقد المعرفة في علم الاجتماع، ترجمة د. محمد عرب صاصيلا.- بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1995.- ص.ص. 5 ـ 19.

- Cf. Boutiene, Jean – Pierre (sous la dir) : Du Discours à L’Action : Les Sciences Sociales s’interrogent sur elles – mêmes.- Paris, Ed L’Harmattan, 1985.

- Cf. M. Foucault : L’archéologie du Savoir, Ed Gallimard, Paris,  1969.

[40] من بين الكتابات والأبحاث الكثيرة التي كرست لمعالجة قضايا العولمة، نحيل بهدف الاستئناس، إلى النماذج التالية:

ـ يونس، بدري: مزالق العولمة الحديثة في النظام العالمي الجديد.-  بيروت، دار الفارابي، الطبعة الأولى، 1999.

ـ تركي، الحمد: الثقافة العربية في عصر العولمة.- لندن ـ بيروت، دار الساقي، الطبعة الأولى، 1999.

ـ د. ابراهيم، عبد الله : الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة : تداخل الأنساق والمفاهيم ورهانات العولمة.- الدار البيضاء ـ بيروت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1999.

ـ محفوظ، محمد : الحضور والمثاقفة: المثقف العربي وتحديات العولمة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ بيروت، الطبعة الأولى، 2000.

ـ حرب، على: حديث النهايات: فتوحات العولمة ومزالق الهوية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، الطبعة الأولى، 2000.

ـ حنفي، حسن ؛ العظم، صادق جلال : ما العولمة؟ ( حوارات لقرن جديد)، دار الفكر، دمشق/ دار الفكر المعاصر، بيروت، الطبعة الأولى، 1999.

- Cf. Sachwad, F. : Les défis de la Mondialisation.- Paris, Ed. (IFRI), Masson, 1994.

- Sanir, Amin : Les défis de la mondialisation.- Paris, Ed. L’Harmattan, 1996.

- Hirata, Hèlèna ; Le Doaré, Hélène : Les Paradoxes de La Mondialisation.- Paris, Ed. L’Harmattan, 1998.