Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

استهـل مداخلتـي هذه بقـول مأثور لأحـد الفلاسفـة القدمـاء : «الحقيقة الشاملة أو الكبرى، أكبر و أعظم من أن تتجلى للناس في عصر واحد، مهما كان تقدم وحضارة ذلك العصر».

و أنا أقول أن الحديث عن مسألة النصّ و عملية القراءة و الخوض في هذا الموضوع من كل الجوانب اللغوية و الفلسفية و الألسنية و النبوية و المنطقية وحتى النسقية في هذه الورقة و بهذه العجالة، هو بلا شك ضرب من المستحيل. ذلك أن النتاج الفكري الفلسفي المعاصر يسجل عليه تعدد مجالات التدخل و غزارة المادة، حيث يصعب على الباحث تعقبه في جميع تعرجاته، و الوقوف عند دقيق تفصيلاته.

و رغم أن هذه الملاحظة التي تبرزها الملاحظة الأولية تبـدأ بالانهيار إذا ما نظر إلى هذا النّتـاج عبر مفاهيمـه النظريـة المتحكمة فيه، و تم الوقوف عند النصوص التي تحدد آليات الفهم و تضبطها، إذ من الثابت لدينا أن النصوص لا تنتج هكذا في خلاء الملاحظة التجريبية، و لا تتبع تطورا تسجيليا، و أنه لابد من أرضيـة «نظرية» واعية أولا تنطلق منها الملاحظة، و القراءة و التحليل و من ثم الدراسة، هذه الأرضية في النهاية هي مشكلة الصراع و محرك النصّ.

و مع ذلك سنعمل في هذا المقام بالمثل القائل : «ما لا يدرك كله لا يترك جله». إقناعا من أن النصّ كمعطى أوّلي لهذه الأنظمة كافة و بشكل أعم لكل الفكر الفلسفي الألسني، يمثل حقيقة مباشرة (للفكر و الشعور)، و هي الحقيقة الوحيدة القادرة على الإحاطة بهذه الأنظمة و بهذا الفكر. و حيث لا وجود لنصّ لا وجود أبدا لفكر و لا لموضوع دراسة. لست أزعم أن لدي جديدا أضيفه إلى علمكم عن قضايا النص ومسائل القراءة. فكلكم ضلع فيها، و لكن أريد أن أتطارح معكم ظاهرة جديدة ما تزال تثير جدلا سواء لدى القارئ في الغرب أو القارئ العربي.

 لهذا ستكون مداخلتنا ضربا من إلقاء الضوء على الإشكال التالي :

ما المقصود بالنصّ ؟ و ما معنى القراءة، ما هي مستويات القراءة و ضروبها و من ثمّ شروطها؟ كيف تتم التفرقة بين النصّ و اللانصّ كيف يصير قول ما نصّا؟.

و الأهم من هذا و ذاك ما الذي يتعين على القارئ أن يفعله للخروج من دوامة -سلطة النص و سلطة القراءة- للاحتفاظ بشخصيته النقدية المتميزة و الإفادة في الوقت ذاته من المعطيات الفكرية و النقدية التي تقدمها الاتجاهات الفلسفية؟.

و أخيرا هل يكفي لهذا القارئ أن ينساق كليا وراء سلطة النصّ، أم يقف إلى جانب سلطة القراءة؟.

لا يختلف اثنان عن أن الإحاطة بكل هذه المسائل بهدف فك الغموض، يقتضي الوقوف عند المرجعيات التـاريخية لها و ملاحقه مفاهيم مصطلحاتها ضمن سياقات معرفية مختلفة و متعددة و عمل كهذا في هذه الورقة و بهذه العجالة ممتنع عنا منهجيا و ليس معرفيا. لأن كل سؤال منها يشكل بحثا خاصا به.

مع ذلك و قبل ملاحقة هذه المصطلحات في تتابع زمني مرتبط بتواريخ متباينة بحثا عن انسجام أو توافق. يجدر بنا في هذه الورقة أن نشير إلى أن التعريف مسألة معقدة ليس في مجال الفكر الفلسفي فحسب، بل في مضمار العلوم الإنسانية عامة. لأن التعريف في مثل هذه المجالات يكتنفه دائما إطارا واسعا من المعلومات المتداخلة المتوافقة أحيانا، و المتنافرة أحيانا أخرى، الأمر الذي يقود إلى الالتباس و بالتالي إلى الإبهام، لأنها تعبر عن وجهة نظر، لا عن الحقيقة ذاتها.

و من ثمّ فالنصّ –استنادا إلى المعطى نفسه- و إلى قول «ميشل فوكو» : «إن المفهوم بحد ذاته لا ينحصر فقط في فاعليته النظرية أو في تطوره الثقافي بل في إطار قواعد استعماله»[1].

و حسب (لسان العرب) «النصّ : رفعك الشيء، نصّ الحديث ينصّه نصّ رفعه. و كل ما اظهر فقد نصّ و وضع على المنصّه أي على غاية الفضيحة والشهرة والظهور»[2].

أما حين نعود إلى الأصل اللاتيني لهذه الكلمة في اللّغات الأوروبية (Texte) (Text) فإننا نجدها مشتقة من (Textus) (تيكستوس) بمعنى النسج (tissu) المشتقة بدورها من (Texere) بمعنى نسج.

و هكذا نستنتج من التعريف أن الأصل اللاتيني لمفهوم النصّ يحيل على النسج ويوصي بالجهد و القصد، و لعله يوصي بالاكتمال و الاستواء.

 

أفليـس النسج مجموعة من العمليات التي يتّم بمقتضاها ضمّ خيوط السدى إلى خيوط اللحمة لنتحصـل على نسيج ما يعتبر تتويجا لهذه العمليات؟ ثم ألا يعني النسج بمعناه الواسع الإنشاء و التنسيق في ضمّ الشتات و التنضيد؟.

خلفيات هذا الطرح تقودنا إلى القول إنه لا يكفي أن تكون هناك جملة أو مجموعة من الجمل –سواء أكانت شفوية أو مكتوبة- لنقرّر بأنها نص، بل لا بدّ من شيء آخر، لا بدّ أن تحكم عليها ثقافة معينة و ترفعها إلى مرتبة النص، لأن عملية تحديد النصّ ينبغي أن تحترم وجهة نظر المنتمين إلى ثقافة خاصة. فالكلام الذي تعتبره ثقافة ما نصا قد لا يعتبر نصا من قبل ثقافة أخرى.

و في هذا الإطار يذهب «ميشيل فوكو» (Michel Foucoult) إلى القول : «إذا كان الكلام لا يحصى فإن النصوص نادرة»[3].

هذا القول يحيل بنا بلا شك إلى التساؤل عن كيف تتم التفرقة بين النصّ واللانصّ؟ كيف يصير قول ما نصّا؟.

لا نبالغ كثيرا إذا قلنا إن الإجابة عن السؤال يشكل موضوع بحث آخر لا يمكن الخوض فيه الآن حتى لا نخرج عن الإطار الذي رسم لهذه الورقة، لكن نكتفي في هذا المضمار بالإجابة التي يعطيها لنا «عبد الفتاح كليطو».

«العملية تتم إذ انضاف إلى المدلول اللغوي مدلول آخر، مدلول ثقافي يكون قيمة داخل الثقافة المعينة. اللانصّ يذوب في المدلول اللغوي و لا ينظر إليه من هذه الزاوية. أما النص فإنه يتمتع بِخَاصِّيات إضافية، أي بتنظيم فريد يعزله عن «اللانصّ» و هذا لا يعني أن اللانصّ ليس له تنظيم لغوي لا يستشف منه –بخلاف النصّ- أي مدلول ثقافي…»[4].

أما مصطلح القراءة، فقد اكتسى في الآونة الأخيرة، بعدا اصطلاحيا واضحا في حقل الدراسات الفلسفية و النقد الأدبي بمختلف اتجاهاتهما - لذا يصعب التمييز في نظرنا ما بين مصطلح القـراءة في دائرة الاصطلاح المعرفي، و مصطلح القراءة في التداول العادي- فالقراءة تعني الفهم أولا و أخيرا. و فعالية الفهم مشتركة بين مستعملي القراءة. فأن أقرأ كتابا، فهذا يعني في الفهم العادي، أن ألمّ بشتات المعرفة التي يحتوي عليها، بعد أن أفك رموز الخطة الذي كتبت به. لأن الفهم لن يأتي إلاّ بعد قراءة الخطة أولا.

غير أننا في الفهم العادي لمصطلح القراءة، نجد هناك نمطين من القراءة : قراءة خطية تهتم بفك ألغاز الصيغة الخطيّة للمكتوب، و قراءة عمودية يتّم فيها اختراق أفقية المنطق الخطّي، نحو منطق عمودي يقصد فيه إلى إدراك الدلالات المنطوية والمتوارية في ثنايا المكتوب.

و بفضل هذه القراءة العموديـة، نخترق طبقات الدلالات في المقروء، ونحقق عملية الفهم و الوعي بمكونات ذلك المقروء، الذي يخرج من صيغته المكتوبة إلى صيغة مقروءة في هذه اللّحظة من عملية القراءة.

و القراءة أخيرا كما جاء في «لسان العرب» تعني : «الجمع و الضم» فهل القراءة استنادا إلى هذا التعريف هي «جمع و ضمّ» أم أنها على الضد من ذلك تفريق وتفكيك؟.

قبل الإجابة عن السؤال نشير في هذا الإطار إلى أن مسألة النصّ و عملية القراءة –شكلتا أهم المحـاور التي انشغلت بها الاتجاهـات الفلسفيـة المعاصـرة، خاصة الاتجـاه البنيوي المعاصر و الاتجاهات المسماة بـ «ما بعد البنيوية» (post-structuralism) و بشكل خاص الاتجاه المسمى بـ«التفكيك» أو «التشريح» (Deconstruction) و عليه نشير هنا أن الاتجاهات البنيوية قد أعلت من سلطة «النصّ» (Texte) و أهملت أو كادت تهمل معظم الجوانب الأخرى كدور القارئ والظروف الاجتماعية و المرحلة التاريخية والأيديولوجية و الفلسفية و غيرها. واعتبرت «النصّ» وحده يكشف عن بنية محددة و عن نسق أو مجموعة أنساق وأنظمة محددة، و أن وظيفة القارئ، تتمثل في الكشف عن شفرة النصّ و أنساقه المختلفة. و لذا فالقارئ يظل محكوما بالنصّ ذاته، و بقدراته الداخلية. أي أن القارئ لا يحق له أن يضيف شيئا من عندياته إلى النصّ فالنصّ واحد، و كذلك أبنيته و أنساقه. والقراءة الصحيحة هي تقدر –حسب المنظور البنيوي التوصل إلى أسرار النص الداخلية و البنيوية. و اعتمادا على منجزات (السيمولوجيا) الحديثة طورت البنيوية منهجا في «القراءة السيمولوجية» يبدأ من النصّ باعتباره حامل أسرار عديدة بحاجة إلى الفك.

و الأساس السيمولوجي لفهم فاعلية القراءة ينبع من فهم طبيعة العلاقة الجدلية القائمة بين الدال «Signifiant» و المدلول «Signifié» و بالذات بين ثنائية / الحضور / الغياب القائمة بينهما.

فالفهم السيميولوجي ينظر إلى الدال الذي هو الصورة الصوتية (و في حالة الكتابة الصورة الخطية) بوصفه يمثل حالة الحضور في النصّ بينما المدلول «الذي هو متصور ذهني» حالة الغياب.

و هنا يكون دور القارئ و القراءة متمثلا في عملية استحضار أو استدعاء هذا المتصور الذهنـي الغائب و من تكامل العلاقة الجدليـة بين الدال و المدلول و بين علاقات الحضور/ الغياب تتولد المقومات الفلسفية للنص الفلسفي. ومن هنا تبرز فاعلية دور القارئ في استحضار الغائب و استكمال النقص.

و رغم النقص الذي يقوم القارئ باستكماله في النصّ فإنه يبقى مقيدا بالنصّ ووظيفته لا تتجاوز الكشف عن الأنساق البنيوية داخل النصّ والاستجابة إلى شفرات النصّ خالقا بذلك روابط مع نسق الخطاب الفلسفي.

إلا أن سلطـة النصّ المطلقـة هذه لم تستمر طويـلا، لأن الاتجاهات التي أعقبت البنيوية و بشكل خاص الاتجاه التفكيكي قد أنهى سلطة النصّ ونقلها إلى القارئ الذي أصبح يعد، في نظر -التفكيكية– لا مجرد متلق سلبي و خاضع لسلطة النصّ، بل يوصفه خالقا للنص و مانحا إياه  دلالاته ووجوده.

فالنصّ حسب المنظور التفكيكي لا قيمة له بدون القارئ و دلالاته النصّ هي التي يحددها القارئ لا النصّ.

من هنا يتضح لنا جليّا إذا كانت الاتجاهات البنيوية المختلفة قد انطلقت من قناعة مطلقة بتوافر أنساق بنيوية محددة داخل النص الفلسفي. فإن الاتجاهات التي أعقبت البنيوية، انطلقت خلافا لذلك من تشكيك كامل بوجود مثل هذه الأنساق البنيوية داخل النصّ. بل النزعة التفكيكية تذهب إلى أن النصّ ينزع لا إلى التناسق بل إلى التنافر و التفكك و التقوض، كما اعترضت على سلطة النصّ المطلقة و نفت إمكانية وجود قراءة صحيحة أو واحدة للنصّ و أطلقت العنان لمبدأ «القراءات المتعددة» التي بدورها تظل نسبية و غير يقينية، و قابلة للتفكيك اللاحق أيضا. فهذا «جاك دريدا» زعيم الاتجاه التفكيكي في النقد يعلن أن قراءاته التفكيكية ذاتها عرضة للتفكيك أيضا لأن جميع القراءات هي في رأيه «إساءة قراءة» بمعنى أنها تحاول أن تفرض استراتيجيات الأنساق على النصّ»[5].

و ينفي «دريدا» في مقابلة خاصة إمكانية الحديث عن الانسجام في النصّ بقوله : «أنا لا اعتبر النصّ، أي نص كمجموع متجانس، ليس هناك من نص متجانس. هناك في كل نص حتى في النصوص الميتافزيقية الأكثر تقليدية قوى عمل هي في الوقت نفسه قوى تفكيك للنص. هناك دائما إمكانية لأن نجد في النص المدروس نفسه ما يساعد على استنطاقه و جعله يتفكك بنفسه»[6].

و يعمق ناقد عربي معاصر[7] هذا الاتجاه و آراء «جاك دريدا» بشكل خاص بالإشارة إلى أن «دريدا» يرى أن الحضارة الأوروبية قد سعت إلى تحجيم غنى النص بإخضاعه لفكرة معينة، و تقييده بدلالة واحدة على نحو أدى إلى إفقار شنيع. و هو يرى أن «دريدا» لا يدعو إلى منهجية جديدة بل إلى تحرير النصوص. و فك إسارها من قراءات مقيدة تطوق معانيها[8].

و انطلاقا من محاولة تجاوز ما أسماه دريدا بـ «التمركز المنطقي» يبلور «إدوار سعيد» وظيفة القراءة التفكيكية فيشير إلى أن التفكيك يرى في النصّ توترا و تناقضا إبداعيا لأبنية و يرى أن القراءات التقليدية للنصوص تعتمد على انتفاء دلالة معينة دافعها إيديولوجي بمعنى أنها قراءات غايتها تحجيم النصّ ليعزز النظام المقيد. وبناء على ذلك، ينبغي للناقد التفكيكي –إن جاز التعبير- هدم الإجماع على دلالة النصوص لا ليستبدل به دلالة جديدة بل لتعريته بشكل يوضح أن الصراع الداخلي في النصّ لا يسمح بالجزم بمعنى ما، و إنما يسمح بتعدد إمكانات المعاني، أي بعبارة أخرى أن النصّ ساحة تباينات لا بيانات ساحة و تفجير المعاني لاحصرها[9].

استنادا إلى تحليل «ادوار سعيد» نخلص إلى القول إن القراءة -حسب المنظور التفكيكي- نشاط فكري/ لغوي مولّد للتباين، منتج للاختلاف فهي تتباين بطبيعتها، عما تريد بيانه و تختلف بذاتها، عما تريد قراءته – وشرطها، بل علة وجودها و تحققها أن تكون كذلك، أي مختلفة عما تقرأ فيه، و لكن فاعلة في الوقت نفسه، و منتجة باختلافها و لاختلافها بالذات.

و عليـه فليست القراءة مجـرد صـدى للنصّ. إنها احتمـال من بين احتمالاته الكثيرة، و المختلفة. و ليس القارئ في قراءته كالمرآة لا دور له، فالأحرى القول إن النصّ مرآة يتمرأى فيه قارئه على صورة من الصور ويتعرف من خلاله على نفسه، بمعنى من المعاني.

و فحـوى القـول إن النـصّ يشكّل كونا من العلامات و الإشارات يقبل دوما التفسير و التأويل و يستدعي أبدا قراءة ما لم يقرأ فيه من قبل.

من هنا تختلف قراءة النص الواحد، مع كل قراءة و بين قارئ و آخر. بل تختلف عند القارئ نفسه. بحسب أحواله و أطواره بل إن القارئ حينما يستقبل النصّ فإنه «يتلقاه حسب معجمه، و قد يمدّه هذا المعجم بتواريخ لكلمات مختلفة عن تلك التي وعاها الكاتب حينما أبدع نصه. و من هنا تتنوع الدلالة و تتضاعف ويتمكن النصّ من اكتساب قيم جديدة على يد القارئ»[10]. فالاختلاف و التباين استنادا إلى المرجعيات التاريخية للقراءة هي خاصية أمهات النصوص كالكتب المقدسة، و الأعمال الفلسفية و الآثار الشعرية، ذلك أن قراءة النص الواحد منها تختلف باختلاف العصور والعوالم الثقافية و الأيديولوجية و المثال البارز على ذلك يقدّمه لنا النصّ القرآني، وهو من أكثر النصوص حثا على القراءة و استدعاءً لها.

و ما يصدق في هذه المقام على النصّ القرآني يصدق أيضا على النصوص الفلسفية ذاتها، كما يشهد على ذلك اختلاف الشروحات و صراع التأويلات، منذ البداية الإغريقية.

و لو أخـذنا «أرسطو» مثالا، لوجدنا أن الشروح على فلسفته تختلف باختلاف الشرّاح، و أن النظرة إليها و التعامل معها قد اختلف أيضا باختلاف العصور والثقافات. و لامراء في أن فلسفة المعلم الأول قد قرأت في العصر الهليني على غير ما ستقرأ عليه في العصور اللاحقة التي شهدت تطوّرا في الفكر الفلسفي، و نعني بها العصر الإسلامي و العصر الوسيط و العصر الحديث. ففي كل عصر من هذه العصور قرأت نصوص «أرسطو» قراءة تختلف باختلاف الفضاءات الثقافية و الأنظمة المعرفية. و وظّفت أو (استبعدت) بحسب الانتماءات العقائدية و الفكرية. ثم أن لكل فيلسوف قراءاته الخاصة أو تأوله الخاص للفلسفات التي سبقته و الشاهد على ذلك قراءة «هيدجر» للنصوص اليونانية. فإن صاحب «الوجود و الزمان» قد تأول الفلسفة اليونانية تأويلا جديدا استثمر فيه حدسه الأصيل، و طبق منهجه في البحث، وبذلك بدّل النظر بالكلية إلى الفكر اليوناني، و إلى البداية اليونانية على وجه التحديد بل إنه بدّل نظرتنا إلى كل بداية.

هكذا، فالنصوص / المراجع تشكل، دوما عند قراءاتها مجالا لانتظام كلام آخر، هو كلام القارئ و هذا الكلام يختلف من قارئ إلى آخر في قراءة النص نفسه. و هذا لا يعني أن القارئ يقرأ في النصّ ما يريد أن يقرأه أو ما يحلو له أن يقرأه و إلا استحال الأمر عبثا و لغوا و إنما القصد أن القارئ، إذ يقرأ النص إنما يستنطقه ويحاوره.

هذه هي خاصية النصّ الجدير بالقراءة فالقراءة في هذا الإطار هي اكتشاف جديد اكتشاف بعـد مجهـول من أبعاد النصّ. و هذه الميزة طبعت النص الفلسفي في أعقابه التاريخية إذ نجد النظرة إليه قد تغيرت و بات الآخر مفتوحا على الاختلاف والمغايرة. و لعل انفتاح النصّ الفلسفي على ما ليـس هو يتيـح لنـا عقلـه بوصفه ينسج من اللامعقول و الخيالي، و يقوم على الحجب و الخداع، و يتأسس على اللامعنى و الفراغ. فعلى هذا النحو صارت تقرأ النصوص لدى «نتشه»، أو ماركس أو هيدجر أو ألتوسر أو فوكو أو دريدا و حتى «الجابري» و أمثالهم؛ و ذلك كل حسب منهجه، إذ لكل قراءة منهجها في البحث و التحقق.

فلقد بيّن «نتشه»[11] بمنهجه الأصولي اللغوي، وهو يبحث في أصول/ المفاهيم، أن الحقيقة الفلسفية هي نسيج من الاستعارات و التشبيهات[12] و أن النصّ هو شفرة مفاهيم مؤلفة من تنضيد دلالي و تراكم مجازي، و توظيف خيالي.

تم «هيدجر»[13] بمنهجه الظهوري التأويلي، و هو يبحث في كيفية نشوء الماورئيات أن القـول الفلسفي يخدع و يتستّر على مالا يقوله، و أن ما لا يقوله هو الذي يحضّ على التفكيـر به لإعادة بنائه و استكشاف ما لم يفكر فيه و ما لم يقله. و يأتي «التوسر»[14] بمنهجـه التشخيصي، و هو يعيد قراءة أعمال ماركس، أن للنصّ أعراضه و زلاته، و أن له صمته و فراغه، بحيث يكون لدينا دوما ثمة مالا يرى داخل حقل الرؤية ذاته.

و كشف «فوكو»[15] بمنهجه الأثري، و هو ينقّب عن أنظمته المعارف و يحفر في طبقات النصّوص، أن الخطاب يمارس ضربا من الرقابة على الحقيقة أقل حقيقة مما يدّعي.

أما «دريدا» و كما سبقت الإشارة إلى ذلك عند عرض الموقف التفكيكي فقد بيّن هو الآخر بمنهجه التفكيكي، و هو يسعى إلى تفكيك المعنى، أن النص ليس ساحة بيانات، بل ساحة تباينات، و مجال للتوتر و التعارض، و حيز للتبعثر و التشتت، و ذلك حيث يتولد دوما عن القراءة تفكك البنى، وانفجار المعنى، و بشظى الهوية.

كما يمكن أن نعّد بعض مداخل الدكتور «محمد عابد الجابري» في نقد الفكر العربي ذات ملامح تفكيكية، و في محاولة لتحديد منهج قرائي خاص في تحليل بنية الخطاب الفكري العربي المعاصر. يميز الدكتور «محمد عابد الجابري» بين ثلاثة ضروب من القراءة؛ الأولى يطلق عليه مصطلح «القراءة الاستنتاجية» أو القراءة ذات البعد الواحد و الضرب الثاني يسميه «بالقراءة التأويلية» أو القراءة ذات البعدين. غير أنه يدعو إلى تجاوز هاتين القراءتين لأنهما تلتقيان في محاولة إخفاء التناقضات التي تقدم نفسها على سطح الخطاب المفرد، مجتهدة في تذويبها عن طريق التأويل[16] ولهذا فهو يطرح ضربا ثالثا من القراءة أطلق عليه مصطلح «القراءة التشخيصية»، بمعنى أنها ترمي إلى (تشخيص) عيوب الخطاب، و ليس إلى إعادة بناء مضمونه. ومن الواضح هنا أن «الجابري» هو أقـرب إلى روح القـراءة التفكيكيـة التي ترى في الخطاب الفلسفي نزعة ذاتية نحو التفوض و التفكك بفعل تناقضاته الداخلية، منه على كل ما عداها. و لذا فهو يعلن بوضوح أن القراءة بالنسبـة لـه ليست عمـلا بريئا و يؤكد أننا نحاول أن نسهم بوعي و تصميم في إنتاج مقروئنا و مقروؤنا هذا ليس ما يقوله النصّ، بل الكيفية التي بها يقرأ.

إن هذه القراءات المتباينة و المتعددة تجعلنا نستشف أن النظرة إلى النصّ الفلسفي قد تبدّلت حقا تبدّلا كليا؛ فلم يعد يقرأ النصّ بوصفه خطاب الحقيقة المطلقة، والماهيات الأزلية و اليقينات الثابتة، و لم يعد ينظر إليه من جهة صدقه العقلي، وصحته المنطقية… و إنما أصبح ينظر إليه أيضا من جهـة اختلافه و هيمنته وضلاله و تلاعبه. فليس الخطاب الفلسفي هو خطاب البرهان القاطع، و الترتيب المحكم… و إنما هو خطاب تعمل على تشكيله لعبة قوى و سلطات و يتحكم في إنتاجـه خليط من الرغبـات و يبنى على منظومـة من الاعتقادات و الأوهام. إنه محصلة ترّسبات و تراكمات، ونظام من المراجع و الإحالات و فضاء من الإشارات والعلامات. و ليس هو نسق ينغلق على ذاته، بل النصّ و إن كان له نظامه وسياقه، و إن كانت له قواعد انبنائه و اشتغاله، فهو يبقى مجالا مفتوحا.

و هذا لا يعني أن ليس للنصّ هويتّه و وحدته. نعم إن النصّ واحد و لكنه واحد من حيث انتسابه إلى مؤلفه، فلا معنى للقول بوحدة نصّ من النصوص إلا على المستوى الصوتي الفونولوجي. و أما من حيث المعنى فلا نصّ واحد بذاته، إذ كل نص يختلف عن نفسه أي عن معناه بحسب عقـول القراء. ولو أخذنا على سبيل المثال نصّا من نصوص «أفلاطون» و ليكن (الجمهورية) أمكننا القول إن هذا النصّ ليس واحدا إلا من حيث كونه هذا الشريط المؤلّف من تعاقب الكلمات و الجمل والفقرات و الفصول و هذه الكتلة المادية التي تشكل كتابا يحمل عنوانه و اسم مؤلفه. أما من حيث مضامينه المعرفية فهويته ليست سوى القراءات التي نشأت حوله، و هي أيضا كل قراءة له ممكنة أو محتملة.

و رغم منهجية هذا الطرح و معقوليته المنطقية إلا أننا نقول إن الذين يحاولون تعليل حاجة النصّ إلى عدة قراءات، أي القول إن النصّ يحتاج دوما إلى بيان من غيره لا يحلّون الإشكال، بل يثيـرون بقولهم ذاك مشكـلا أكبر إذ هم يجعلون قارئ النص يفهم النص أحسن مما فهمه مؤلفه. و هذا ينتج عنه أن القول الشارح أقوى بيانا من النص نفسه و هذه النظرة تجعل كلام القارئ أحق من النصّ المقروء و بهذا يصبح كلام القارئ وفق المعطيات المشار إليها حقيقة الحقيقة و يتقدم على النصّ الأصلي فيحل محله و يغدو بديلا عنه. و من ثم لا يعود تمة حاجة إلى النصّ الأصلي.

لذا فإن رفع الإشكال في -رأينا- لا يتأتى إلا بتغيير النظرة إلى القراءة بالذات. وذلك يقضي بتبديل النظرة إلى النصّ و إلى القارئ، و إلى العلاقة بينهما. و بالفعل فإن القراءة لا تخرج من مأزقها إلا إذا توقفنا عن النظر إلى النصّ بوصفه أحادي المعنى، و إلى القراءة بوصفها تتطابق مع النصّ و بدلا من ذلك علينا أن ننظر إلى القراءة بوصفها إختلافا عن النصّ لا تماهيا معه، ونهتم بما تظهره قراءة النصّ من التعدّد و التنوّع، و الاختلاف و التعارض.

وحدها مثل هذه النظرة إلى النصّ، تجعلنا نتقبل قراءات عديدة و مختلفة لأثر واحد. هذه هي خاصية النصّ تتعدد إمكانياته و تختلف قراءاته.

يفضي بنا التحليل في ختام هذا العرض المبسط و المختزل لتفاصيل كثيرة إلى التساؤل عما يمكن للقارئ أن يفعله للخروج من دوامة  سلطة النصّ وسلطة القراءة للاحتفاظ بشخصيته النقدية المتميزة و الإفادة في الوقت ذاته من المعطيات الفكرية التي تقدمها الاتجاهات الثقافية المختلفة.

قبل الإجابة عن الإشكال، يجب بدءًا الاعتراف بأن المسألة أو الظاهرة الفلسفية هي من التعقيد و التشابك بحيث لا يمكن أن تحسم بالولاء لسلطة النصّ أو سلطة القراءة فهي محكومة بمجموعة كبيرة من «السلطات» و القوى التي تتحكم في إنتاجها و انتشارها. و على القارئ من ثم أن يكتشف القوانين الجدلية الداخلية لسيرورة هذه المسألة الفلسفية.

و في تقديرنا أن النصّ الفلسفي هو ظاهرة اجتماعية و تاريخية مشروطة، ولذا فإن على القارئ أن يعترف مقدما بسلطتي التاريخ و الواقع الاجتماعي دون أن يدفعه ذلك إلى تقديم تحليلات ساذجة و مباشرة لدور هاتين السلطتين هذا من جهة و من جهة أخرى بما أن النصّ الفلسفي لا ينتـج بمعـزل عن السيـاق التاريخي والاجتماعي و الثقافي، و عن الموروث الفلسفي و الحضاري، بات من الضروري للقارئ أن يعترف بسلطة الموروث أيضا. كما تجدر الإشارة في هذا الإطار فإن جميع  هذه «السلطات» المؤثرة في إنتاج النصّ الفلسفي هي سلطات «خارجية» بمعنى أنها موجودة قبل إنتاج النصّ، و هي سلطات غالبا ما تتجاهلها أو تسقطها أغلب المقاربات البنيوية.

و إذا ما اعترفنا بفاعلية كل هذه السلطات على النص الفلسفي فلا بد لنا من الاعتراف بسلطتي النصّ و القراءة أيضا. مع الفهم الموضوعي لحدود هاتين السلطتين. و أن نتجنب النظرة الأحادية التي تحول أن تسقط أو تغفل بقية العوامل و السلطات[17].

لذا فإن القراءة التي نقترحها لا يمكن لها أن تقصر نفسها على إماطة الأسرار البنيوية للنص فقط، كما تفعل معظم الاتجاهات البنيوية، حيث تتقيد بفك رموز الإشارات اللغوية للنصّ، كما لا يعني ذلك التسليم الكامل بمنطلقات النظرة التفكيكية التي أعلت من شأن سلطة القراءة، و أهملت هي الأخرى أو كادت أن تهمل بقية السلطات.

فرغم أن منهج التفكيكية في الاعتراف بسلطة القراءة يردّ بعض حقوق الظاهرة الإبداعية، فإنه في المقابل قد سقط في موقف «عدمي» يرفض الاعتراف بأي يقين موضوعي و يحمل هذا المنهج مواصلة لنزعة الشك و اللايقين التي ظهرت تاريخيا في الفكر البرجوازي الأوروبي و تكريس ذاتويـا متضخما للموقف الفلسفـي للمثاليـة الذاتية -فالنظرة التفكيكية تحمل الذات كلّ شيء و تشكك في الجوهر في إمكانية الوصول إلى الحقيقة الموضوعية عن طريق سلسلة متواصلة من عمليات تفكيك النصّ ونقضه- و هي في سعيها هذا لا تحاول أن تقيم يقينا بديلاّ، بل تترك القارئ في ضياع حقيقي، و تجرده من الإيمان بأي يقين موضوعي يقع خارج الذات.

إن القراءة التي ندعو إليها هي القراءة التي يجب أن تتجاوز الأفق الضيق والمحدود للقراءات السوسيولوجية و التاريخية، و الأيديولوجية التي أهملت أو كادت تهمل دراسة و فحص البنية الداخلية للنصّ الفلسفي.

ختاما لهذا العرض أقول إن الورقة التي قدمتها لم أنظر إليها منذ البداية إلا باعتبارها محاولة متواضعة للاقتراب من مسألة معقدة لم يتم الحسم فيها بعد.

الهوامش

[1] Foucault, Michel : L’archéologie du savoir.- Paris, Gallimard.- p.11.

[2] لسان العرب لابن منظور (ت711هـ) مادة « ن ص ص».- مـصر، طبعة دار المعارف (د ن)، ج6.- ص.4441.

[3] فوكو، ميشل : علم آثار المعرفة.- 1969.

[4] كليطو، عبد الفتاح عنوان المقال : «تعريف النصّ».- الرباط، مجلة كلية الآداب، عدد 5، سنة 1979.- ص.ص.117-124.

[5] Lilealy terms civitism, Gohn Peck and Maktim Gogle, 1984.- p.166.

[6] «الأنساق و التفكيك» حوار مع دريدا، جاك.- مجلة الكرمل، العدد 17، 1985.- ص.58.

[7] أدوار، سعيد : فلسطيني الأصل مقيم في أمريكا ناقد عربي معاصر.

[8] أدوار، سعيد : العالم و النص و الناقد.- عرض فريال جبوري غزول، مجلة «فصول»، العدد 1، 1983.- ص.194.

[9] المصدر نفسه العدد1، 1983.- ص.187.

[10] غدامي، عبد الله : الخطيئة و التفكير من البنيوية إلى التشريحية.- السعودية، 1985.-ص.83

[11] للإطلاع على منهج «نيتشه» في البحث راجع : دراسة جان – ميشال راي بعنوان «علم الأصول النيتشوي» بالفرنسية : Rey, Jean-Michel : La Généalogie Nietschienne is histoire de la philosophie 

   (sous la direction de François Chatelet).- Hachette, Tome VI.- p.151.

[12] يفهم التشبيه هنا بالمعنى الإنساني الأنترولوجي للفظ لا بمعناه البلاغي، نعني بما هو أنسنة الإنسان للأشياء وخلع أوصافه عليها. و في أي حال ثمة علاقة بين المعنيين، فنحن إذ نشبّه الرجل مثلا بالأسد لشجاعته إنما نخلع الشجاعة التي هي ميزة إنسانية على غير الإنسان.

[13] - للاطلاع على منهج «هيدجر» راجع مقدمة كتاب «الوجود و الزمان» بالفرنسية : Heidegger, Martin : L’Etre et le temps.- Paris, Gallimard, 1964.- p.p. 44-57 (La Méthode phénoménologique).

و أيضا كتاب عبد السلام بنعبد العالي، هيدجر ضد هيجل، دار التنوير بيروت، 1985، الفصل الأول.

[14] للمزيد من التفصيل في قراءة التوسير المسّماة تشخيصية انظر كتابه : «قراءة رأس المال» الذي ألفه بالاشتراك مع اتيان باليبار :

Althusser, Louis et Balibar, Etienne : Lire le capital (I) petite collection.- Paris, Maspero, 1969.- p.p. 9-29.

[15] للإطلاع على منهج «فوكو» يحيل القارئ إلى كتابه : «نظام الخطاب» ترجمة د/ محمد سبيلا، دار التنوير 1984 و أيضا كتاب أوبير دريفوس و بوب رابينوف، «ميشيل فوكو، مسيرة فلسفية»، ترجمة جورج أبي صالح، مركز الانماء القومي، بيروت الفصل الثاني، (أركيولوجيا العلوم الإنسانية).

[16] الجابري، محمد عابد : الخطاب العربي المعاصر.- بيروت، دار الطليعة، 1985.- ص.10.

[17] للمزيد من التفاصيل حول هذه المسألة أنظر : مقال صبرى، حافظ : قراءة في رواية مصرية حديثة، مالك الحزين، مجلة فصول، العدد 4، 114، عام 1984.