Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

"إن ما تفرضه المدرسة من أخلاق و مبادئ قيمية وتعمل على ترسيخه، يجعلنا نكتسب ثقافة

سطحية يسودها الابتذال وبلادة  العقل..."

ف.نيتشه: إنساني مفرط في إنسانيته.

كانط...تفلسف بدل فلسفة:

تبدو مهمة تدريس الفلسفة من المهام الشاقة المحفوفة بالمخاطر إلى درجة أننا نعتبر تدريسها بمثابة مغامرة يتراوح أفقها بين الحضور و الغياب، بين الذاكرة والنسيان، لكن هذه الصعوبة لا تقف بالنسبة إلينا عائقا أمام إمكانية تحققها، كمادة يتم تعليمها داخل مؤسساتنا التربوية. وحدها الفلسفة تمنح لنا فرصة مغادرة الأصل، و العودة إليه مرة أخرى، بحثا عنه بكيفية مغايرة تحمل اختلافها الجذري، إنها ترفض الإقامة و المكوث، تنتفض ضد الأحكام الوثوقية و الجاهزة، إنها سفر دائم بحثا عن الحقيقة، لهذا رأينا أنها مغامرة، تجربة تحمل مخاطرها.

التفلسف تجربة ذاتية، ترغمنا على الذهاب إلى حيث إقامة الفيلسوف المجهولة الحدود، الفيلسوف الذي نبتغي الاشتغال على نصوصه، واستثمارها. ننبه هاهنا أنه لا يوجد لدينا أي حرج أو التباس في التعامل مع نصوص لا تنتمي إلى انتماءاتنا اللغوية، و لا الوطنية، لكنها تنتمي إلى المشترك الإنساني الذي نسميه "تفكيرا" « Penser » فوحده الفكر و التفكير يجعلنا نتجاوز الحدود الوهمية المرسومة من قبل هويات قاتلة، تحكم بالإثم والعدوان، تسيرها استراتيجيات المواجهة و المقاومة. إن الفكر لا يمكنه تفويض أحد للحديث عنه، و لا يمكنه في الوقت ذاته أن يكون نموذجا أو موضوعا للوصية، و منه فإنه لا يمكن تأويل توقف مداخلتنا عند فلاسفة مثل: كانط Kant، و هيغل Hegel، و نيتشه Nietzsche، و استيراد أفكارهم، لا يمكن لهؤلاء مهما كانت عظمتهم أن يفكروا في مكاننا و لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن تفكيرنا في قضايانا يمكنه أن يتخلص منهم، إذ يمكننا التفكير بصحبتهم و معهم و ربما ضدهم، و لكن لا يمكننا أن نتصرف كما لو لم يكونوا. في هذا السياق يأتي اشتغالنا و استثمارنا لنصوصهم قراءة و ترجمة، و تعليقا. إننا إذا لا نتصور أنه يمكننا التفكير و أن نتفلسف دون فلسفة، و لا  يمكننا الحديث عن فلسفة دون تاريخها، و منه كل تفلسف لا تقوم له قائمة إلا بالعودة إلى البدايات الأولى للفكر، و الذهاب إليها، إلى حيث الراهن لدراسته. إن إثارتنا في بداية العمل (المداخلة) مثل هذا الموقف يعود إلى ذلك الالتباس الذي لا يزال تستغله القراءات البيداغوجية و الديداكتيكية (التعليمية) فيما يتعلق بموقف كانط الرافض لتدريس الفلسفة، و نجدها تؤكد على النص الذي يشير فيه كانط عدم إمكانية تعليم الفلسفة، "لا يمكن تعلم أي فلسفة، إذ أين هي؟ و من تملكها ؟ و كـيـف نتعرف عليها ؟ لا يمكننا سوى تعلم أن نتفلسف، أعني أن نمرن العقل في تطبيق مبادئه الكلية على بعض المحاولات التي تمثل لنا دائما هذا التحفظ لجهة الحق الذي للعقل في أن نفحص هذه المبادئ حتى في مصادرها فيؤكد عليها أو يرفضها..."[1].

إننا لا ننكر القول المؤكد على ما تحمله إرادة الفلسـفة من غرابة Etrangeté، إذ لو ثمة شيء ما يتعلمه المرء من نيتشه و هيغل و كانط، أو أي فيلسوف آخر فإن ذلك الشيء لا يمكن القبض عليه أو إدراكه إلا بشرط التفلسف معه، و معنى ذلك أن يكون المرء فيلسوفا بذاته، و لن نستطيع تعليم الفلسفة إذا إلا للفلاسفة. لربما سيفاجئكم موقفنا هذا، طبعا قد يثير فيكم بعض الشيء من الدهشة، لكونكم تحملون حكما مسبقا جاهزا عن معنى الفيلسوف إنه بالنسبة للبرامج التعليمية، هو بمثابة المعلم الأول للحكمة، والناطق الرسمي للحق، و حارس العقائد المسيحية من قبل الخطاب الفلسفي الصارم، و منه من الصعب على المرء أن يرتقي إلى مصاف الفلاسفة، سأحاول التهديئ من روعكم و أقول أن الفيلسوف بالنسبة إلينا إنما هو محصلة تجربة ذاتية يبرزها عبر سفر الكتابة، سفر يمارسه مغامرة، و مخاطرة يفرض علينا منطق المواجهة و المجابهة، بدل مواقف المؤانسة و الرغبة في التدجين، والترويض و إلحاق العقول المبدعة بحضيرة حضرة السلطان، و لربما كان مفهوم التجربة أنسب للحديث عن الفلسفة الجاعلة من الفرد المغامر فيلسوفا تلك التجربة التي لا تجعل من المعاناة مصدرها الوحيد في الإبقاء على التفلسف و الفلسفة، فالفيلسوف هو الشخص الذي يمتلك القدرة على فعل التدريس، ليس فيلسوفا من يفر و ينفر من تعلم الفلسفة.

وحده من يجهل تاريخ الفلسفة أو يدعي أنه يرفض تقليد أولئك الذين كتبوا واشتغلوا بالتفكير الفلسفي عاجز على تقديم فلسفة منفتحة على عوالم الإمكان، إننا نرفض الادعاء القائل بإمكانية إيجاد فلسفة خالصة تهتم بإنتاج المفاهيم المحضة المرتبطة بالحاضر دون استنادها على الأحكام القبلية، أو دون ربط المفهوم بحركة تاريخه، حركة الموضوع، لربما كان هذا الموقف مرهون بمدة فعالية الممارسة النقدية، أما ماعدا ذلك فكله وهم، وهم امتلاك الحقائق المطلقة، إننا نؤكد أن الفلسفة أصبحت تعرف ميلادها المتجدد داخل حلقات التدريس و الدرس الفلسفي، باعتبارها تراثا لا راهنيا Inactuel، بالإضافة إلى كونها معرفة تختلف عن بقية المعارف الأخرى التي تتميز بدورها بالجاهزة في تقديم المعارف. إن تدريس الفلسفة إذا هو بمثابة إمكانية لخلق الأفكار و المعرفة، إنها هذا الانفتاح، السبيل و الآفاق بتراث يجسد فعل التفكير.

هيغل...أستاذ الفلسفة:

لا يمكننا التفلسف خارج الفلسفة، بعيدا عن تاريخها، مع هيغل تم ولأول مرة تحقيق مشروع إمكانية تدريس الفلسفة داخل المؤسسات التعليمية بدء بالأقسام التمهيدية (الثانوي)  ثم الجامعة، أين تم إدراج مادة الفلسفة كـ"مادة" للتعليم بألمانيا سنة 1807. يتوافق مثل هذا القرار و إصدار هيغل كتابه الرائع "ظواهرية الروح" « La Phénoménologie de l'esprit » مارس عبره نقده الجذري المباشر للطروحات الرافضة تعليم الفلسفة و التي مثل كانط E.Kant أهم أقطابها، و حسب هيغل فإن موقف كانط يرجع بالأساس إلى جهله المطلق لتاريخ الفلسفة، فقارئ أعمال كانط يندهش لامتناع هذا الأخير عن الإشارة إلى أي فيلسوف آخر في مشروعه الفلسفي، بالإضافة إلى ذلك كان يرفض بصورة جذرية لكل تقليد فلسفي. إن الفلسفة بالنسبة إلى كانط تهتم بتشخيص الحاضر لا بإعادة إنتاج الماضي، إنها (أي الفلسفة) لا تتعامل و لا تشتغل على أفكار تعاني تمزقها و تناقضها. إن فكر كانط حسب هيغل يفكر في الخارج، إنه يقيم حيث الخارج، و لم يحاول الذهاب به إلى حيث العمق، وحده هيغل تمكن من الذهاب إليه عبر منهجه الجدلي الصارم، القائم على جدل الداخل مع الخارج، المفهوم مع الفكر، الذات مع الموضوع، العقل مع التجربة، التفلسف مع الفلسفة. يؤكد هيغل إذا على وجود إمكانية لتدريس الفلسفة، و إننا نتفلسف من خلال الفلسفة لا يمكننا أبدا عزل تعليم التفلسف بمعزل عن تاريخ الفلسفة و عن راهنها، فكل ممارسة فلسفية مشدودة بالضرورة إلى حركة التاريخ و لاحظ هيغل أن عدم الاعتقاد بهذا التصور أدى بالتفلسف إلى توريطه في محاولات ذاتية فردية لا غير، تبعدنا عن مضمون الفلسفة لقد تمكنت الفينومينولوجيا من إلغاء ذلك الانفصال بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، و منه تم الكشف عن الوحدة الرابطة بينهما باعتبارهما اختلافا، لكن اختلافا جدليا، يكرس التطابق و يؤسس لمبدأ الهويةPrincipe d'identité، ذلك أن الجدل الهيغلي كثيرا ما يؤدي إلى الانتقال الأساسي من الفهم إلى العقل، وهو الانتقال الذي يحدث بفعل حركة الذات المتعلمة نفسها في علاقتها بالموضوع الذي لا ينفصل عنها، فتكشف أخريتها، و تنعكس مع ذاتها، و تتأمل ذاتها من حيث هي آخر، تنتقل إلى الجدلي، أو العقلي سلبيا، و بذلك تنتج مجالا للتأمل النظري، إن الفهم بالنسبة إلى هيغل يمثل محطة من أهم محطات تجربة أعظم هي تجربة الوعي و هو يتحول روحا، يعي ذاته بذاته من أجل ذاته. في تقرير هيغل سنة 1812 أثناء قيامه بمهام تدريس الفلسفة بالجيمناز أكد على ما يلي: "بقدر ما تكون دراسة الفلسفة في ذاتها و لذاتها نشاطا شخصيا، بقدرما تكون تعلما، تعلما لعلم قائم و منشأ مسبقا، هذا العلم هو كُثُرْ يحتوي على مضمون مكتسب تم إنشاؤه و تشكيله، هذه الشروط الموروثة المتوفرة ينبغي للفرد أن يكتسبها أي أن يتعلمها"[2]. مع هيغل تم إدراج تعليم الفلسفة بألمانيا و كان ذلك سنة 1807 بدء بالمراحل التمهيدية من التعليم الثانوي لتشمل في ما بعد الجامعة. يؤكد هيغل أنه وعبر تدريس الفلسفة ترتقي الروح إلى أفق وحدتها مع حركة التاريخ إذ بفضله يتم التحقيق الكامل لـ "وعي الذات ذاتها" و لن يحدث هذا التجلي إلا بعد أن يتم اعتماد الفلسفة و تدريسها داخل كل المؤسسات التربوية دون استثناء، لحظتها يتم بناء النسق المتماسك و بإحكام تام تنبني الأنماط التعليمية الصارمة، لقد تمكن هيغل من خلال تجربته في التدريس من أن يجعل منها قرارا فلسفيا Une décision philosophique، لأجل الإبقاء عليها داخل المؤسسات التربوية، و منه ضرورة تدريسها، ذلك أن هيغل و على خلاف كانط Kant كان يعتبر الذات نفسها لا يمكنها أن تكون ثابتة، فهي بدورها، أي الذات، حركة تكون و التاريخ لا ينفصل عن الموضوع. للمفهوم بالنسبة إليه لحظتين مزدوجتين، أولا من جهة كونه لحظة الفكر العائد إلى ذاته، والفكر الحر الذي وعى الضرورة فيه، و تجاوزها وفقا لتطور محايث و لمسار داخل من التحديدات و التعيينات الذاتية، و ثانيا ألا نغفل أن المفهوم لا يمثل جزءا مستقلا عن التعيينات السابقة له، أعني عن الكينونة و عن الماهية، فما اكتشفه هيغل هو أن الموضوعية التي أصبحت من بين أهم خصوصيات التفلسف و الفلسفة في ذات الوقت، إذ لم يعد شيئا آخر سوى تعيين المفهوم داخل الأشياء نفسها، فسواء تعلق الأمر بذاته (الذاتية) أو بالآخر(الموضوعية) فإن المفهوم هو دوما بنية الأمر و موطن الحقيقة فيه، وعلى هذا المستوى من النظر يمكن أن نقول أن المفهوم و الموضوع هما نفس الشيء[3].

إن المعرفة المطلقة معرفة تحققت و أخذت طابعا نسقيا، و النسق الهيغلي ليس محاولة بل هو التحقيق الفعلي لهذه المعرفة المطلقة، و  الفيلسوف هيغل هو الأستاذ الذي حقق الحكمة علما/منطقا، إنه أصبح "سكرتير روح العالم" و بهذا المعنى تكون دراسة النسق الهيغلي هي بمثابة دراسة الفلسفة بما هي التفلسف التام الذي تحمل جهد و ثقالة وزن المفهوم حتى نهايته لدى العديد من طلبة الفلسفة اعترفوا بسلطة هيغل المعرفية، و بإطلاقية تحكمه في عملية تعليم الفلسفة لما عرف عنه من صرامة في طريقة تقديمه للدرس الفلسفي، وهذا عرض لهذه الطريقة من طرف أحد تلامذته، الأستاذ "زميرمان"  مؤكدا أنه لم يسمع طوال ثلاث سنوات قضاها متتبعا لتدريسه لم يسمعه إلا مرة واحدة يوبخ أحد تلامذته[4].

لقد حرص هيغل و هو يتعاطى مع الدرس الفلسفي الموجه إلى تلامذته على المحبة الطبيعية و الطيبوبة، أبدا هما الأستاذ نحو تلامذته، و طريقته في تقديم الدرس الفلسفي كانت كالآتي: كان هيغل يملي فقرات و يفسرها بصورة صارمة وقطعية بدون أية حيوية خارجية، لم يكن يقرأ ما يمليه، على الرغم من تواجد أوراق تحاضيره أمامه. كان على التلاميذ أن يعيدوا تدوين ما كان يمليه في دفاترهم كما كان عليهم أيضا أن يحاولوا كتابة الشروحات الشفوية، و من وقت لآخر يستدعي هيغل هذا الطالب أو ذاك و يطلب منه قراءة ما كتبه من أجل المحافظة على الانتباه.

يراقب بين الفينة و الأخرى رؤوس الأقلام التي دونت، و مع بداية كل حصة يطلب من أحد تلاميذه تلخيص درس الحصة السابقة. كان لهيغل القدرة على إرجاع كل الأسئلة إلى وجهات نظر عامة يربطها بالموضوع الرئيسي للدرس، هذا ما كان من الإعلان عن قرار تدريس الفلسفة و ربطها بتاريخها و هذا ما سينتقم منه الفيلسوف فريديريك نيتشه.

نيتشه...فلسفة الأستاذ:

لفائدة نظام التربية: في ألمانيا تنقص الرجل المتفوق إحدى أعظم وسائل التربية، ضحك الرجال المتفوقين، إن هؤلاء لا يضحكون في ألمانيا. نيتشه قارئا تاريخ الفلسفة لا يقف موقفا معارضا تجاه تدريس الفلسفة بالثانوي و في الجامعة، بل يؤكد ذلك، لكن ما يرفضه تلك النقائص التي بدت جلية واستفحل أمرها بالنظام التعليمي بألمانيا، لقد غدت كيفيات تدريس الفلسفة جد يائسة، خاصة تلك التي اعتمدها هيغل، فتشخيصه لأعراض المرض الذي مس التعليم ينطلق من تأكيده التالي : "ما ينقص هم مربون، مربون هم أنفسهم، عقول متفوقة و بصمتها، عقول تكون ثقافات حقيقية حية ناضجة وشهية[5] délectables و ليس مربون أفظاظ rustres، سيؤوا الذوق، أولئك الذين توفرهم الثانوية و الجامعة للشباب. إن وضع التعليم حسب رؤية نيتشه في وضعية خطيرة، هذا ما أكدت عليه قراءاته للنظام التربوي بألمانيا، وضع بلغ معه العقل الألماني إلى نوع من الركود، و توقف عن إبداع نصوص أنوارية فاعلة، و فعلية، لقد تخلينا على أن نكون جديين، لقد حدثت الخيانة لذلك الذي تمناه شعار الأنوار الداعي إلى الجرأة و الجسارة في استعمال عقولنا، "تجرأ على استعمال عقلك، شعار التنوير" إن الألمان يمتلكون العقل، النسق والنظام الصارمين في التفكير، لكنهم لا يمتلكون و للأسف كيفية تعلم التفكير، أن راهن التعليم أصبح عاجزا على إنتاج فكر حر و إنسان حر، الإنسان الذي حاول نيتشه أن يعلمنا إياه عسى أن نكونه مستقبلا "سأعلمكم الإنسان الأعلى، الإنسان كائن نبغي أن يعلى من شأنه، فماذا فعلنا لأجل هذا الحدث ؟ إن الإنسان الأعلى يحمل معنى الأرض، إنه أقرب إليها بكثير، السماء لا تعنيه، على إرادتنا إذا التأكيد على مثل هذا النوع من الإنسان، إن هذا المطلب أصبح اليوم أكثر من ضرورة لأجل تحقيقه، لأن مع تحقيقه يتم إيجاد مفكرين أحرار، ينتجون خارج دوائر سلط الفكر والأفكار، هم باستمرار في تعارض مع المألوف و الجاهز من المعارف التي رسخت وثوقيات كاذبة و زائفة، تمكنت في نهاية المطاف من تبليد العقل، و تتفيه التفكير، و تسطيح التدبير، إن فلسفة الأستاذ التي تخرج من عمق معاناة الفيلسوف مانحة إياه إرادة حرة، تنمي فيه الفكر الحر إلى أن يغدو مفكرا حرا، لكونه أصبح يفكر بصورة مغايره، و بفضل هذه الأخيرة تمكن الفيلسوف من فتح آفاق متعددة في كيفيات التعاطي مع الدرس الفلسفي، البرنامج، المذكرة، النصوص الكلاسيكية، إنها عناصر انسداد العقل، في الإبداع عناصر حالت دون التفكير بطريقة سليمة و مثل هذه الوضعية وقفت عائقا أمام تنمية و ترقية تدريس الفلسفة. في كثير من الحالات كان نيتشه يطالب باستقلالية الأستاذ في تبنيه الكيفية و الطريقة التي عبرها ينجز و يقدم الدرس الفلسفي، إن أي تدريس لمادة الفلسفة يتطلب التحرر من جميع الوسائط من سلط النموذج و الجاهز و الانتقائية و من أسيجة النزعات الوثوقية.

لقد نجحت المدرسة يقول نيتشه على تخريج شباب صالحين للاستعمال، تم ترويضهم بصورة رهيبة، صالحين للاستغلال في خدمة مجتمعهم (الدولة) في حين أخفقت في إيجاد شباب قادر على تعليمنا كيف نفكر، هذا ما عجزت عنه كل المؤسسات التربوية "إنه من الصعوبة بمكان حمل الإنسان إلى مثل هذه الحالة من المعرفة الجريئة في ذاتها لأنه من المستحيل أن نتمكن من تعليم الحب، إذ في الحب وحده لا يتم تملك أو حصول العقل على رؤية واضحة تحليلية و محتقرة للذات. لكن أيضا الرغبة في الرؤية و البحث عن كل القوى لأن الأعلى لا يزال لم يُدْرَك بعد، إنه مندس و مختبئ...أين؟ لا أعلم... !"[6]

تنقصنا الجدية و لحظة تناول القضايا المطروحة علينا بعمق و دقة، علينا الابتعاد عن الابتذال و التتفيه، كل عمل يخدم الفكر، علينا الكف عن احتقار بعضنا و أن نتخلى عن تلك النزعات التي توهمنا بالعظمة و الكبرياء، إنه لوهم أن يعتقد المربي أنه وحده مصدر الحق و الحقيقة، و الادعاء بعدم إمكانية تجاوز الأستاذ تكمن في تعليم تلامذته كيف يتجاوزنه، يتجاوزون فكره. إن نيتشه يرفض أن يتخذ الأستاذ من تدريسه مطية لجعل من ذاته أقنوما، صنما يُعْبَدُ و يُؤَلَهُ، و منه كانت الضرورة الملحة على ممارسة النقد المضاعف، نقد النقد، نقد يتوجه أولا إلى الذات، ثم إلى الآخر، حينها فقط يتم الانفتاح على الآخرين دون حقد أو كراهية بل بحب و محبة و من دون تقليد أو محاكاة، بل بالإبداع و التجاوز، هذا ما نراه ضروريا لكل من يحاول أن يفلسف حياته، أن يغدو أستاذ نفسه أولا، قبل أن يدعي أنه تمكن من أن يكون أستاذا لغيره، لقد مس العياء و الإرهاق أساتذتنا من فرط ما غدت ثانوياتنا مكتظة، فضيحة أن تجد اليوم من يدافع عن حالة الأشياء كما هي عليها، و يدعون بوقاحة إلى تأصيل ذلك الذي يستحيل علينا تأصيله، الحديث عن مدرسة أصيلة، وهم، كل الوهم ادعاء يتبناه الوثوقيون، هل يمكننا تأصيل الحب، إذا تمكنتم من فعل ذلك، تحدثوا حينها عن مدرسة أصيلة، يقترح علينا نيتشه مهمات ثلاثة ينبغي على كل مربي الالتزام بها كي يتجاوز هذا الانسداد الرهب و منه التمكن من خلق ثقافة مبتهجة ومرحة تثير الحيوية و الغبطة و السعادة لا تنفر بقدر ما تجذب إلى تعاطي الفكر و التفكير، في البداية يجب أن نتعلم أن نرى voir àapprendre ، لقد ألفت العين مشاهدة مظاهر الفوضى و الرتابة و هي تتابع برامج التدريس داخل مؤسساتنا و منه كانت الضرورة في تعويدها على الهدوء و على الصبر والأناة، و أن تترك الأشياء تأتي إليها، و أن "تتعلم تعليق الحكم، و لا تتسرع في إعداد الحكم، وتتعلم الإحاطة بالجزء و تفهمه في إطاره الكلي. إن هذه المهمة تتكفل بها المرحلة التمهيدية لحياة العقل: "أن نتعلم أن نرى هو بالمعنى الذي أفهمه، أن تمتلك تقريبا ما تسميه اللغة غير الفلسفية قوة الإرادة، و منه تظهر النتيجة العملية والعلمية لتربية العين، سيكون على المرء أن يتعلم شيئا ما، سيكون قد صار بطيئا، حذرا..." و تكمن المهمة الثانية التي على المربي الالتزام بها، أن نتعلم أن نفكر apprendre à penser. لكي يتم التفكير لا بد من وجود شروط ثلاثة: توفير التقنية والبرنامج و إرادة الحكم، إنه لابد من تعلم التفكير مثلما نتعلم الرقص "لا يمكننا أن نستبعد الرقص بكل أشكاله من تربية رقيقة، أن يعرف المرء كيف يرقص برجليه، بالأفكار و بالكلمات..."[7] و في الأخير ينبغي أن نتعلم كيف نقرأ و كيف نكتب apprendre à lire et à écrire، هكذا تكلم نيتشه، إنها لغة الصمت التي تقذف بالفيلسوف خارج المؤسسات، إنه الكائن الذي يمتنع ترويضه أو تدجينه، إنه المحب المسافر مع ظله إلى حيث المناطق الوعرة التي تعلمه الدقة و الحذر والحيطة، كثيرا ما تم تهميش دور الأسلوب كموضوع ذي أهمية، إذ اعتبر أنه دون أهمية، و لا يرتقي إلى مستوى التفكير الفلسفي، لأنه تم النظر إلى تاريخ الفلسفة كتاريخ للعقل، كتاريخ للروح، دون الجسد وإلى الفيلسوف كشخص يسعى إلى نقل مضمون فكري، لكن مع نيتشه سيتبين أن أسلوب الكتابة لدى الفيلسوف لا ينفصل عن أسلوبه في التفكير، فما يميز الفيلسوف ليس ما يضعه من أفكار، و إنما كيفية عرضه لها، يرتبط الأسلوب إذن بفلسفة الأستاذ، و باختياره لأشكال التعبير التي يراها مناسبة لفلسفته، إنه اختيار واع يقوم للتواصل مع قارئه، و إظهار أفكاره له و اخفاء آرائه عنه، حينها يعتبره غير جدير بقراءته "عندما نكتب، لا نكتب فقط كي نفهم و إنما كذلك كي لا نفهم، فلا يعتبر كافيا اعتراض شخص ما على كتاب لمجرد أنه وجده غير مفهوم، فليس ذلك اعتراضا كافيا عليه إطلاقا، فلربما كان هذا داخلا ضمن نوايا المؤلف "فهو لم يرد أن يفهم من طرف "أي كان" ..."[8]

استنتاجات عامة:

تكمن أهمية تدريس الفلسفة و التفلسف في المراحل التمهيدية الأولى ـ الثانوي ـ في كونها تعمل على ملء الرأس بالمضمون المتين، و طرد الكسل للعين، كسل الفكر، من أجل التخلص من ظاهرة الابتذال و التسطيح والاعتباطية التي غدت أهم ما يميز تلامذتنا، و حتى البعض من أساتذتنا، ولربما كانت مهمة تدريس الفلسفة من أصعب ما هو منوط به من قبل مدرس الفلسفة في الثانوي.

علينا أن نحرص شديد الحرص على أن تنجح المهام التربوية لتدريس الفلسفة بالثانوي قبل الجامعي.

إطلاق العنان لحرية الفكر لدى المدرس و التلاميذ للتمكن من إيجاد مواطن حر قادر على علاج المآزق و المشاكل التي يقع فيها سواء كانت ذاتية أو موضوعية أو الإثنين معا.

بقدرما تكون دراسة الفلسفة في ذاتها و لذاتها نشاطا شخصيا بقدرما تكون تعلما، تعلما لعلم قائم و منشأ مسبقا، هذا العلم هو كُثُرْ يحتوي على مضمون مكتسب تم إنشاؤه و تشكيله.

هذه الشروط الموروثة و المتوفرة ينبغي للفرد أن يكتسبها أي أن يتعلمها، إن الأستاذ يمتلك هذه الثروة، و يعمل فيها فِكْرَهُ مسبقا، و بعد ذلك يعمل فيها التلاميذ تفكيرهم.(هيغل تقرير 1812 ـ فقرة 18)

إن برنامج الفلسفة أثبت عجزه عن إنتاج تلميذ / مواطن قادر على التوجيه بأسئلة إلى الخطاب و البحث في دوافعه، ورهاناته، كما أن ترسيخ فعل التأمل، وتفكيك النصوص يكاد يكون مستحيلا في المستوى التمهيدي، وحتى الجامعي.

الهوامش

[1] ورد نص كانط في مجلة فكر و نقد: مشكلة تدريس تاريخ الفلسفة، مصطفى كاك، العدد 48، أبريل 2002. ـ ص.85.

[2] كان هيغل يقدم إلى السلطات العليا تقريرا سنويا، أدبي و مالي في حياة المؤسسة عندما كان مديرا وناظر دروس و أستاذا بجيمناز نورمبورغ تقارير يدعو من خلالها هيغل التفكير في قضايا تدريس الفلسفة و مشاكلها و هذا ما بين 1808 و 1816. في هذا الصدد أنظر محمد زرنين: هيغل الفيلسوف ـ المدرس بالجمناز، مجلة فكر و نقد المغربية، العدد  48، أبريل 2002.- ص.71.

[3] أنظر في هذا الصدد المسكيني، فتحي : هيغل و نهاية الميتافيزيقا.-  تونس، دار الجنوب للنشر، الطبعة الأولى،1997.- ص.49. 

[4] Voir : Bourgeois, B. : Textes pédagogiques.- Paris, édition Urin, 1978.- p. 18.

[5] Ce qui manque ce sont des éducateurs eux-même éduqués, des esprits supérieurs  et distingués, qui fassent leur pensée en toutes circonstances.

[6] Voir : Nietzsche, F : Considération inactuelle III et IV Schopenhauer éducateur.- édition Gallimard, 1978 (traduit de l’allemand par Henri Alexis Bautsch – Pasear David – Jean Luc-Nancy).- p.59.

[7] بهذا الصدد أنظر: نيتشه، ف : أفول الأصنام، ترجمة : بورقية، حسان و الناجي، محمد.- دار إفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، 1996.

[8] أنظر نيتشه، ف : العلم المرح، ترجمة : بورقية، حسان و الناجي، محمد.- دار إفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، 1993.- ص.ص. 247 –381 ( عن مسألة الوضوح).