Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

مقدمــــة: نحو تاريخ ابستيمولوجي آخر للفكر المغربي:

ليس من قبيل المبالغة القول أن البحث عن تاريخ ابستيمولوجي للفكر في المغرب سيكون بلا جدوى، فهو لم يكتب إلى حد الآن، وإننا لا نعرف عن هذا التاريخ إلا وهو وحدات منفصلة تذيل فهارس المصنفات التي التزمت بالتأريخ لنظيره في المشرق أو باعتباره إفراز ضئيل على حواشي قضايا هذا الفكر- المشرقي- لا غير .

إن تغييب التاريخ الابستيمولوجي الخاص بالمغرب الإسلامي ساهم فيه المشارقة قديما وحديثا، فعندما وصف المقدسي إقليم المغرب والأندلس أردف نص الوصف بكلام قال فيه واصفا جغرافيا الإنسان المغربي" بعيد الأطراف[...] كثير المهالك[...] لم يخرج عالما مذكورا ولا زاهدا مشهورا[...] فهم ثقلاء وإن كانوا  مستورين، بخلاء وإن كانوا منعمين"[1]. أما حديثا فإن الشيخ محمد عبده يعرض بالمغاربة لأنهم أكثر الناس تلاوة لسورة الشورى، وأنهم مع ذلك أبعد الناس عن الشورى، وأن بلاد المغرب أبعد الأصقاع الإسلامية عن الحضارة[2].

ومهما يكن من شأن هذه الرؤية القيمية، فإنه وقع تغييب تاريخ الفكر المغربي من طرف المشارقة وبعض المستشرقين الذين ساروا في ركابهم[3] وكذا أبناء المغرب ذاتهم، وعموما فمهما كان أمر هؤلاء فإن التاريخ الإبستيمولوجي للمغرب لا يزال محجوبا إلى حد اللحظة.

نقصد بهذا التاريخ، التاريخ المعلل والمفسر الكاشف عن بنية الفكر وهو في جدليته مع الحدث التاريخي المغربي الذي يختلف عن الحدث المشرقي، لأن المغرب ليس هو المشرق وكلاهما يطرح خصوصية مميزة من مثل احتكام المغاربة إلى مذهب فقهي واحد وهو المذهب المالكي، وكذا مرجعية عقدية تتأصل فيها الأشعرية كطريقة تستدل بها الذهنية المغربية على عقيدتها الإسلامية، بينما شهد المشرق بناء هذه الذهنية على الاختلاف والتعدد. وقد يظن البعض أننا نرمي بهذه الدعوة إلى فصل المغرب عن المشرق[4]، إنما هي خطوة على سبيل تقويم حقيقي للفكر العربي الإسلامي في عهوده الأولى والمتقدمة وخدمة لاستشراف تطمح إليه الثقافة العربية المعاصرة، وهو إيجاد تصور ابستيمولوجي متين للقضايا القديمة ليكون دافعا نحو توجه معرفي معاصر يغنينا عن التيه في الأفكار المصطنعة.

إن الطموح إلى كتابة تاريخ إبستيمولوجي للفكر المغربي تعد خطوة ضرورية وواجبة، لأن مساره المعرفي فاجأ الثقافة العربية الإسلامية بشكل عام، وهذا من خلال أطروحات تركيبية بدت كمحصلة شاملة وناقدة لمسار هذه الثقافة، من مثل العقلانية الرشدية التي وصفت بأنها محررة الذهنية الغربية من الابتزاز اللاهوتي، وكذا مقدمة ابن خلدون التي فتحت مجال التحليل الوضعي للحدث التاريخي، لأن علم العمران هو خلاصة مركبة لقراءة اعتن فيها ابن خلدون بالبحث في صيرورة الحضارة العربية الاسلامية، حيث كان الحدث الاجتماعي والتاريخي المغربي هو عينة درسه، بهذا مثلت المقدمة بحصيلتها المنهجية بداية سليمة لفلسفة التاريخ تتموضع أساسا حول النظر في قانون الحضارة. ونذكر هنا أيضا مقاصد الشريعة الإسلامية التي خط قواعدها الإمام الشاطبي الغرناطي (ت 790 هـ) في مصنفه الجليل الموافقات، تمحور المنهج المعتمد في هذا التأليف حول منطق آخر لعملية الاجتهاد وتأويل النص الشرعي، وقد طمح الشاطبي إلى نقل الشريعة إلى حدود العلوم القطعية بما أن نسقها المعرفي العام يمتاز بالإطراد والعموم والحاكمية[5].

إن ما يزيد ضرورة الإسراع في إنجاز الخطوة العلمية التي تطمح إلى ترميم الزمان المعرفي المغربي، هو الانتباه إلى اللحظة التاريخية التي ظهرت فيها هذه البناءات الفكرية، إننا في هذه اللحظة بين زمانين، زمان التقليد وزمان الإبداع، فالزمان الأول ظهرت فيه العلامات الأولى لما يصطلح عليه في تاريخنا الخاص "الانحطاط" وبداية الأفول الحضاري، أما الزمان الثاني فيبدو وكأنه ليس هو زمان صيرورة هذا التاريخ وهذه الحضارة، إنه زمان آخر أذن بالانطلاقة مرة أخرى، فكيف السبيل إلى التفسير والتعليل؟

إن التماس مثل هذا التفسير والتعليل يضطرنا إلى الوقوف على أرضية علمية جديدة نتحرر فيها من أساليب التفكير القديمة، ونعمل وفق فلسفة تتخلص إلى حد بعيد من تلك الأطر المفهومية التي تعني بتفسير النصوص تفسيرا مستقلا عن إحداثياتها التاريخية والسياسية والاجتماعية مع وضع اعتبار منهجي ضروري وهو حضور العلوم الاجتماعية بمناهجها المتطورة في قلب هذه المهمة حتى يتم الكشف عن الوظائف الحقيقية التي أدتها النصوص الفكرية عموما، سواءا تلك التي عملت على إكمال الصورة الأساسية للعلوم الإسلامية التي شكلت في الحق المرجع الأول للنسيج الاجتماعي والإطار الذهني الذي يفكر به العقل المغربي ويتمم فعله العملي وفقا لهيكله العام كالمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية ثم التصوف الطرقي، أو علوم العقل وعلى رأسها أم العلوم" الفلسفة فقد لقيت موقفا جعلها مرذولة ومنبوذة " فكلما قيل فلان يقرأ الفلسفة[...] أطلقت عليه العامة اسم الزنديق وقيدت عليه أنفاسه فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة، أو أحرقوه قبل أن يصل إلى السلطان"[6]، إن هذه ذهنية ترفض الفلسفة وتتعامل بأسلوب عنيف مع المشتغلين بها تتطلب الوقوف عندها وتبرير لماذا رفض المغاربة المشروع الفلسفي وامتحنوا كل مورديه خاصتهم وعامتهم[7].

في مقدمة المدخل لصناعة المنطق يعرض "ابن طملوس"(ت 562هـ) كشاهد عيان تبريرا لهذه الحالة فقد أعزى موقف المغاربة المناوئ للعلوم الوافدة إليهم إلى التقليد والجهل [8]وهو الأسلوب ذاته الذي تم بواسطته إبعاد المشروع الفلسفي من المغرب ليلقى انتعاشا في الغرب اللاتيني. وإذا كان من بين أسباب رفض العلوم أو قبولها هي الذهنية المغربية كما ألمح إلى ذلك "ابن طملوس"، فإن مثل هذا السبب يبقى فاقدا للسند العلمي والتعليل التاريخي، لأن هناك جهة ثابتة أدخلت العلوم إلى المغرب وأدخلتها في اللعبة السياسية أو حاربتها لنفس الغرض وهي السلطة السياسية. لذلك فإن التركيز على علاقة الفيلسوف بالسلطة السياسية سيجلي طرفا عن حقيقة فشل المشروع الفلسفي في المغرب وعجزه عن تحصيل مستوى نظري يقدم فيه تنظير فلسفي يؤسس قاعدة متينة لعلم مدني يطور الفعل السياسي والاجتماعي على الأقل في المغرب.

وبعيدا عن أي سرد تقليدي وغير واع بالإشكالية السياسية للفكر الإسلامي سنعمل على البحث عن علاقة الفيلسوف بالسلطة السياسية في المغرب الإسلامي ونتساءل عن مدى حضور الفلسفة في الحدث التاريخي السياسي المغربي؟  

إن مثل هذا السؤال سيميط اللثام عن تجربة الفيلسوف المعرفية ويساعد في قراءة نصوصها الأساس، ويوضح أكثر ذلك الأسلوب المعتمد لدى الفيلسوف في الدعوة إلى المدينة الفاضلة وسياسة المتوحد وصحبة الأخيار من الرفاق وهم الفلاسفة الذين تجمعهم جنسية واحدة في موطن الفلسفة.

إن الفهم العام للتجربة الفلسفية في الإسلام كان ينطوي تحت جدلية العقل والدين، هذه حقيقة أساسية وهي التي حركت ابستيمي العصور الوسطى بصفة عامة، وهي التي انخرط بواسطتها الفيلسوف في سياسة المدينة الفاضلة، فكانت النتيجة إما اعتزاله السياسة كما فعل الفارابي ومن ثم الإكتفاء بالشكل الرياضي لمدينة فاضلة، أو أنه طمح إلى تبويء المناصب السياسية فمات مسموما "كابن باجة". ولذلك فإن أزمة الخطاب الفلسفي تتفاقم في المغرب الإسلامي عن نظيره في المشرق، فالفيلسوف وكما أخبرتنا عنه المصادر التاريخية المغربية كان دائما كبشا للفداء تتقرب به السلطة السياسية إلى رجال الدين إذا أرادت كسب رضا العامة. وهي في  الحقيقة تغليفة لازمة لإتمام المشهد الإيديولوجي الذي تطمح إليه هذه السلطة.

يقدم لنا المراكشي مؤرخ الموحدين في كتابه "المعجب" صورتين لقرابة الفيلسوف للبلاط الموحدي، ابن طفيل المحظي بالقرب وابن رشد المقرب ثم الممتحن ليمثل كبش الفداء، بهذا يشهد البلاط الموحدي على ازدواجية الموقف من الفيلسوف في التراث المغربي، والأندلسي، ومن ثم يبرهن على أنه من أهم دواعي فشل المشروع الفلسفي في هذا التراث هو الموقف البراغماتي لرجل السلطة من هذا المشروع، فمن جهة حظي ابن طفيل (ت 571هـ) بالمكانة المرموقة والنهوض بالفلسفة بل وتكريسها لأجل النقد وتقديم البدائل والجهة نفسها كانت دافعا لقيام المشروع الرشدي، لكي تنكسه وتنقلب عليه وتحبطه لينتعش في الغرب اللاتيني من جهة أخرى.

لقد تم التركيز المفرط على الدرس الفلسفي للفلسفة الرشدية من طرف الباحثين العرب لذلك لم تحظ قصة حي بن يقظان بالقراءة المفسرة لنسقها الرمزي وحبكتها الأدبية، ومن ثم توضيح علاقة نص ابن طفيل كمقرب من السلطة بالمرجعية الإيديولوجية للدولة الموحدية.والحق أن هذا التغييب لفلسفة ابن طفيل كان من طرف المستشرقين والباحثين العرب على حد سواء.

لا يبتعد المستشرق الإسباني"انخيل جانثالث بالنيثا"[9] عن أسلوب الاستشراق والذي يركز على الروافد دون الاهتمام بالموضوع، ليجعل قصة حي بن يقظان صورة بسيطة لتجلي مسألة التوفيق بين العقل والنقل قد نحا  فيها ابن طفيل اتجاه الأفلاطونية المحدثة كأداة لتحقيقها، وإذا كان جل الباحثين العرب قد أعادوا صياغة هذه الغاية صياغة أمينة، فإن "بالينثيا" لا يبقى في هذا المستوى من الوصف إنما يعقبه بالنفي التام للطابع الإسلامي الأصيل للقصة ليؤكد أن هيكل القصة العام مأخوذ عن قصة" الصنم والملك وابنته" وهي إحدى الأساطير التي نسجت حول شخصية الإسكندر الأكبر ولا بد أنها ترددت بين أهل الأندلس[10]. وعلى الرغم من اعتراف "بالينثيا" بالقيمة المعرفية للقصة وأثرها على الفكر الغربي، فإن موقفه هو ترديد للموقف الاستشراقي عموما والذي يركز على الروافد ويلهث وراء الأصول الأجنبية للتراث العربي الإسلامي. فقد تناسى "باليثنيا" القصة ذاتها التي ألفها "ابن طفيل" وكان من الأرجح أن تكون بداية الدرس من داخل التراث الفلسفي العربي الإسلامي لتنتقل خارجه فيما بعد.

أما عن الباحثين العرب فقد تقمصوا الدور الاستشراقي أولا ثم قاموا باقتطاع فلسفة ابن طفيل عن بيئتها المغربية لتكون ترديدا للفلسفة المشرقية. لقد بقي هؤلاء البحاثة في تكرار غير واع للعلاقة بين فلسفة ابن طفيل والفلسفة اليونانية دون إدراك أن الفلاسفة الإسلاميين عموما قد صرحوا بهذا الانتماء دون تردد لأن القول" تأثر ابن طفيل في مباني الرسالة بخيال ابن سينا وتأثر بمعانيها بمذهب أرسطو والفيتاغورية والأفلاطونية الحديثين"[11] هو التركيز على أدوات القصة دون التسرب إلى قراءة النص عبر مرجعياته التاريخية التي حيك فيها وعدم التركيز على العلاقة الأساسية التي شكلت البعد الاجتماعي لمغرب الموحدين، وهي السلطة / العالم / العامة. ويعيد باحث آخر ترديد الاتجاه السابق ليعدد الروافد اليونانية لفلسفة ابن طفيل وليؤكد أن ابن طفيل أطلع على فلاسفة المشرق وتأثر بالفارابي في كلامه عن السعادة والاتصال، ويستدل على بقاء ابن طفيل في مستوى تقليد أفكار فلاسفة المشرق عبر المدخل الذي دخل به ابن طفيل إلى القصة والذي يبرهن على أن قصة حي بن يقظان هي إعادة صريحة للفلسفة في المشرق[12].

وقد غاب عن هذا الباحث المنهج النقدي لهذا المدخل وقيمته في تأسيس النسق النظري لهيكل الأفكار الفلسفية في قصة حي بن يقظان لأن لها مدلولات وظيفية بالنسبة للمجال الذي ألفت فيه.كما أن هذا المدخل هو دليل على التواصل الابستيمي للثقافة العربية الإسلامية بين مشرقها ومغربها.

ولأننا نرمي في هذه الدربة البحثية أن نقوم بترميم جزئي من تاريخ الفكر المغربي، فإن علينا أن نتخطى القراءات السابقة لقصة حي بن يقظان التي فسحت المجال واسعا أمام تقطيع هذه الرائعة الفلسفية ورد ما لليونان لليونان وما للمشرق للمشرق وننصب على علاقة هذه القصة الفلسفية بالمرجعية المعرفية للفكر المغربي وهو في جدليته مع الحدث التاريخي المغربي الخاص، ومثل هذا المنحى يتطلب استجماعا لعناصر تكون هذه القصة الفلسفية والتاريخية والسياسية والاجتماعية وتفكيك المعطى المعرفي الذي حركها وجعلها تكون نصا داخل السلطة السياسية الموحدية وإجابة عن هموم معرفية وسياسية لمغرب القرن السادس الهجري.

بالنظر إلى عناصر ثلاثة مثلت الفاعلين الأساسين في قصة هي" بن يقظان" وهم الفيلسوف والمتصوف أولا وعالم الكلام ثانيا والعامة ثالثا، وصلة هؤلاء بالشريعة الإسلامية، فإن السؤال هنا يتركز حول علاقة هذه الفئات بمسالة تأويل الشريعة وصلة هذا التأويل بالوظيفة التي تريد السلطة الموحدية أن يؤديها هذا التأويل في فضاء إيديولوجي سيطرت عليه تعاليم "المهدي بن تومرت"؟ إنها علاقات من السلط المتراتبة التي إذا ما تم تحليل أدوارها في التشكيلة السياسية والاجتماعية لدولة" عبد المؤمن بن علي" وخلفائه مع اعتبار لصلة ابن طفيل بهذه الدولة فإن قصة حي بن يقظان يكون لها دور في بناء شكل من النقد والبناء لموقف متجاوز نجد له مبررا إذا ما تساءلنا عن موقف خلفاء عبد المؤمن من فكرة المهدي والإمام المعصوم التي أقرها ابن تومرت في سلم السلطة الموحدية وما تضفيه من طقوس تعيد ترتيب المفاهيم السياسية بشكل يؤدي إلى بروز سلط ترعى المبدأ الأول من العقيدة التومرتية إضافة إلى هذا البروز للسلط نركز أيضا على علاقة العامة بهذه السلط؟

لقد تخلى ابن طفيل عن الأقيسة البرهانية سبيلا للمعرفة وآثر الكشف عن الحقيقة بواسطة الذوق الفطري الذي لا يقل درجة عن البرهان في الولوج إلى المعرفة اليقينية لماذا دعم ابن طفيل الرأي القائل بالذوق؟ وقد عرف عن الفلسفة في المغرب إعراضها عن المعرفة بواسطة التعليم الإمامي، فهل كان مفهوم الذوق هنا شكل آخر يهدم فكرة المهدي والإمام المعصوم ويفسح المجال أمام الاتصال المباشر بالله ؟

يبقى الفيلسوف وحده القادر على تأويل الملة والحصول على الحق ولذلك فإن خطابه الفلسفي مضنونا به على غير أهله وإن استطاع المتصوف الدخول في هذه التجربة المميزة، لكن صفة دخوله إليها تبقى دون مستوى الممارسة الفلسفية، فهل تآخى حي وآسال في نهاية القصة وعادا معا للاعتزال في الجزيرة هو توحد بين تجربتي الصوفي والفيلسوف، فكلاهما يلغيان الوسائط في المعرفة ويندمجان في التوحد مع الحقيقة بواسطة الذوق. فهل يؤدي هذا إلى القول أن قصة حي بن يقضان حبكة رمزية وموقف من الخطابات المعرفية ذات الوظائف الإيديولوجية أدت مهمة أساسية هي التوفيق بين العقل والنقل أولا، ثم بناء نسق معرفي أدى هو بدوره وظيفة إيديولوجية تقوم بتفنيد كل الإيديولوجيات القائلة بتنظيم الوسائط بين السلطة والعامة سواء بواسطة علم الكلام أو علم الإمام المعصوم، فهل كانت قصة حي بن يقظان خطابا مناهضا للإيديولوجيا التومرتية التي أدت إلى ضرب الوساطة الدينية عن طريق ترويج علم الكلام بين فئات العامة؟

1. ابن طفيل محظي السلطان:

يعد الحصول على صورة واضحة لشكل العلاقة التي ربطت الفيلسوف –بوصفه إحدى السلط التي بإمكانها تقديم النقد- بالسلطة السياسية في الحضارة العربية الإسلامية أحد المقومات الرئيسية التي تجيب عن السؤال الذي جعل النص السياسي الفلسفي لم يرق إلى بلورة تصور علم مدني سياسي قادر على بناء شكل علاقات سياسية محكمة في الدولة الإسلامية عموما كما كان في الفلسفة اليونانية. صحيح أن الفلاسفة الإسلاميين كتبوا النص السياسي "كالمدينة الفاضلة" للفارابي، لكنهم بقوا في مستوى الحقل الأداتي اليوناني لأن هنالك مفهوم يغطي مثل هذه المحاولات وهو مفهوم السياسة الشرعية. ومما زاد من بعد الفيلسوف عن تكوين نص فلسفي بإمكانه الانخراط الصحيح في البيئة السياسية الإسلامية بخصوصيتها هو شعور هذا الأخير باستحالة الفهم الجيد لخطابه لأنه خطاب خاص لن يرقى إليه إلا مثيله. ونص قصة حي بن يقظان قد خلص إلى النتائج ذاتها الذي خلص إليها كل فلاسفة الإسلام التوحد والتفرد وخصوصية التجربة الفلسفية المضنونة بها على غير أهلها.

فإذا كنا نحصل في الحضارة العربية الإسلامية على نمطين من العلاقة ربطت الفيلسوف بالسلطة فإما العزوف عنها والعزلة أو الانخراط  فيها ثم الفشل، فإننا نعثر مع ابن طفيل عل صورة ثالثة لعلاقة الفيلسوف بالسلطة، فقد انخرط في التجربة السياسية ولم ينته إلى الفشل، بل إنه كان يبقى في البلاط أياما وليالي لا يبرحه ثم إنه عندما وافته المنية صلى عليه الأمير وخاصته[13]. إن ابن طفيل ووفقا لهذه الصورة الجميلة التي ينقلها لنا عنه صاحب المعجب فقد حظي بالقرب من السلطة الموحدية مما يؤدي إلى القول أنه فيلسوفا متصالحا مع السلطة منخرطا فيها ما دام قد شغل الوظيفة الأكثر خطورة في هذا البلاط، وهي الاستشارة الثقافية بتعبيرنا المعاصر وإن صح القول فهو مخطط السياسة الثقافية في هذه المرحلة ولا أدل على هذا العمل الخطير الذي أداه أنه كان المسؤول على دخول ابن رشد إلى بلاط الموحدين وأخذه إشارة السماح بممارسة الفلسفة علنا ورفع القلق عن عبارة أرسطو[14].

كان ابن طفيل طبيبا وفقيها وفيلسوفا، إنه تنوع مرغوب وهوية محمودة وضرورية بالنسبة لصاحب السلطة، ويحليه ابن الخطيب قائلا:" كان عالما، صدرا، حكيما، فيلسوفا عارفا بالمقالات والآراء، كلفا بالحكمة المشرقية، محققا، متصوفا، طبيبا، ماهرا، فقيها بارع الأدب، ناظما، ناثرا في جملة من الفنون"[15]. إن هذه الهوية محمودة ومرغوبة مكنت ابن طفيل من اقتطاع مكان مرموق في السلطة في حد ذاتها، لكن هل كان لابن طفيل أن يحصل على هذه المنزلة لولا أنه لم يكن يمتلك خبرة في التعامل مع السياسة؟ إن ما يدفعنا إلى مثل هذا السؤال هو المصير الذي لقاه "ابن باجة" وهو يسعى لإيجاد مكان في السلطة انتهت به إلى الهلاك[16] وكان محلا بالخصائص العلمية نفسها التي يتحلى بها ابن طفيل.

لم تكن وظيفة الطبيب الخاص بالأمير هي الداعي الأساسي الذي مدد صلة ابن طفيل بالبلاط الموحدي، إن مثل هذه الحظوة لن تكون لو كان ابن طفيل يفتقر للخبرة السياسية،و مما يعزز هذه النظرية هو أن ابن طفيل" شغل منصب أمين أسرار لحاكم ولاية غرناطة، ثم عين بعد ذلك كاتم أسرار للأمير أبي سعيد، أحد أولاد عبد المؤمن وحاكم طنجة"[17].

إن الاهتمام بعلاقة السلطة بابن طفيل هو اهتمام بالعلاقة بين الموحدين والمشروع الفلسفي ممثلا في قصة حي بن يقظان وما فسحه هذا الاهتمام من دخول المشروع الرشدي إلى هذه السلطة. ويزداد اهتمامنا إذا وضعنا في الاعتبار جهة أساسية في البناء الإيديولوجي الموحدي التي تقوم على أن السلطة العلمية الوحيدة المخول لها حفظ التوحيد من الابتداع هي سلطة عالم الكلام ذي الهوية الأشعرية، فإذن ماهو مكان الفيلسوف هنا؟ كيف نفسر احتضان البلاط الموحدي للمشروع الفلسفي بل إنه يناقض فلسفة الإيديولوجيا الموحدية ليكون الفيلسوف صاحب التأويل الحقيقي لصفات التوحيد ويقوم بإقصاء الفئات العالمة الأخرى من مثل هذا الإدراك.

لماذا كان ابن طفيل متصالحا مع السلطة إلى هذا الحد؟ إن هذا التصالح يجد له تفسير في تركيبة إيديولوجيا الموحدين لأن مؤسسها المهدي ابن تومرت كان عالما سلطانا ذو رئاستين القلم والسيف وقد وجدنا أن هذه السمة تتواصل في أمراء الموحدين وتتجذر لديهم هذه الملوكية في حب العلم، فقد كان" أبو يعقوب يوسف" الموصوف بالصحبة لابن طفيل[18] " شديد الملوكية بعيد الهمة سخيا جوادا [...] هذا مع إيثار للعلم شديد وتعطش إليه مفرط"[19] وقد أدى به إيثاره هذا للعلم " إلى تعلم الفلسفة فجمع كثيرا من أجزائها"[20]. أيكون هذا الطموح إلى الفلسفة هو طموح نحو سلطة أكبر وهو نقل الخلافة الإسلامية من بغداد إلى مراكش خاصة إذا علمنا استقلال السلطة الموحدية عن الخلافة الروحية في بغداد إذ بادرت هذه الأخيرة إلى بناء هرم السلطة لديها بواسطة ألقاب مثل الخليفة وأمير المؤمنين وهي ألقاب كانت تتداول في السلطة العباسية فقط، مما يدفعنا إلى القول أن "أبا يعقوب" جسد طموح المأمون في إدخال علوم اليونان إلى الفضاء المعرفي المغربي لكي تؤدي الغرض ذاته الذي أدته في الدولة العباسية. ومما يرجح هذه الدعوة أن أمراء الموحدين كان لهم طموحا سياسيا في المشرق وضم مصر إليهم والقضاء على الدولة الفاطمية التي اعتراها في تلك الفترة الوهن وأشرفت على الاضمحلال.

بالنظر إلى هذه الاعتبارات سيكون دخول المشروع الفلسفي ضروريا في دياليكتيك التطور الذي يفرضه التطور الطبيعي للدولة، مما يقتضي في الجهة المقابلة تطورا لإيديولوجيتها الخاصة، ونظرا لخبرة "أبي يعقوب يوسف" بالدور الخطير المنوط بالفلسفة كآلية للنقد فإنها ستمكن من مثل هذا التطور الذي يؤدي إلى اتساع أفق الدولة الإيديولوجي.

إن تردد العلاقة الحميمة بين ابن طفيل وأمير المؤمنين واضح جدا في اختيار مسار قصة حي بن يقظان وهي تتركز على الفلسفة المشرقية بديلا عن علم الكلام الأشعري وبديلا عن حيثيات الفكر الشيعي الذي جمعه ابن تومرت في مفهوم المهدي المعصوم، لقد وجه الخطاب الفلسفي في قصة حي بن يقظان للإجابة عن سؤال صفي، ولا صفي للفيلسوف هنا إلا صاحب نعمته والذي سيتيح له سبيلا لهذا الخطاب ليردده في البلاط بحرية إنه أمير المؤمنين وستكون الإجابة عن السؤال هي طموح من الخليفة ليجعل الحكمة المشرقية بديلا عن فكرة المهدية وصيرورتها المعرفية. يقول ابن طفيل "سألت، أيها الأخ الكريم الصفي الحميم، منحك الله البقاء الأبدي وأسعدك السعد السرمدي، أن أبث إليك ما أمكنني بثه من أسرار الحكمة المشرقية التي ذكرها الشيخ الإمام "أبو علي بن سينا". فأعلم أن من أراد الحق الذي لا جمجمة فيه، فعليه بطلبها والجد في اقتنائها" [21]. إذن ابن سينا بدلا عن الغزالي، بعدما ضحد الغزالي الفلسفة وأقر خلوها من الحق وعلى رأسها فلسفة ابن سينا فكيف يكون ابن سينا بدلا عن الغزالي ؟ سؤال يعري طموح الموحدين في نقد ابن تومرت وتوسيع الأطر الفكرية لإيديولوجيتهم لتتيح تطورا طبيعيا للدولة. بهذا يكون أعز ما يطلب هي الحكمة المشرقية. ووفقا لهذه النتيجة يفسر احتضان الموحدين للفلسفة البرهانية الرشدية ولا نبحث في هذا المقام عن لماذا نكستها وجعلت من ابن رشد كبشا للفداء.

2. من الطب إلى الفلسفة:

نجمع في ثقافتنا الشفاهية بين الطبيب والحكيم، ليكون الطبيب حكيما بجدارة، إن مثل هذا الجمع ليس من قبيل المصادفة لأنه تأليف موروث عن تاريخ الفلسفة منذ اليونان، وهو واضح في تاريخنا الخاص، لأن فيلسوف الإسلام غالبا ما يكون طبيبا، والتأليف بين مهمتي الطب والفلسفة راجع " لأن الطبيب يحتاج أن يكون معه شيء من التكهن لأنه ليس من الواجب أن يخلو الطبيب الفاضل من معرفة الأشياء الحادثة فيما بعد"[22] فيكون بهذا الطب هو ممارسة الفلسفة بعينها، مادام هو انتقال كاشف من العلل إلى المعلولات. والطبيب هو الذي يعمل أثناء اهتمامه بالجزئيات على تأكيد الصلة المنهجية بين الفلسفة والطب، فهما يجتمعان على الاستدلال من الجزء إلى الكل والعكس وإقرار نموذج هذا الاستدلال عمليا يكون مجسدا في خبرة الطبيب. ثم أن مثل هذا اللقاء يزداد متانة إذا ذكرنا بقسم إبقراط الذي يوحد بين الأخلاق الفلسفية من عدل وفضيلة، و أخلاق الطب.

وإذا أحصينا الأطباء الذين توافدوا باستمرار عبر مراحل التطور الحضاري الإسلامي نخلص إلى نتيجتين هما:

أ-وحدة تجربة الفلسفة والطب، وأن طريق الفلسفة إلى مجالس الخاصة بما فيهم السلطان، كان الطب هو علامة الموافقة على دخولها إلى مقامات السلطة لأن هؤلاء في حاجة إلى صحة البدن لاستكمال الوجاهة الخاصة بالملك وبالتالي حسن تدبير سياسة الدولة.

ب-معظم فلاسفة الإسلام وبحكم درايتهم بالحكمة اليونانية كانوا أطباء وأنهم سافروا إلى الأمراء لاحتكامهم على أسرارا الأبدان وتركيب الدواء، فالفلسفة تسربت إلى المغرب لأن " زيادة الله بن الأغلب" جلب في عهده طبيبا من بغداد وهو" إسحاق بن عمران" " وبه ظهر الطب بالمغرب وعرفت الفلسفة"[23].

أثرى "ابن دحية" على ابن طفيل فقال عنه أنه "أحد حسنات الدهر في ذاته وأدواته"[24] فهو "الوزير الفقيه المقرئ المحدث الشاعر اللغوي النحوي، المهندس الطبيب"[25]. سيكون هذا الجمع الفريد بين علوم النقل وعلوم العقل زيادة في مكانة ابن طفيل فتزداد سلطته فلن يكون كاتم أسرار أمير المؤمنين السياسية والثقافية بل ليكون كاتما لأسرار بدنه وبدن حريمه وعياله وخاصته، ألا ترى معي أن ابن طفيل الطبيب قد استزاد من المكانة وبسط سلطته على أسرة الأمير وعلى ولي عهده بسطا يجعلهم جميعا بحاجـة إلـيه ؟.

لقد كانت المزاوجة بين الطب والسياسة سببا في انتعاش المشروع الفلسفي في بلاط الموحدين، إذ حظي ابن طفيل بالمنزلة الرفيعة لدى "أبي يعقوب يوسف" ليكون طبيبه الخاص ولا أبلغ في القرب من طبيب يداوي أسقام البدن ويلبي طموح الحكمة لدى السلطان.إن هذا مجال آخر لقرابة الفيلسوف من السلطة ولسلطته عليها وتصالحها معه.

لقد كان الطب أداة قوية في بروز أسرار الحكمة المشرقية في قصة حي بن يقظان، والحق أن مثل هذا الاستخدام للعلم الطبيعي في بناء النسق الفلسفي وبالتالي التدليل على القضية الفلسفية الأساسية في قصة حي بن يقظان بواسطة الفكرة الطبية ، هو فكرة جديدة لا نعثر عليها كثيرا بين الأدوات المنهجية المستخدمة في الفلسفة الإسلامية. المعرفة الإنسانية لن تكون بدايتها الصحيحة إلا التجربة والملاحظة، وقد أفرغ ابن طفيل درايته الطبية في التأكيد على أنه لا يوجد مصدر للمعرفة يبدأ منه الإنسان سوى الطبيعة التي فتحت مدارك حي الطفل والشاب، ومثل هذا المنحى أول استدلال على أن كل إشارة إلى مصدر آخر تملى منه الوصايا سيكون معدوما مثل القول بالإمام المعصوم أو فئة اتخذت مقاما بين الحق ومريديه.

وظف ابن طفيل خبرته في معرفة الجسم الإنساني ليربط بين أعضاء الجسم ومدارك المعرفة فيخط ملاحظاته حول ولادة"حي" موضحا الكيفية التي اكتشف بها الطبيعة وهو رمز لاستقلال العقل الإنساني عن الأفكار القبلية والخصوصية الاجتماعية الموجهة له، بحيث أن المدارك العقلية تنمو بطريقة تجعلها تكتسب القوة وهي في صراعها مع الطبيعة، والطبيعة هنا صامتة لا تتكلم إلا بالقدر الذي يفيد العقل الإنساني، وانطلاقا من هذه الجدلية القائمة بين العقل الإنساني والطبيعة، ينمو الجهاز النفسي "لحي بن يقظان" من إدراك وذاكرة وتعود والتي تجهزه إلى امتلاك أكبر للمعرفة وللطبيعة على حد سواء[26].

لقد كان التشريح الدقيق لجسد الظبية بعد موتها هو السبيل الأوحد للبحث عن العلل والأسباب وهو سؤال عن ماهية الحركة وهو أيضا سبيل نحو صعود "حي" نحو أفكار تتخلص من الحس لترقى للبحث عن الأسباب الأولى، بمعنى نحو السؤال الفلسفي فيجمع ابن طفيل هنا بين التجربة وممارستها والاستدلال العقلي، ليكون حي بن يقظان الذي يمثل قوة  الفيلسوف المتوحد، مختلفا عن فئات أخرى لأن النص لم يكن مصدره نحو المعرفة، ولكنه سيحصل الحقيقة الموجودة في النص[27] عن طريق التدبر والتمعن العقليين.

لم تكن الظبية التي عدت أما "لحي بن يقظان" سوى الطبيعة، والطبيعة نقية وصافية لا تعلم إلا ما يزيد من قدرة العقل وهي حبلى بالرموز التي توجه نحو البحث عن العلل، وخلف هذه العلل، هناك العلة الأولى وهو التدرج المعرفي الذي سلكه "حي" منذ الولادة فالطبيعة لم تَّمْلِ عليه ما يجهزه بالأفكار المصطنعة بل استرشد بها وهو يرقب العلاقات بين    عناصرها[28]  وقد زادته إصرارا على الكشف والتوحد مع المبدإ الأول.

بهذا التصور سيختلف الفيلسوف عن الفئات العالمة الأخرى لأنه يبدأ المعرفة من حيث لا تبدأ فهو يمتلك عقلا يدرجه في مصاف الخاصة بل خاصة الخاصة ما دام المتصوف يستخدم النص لمعرفة الله، أما هو فالقدرة الذاتية لديه هي التي خولت له هذه المعرفة، فعلى الرغم من التوحد بين "حي" و"آسال" فإن "حي" سيكون أرقى من "آسال"، فهذا عرف الحقيقة بواسطة النص، أما ذاك فقد حصل له الحق دون املاءات وهو ما يؤسس لفصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من اتصال[29].

إن ابن طفيل الطبيب الذي استقدم خبرته الطبيعية لتشكيل خصوصية المعرفة التجريبية التي يبدأ منها العقل الإنساني ، كان يهدف إلى ما يلي:

أ- تبدأ المعرفة بالله وصفاته لتتدرج من الحس اتجاه آفاق معرفية أكثر خصوصية لا يعيها إلا الفيلسوف ويشاركه فيها المتصوف [30] دون حدوث إملاء أو وصية من طرف آخر وهنا تلغى الوساطة بين العقل والله لتنهار لذلك وصاية عالم الكلام على العقل الإنساني، ويكون للفيلسوف وحده حق تأويل الشريعة.

ب- إن إلغاء الوساطة هدم صريح لفكرة المهدي الذي يعني أن الإنسان محصور فيما يمليه هذا الإمام المعصوم. وكانت الخبرة بالعلم الطبيعي عند ابن طفيل بما فيها الطب وسيلة لإثبات مثل هذه الفكرة، وإنها البداية من التجربة ليكون النسق الفلسفي هنا مختلفا عن النسق الفلسفي عند "ابن سينا" الذي لا يوظف المعرفة التجريبية في فلسفته المشرقية.

3. ابن طفيل هوية مزدوجة فقيه وفيلسوف:

أجمعت المصادر التاريخية على أن ابن طفيل فقيه، فقد قال فيه "بن عبد الملك " صاحب الذيل والتكملة" كان فقيها بارع الأدب"[31] وهو أيضا فقيها فيلسوفا[32]، هو جمع غير مألوف لدى الفلاسفة الإسلاميين، باستثناء ابن رشد صاحب بداية المجتهد ونهاية المقتصد.حيث كان لقاء الفقه والفلسفة لديه تأليف ممتاز عاد بالثراء على الفقه والفلسفة على حد سواء فهل كان الأمر نفسه بالنسبة لابن طفيل؟

لم يصل إلينا من ابن طفيل سوى فكره الفلسفي مبثوثا في قصة وحيدة ويتيمة هي قصة حي بن يقظان، وعليه سيبقى لدينا ابن طفيل الفقيه مجهولا في غياب الوثيقة. مما يدفعنا إلى القول أن هيئة الفقيه لدى ابن طفيل كانت ضرورة في مجتمع يحتكم إلى الفقه ولا يعترف بالفلسفة. إذ سيعول الفيلسوف كثيرا على هوية فقيه ليندمج أكثر في الفئة العالمة ، كما أن البقاء في بلاط الموحدين كفقيه تكسب صورة اجتماعية لازمة ووجاهة تجعله مندمجا بين الخاصة وينال رضا العامة مما سيدرأ عنه كثيرا من الأخطار.

 في مدخله النقدي الذي جعله مجالا ليندمج به في المسائل المعرفية للفلسفة الإسلامية، يسوق ابن طفيل اللوم لابن باجة لأنه مزج بين سيرة الفيلسوف التي هي سيرة توحد وأغراض الدنيا ويعني بها طلب السلطة السياسية[33] فمات بسبب الغيلة والحسد لأن مواقع السياسة هي مواقع للصراع والهلاك وقد مات ابن باجة لأنه نسب "إلى التعطيل ومذهب الحكماء والفلاسفة وانحلال العقيدة"[34] فكيف يتخطى الفيلسوف مثل هذه المهالك ألا ينبغي أن ينتسب إلى العلم المستحب إلى أهل هذا الموطن الذي يوجد فيه، وبالتالي تقديم الولاء باندماج أصيل بين فئاته السلطة / العلماء / العامة. فالفلسفة بضاعة تجلب النقمة والحذر في مجتمع متدين فلا حاجة بها، إنما تقع الحاجة إلى من يعلم الدين، لذلك كان" للفقيه لديهم رونق ووجاهة"[35] وهوية ابن طفيل المزدوجة تخول هذا الرونق وعلى الرغم من كون ابن طفيل فقيها إلا أنه كغيره من فلاسفتنا الإسلاميين يميز بين نهجين إلى الحق، نهج الجمهور وهو خطاب يفتقد إلى المنطق يوجه إلى العامة ويعد الفقه أحد السبل التي يتشكل منها الخطاب الجمهوري، أما الفيلسوف فلا يقتنع بهذه الأساليب التي تقوم على المماحكة والمغالطة وربما ترجع هذه القسمة بين عقلين مختلفين إلى اختلاف طبيعي بين الحكمة التي لا تستخدم المثالات والشريعة التي تقنع عقول العامة بواسطة هذه المثالات فالفلاسفة "وحدهم القادرون على الجمع بين الحكمتين الشرعية والعقلية، أما الجمهور والعامة فيجب أن يقتصر على الاهتمام بالحكمة الشرعية كما يعرضها الدين"[36]، وهكذا خلص ابن طفيل إلى ما خلص إليه الفارابي وابن سينا وغيرهم في عدم اختلاف الدين والفلسفة، والتأويل الراحج للشريعة لن تقوم به إلا فئة الفلاسفة، ويختلف ابن طفيل عن الفلاسفة الإسلاميين لأنه في مسألة التأويل مزج بين طرق ثلاث في المعرفة، التجربة والاستدلال  العقلي ثم المكاشفة لأن حي لم يتحصل على إدراك العالم الإلهي إلا بعد ما مر بهذه الدرجات الثلاث من المعرفة.

إن وصول حي إلى العالم الروحاني متدرجا في مراتب المعرفة يؤكد موقف ابن طفيل من العقل فهو لا يحتاج إلى مرشد يقوده إلى هذا العالم، ألا يعني هذا القول بالقدرة الذاتية التي تلغي الوساطة بين العقل والله بما فيها مرشدة المهدي ابن تومرت.

إن الفلسفة المشرقية تتجاوز الفلسفة البرهانية لأن الحق لديها هو حضورا مباشرا فالبرهان يفتقد إلى متانة الذوق ويحصل نتائج خاطئة فهذا الفارابي"أ يأس الخلق جميعا من رحمة الله تعالى، وصير الفاضل والشرير في رتبة واحدة، إذ جعل مصير الكل إلى العدم [...] هذا مع ما صرح به من سوء معتقده في النبوة"[37].

إن السبيل الأوحد إلى معرفة الله هو الإشراق وهو حضور مباشر للعقل الإنساني الطبيعي الذي تدرج من التجربة صاعدا، وهو يستخدم منطق الاعتبار والاستدلال إلى حد حصوله على الحضور، ألا يعد هذا السبيل كشفا مباشرا - التزمت بأدائه الفلسفة- و المنهج القويم إلى معرفة الله معرفة مباشرة ؟

لقد كان ابن طفيل الفيلسوف مرجحا على ابن طفيل الفقيه ما دامت المفاضلة بينهما في سيرة "حي بن يقظان" مع "سلمان" قد أفضت أن الفيلسوف أقدر على التأويل ومعرفة الحقيقة، بينما الفقيه يبقى راعيا لظاهرها ترضى عنه العامة لأنه يتناسب ومداركها العقلية.

4. من مرشدة المهدي ابن تومرت إلى حي بن يقظان لابن طفيل:

لقد قام مهدي الموحدين محمد بن تومرت بصياغة عقيدة من أدق العقائد، ألف فيها تأليفا دقيقا بين مصادر مختلفة من الأشعرية والمعتزلة والإمامية، ونشرها بين قومه وعدها المرجعية الإيديولوجية الأساسية التي انطلقت باسمها الثورة ضد المرابطين وعقيدة المهدي ابن تومرت صاغها في نص عقدي سمي فيما بعد المرشدة وهي " خلاصة مركزة من الطبقة العالية في علم الكلام بحيث لا يستطيع إدراك معانيها إلا أهل هذا الفن"[38] ولهذا كان لعلماء الكلام الأشاعرة الدور البارز في شرح وتحليل المرشدة للعامة وكذا للخاصة، ولقد أقام ابن تومرت ثورته العقدية على أساسين رئيسيين هما:

أولا: التأويل في الفهم العقدي وسيكون المسؤول عن هذا التأويل هو عالم الكلام الاشعري.

ثانيا: التأصيل في الفكر الشرعي، فقد دعا المهدي دعوة مؤكدة إلى إحياء العناية بالأصول النصية واتخاذها الأساس في استنباط الأحكام[39]، إن المزاوجة بين هاتين الخطوتين أدت إلى السلطة المطلقة للأصول وهذه السيادة للأصول كانت تنوط بها فئة خاصة هم علماء الكلام الأشاعرة وإزاء هذا الأمر احتل هؤلاء سلطة عليا في المجتمع الموحدي.

إضافة إلى الإصلاح العقدي قام ابن تومرت بإعلان المهدية وتعد هذه الفكرة وسيلة ممتازة لبسط السلطة في مجتمع يولي النبي السلطة المطلقة في الدفاع عن الله وسيحتل المهدي خليفة النبي مقاما مماثلا لمقام النبي وهي طريقة لكسب الأنصار لأن هؤلاء" يعتقدون أنه سيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ولذلك فقد استعملها كثير من الساسة الثائرين في مختلف العالم الإسلامي"[40]، وهذه الفكرة لم تكن غريبة عن سكان المغرب الإسلامي فقد ألفوها من الدعوة الشيعية التي مرت بهم.

إن موقف ابن طفيل من علم الكلام كان موقفا يخالف موقف المرشدة، مادام هذا العلم هو علم الظاهر ولا يحتكم على الإمكانية الحقيقية لتأويل الشريعة[41] وبما أن الفيلسوف وحده القادر على العروج إلى العالم الإلهي والكشف عن الحق فإن فكرة المهدي تنحل وتصبح فاقدة المصداقية فهل كان هدف ابن طفيل هو نقد عقيدة ابن تومرت بما أنه هدف من نقده للزوج عالم الكلام والإمام المعصوم إلى ضرب فكرة الوساطة التي يدعيها الفقهاء وعلماء الكلام بين النص الديني من جهة وبين العامة وصاحب السلطة السياسية من جهة أخرى، فعامة الناس ليسوا بحاجة إلى التأويل، إنما كفاهم الظاهر المبين في الشريعة دون تأويل وهي الفكرة التي حملها "حي" إلى أهل الملة عندما عبر مع "آسال" إلى الجزيرة المأهولة بالناس، أما السلطان فعليه الاحتياط مما يروجه علماء الكلام فقد يجرون الرعية إلى علم الفروع والاختلاف وظهور فكرة عبادة الولي ما دام المهدي احتل مقام النبي في الاتصال والتواصل بالعقل الفعال.

إن قصة "حي بن يقظان" بهذا الطرح الفلسفي هي نقد وتجاوز لمرشده ابن تومرت، وهذا يعني تجاوزا إيديولوجيا للموحدين. فهل سمحت السلطة الموحدية بهذا التجاوز؟ وهل هو علامة على موقفها من عقيدة ابن تومرت؟ وإلى أي مدى حافظ هؤلاء على حرفية هذه العقيدة؟ إن الإجابة عن هذه الدعاوى تقرب الصلة أكثر  بين فلسفة ابن طفيل ومواقف أمراء الموحدين من تعاليم ابن تومرت ويدفعنا إلى القول أن قصة "حي بن يقظان" كانت دلالة على موقف السلطة ذاتها، وقد يزداد هذا الموقف تأكدا إذا ذكرنا بأن ابن طفيل كان محظيا لدى السلطان وعالما بمواقفها السياسية الخاصة.

لقد تحولت تعاليم ابن تومرت مع مرور الزمن طقسا تحتفي به العامة، إذ شكل المهدي ابن تومرت في المخيال الجمعي للمغاربة واسطة بين العامة والله . وقد شاهدت السلطة نمو هذا المشهد وينقل صاحب المعجب حادثة تزيد من التأكيد على هذه الفكرة، إذ  يقول:" خرج أمير المؤمنين أبو يوسف إلى تينمل ومعه هؤلاء الغز المذكورون، فقعدوا تحت شجرة خروب مقابلة للمسجد، وقد كان ابن تومرت قال لأصحابه [...] ليبصرن منكم من طالت حياته أمراء أهل مصر مستظلين بهذه الشجرة [...] كان ذلك اليوم في تينمل يوما عظيما، اتصل التكبير من كل جهة [...] فأخبرني من رأى أمير المؤمنين أبا يوسف حين رأى ذلك يتبسم استخفافا لعقولهن، لأنه لا يرى شيئا من هذا كله، وكان لا يرى رأيهم في ابن تومرت"[42]. وهكذا تحول موقف السلطة الموحدية إلى معارضة علمية تمثلت في مشروع ابن طفيل وبعده ابن رشد، لقد فكك هذا المشروع مواقع السلطة في مرشدة ابن تومرت ونزع عنها الثقة بما أنها لا تمتلك إمكانية تأويل الشريعة. وقد اتخذت السلطة الموحدية موقفا من فكرة المهدية أدى بها شيئا فشيئا إلى إلغائها[43] لما لها من خطورة في مسألة ظهور الدعاة من جهة، وفي مسألة بروز ظاهرة البدعة واختراق الشريعة الذي ارتبط غالبا في التاريخ الإسلامي بظهور الدعوة السياسية.

لقد كان موقف أبي يوسف يعقوب صريحا من مسألة المهدي والإمام، وهذا نص صريح له قال فيه" إني لا أقول بالعصمة- يعني عصمة ابن تومرت وقال [...] أين الإمام؟ أين الإمام؟" إنه نفي صارم لعدم وجود إمام يمتلك السلطة المطلقة ولعل هذا النفي لفكرة الإمام كان من قبيل النقد للدعوة الفاطمية الشيعية أيضا. إن المقارنة بين موقف ابن طفيل الفلسفي وموقف السلطة الموحدية من ابن تومرت يزيد من وعي النسق الفلسفي لقصة "حي بن يقظان"، ويوضح إلى حد بعيد المقولة الفلسفية التي روج لها ابن طفيل في هذه القصة، ويشير إلى أن السلطة الموحدية قد أدركت خطر الوساطة التي مثلها علماء الكلام في شرح عقائد المرشدة للعامة، وأدركت بالتالي أن الدولة الموحدية أصبحت في حاجة إلى منظومة إيديولوجية أخرى تحافظ على السلطة ونموها اتجاه القوة. تلك المنظومة التي أحكم نسج خيوطها ابن طفيل عندما استجمع الوسع في التدليل بأنه لا وجود لوساطة بين الله والعقل الإنساني الذي يمتلك قدرة طبيعية لإدراك العالم الإلهي.

5. العقل الطبيعي وحدود المعرفة :

إن مكانة الفيلسوف في قصة "حي بن يقظان" هي كناية على منزلة العقل، وعلى سمو المعرفة التي ينتجها هذا الفيلسوف مقارنة بمعارف أخرى  محايثة من مثل الفقه وعلم الكلام، فالمعرفة الفلسفية ترقى إلى مستوى اليقين بما تمتلكه من طاقة ذاتية، أما المعارف الأخرى فإنها تقبع في حد الظاهر ولا تستطيع الغوص إلى الباطن حيث يكون الحق مخالفا لهذا الظاهر.

الشريعة لا تناقض الفلسفة، والنبي والفيلسوف يصدران عن مرجعية تجعلهما متساويين في معرفة الحق ونيله، غير أن ابن طفيل يؤكد أن طبيعة الشريعة التي تعبر عن الحق بالمثالات يمكن تبريرها وذلك بالنظر إلى طبيعة الجهة التي يتوجه إليها الخطاب الشرعي، إن هذه الجهة ولقصور مداركها وغوصها في الضلال تحتم على النبي شحن مضمون الحق المقدم إليها بالأمثلة والصور. أما الفيلسوف فهو ليس بحاجة إلى مثل هذا الخطاب لأنه يلج إلى الحق مباشرة، ومن ثم يمتلك القدرة المطلقة على تأويل الشريعة.

تباين تأويل ماهية الفلسفة الإشراقية عند ابن طفيل والتي تشكل المضمون الإبستيمولوجي لنظرية المعرفة لديه، إذ يقارنها "هنري كوربان" بذلك الإشراق الذي يفيض على العقل مقربا إياه من المفهوم الأمامي، الشيعي فهو نوع من تجربة اللاوعي التي تقرب الفيلسوف من النبي[44]، وهذا التقريب الخاص، يعد فرضية أساسية في منهج هنري كوربان ليبرر الصفة الشيعية للفلسفة الإشراقية عموما، لقد ركز كوربان على آخر مراتب المعرفة التي وصل إليها "حي" وهي الاتحاد والمشاهدة، دون أن يعير اهتماما لذلك الأسلوب المميز الذي اتبعه ابن طفيل في البرهنة على التواصل الحادث بين الحس والعقل والذوق لأجل الدخول إلى عالم الحق، والذي لا نعثر عليه لدى فلاسفتنا الإسلاميين السابقين على ابن طفيل ففي حين يجمع" ابن باجة" بين الحس والعقل والوحي، فإن ابن طفيل يركز على الذوق كسبيل ثالث" والقراءة المتمعنة، لحي بن يقظان [...]، تؤكد أن هذا الأخير لم يعط للاتصال أبعادا صوفية إلهامية، بل شحنه بمضامين عقلية[45].

فعلى الرغم من تركيز ابن طفيل على الفرد المتوحد الذي" يستمد إلهامه من إشراق العقل الفعال الذي هو مصدر العالم والمعرفة[46]، إلا أن صورة العقل الذي تحصل له الذوق والإشراق لا يغرق في الإلهام المفرط الذي نجده عند الصوفية، إنما هو عقل يتجاوز الإدراك الصوفي، من هنا جاء الاختلاف بين "حي"و " آسال" في أن الأول يدخل إلى الباطن بواسطة قوة عاقلة، بينما كان طريق" آسال" الإلهام دون المراقبة العقلانية[47].

ولذلك نجد أن العقل عند ابن طفيل ذو خصوصية، فهو تلك الملكة الفطرية المتحررة من القوالب المصطنعة التي تمثلها الأفكار الاجتماعية بصفة عامة، ولذلك كانت الافتراضات التي ساقها ابن طفيل في مسألة الولادة الطبيعية" لحي" أو مسألة الولادة الآدمية التي اتخذ فيها رمز النبي موسى عليه السلام، هي تبريرا لخلو العقل الإنساني من العلاقة القبلية مع أفكار تعلمها أو فرضت عليه مما يؤدي إلى نفي القول بالعصمة لبعض الأفراد الممتازين. وعلى هذا النحو لن يكون الامتياز في المعرفة إلا للفيلسوف إلا لأنه امتياز عقلاني يمكنه من الاتصال وإدراك الحق بحالة من الإرادة والرياضة العقليتين.

إن هذا المستوى الذي حصل للفيلسوف والذي حدث فيه" زيادة الوضوح والانبلاج واللذة العظيمة"[48] يعد آلية نقدية يمتاز بها الفيلسوف، فهي تكشف عن غنى المعرفة الفلسفية وتقدم إجابة صريحة وواضحة عن الصلة بين النبي وهذا الفيلسوف، فكما كان الوحي سبيلا للمعرفة النبوية فإن العقل الطبيعي يتدرج صعودا اتجاه العقل الفعال ليتلقف الحق، ولكنه حق لا يختلف في جوهره عن الحق النبوي.

لقد فرق ابن طفيل بين المعرفة البرهانية والمعرفة الذوقية العرفانية، وكان هدفه هو التالي:

أ- القول بوجود قوة عند الإنسان لا تتلقى المعارف من الخارج، بل تكتفي بذاتها، فهي قدرة تصل إلى الحق دون حدوث إملاء من جهة تقع خارج العقل، إنما سيكون إدراك الله بواسطة قوة العقل الذاتية، والفلسفة بهذا المسلك من المعرفة تزيد من قدرتها على النقد وتكشف عن طاقة أوسع من البرهان، إذ تضع الفيلسوف في قلب العالم الإلهي، هذا العالم الذي رمز إليه النص الشرعي ومثل عن حقائقه بالمثالات، وهنا يتعاضد العقل والنقل ولكن الخطاب العقلي سيفوق الخطاب الكلامي والخطاب الفقهي فكلاهما يقبعان في ظاهر النص.

ب- إن الذوق أرقى من العقل البرهاني، لأنه يسمح بلقاء النبي والفيلسوف مما يؤدي إلى انتفاء ثنائية الحقيقة، فالعقل بالوصف الذي قدمه ابن طفيل له إمكانية الاتحاد مع العقل الفعال وهي عينها تجربة النبي، وقد خص ابن طفيل المتصوف بميزة تجعله قادرا على وعي تجربة الحقيقة كما وعاها الفيلسوف والنبي.

جـ- إنشاء نظام المعرفة الفطرية الذي لا يناقض الخطاب الديني ولكنه يوقع الخطاب القائم بنظام التعليم عن طريق الإمام في المسائلة والنقد، فلا حرج إذن بين العقل والنقل عند الحديث على اشتراك الدين والفلسفة في طريق المعرفة ومصدر المعرفة، إن مثل هذه الدعوة التي تطور الفطرة كآلية عقلية لأجل النقد والتجاوز وجدت لها قوة تأثير في عصر الأنوار في مفهوم الطبيعة الخيرة كما برهن عليها "جون جاك روسو".

 الهوامش

[1] المقدسي : أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم.- نشرة دوخويه، ط2، أفريل 1906.- بيروت،طبع بالأوفيسط، مكتبة خياط.- ص. 212.

[2] رضا، محمد رشيد : تاريخ الأستاذ الإمام نقلا عن عبد المجيد الصغير، تجليات الفكر المغربي.- الدار البيضاء المغرب، شركة النشر والتوزيع، ط1، سنة 2000.-ص.27.

[3] المرجع نفسه.- ص.26.

[4] إننا لا نذهب مذهب الأستاذ محمد عابد الجابري الذي نحا فيه إلى تقسيم الحضارة الإسلامية في ممارستها المعرفية إلى مشرق عرفاني وإلى مغرب برهاني فانقسم بذلك الفكر العربي الإسلامي إلى فكر عقلاني مكانه المغرب وفكر بياني وعرفاني مكانه المشرق.

[5]  الشاطبي: المرافقات، تقديم عبد الله دراز.- بيروت، دار الفكر العربي، د.ط، د.ت.- ص.78.

[6] التلمساني، المقري : نفح الطيب عن غصن الأندلس الرطيب.-بيروت دار صـادر، ط1، د.ت، ج1.- ص.221.

[7] ينقل صاحب نفح الطيب ذلك المشهد الذي قام فيه المنصور بن عامر عندما خلف الأمويين على حكم الأندلس فتودد للعامة بإحراق كتب الفلسفة التي كانت في خزائن الأمويين فيقول المقري في هذا الأمر" وإن كان غير خال من الاشتغال بذلك في الباطن".- ص.221.

[8] ابن طملوس: كتاب المدخل لصناعة المنطق، وقف على طبعه الأب بلاصيوس السرقسطي، د.ط، 1916، طبع بمطبعة الإبريقية.- ص.ص. 10-16.

[9] أنخيل جانثالث بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس.- بيروت، مكتبة الثقافة الدينية، د.ط،د.ت.- ص.350.

[10] المرجع نفسه.- ص.351.

[11] غلاب، محمد : المعرفة عند مفكري الإسلام.- الدار المصرية للتأليف والنشر، د.ط،د.ت.- ص.278.

[12] التكريتي، ناجي : الفلسفة الأخلاقية الأفلاطونية عند مفكري الإسلام.- بيروت، دار الأندلس، ط2، 1982.- ص.ص.354-355.

[13] المراكشي، عبد الواحد : المعجب في تلخيص أخبار المغرب.- دار الكتب العلمية، ط1، 1998.- ص.ص. 169-170.

[14] أنظر ذلك المشهد الذي وصفه عبد الواحد المراكشي في حديث ابن طفيل مع ابن رشد بحضور الأمير الموحدي ثم حديثهما معا من أجل تكليف ابن رشد ببداية رفع القلق عن عبارة أرسطو.- ص.ص. 171-172.

[15] بن الخطيب، لسان الدين : الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق محمد عبد الله عنان.- القاهرة، مكتبة الخانجي، ط1، 1974.- ص.449.

[16] ابن خلكان : وفيات الأعيان وأنباء أبنا الزمان.- حققه محي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية،   ط4، 1948، ج4.- ص.ص. 56-58.

[17] المصدر نفسه.- ص.50.

[18] المراكشي، عبد الواحد : المعجب في تلخيص أخبار المغرب.-ص.169.

[19] المصدر نفسه.- ص.167.

[20] المصدر نفسه.- ص.168.

[21] بن طفيل، أبو بكر : حي بن يقظان، تقدين ألبير نصري نادر.- بيروت، المطبعة الكاتوليكـيـة، ط1، 1963.- ص.ص. 15-16.

[22] بن أبي أصيبعة : عيون الأنباء في طبقات الأطباء.-بيروت، دار الشقافة، ط3، 1981، ج3.- ص.32.

[23] المصدر نفسه.- ص.56.

[24]  بن الخطيب، لسان الدين : الإحاطة في أخبار غرناطة.- ص.449.

[25]  ابن دحية: المطرب من أخبار أهل المغرب، تحقيق إبراهيم الأبياري وآخرون.- بيروت، دار العم للجميع، د.ط،د.ت.- ص.66.

[26] ابن طفيل : حي بن يقظان.- ص.33.

[27] المصدر نفسه.- ص.ص.34-36.

[28] المصدر نفسه.- ص.37.

[29] ابن رشد : فصل المقال.- الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، د.ط، 1982.- ص.ص. 50-59.

[30]  ابن طفيل : حي بن يقظان.- ص.89.

[31] ابن عبد الملك: الذيل والتكملة، تحقيق إحسان عباس.- بيروت، دار الثقافة، ط1، 1973.- ص.407.

[32]  بن الخطيب، لسان الدين : الإحاطة في أخبار غرناطة.- ص.489.

[33] ابن طفيل: حي بن يقظان.- ص.12.

[34] ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج4.- ص.56.

[35] التلمساني، المقري : نفح الطيب عن غصن الأندلس الرطيب.- ج1.- ص.221.

[36] كامل، أحمد فؤاد : مقارنة بين فلاسفة المغرب والمشرق، عن مؤتمرات فلاسفة المغرب والمشرق.- تيطوان-المغرب، 1961، ط1، ص 52.

[37] ابن طفيل: حي بن يقظان.- ص.ص.21-22.

[38] أومليل، علي : السلطة الثقافية والسلطة السياسية.- مركز دراسات الوحـدة العربية، ط1، 1996.- ص.23.

[39] النجار، عبد المجيد : فصول في الفكر الإسلامي المغربي.-بيروت، دار الغربي الإسلامي، ط1، 1992.- ص.88.

[40] النجار، عبد المجيد : المهدي بن تومرت، دار الغرب الإسلامي .-بيروت، دار الغربي الإسلامي، ط1،  1983.- ص.113.

[41] ابن طفيل : قصة حي بن يقظان.- ص.83.

[42] المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب.- ص.ص.206-207.

[43] النجار، عبد المجيد : المهدي بن تومرت.- ص.379.

[44] كوربان، هنري : تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة نصير مروة وآخرون.-بيروت، منشورات عويدات، ط3، 1983.- ص.ص.352-353.

[45] يفوت، سالم : ابن حزم والفكر الفلسفي في المغرب والأندلس.- الدار البيضاء – المغرب، المركز الثقافي العربي، ط1، 1986.- ص.465.

[46] أبو ريان، محمد علي : تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام.- بيروت، دار النهضة العربية، د.ط، 1976.- ص.447.

[47] ابن طفيل: حي بن يقظان.- ص.ص. 89-95.

[48] المصدر نفسه.- ص.18.