Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

يشهد العالم المعاصر ثورة علمية و تكنولوجية عارمة تكرسها مفاهيم العولمة والتواصل الشامل غير أن مجتمعاتنا المغاربية مازالت تحتضن العديد من القوى الشروط و القيم و نماذج التفكير المناوئة للحداثة و العقلانية و ثقافية التنوير دليلنا في ذلك الوضع الذي ينظم الفلسفة في البلدان المغاربية، المتسم بالحصار و التهميش والتحقير سواء كان ذلك على مستوى المؤسسة التربوية أو على مستوى المجتمع بشكل عام.

تشكلت الفلسفة كممارسة فكرية-اجتماعية، منذ الفتح الديكارتي و ماتلاه من مذاهب و تيارات فكرية و سياسية رافعة لمجتمع الحداثة فيما يتعلق بالمضامين الفكرية و القيمية و أيضا فيما يرتبط بمختلف مناحيها العلمية و التطبيقية ومنتجاتها الحضارية المادية و الرمزية.

لكن مجتمعاتنا المغاربية مازالت بعيدة عن التبنى العقلاني للرؤية الحداثية المنفتحة التي تعطي البعد الفلسفي لمشاريع التحديث و التحويل الاجتماعي، أهميته المركزية. في غياب هذه الرؤية و في الوقت الذي تهيمن فيه تصورات تقنوية و سلفية اختزالية، تصبح الممارسة الاجتماعية ممارسة هشة بفعل محاصرتها و اختراقها بالعديد من مظاهر التقليد و الاتباعية كما تصبح مفاهيم محورية متداولة مثل الديمقراطية و حقوق الإنسان و المواطنة و المجتمع المدني و التجديد التربوي مفاهيم فاقدة لأي تجذر في الواقع المعيش، بل إنها كثيرا ما تتحول إلى مفاهيم تحارب لغربية نشأتها و لتعارضها المزعوم مع القيم الدينية.

و لعل ما يساهم في استحفال الرداءة الفكرية، غياب تبلور نقد عقلاني رصين ومؤصل للمفاهيم و المرجعيات المؤطرة للممارسات الفكرية و التربوية و الاجتماعية. ليس غريبا – في هذه الحالة – أن تترسخ ذهنية منغلقة تعمل على إقصاء السؤال الفلسفي و التساؤل النقدي حول ما يسود مجتمعاتنا من معتقدات غيبية و فكر أسطوري خرافي في زمن العلم و التكنولوجيا و الحداثة بمشمولاتها الفكرية والحضارية الواسعة. ترتب عن ذلك، تغييب إرادي للفكر الفلسفي النقدي ليس فقط على مستوى المدرسة و إنما غياب هذا الفكر من حياتنا الاجتماعية العامة.

لتجاوز هذا الوضع لاَبدَّ من تدعيم الفلسفة كفكر للنقد و التنوير و تحرير الوعي وترشيد الممارسة كجسر عبور إلى ثقافة نقدية جديدة سواء في المؤسسة التربوية أو على مستوى المجتمع. نحن بحاجة إلى فلسفة مدرسية و جامعية مكرسة لقيم الحداثة و التنوير و التحرير تخلص "العقل" من وثوقيات و معتقدات جاهزة وجاهدة : فلسفة تشكل حصانة فكرية ضدّ أي تكبيل للعقل أو مصادرته. ما نسعى إليه هو بالأساس إشاعة روح التفكير في فضاءاتنا التربوية و المجتمعية ليتمكن المواطنون وخاصّة الشباب منهم، من امتلاك القدرة على ممارسة النقد و إقحام التفكير في تفاصيل الواقع الاجتماعي و الطبيعي، و في العلني و المضمر و في المفكر واللامفكر فيه.

ينتظر من الفلسفة و تدرسيها بطرق علمية ممنهجة، توعية الأجيال الصاعدة من التلاميذ و الطلبة و تزويدهم بمهارات التفكير الممنهج و أساليب الفهم و التساؤل والتحاور و النقد و مساعدتهم على تكوين رؤية واضحة للعالم و لواقعه الاجتماعي والطبيعي، الوطني و الدولي. إلا أن المعرفة الفلسفية – شأنها شأن المعارف الإنسانية الأخرى، لا يقتصر دورها على الفهم و التفسير و إنما تُعدْ مصداقيتها التاريخية على مدى قدرتها على توجيه و تغيير الواقع و تثمين الفعل الإيجابي فيه.

نحن بحاجة إلى فلسفة التغيير مدعومة بقوى اجتماعية حيّة تخلصت من قيود الماضي و تتجه نحو المستقبل. فإذا استحضرنا زمن العولمة، بكل ما يَعُجُّ به من رهانات و تحديات جديدة و من مفاهيم و تصورات ترمي إلى تأسيس ثقافة عالمية جديدة، فإننا ندرك كم نحن بحاجة إلى رؤية فلسفية منخرطة في ظرفها الاجتماعي و الكوني الراهن، قادرة على توجيه الفكر و الممارسة نحو تفاعل حواري منفتح مع قوى و فعاليات النظام الدولي الجديد.