Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

في السنوات الأخيرة ظهر اهتمام علمي بدراسة مجتمعات البيئات الجافة والبوادي و من بينها الأردن حيث تعتبر البادية بمثابة عمق حيوي واستراتيجي حاضرا و مستقبلا كما كانت في الماضي مسرحا لنشاط بشري وحضاري تضمنت على موروث ثقافي مادي و معنوي. إضافة إلى ذلك فهي تشكل حوالي 81,3 % من مساحة المملكة و الجزء الشمالي منها (حقل دراستنا) تشكل حوالي  30% [1] من مساحة البادية الأردنية و التي تكمن فيها طاقات كبيرة واعدة و تزخر بمصادر طبيعية وبشرية مهمة من حيث الكم و كافية لتلبية احتياجات عملية التنمية، بهذه المناسبة تعتبر تنمية البادية ذات خصوصية يجب مراعاة  أقصى  درجات التوازن بين النظام البيئي و  السلوك  البشري (هذا التوازن كان محترما في الماضي)، وبالضرورة  أن يتحقق التكامل الطبيعي بين ثلاثة محيطات أولا البيئة و هي المحيط  الحيوي الأشمل الذي يحتوي على كل الأنواع الحية الإنسان، الحيوان، النبات، ثانيا المحيط المنتوج من قبل الإنسان و أخيرا المحيط الاجتماعي – الثقافي كسلوك اجتماعي في المستقرات البشرية في البادية، و أي خلل في هذه المجالات تكون النتيجة سلبية[2].

هذه  المساهمة تبين كيفية تفاعل إنسان البادية في بيئته و تلمس دوره الحضاري من خلال معرفة أنماط الاستقرار البشري و التاريخ الاجتماعي و العمراني للبادية وتبرز أهمية ذلك كون المؤشرات الأولية تظهر مدى تعرض المنطقة إلى تغيرات متسارعة نتيجة تفاعل عدة عوامل متعددة المصادر و مختلفة النتائج.

بدايات و تطور دراسة المستقرات البشرية :

دراسة أنماط المستقرات البشرية فرع حديث في الدراسات الإنسانية حيث يعود إلى مطلع هذا القرن حين اهتمت بدراسته المدارس الأوروبية الفرنسية و الإنجليزية والألمانية، و جذور هذا العلم تمتد إلى أوائل القرن التاسع عشر ثم تأصل العلم بعد دراسة  مايتسن (1895) A.Meitzen لأنماط المسكن الريفي بعنوان : السكن و الأرض في غرب و شرق ألمانيا و الدراسة تعتبر عمل موسوعي من  ثلاثة أجزاء و أطلس [3]. وكذلك مقالات دامينون  (1928) Demangeon  في  دراسته جغرافية العمران الريفي La Géographie de L'habitat rural،  و أن أول من استخدم مصطلح Habitat للدلالة على المأوى و مسكن الإنسان  العالم لوفيفر A.Lefever بمناسبة دراسته للتجمعات الريفية في بلجيكا. L’habitat rural en Belgique  و كان هذا المصطلح يستخدم في السابق للإشارة إلى بيئة الحيوان [4] دون الإنسان.

كان لانعقاد المؤتمر الجغرافي الدولي في القاهرة عام 1925 انعطافا تاريخيا للاهتمام بدراسات أنماط الاستقرار و المستوطنات البشرية حيث فتحت آفاق واسعة لدراسة المأوى و العمران في الريف و الأطراف (البوادي) و تنوعت الدراسات من حيث المناهج و المواضيع و بدأ الاهتمام بدراسة شكل ووظيفة ونشوء المستقرات ودراسة المساكن و توزعها و مواد بنائها و أشكالها وعلاقتها بالنظام البيئي.

مفهوم العمران البشري عند ابن خلدون

مساهمة في إلقاء أضواء على موضوع الاستقرار (العمران) تستعرض مفهوم ابن خلدون للعمران البشري (المستقرات البشرية) الذي يعتبر رائدا في دراسة أنماط العمران (الاستقرار) تبين ذلك من خلال رصد موضوعات أنماط العمران في المقدمة الشهيرة [5] و خصوصا في الفصل الثاني المخصص للعمران البدوي، واستطعنا استخلاص ثلاثة مقاربات تضمنت الموضوعات التالية :

- أنماط العمران و علاقته بأنماط المعاش (أنماط الإنتاج)

- مقولات في النسق الاجتماعي - العمراني

- مقولات تتعلق بانتقال الدولة من مرحلة البداوة إلى مرحلة الحضارة  ورصد ذلك بالاستناد إلى تنوع أنماط العمران.

الموضوع الأول : في إختلاف العمران البشري : إن مرد اختلاف العمران البشري (الاجتماع) إلى اختلاف نمط العيش و طرق إنتاج و تحصيل  القوت من حيث مصدره و نوعه و وفرته، ويعتبر ابن خلدون وفره و فائض الإنتاج عامل أساسي من العوامل المساعدة للتحول من حالة البداوة إلى حالة التحضر. و يحدد مصادر الإنتاج ووفرة القوت نتاج العمل في الزراعة و الفلاحة التي توفر ما هو زائد على الحاجة بسبب الاستقرار إما ما ينتج عن طريق تربية الحيوان و الرعي يكاد أن يفي بالمتطلبات الضرورية (إنتاج الكفاف) بسبب التنقل و التَّرحال وراء الكلأ و الماء في الزمان والمكان، ثم يؤكد على أن العمران يشيع حيث التعاون في إنتاج القوت والإقامة الدائمة في المستقر (المأوى) طلبا للدفء والأمان [6] و خير مثال على ذلك عمران الريف، إما في البادية يتحقق العمران بالمقدار الذي يحفظ الحياة من غير مزيد بسبب محدودية المجال الحيوي. والارتهان لظروف البيئة. و يصف الزراع المستقرين بأنهم استكثروا القوت والملبس و التأنق فتوسعت بيوتهم و اتخذوا [7] من المباني مساكن يجرون إليها الماء و يبالغون في تأثيثها و هؤلاء سكان المدائر و القرى والهضاب يمتهنون الصنائع (الزراعة والحرف) و التجارة و مكاسبهم أنمى من مكاسب أهل البادية الذي معاشهم بمقدار جهدهم و يكاد يكفي حاجتهم من القوت والملبس و المسكن الذي يتخذونه من الشعر و الوبر أو يأون إلى الغيران والكهوف [8].

الموضوع الثاني : في النسق الاجتماعي – العمراني : يَتَلَخَّص مفهوم ابن خلدون للنسق الاجتماعي – العمراني بمقولة أن أهل البدو أول ما يبادرون في  السكن اللجوء  إلى الغيران و الكهوف المعدة من غير علاج ثم مع الزمن يعتدلون و يتخذون المأوى مقام و يتكاثرون في البسيط الواحد (موضع الاستقرار) بحيث لا يعودوا يتعارفون (أي ترتب على التطور الديموغرافي تغير اجتماعي – ثقافي). بعكس أهل الحضر المستقرين الذين يتخذون المساكن في البدء باعتدال و الضروري لتلبية الحاجة إلا المتقدمين في العمران (التطور الحضري) يبالغون في البنيان [9]. أما البدو يراعون أول ما يراعون توفر المراعي  أولا و توفر  الماء سواء قل أو كثر [10] (يلاحظ أن الماء يأتي تاليا بعد المراعي على رغم من حيويته) تفسير ذلك بسبب اعتماد البدو على النجعة و الضعن الأسلوب الكفيل بجلب الماء إلى موضع الاستقرار في المرابع[11].

- علاقة النمط العمراني بالنسق الاجتماعي : يتجمع المستقرون في الحي (موضع الاستقرار) حيث تسود بين المستقرين عصبية الالتفاف حول الشيخ هذا الاستقرار والالتفاف تعززه عصبية النسب الواحد (نسق قرابي حقيقي) بذلك تشتد شوكتهم وتضامنهم و دفاعهم المشترك (مجموعة قرابية ثأرية) يذودون عن الحمى و الأرحام.

- وظائف المأوى : يوضح ابن خلدون في فصل صنائع العمران[12] بعض وظائف المأوى، إذ يذكر : أن  صنائع العمران و اتخاذ البيوت و المنازل للسكن و المأوى للأبدان و البيوت تكون مكتنفة بالسقف و الحيطان من سائر جهاتها اتقاء من الحر و البرد [13]. أما الباحة (فناء المسكن) غالبا ما تشتمل على عدة دور و بيوت و الغرف الكبيرة فيها تخصص للعائلة كثيرة النسل، و تكون مبنية من الحجارة يلحم بينها بالكلس و الجص  و يهئ فيها الأسراب والمطامير لخزن القوت و تبنى الإسطبلات للمواشي و الدواب و البعض يبني الدويرة لنفسه و لعائلته[14].

- علاقة المسكن بالنظام البيئي : يذكر ابن خلدون، أن الأقاليم المعتدلة يزدهر فيها العمران أما المنحرفة (أي القاسية شديدة الحرارة و الجافة و هذا المبدأ ينطبق أيضا على الأقاليم شديدة البرودة و الرطوبة) فإن سكان تلك الأقاليم يبنون بيوتهم من الحظائر (المبتذلة) من القصب و الطين، أي مأوى بدائي بسبب الشروط البيئية.

- تنوع أنماط العمران من حيث مادة و طريقة تنفيذ البناء : يذكر ابن خلدون : يبدأ  العمران بالرغم من بدائيته حجريا متينا لتوفر المادة و البنائين المهرة و الأدوات (أدوات الحفر و الطرق و القطع و المساطر و الموازين…) لكن بزيادة عدد السكان وبالتالي زيادة الطلب على المساكن تستنزف  مواد البناء و تفقد الأدوات و ينعدم توفر البَنَّائِين المهرة بالعدد المطلوب و كذلك لصعوبة التعامل مع الحجر يلجأ البنائون إلى مواد بديلة من الطوب و  الطين بدلا من الحجارة، كون المواد البديلة اسهل في البناء و أسرع بتلبية الحاجات من المأوى على الرغم من ضعف الجودة وبدائية البناء و سرعة خرابه إذا لم يلقى العناية  المطلوبة [15]، هذه الملاحظة تتضح أهميتها وحقيقتها للمتتبع لتطور أنماط و مواد المساكن في الريف و البادية الأردنية.

و يصف ابن خلدون طريقة البناء بالحجر و الطين، يذكر أن البناء بالحجارة المنجدة (المشذبة) تكون بإقامة جدران يلصق بعضها ببعض بالطين و الكلس الذي يعقد معا و يلتحم كأنها جسم  واحد[16] أما البناء بالطين  فيتم  برئ الطين و الكلس بين الألواح الخشبية بالتكرار فينشأ الجدار كقطعة واحدة [17] و يتم عمل السقف بمد الخشب المحكم النجارة و  الساذجة على حوائط  البيت  و من فوقها توضع الألواح الموصولة بالدساتير و يصب فوقها التراب و الكلس و يبسط حتى تتداخل اجزاؤها وتلتحم [18] ثم تنمق و تزين الجدران بالأشكال المجسمة من الطين.

الموضوع الثالث : في انتقال الدولة (العمران) من مرحلة البداوة إلى مرحلة  الحضارة. يرى  ابن خلدون أن تنوع أنماط العمران أهم مظهر يمكن من خلاله الاستدلال على عملية التطور و الانتقال من حالة عمران إلى أخرى أرقى [19] ويذكر أيضا أن من أهم المظاهر الحضارية التي تدل على تحول الدولة من مرحلة البداوة إلى مرحلة الحضارة وفرة القوت و إنتاج الغذاء (يطلق عليه مصطلح عمارة المطابخ) و وفرة الملابس والمباني و الفرش[20] و سائر عوائد المنزل (أي ما يعرف بمظاهر الاستقرار المادية من مسكن وملبس و مأكل وهذا ما اصطلح عليه بمفهوم علماء الأثنولوجياEthnology  بالثقافة المادية والأدوات الاثنوغرافية Ethnography، ثم يقارن بين قوة الدولة و ضعفها بالاعتماد على عظمة البناء و تشييد الصروح فيها[21]،و يذكر أيضا إذا حصل الملك و الاستقرار تبعه الرفه و اتساع الأحوال و الحضارة حيث تشيع مظاهر الترف و تستوجب سيادة أحكام الصنائع المستعملة[22].

كان البدو قبل الاستقرار يسكنون في خيام من الوبر و الصوف [23] الملائمة للضعن والتنقل، ثم ترتب على تطور الانتقال من سكنى الخيام إلى سكنى القصور [24] و الذي ترتب عليه الانتقال من ظهر الخف (الجمل) حيث النجعة الطويلة إلى ظهر الحافر (الدواب) حيث الإقامة في المكان و التنقل في أطراف العمران (الريف المستقر)، لقد وردت هذه الملاحظات الاستشرافية في  فصل الفساطيط و السياج في المقدمة العتيدة[25] بذلك يؤكد على مدى ارتباط المسكن بطريقة تنظيم الفضاء و علاقته بتطور نمط المعيشة (الإنتاج) و يشرح ابن خلدون ".. فلما تفننت الدولة العربية (كذا) في مذاهب الحضارة و البذخ نزلوا المدن و الأمصار و انتقلوا من سكنى الخيام إلى سكنى القصور و من ظهر الخف إلى ظهر الحافز حيث اتخذوا للسكنى في أسفارهم ثياب الكتان يستخدموها بيوتا مختلفة الأشكال [26] مقدرة الأمثال و من القوراء المستطيلة   و المربعة  يحتفلون  بها بأبلغ مذاهب الاحتفال و الزينة.." و المدن قرار تتخذه الأمم عند حصول الغاية المطلوبة من الترف (الحضارة) و توجب على اتخاذ المنازل للقرار (الاستقرار) و المأوى وجب أن يراعى فيه دفع المضار بالحماية من طوارقها و جلب المنافع و تسهيل المرافق لها [27] و في موضع آخر يذكر بأن البناء لا يقوم إلا بالتعاون خلال  الأزمنة المتعاقبة حيث يبدأ فريق بالعمران و يضيف آخر و هكذا يكتمل العمران البشري [28].

مما تقدم توقفنا على بعض التراث الغني لموضوع العمران البشري (الاستقرار البشري) حيث تبين لنا حُضُورَهُ في المورث الحضاري العربي – الإسلامي من خلال عرض مقاربات ابن خلدون و إسهاماته في علم العمران، الذي تأصل لاحقا في الدراسات المنهجية المعاصرة.

تعد هذه الدراسة من ناحية الموضوع محاولة لإضافة معرفية و مدخل لدراسة المستقرات البشرية و تهدف أيضا لتوثيق جزء من أنماط المستقرات البشرية في البادية الأردنية و دور المجتمعات الرعوية المحلية في مجال إنتاج مسكن (مأوى، مستقر)  و كل ما يتعلق  به من تقنيات سواء كانت تقليدية أو مستحدثة استخدمها إنسان البادية في حياته اليومية لإشباع حاجاته الأساسية، لتحقيق ذلك استوجب القيام بمسوحات و دراسات أنثروبولوجية ميدانية في الإجراء الغربية من إقليم البادية الشمالية.

موضوع و منهج الدراسة : دراسة أنماط و ظروف الاستقرار البشري في بيئة البادية و اثر النظام الإيكولوجي على أسلوب و طريقة الاستيطان ودراسة أنماط المساكن (المأوى) قديما و حديثا [29] بأسلوب الوصف و التحليل الأولى للموضوع الاجتماعي – العمراني و ذلك باتباع منهج سوسيو-انثروبولوجي والبحث من مستويين الأول القيام بمسوحات أولية في الميدان و المستوى الثاني توظيف نتائج المسح  إضافة إلى دراسات ميدانية في بحث معمق لمواقع محددة تتمثل فيها جميع مراحل  و أنماط الاستقرار.

و لتقصى التاريخ الاجتماعي – العمراني اعتمدنا كمصدر للمعلومات على المشاهدات الحية في الميدان و تدوين التاريخ الشفوي من الرواة المعمرين المستقرين والمشتغلين في مجال البناء إضافة إلى القيام بدراسات ميدانية للنماذج المعمارية واستخدام الوصف و تحليل عناصر البناء و القياس الهندسي و تنفيذ مخططات ورسومات هندسية توضيحية أولية للأنماط أضافه إلى إجراء دراسات نظرية مكتبة خصوصا بما يتعلق بالجانب التاريخي و الأثري لمنطقة الدراسة.

الأهداف : إن هدف مثل هذه الدراسات توفير معطيات يمكن توظيفها في مرحلة تطبيقية لاحقة من البحوث في تطوير مسكن (مأوى) عائلي لمجتمعات  البادية لتلبية احتياجات ذوي الدخل المحدود من المسكن بالاعتماد على تقاليد محلية موروثة، إضافة إلى توثيق المساكن التراثية و المحافظة عليها ونشر الوعي حيالها و نشر صور و نماذج فنية في كتيبات و نشرات تراثية.

بيئة الدراسة الأجزاء الغربية من البادية الشمالية : منذ القدم و إنسان البادية يتفاعل مع بيئة معتمدا على مهاراته الشخصية لتطوير تقنيات تقليدية بسيطة تلبي حاجاته الأساسية و استمرار بقاؤه و كان هذا التفاعل يتسم باتزان إنسان  البادية باعتماد على ما توفره البيئة الطبيعية و التي من خصائصها من الناحية الجيومورفولوجية و الطبوغرافية [30] انتشار الهضاب وارض الصوان في الحماد التي تنتشر في الأجزاء الشرقية للبادية و تتميز بسطح تكسوها صخور الصوان و الحجارة المختلفة الأحجام أما الأراضي الغربية من البادية حيث الحرة البازليتة تنوع فيها مظاهر السطح و تنوع التضرس من هضاب يتخللها بعض المنخفضات و الأودية والقيعان.

المناخ : مناخ البادية بشكل عام حار جاف صيفا و بارد شتاء تعتبر البادية من المناطق شبه الجافة حيث يزداد تأثير الجفاف بالاتجاه شرقا و جنوبا بحيث يصبح المناخ عند أقصى التخوم الشرقية يصبح المناخ جافا صحراويا[31].

تتميز المنطقة بوجود فصلين سنويين هما فصل الشتاء الذي يبدأ في شهر تشرين ثاني و ينتهي في نهاية شهر نيسان و فصل الصيف الذي يبدأ من منتصف شهر أيار و يستمر حتى نهاية أيلول أما فصل الربيع القصير لا يتجاوز فترة شهرين يبدأ من منتصف آذار إلى منتصف أيار و يقتصر فصل الخريف على شهري أيلول و تشرين أول[32].

الأمطار : تتميز بتغيراتها الشهرية و السنوية و المكانية و بعدم انتظامها، يبلغ معدلها في البادية 100 ملم، و لكن كمياتها تتباين من منطقة إلى أخرى و من شهر لآخر، في الأجزاء الشمالية و الوسطى و الغربية يبلغ معدلها إلى 150 – 200 ملم [33].

كميات الأمطار لا تكاد تكفي إلا لظهور غطاء نباتي مخلخل يظهر بعد هطول الأمطار ثم ما يلبث أن يختفي طوال العام إلا في بعض المناطق الحوضية و مجري الأودية.

الحرارة : يبلغ معدلها السنوي 18 م، و المعدل الفصلي أقصى معدل له في فصل الصيف 26م، و أدناه في فصل الشتاء 9م، لذا تتميز البادية بالتباين الحراري الشهري  و السنوي [34].

الرطوبة : معدلها السنوي 46 % تزداد في فصل الشتاء و تقل في فصل الصيف أعلى قيمه لها في شهر كانون ثاني تبلغ 65 % و أقل قيمة لها في شهر حزيران تبلغ 32 %، و تزداد في الليل تقل في النهار و الإشعاع الشمسي يعتبر من أعلى المعدلات يبلغ المعدل اليومي لسطوع الشمس 9 ساعات، ترتفع في شهر تموز إلى 12,3 ساعة يوميا، و تنخفض في شهر كانون ثاني إلى 5,9 ساعة يوميا. أما معدل سرعة الرياح تبلغ 7,6 عقدة و هي من المعدلات المرتفعة نسبيا.

من الظواهر الطبيعية الأخرى : معدل سقوط الثلج ليوم واحد في السنة في المناطق المرتفعة ظهور العواصف الرعدية يبلغ معدلها  3,2يوم في السنة والضباب يظهر بمعدل 8 أيام في السنة خصوصا في المناطق الغربية و الصقيع يتكون في فترات  قليلة  أما العواصف الترابية فإنها تحدث في فصل الربيع (في شهر آذار و نيسان) و أكثرها يحدث في فصل الصيف و الخريف ومعدلها 70 يوم في السنة [35].

الغطاء النباتي و الحيوان البري : طبيعة الغطاء النباتي و الحيواني في منطقة البادية يعكس النظام البيئي و المناخي و النشاط البشري، حيث تنتشر في البادية نباتات من نوع أربعة أنواع طرفة الاكام  Passnnoidesالتي تكثر بالقرب من مجاري الأودية و المنخفضات و كذلك القيسوم Anevastrilist و الشيح Antemisa Herbala و نوع الأصبعية المجتمعة Dactylis Slomerate و هي مستساعة للرعي والأثل Tamaris Aphyla و العجرم Anabis، و يذكر كبار السن من  الجماعات الرعوية معلومات عن تنوع و كثافة الغطاء النباتي الطبيعي قبل خمسة عقود، والذي تدهور اليوم و يذكرون أيضا غني المراعي و تنوع النباتات البرية المستساغة للمواشي و ما تواجد القرى الحالية في البادية إلا دليلا ماديا على أن محيطها كان يعتبر مجالا حيونا غني بالأعشاب و مسايل الماء يرتادة المنتجعون الرعاة و مربو الماشية قبل مرحلة الاستقرار الدائم [36].

هذا و كشفت المسوحات الأثرية للنقوش الصفوية المنتشرة في الحرة الشرقية عن أسماء كاتبوها و عائلاتهم من الجماعات الرعوية و كشفت عن نشاطات مختلفة كتربية الجمال و الأغنام و الماعز و صورت حيوانات الصيد البرية كالغزلان و الأرنب و الطيور البرية وما زالت أثار بقايا المصائد القديمة ظاهرة للعيان في الأزرق و الدويلة  و راجل و برقع  و جاوه[37].

أثار الماضي في أراضي البادية : أثار الماضي و بقايا المستقرات البشرية تمتد في العمق الحضاري من العصور الحجرية القديمة و البرونزيه و هذه تتمثل في بقايا أثار و أدي راجل و برقع رويشد، مرورا بالحقب النبطية و اليونانية و الرومانية – البيزنطية و خلال الحقب الإسلامية المتعاقبة و حتى الوقت الحاضر.

كشف عن هذا التراث سلسلة من الأعمال و الاستكشافات الرحلات قام بها رحاله مغامرين و مستكشفين جغرافين في القرن التاسع عشر مهدت في وقت لاحق لمسوحات و تنقيبات أثرية قامت بها بعثات أثرية أجنبية و وطنية.

الرحلات و الاستكشافات في القرن التاسع عشر : تتميز هذه الأعمال بأنها نوع من الأدب الجغرافي و هي أقرب إلى المسح لبيئة البادية، لقد ذكرت ووصفت بعض المخلفات الأثرية و الأنظمة المعمارية القديمة الظاهرة على السطح استدل من خلالها على نشاطات بشرية من صيد، و رعي، و زراعة جافة، ووصفت كذلك البيئة الطبوغرافية و  النباتات و الحيوانات البرية ومصادر  المياه و أنظمة التحكم بها وبعض الإشارات للتاريخ الاجتماعي للقبائل البدوية المتجولة و علاقتها مع جماعات المستقرات الحضرية و زخرت بمعلومات اثنوغرافية و فلولكلورية.

من هؤلاء الرحالة على سبيل المثال لا الحصر مييريال[38] (1881) Merrill، سومـــاخـر [39] (1886) Schumacher، دواتــــي[40] (1888) Daughty، بـــرونو[41]  Bruennow (1896).

المسوحات و التنقيبات العلمية الأثرية[42] :

بعثات المرحلة الأولى: التي بدأت مع مطلع القرن، و استمرت حتى مطلع الخمسينيات، كبعثة جامعة برنستون Princeton الذي شارك فيها بتلر[43]  Butler، في أعوام 1900، 1904 و حتى عام 1929، بتلر Butler، وليتمان littmann، في عام 1921 وعام 1953، دوساد Dussaud، في عام 1951، و كلوك [44] Clueek 1951-1940، كان من نتائج هذه الأعمال الكشف عن  حضارة و عمائر البادية من قصور وقلاع و اديرة و نقوش منتشرة في أم الجمال وسما السرحان وجابر ودير الكهف و أم القطين و الباعج و أم السرب.

بعثات المرحلة الثانية : بدأت مع مطلع الستينات و مازالت مستمرة تشارك فيها البعثات الوطنية بفاعلية.

من هذه الأعمال، دراسات ميتمان Mittmann 1964, 1966, 1976، شرورير Schroerer 1976-1986، فليد Field 1974، باركر Parler 1976 - 1986، كرستيس Kerestes 1978، كنغ King 1982-1983، كيندي [45] Kennedy 1981، ماكذونالد Macdonold 1982-1983، ماك ادم MacAdam 1986، بوزو [46] Bauzo 1986، كنوف Knauf 1983-1984، اليسون بيتس [47] Bettes، عدة مواسم مسح في الثمانيات، ديفرس [48] DeVries، أعمال مستمرة في ام الجمال منذ نهاية السبيعينات حتى الآن، د.صبر العبادي، د. نبيل عطا الله، محمد الروسان، د. زيدون المحيسن، د. محمود النجار، السيد عبد القادر الحصان، د. ضيف عبيدات، د. صلاح سعيد، د. عبد العزيز محمود.

نتائج هذه المواسم الدراسية كشفت عن كثير من المواقع الأثرية بعضها ظاهرة على السطح و أخرى دراسة تعود لمختلف العصور و تكمن  أهميتها بأنها وثقت للعديد من البقايا الأثرية و الحضارية و النقوش المختلفة (صفوية، نبطية، يونانية، لاتينية، إسلامية)، بعض هذه البقايا إما اختلفت أو دمرت بشكل كلي أو جزئي بفعل سلوك الإنسان حيال البيئة الحضارية.

الاستيطان البشري في البادية : كشفت المسوحات و الاستطلاعات الأنثروبولوجية و الأثرية عن قدم الاستيطان البشري[49] في الأجزاء الغربية من  البادية  الشمالية و استمرارية الأنشطة البشرية منذ عصور تاريخية مبكرة استدل على ذلك من بقايا الشواهد المادية المتنوعة مثل أثار بقايا العمائر والحظائر الحجرية الدائرية (الصبر) [50] و السدود و البرك و الطرق  المرصوفة و النقوش و الكتابات القديمة المنفذة على صخور و حجارة البازلت.

و لوحظ للوهلة الأولى أن الاستيطان في المناطق الجافة يتمركز بالقرب من مصادر المياه.

نظام الأبنية الدائرية (الصير) كان الرعاه و مربو الماشية يقطنون في ابنية بسيطة مبنية من الخامات المحلية (نسيج الشعر، الأغضان و القش) و من الكتل الحجرية البازلتية  غير المشذبة  ذات أشكال دائرية أو شبه دائرية متلاصقة و منفصله وصممت بحيث  تكون كالاسيجة و حظائر للماشية وعادة تنتشر المستقرات بالقرب من مصادر المياه و في سفوح الهضاب قليلة الارتفاع والميل  شرط أن تتخللها الأودية ومسايل الماء، و لقد أظهرت المسوحات بأن هذه الأنظمة  بنيت خلال الحقب التاريخية المتعاقبة و ربما بقيت تؤدي نفس الوظائف (مأوى للرعاة و المواشي)، وبقيت مستخدمة من قبل الجماعات الرعوية و يطلق السكان المحليون على هذه الأنظمة المعمارية (صير) و أيضا الرسوم[51].

يبلغ نصف قطر بعض هذه الأنظمة من المستقرات من 30-40م و يستدل على أنها كانت تستخدم مأوى للإنسان و قطيعة و بمقارنتها بأنظمة الحظائر و أماكن حضر المواشي الحديثة المشابهة في مخططها المعماري لا بل فالأنظمة الحديثة (حظائر مربي الماشية الحالية) غالبا ما تقام على أساس المستعمرات القديمة.

أنظمة تجميع و حفظ المياه [52] : تعتبر الأمطار فقط المصدر المائي الوحيد في البادية الشرقية و جنوب حوران، و يتوقف تجميع و خزن المياه على كميات التهطال على قمم الهضاب و المنتشرة في البادية الشرقية و خصوصا جبل العرب في جنوب حوران شمال البادية (يبلغ ارتفاعه 1500م و تلقى أكثر من 500 ملم سنويا في الماضي كانت مياهه تنساب بحرية باتجاه الجنوب داخل الأراضي الأردنية) حيث تتساب المياه باتجاه السهوب في حال تلقي المرتفعات كميات كافية من المطر. كشف المسوحات الأثرية عن قنوات قديمة تجر المياه إلى الخزانات و البرك و مازالت منتشرة في البادية و خير تمثيل لها في أنظمة مياه أم الجمال. و القديم من هذه الأنظمة يرقي إلى العصر النبطي و البعض منها بحالة جيدة على الرغم من أن تاريخها يعود للعصر الروماني – البيزنطي[53].

التاريخ الاجتماعي و العمراني في البادية :

يتميز النسق الاجتماعي في منطقة الدراسة بأنه مكون من نسيج اجتماعي عشائري من أصول بدوية و أخرى ريفية، لقد أظهرت المسوحات بأن عشائر المنطقة لم تنحدر من أصول واحد و بالاعتماد إلى حد ما على الروايات المحلية  تبين بأن عشائر المنطقة كانوا قبل الاستقرار النهائي و الدائم فيها يترددون عليها بالانتجاع بمواشيهم و بعضهم قرر الإقامة في المكان بشكل  دائم [54] حيث كانت المنطقة مكان جذب لجماعات ريفية – زراعية قدمت من مناطق سهول جنوب حوران لاستغلال الأراضي الصالحة للزراعة و القريبة من مصادر الماء و استقر بعضهم بشكل دائم في المواقع الأثرية و بقايا العمائر الأثرية و استخدموا حجارتها المعدة مسبقا للبناء في تشيد مساكن ثابتة من حجر البازلت و الطين ساعدت على الاستقرار  الدائم في المنطقة وبذلك شيدو قرى سما السرحان و جابر و أم السرب و أم الجمال و الباعج.

خلال عمليات المسح الميدانية ذكرت الروايات المحلية معلومات عن أقسام الجماعات المستقرة في البادية الشمالية :

البدو :  أطلقت على الجماعات المتنقلة في البادية و كانوا إلى وقت قريب (نهاية الخمسينات) يقطنون في بيوت الشعر و يهتمون في بيوت الشعر و يهتمون الإبل بالدرجة الأولى و اصبحوا بعد استقرارهم  يهتمون بتربية الماشية من هذه القبائل:

بنو خالد : يقطنون في القرى التالية : حوشا، الحمرا، الزعتري و من عشائرهم الجبور، العمائر، الصبيحات، النهود.

قبائل السرحان : ينتشرون في مجموعة بلدات و قرى السرحان و هي سما السرحان، جابر، مغير، زملة الطرقي، منشية كعيبر، سمية رباع. من عشائرهم الرشيد، الهباب، الحجيل، الحمدان.

قبائل السردية : (أصولهم من بني صخر) ينتشرون في بلدة صبحة و صبحية، سبع سير، زمله الديس، من عشائرهم العون، الكليب.

قبيلة الشرعة : تقطن في بلدة الباعج و قرية منشية العلوان

أهل الجبل : أطلقت على الجماعات شبه المستقرة في منطقة جبل و سهول جنوب حوران، ينتشرون في البلدات و القرى التالية : أم الجمال، الكوم الأحمر، عمرة و عميرة، الأرنب، دير الكهف، أم القطين، حمر اسحيم الزبيدية، ومناطق أخرى في البادية الشمالية، من عشائرهم : الزبيل، الشرفات، العظامات، المساعيد، الغياث، الطوافشة، الشنابلة.

قد ذكر أحد المعمرين من أهل الجبل "لقد كنا في السابق عرب رحل نقيم في بيوت الشعر و منذ الثلاثينات أصبحنا مثل الفلاحين نقيم في المساكن المبنية من الحجر و الطين.

  الفلاحين : تطلق على الجماعات المستقرة في القرى و المنتشرة في سهول حوران و قسم منهم يقيم في بلدة جابر السرحان و لوحظ أن الدروز في البادية الشمالية يعدون من الفلاحين.

من الجدير بالذكر أن العوامل المساعدة على الاستقرار و نزوع السكان للإقامة في المستقرات و القرى و التحول من نمط حياة التنقل بالقطعان وراء الماء و الكلا، في مطلع هذا القرن سمحت  و ساعدت بعض المشاريع المبكرة في المنطقة من اشتغال المحليين في العمل  اليدوي الإنشائي في مشاريع بدايات تـأسيس البنية التحتية للعمران، حيث شارك بعض من المستقرين في عمليات إنشاء الخط الحديدي الحجازي (1900-1909)، و لاحقا في شق الطرق الصحراوية، و مشاريع من أنابيب بترول شركة نفط العراق I.P.C.، ومحطاتها H4، H5 و أثناء ذلك سادت القوانين الإدارية و معاهدات الإشراف على البدو بموجب اتفاقات 1929، 1936 [55] وتأسيس قوة  البادية و حرس الحدود، و انخراط البدو في المؤسسة العسكرية والعمل في المعسكرات والانتظام في المدارس و سلك التعليم [56]. مجمل هذه العوامل والتحولات جعلت السكان يكتشفون ميزات الاستقرار و العمل الثابت والاعتماد على مصادر الدخل المتنوعة.

حتى نهاية الستينات بقي نمط الإنتاج يعتمد بالأساس على تربية الماشية و الزراعة الجافة بالطرق التقليدية لكن شهد هذان النمطان تغيرات خلال العقود الثلاثة الأخيرة و ذلك تجاوبا  مع حركة استصلاح الأراضي و التوسع الزراعي واستغلال المياه الجوفية  و حفر الآبار الارتوازية و استخدام مياها في الزراعة المروية وانتقال نمط الرعي و تربية الماشية من أسلوب تقليدي إلى تجاري تخصصي تفرد بها عدد من المربين الممولين و الممتلكين لرأس المال (قطيع و نقد) و معدات نقل بسبب التحول في أسلوب النجعة و التزود بالأعلاف المصنعة و الإقامة في أماكن ثابتة.

نشوء القرى

  1. سما السرحان : كانت تسمى سما حوران [57] و من ثم سما السدود لأنها على اتصال حيوي بمنطقة حوران الجنوبية، و انتشار السدود في مناطقها الشمالية الشرقية و تعد السدود إحدى أنظمة الري التي استخدمت من قبل الجماعات الفلاحية التي مارست الزراعة المروية.

لقد استغل الفلاحون سهل حوض الرحبة في الزراعة، و الرحبة منطقة منخفضة تتجمع فيها مياه الأمطار تصلح لزراعة الحبوب (البعلية) و قد لوحظ  بأن الاستيطان تمركز في المناطق الملائمة و التي تتوفر فيها شروط الاستقرار (مصدر مياه، أراض منبسطة صالحة للزراعة، مجاري الأودية) و قد قدم الفلاحون من قرى جنوب حوران مع مطلع هذا القرن و بنوا أول مسكن ثابت في سما السرحان في عام 1925 ومع نهاية الخمسينات غادروا من جديد إلى قراهم الأصلية في حوران تاركين مواقعهم لعشائر السرحان شركائهم في العمار و الجوار و في الإقامة بالمنطقة أثناء التردد عليها للانتجاع تاركين وراءهم تراثا ريفيا ساعد على ثبات الاستقرار الدائم في المنطقة[58].

بعد استيطان عشائر السرحان في الموقع سميت سما السدود بسما السرحان، وسكان سما من فخذ الراشد السرحان الذي يتفرع منه العشائر التالية : النوافلة، المقاشعة، البعيج "البعيق" الحمدان[59].

لقد ذكرت الروايات المحلية بأن أول مسكن ثابت بني في سما السرحان كان في عام 1934 بناه الشيخ صالح الخشمان السرحان على الأطراف الجنوبية من الخربة الأثرية و هو الذي فوض بأراضي المنطقة من قبل إدارة أراضي شرق الأردن و بدوره قسم الأراضي و الأحواض على أرباب العائلات من عشائر السرحان و منهم :

سلامة السليك، شومان السرحان، مناور معيوف، ضامن الرافع.

2.زملة الطرقي : الزملة تعني في المصطلح البدوي المحلي المكان المرتفع أو التلة، و طرقي نسبة إلى الشيخ طرقي عجيان السرحان الذي فوض بالأرض وسمحت الإدارة له و لعشيرته بالإقامة في الموقع، و من عشائر السرحان في زملة الطرقي : العبيثية، العجيان، السليب. في عام 1936 شيد في القرية أول مسكن ثابت من الحجر  و الطين في أعلى التلة بناه السيد عبد الله العبيثية السرحان [60].

كان سكان الزملة في الماضي ينتجعون في فصل الصيف في الموقع ويرحلون في بعض المواسم إلى مناطق جنوب حوران (محيط مدينة درعا و بلدة الشيخ مسكين) وفي بعض السنوات كانوا ينتجعون في هضبة الجولان، و في عام 1935 استقرت الجماعات الرعوية تلك في زملة الطرقي بشكل دائم، والتحول من الإقامة في بيوت الشعر إلى الإقامة في مساكن ثابتة مبنية من الحجر والطين، من مؤشرات حسما السكان للثبات في المكان مشاركتهم في بناء مدرسة في قرية مغير السرحان، المقابلة لقرية الزملة على بعد 3 كم غربا واستفادتهم من خدمات التعليم فيها، و كذلك الخدمة في سلك الجندية ابتداء من عام 1945 في المعسكرات الدائمة في مدينة المفرق.

تنتشر المساكن المؤقتة في المراعي الشرقية لبلدة سما السرحان يستخدمها مربو الماشية و الرعاة للإقامة مع قطعانهم خارج نطاق العمران، لقد ذكر أحد المربين بأن إقامته في المراعي مع أسرته و القطيع تبدأ منذ أول شهر تشرين ثاني و تستمر حتى نهاية شهر آذار يعود بعدها إلى مسكنه في سما السرحان[61].

يحق لكل مربي ماشية الإقامة بماشيته في أي بقعة يختارها إذ توفرت فيها شروط ملائمة للإقامة مثل الموقع الطبوغرافي غير المعرض لتيارات الرياح  و اتجاه المطر كسفوح الهضاب و أعالي أطراف الأودية، و غالبا ما يقع الاختيار على موضع استيطان قديم كالحظائر القديمة (الصير) لقد ذكر أحد مربي الماشية بأنه يقيم في موضع صيره "الزبدة" بعد أن عمد إلى رفع حواف الحظيرة القديمة بالحجارة البازلتية غير المشذبة و جعلها مكانا ملائما لحشر القطيع، و أقام مع أسرته في مسكن مؤقت من بيت شعر.

3. جابر : في ثلاثينات هذا القرن استقرت جماعات من أصول ريفية قادمة من منطقة سهول جنوب حوران [62]من قرى نصيب و أم المآذن السوريتين استقرت بالقرب من الموقع الأثري في قرية جابر، من هذه العشائر: المحاميد، الكور، المسالمة.

شيد أول مسكن ثابت من الحجر و الطين في جابر في منتصف الثلاثينات شيده (فندي المحاميد) في الحي الشمالي الغربي من القرية القديمة، واستمرت بعد ذلك حركة البناء وفق النمط المعماري التقليدي حتى عام 1965.

قبل قدوم عشائر السرحان إلى قرية جابر في مطلع الخمسينات و هذا التاريخ يعد ليس ببعيد عن تاريخ بداية ترددهم على المنطقة و استقرارهم في بلدة سما السرحان القريبة و في غيرها من قرى مناطق السرحان.

كان الفلاحون قد شيدو في القرية المساكن الحجرية مستفيدين من توفر الحجارة البازلتية المعدة للبناء و التي كانت مستخدمة في العمائر الأثرية، ومارسوا الزراعة في الأراضي المحيطة بالقرية.

عشائر السرحان في جابر : القبوص، الحرافشة، الشرعان، الدويري، الجهيم، لقد ذكرت الروايات المحلية بأن عشائر الفلاحين [63] في جابر كانوا على اتصال دائم بقراهم الأصلية في جنوب حوران و احتفظوا بملكيتهم لأراضيهم في موطنهم الأصلي إضافة إلى استغلالهم الأراضي المحيطة بجابر وابتداء من عام 1964 بدأت بينهم رحلة العودة من جديد إلى قراهم الأصلية حيث اختاروا هذه العودة  عندما طلبت منهم الإدارة الأردنية أن يصبحوا رعايا أردنيين إذ أرادوا الاحتفاظ بأملاكهم في قرية جابر فكان خيارهم تسوية ممتلكاتهم و بيعها لمجاوريهم من السرحان و مغادرة جابر و ذكرت الروايات المحلية بأن آخر مجموعة غادرت جابر إلى قراهم الأصلية في شرق محافظة درعا السورية كانت في عام 1985.

4. سمية السرحان : تعتبر منطقة سمية استيطان بشري مبكر بفضل توفر الظروف الطبيعية المساعدة على الاستقرار لكونها منطقة التقاء الأودية، تنتشر فيها البرك و الآبار القديمة، يقع شمال القرية تل خربة سمية التي كشفت المسوحات الأثرية و الأنثروبولوجية [64] على وجود مخلفات لأدوات صوانية من صنع إنسان العصر الحجري و كسر فخارية و بقايا لعظام حيوانات منقرضة، و أنظمة جمع مياه المطر "السيح" و تعتبر المنطقة مكانا ملائما تتردد عليه الجماعات الرعوية من عشائر السرحان للانتجاع الموسمي، إلى أن قررت الإقامة الدائمة في المكان، و قد شيد أول مسكن ثابت في القرية في منتصف الخمسينات، يسكنها اليوم من عشائر السرحان : الهشال، الجزوان، البشير، الحجيب، هوشيل.

5. رباع السرحان : نشأت قرية رباع في عام 1936 [65]، حين قررت الجماعات الرعوية من عشائر السرحان الإقامة الدائمة في القرية و بناء أول مسكن من الحجر البازلتي على الأطراف القريبة للهضبة المطلة على وادي الزيات و الذي بناه "خلف الحقيل السرحان"، تأسست القرية على بقايا آثار أنظمة استيطان دائرية حجرية قديمة (الصير و الرسوم) كما يشار لها محليا بلغ عندها حوالي اثنتا عشرة صيرة.

كشف المسح الأنثروبولوجي في الموقع الطريقة التي تتم بواسطتها إحياء مواقع المستقرات البشرية القديمة و إعادة استيطانها و إعمارها على مراحل بحيث يتطور الموقع إلى قرية و قد ساعد على ذلك ممارسة السكان المستقرين لنمط الإنتاج الرعوي و سعي الرعاة الحثيث على إيجاد أماكن ملائمة للإقامة و إيواء القطيع في المناطق الخصية و الغنية بالمصادر الحيوية المساعدة على الاستقرار مثل توفر مصادر المياه والتنوع الطبوغرافي الملائم للحماية و الإيواء. أن توفر مثل هذه الشروط في منطقة ما تجذب الإنسان للاستقرار فيها.

في قرية رباع كان مربو الماشية يستغلون بقايا الخرب و الحظائر القديمة برفع جدرانها لتصبح ملائمة أكثر لحشر المواشي و إيوائها و استفادوا من توفر الحجارة البازلتية المنتشرة بكثافة في الوادي و المناسبة لبناء المساكن الحجرية الثابتة فانتشرت المساكن التقليدية في المنطقة لغنى المنطقة بالحجارة كونها منطقة تتوفر فيها الحجارة و أيضا ملتقى للأودية [66].

تشير الاستطلاعات و المسوحات الأنثروبولوجية إلى تأخر الاستيطان في الأراضي المنبسطة القليلة التنوع بالمظاهر الطبيعية و الطبوغرافية مثل الأودية و التلال والمراعي المتنوعة الأعشاب، و هذه خصائص الأراضي المستوية وهي تسود في محيط قرية الزبيدية و مناطق شمال قاعدة المفرق الجوية

بعد أن استحوذت الجماعات الريفية – الرعوية على مراكز الاستيطان الملائمة والتي عرفت تجارب الاستقرار و الإعمار خلال الحقب التاريخية المتعاقبة لتمتعها بسبل ووسائل الاستقرار و مظاهر طبيعية متنوعة كما هو الحال في الوضع البيئي بمستقرات جابر، سما السرحان، سمية و رباع السرحان.

في مطلع الخمسينات جذبت الأراضي الفسيحة المنبسطة و التي لا تدعى ملكيتها أي من الجماعات السكانية في المنطقة و معظمها أراضي دولة (عسكرية) جذبت الزراع الذين عملوا على زراعتها بالحبوب البعلية، وأصبحت تخضع إلى عمليات حرث مستمرة خاصة بعد أن دخلت المحاريث الآلية إلى المنطقة في مطلع الستينات.

تطور الاستيطان المعاصر في تلك الأراضي بعد حفر الآبار الإرتوازية واستغلال المياه الجوفية في الزراعة الثابتة و  الكثيفة المروية بمياه الآبار الجوفية [67].

6.نشوء قرية الزبيدية : في عام 1955 وصلت إلى موقع الزبيدية مجموعة عشيرة الزبيد من البدو شبه المستقرين قدموا من منطقة جبل العرب على أثر نزاعات مع الفلاحين الدروز كما جاء على لسان أحد الرواة المعمرين من عشيرة الزبيد، أقاموا في البداية في بيوت الشعر التي انتشرت في موقع قرية الزبيدية في عام 1956، حيث طالب شيوخ العشيرة من إدارة إفراز الأراضي بالعمل على تفويض الأرض الجديدة و توزيعها على أفخاذ عشيرة الزبيد التي تضم : الجمعة، شويعر، الهلية، المبيضين، مصبح [68].

مرت تجربة استقرار الزبيد في الموقع بالمراحل التالية :

- المرحلة الأولى : الإقامة  في الموقع و السكن في بيوت الشعر

- المرحلة الثانية : المطالبة بالأرض و تفويضها إلى مجموع العشيرة

- المرحلة الثالثة : توزيع الأراضي على أرباب عائلات عشيرة الزبيدة

- المرحلة الرابعة : بناء المساكن الثابتة من مادة الطين المجفف بالشمس (الطوب الطيني) في بداية عام 1955.

 

                                                                                                                                                                                 

1- مطير : أول من بدأ يَتَردَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّد على منطقة الزبيدية قادما من منطقة جبل حوران، و كان يقيم مع عائلته في بيوت الشعر.

2- مسلم قرر الاستقرار و الإقامة بشكل دائم في الزبيدية بنى مسكن ثابت من الطين في عام 1955.

المعلومات مستمدة من السيد مسلم مطير الزبيد / معطيات المسح الميداني – الزبيدية، كانون ثاني 1996م.

  1. 7. تنظيم المكان و نشوء القرى الحديثة : تم نشأة القرى في البداية من التجمعات السكانية لمربي الـماشية، مثال : مـنشية العلوان : الأراضي التي تقع إلى جنوب شرق قرية الزبيدية جزءا من حوض العلوان و تعود ملكية قسم من هذه الأراضي إلى فخذ الغزالين من عشائر الزبيد، تزرع أراضـي المنطقة بالحبوب خاصة محصول الشعير الملائم لطبيعة تربة المـنطقة المالحة، يوجد في الموقع بالقرب من التجمع السكني بئر إرتوازية تم حفرها في عام 1981 بطاقة إنتاجية (5) انش تروي مزرعة خضراوات موسمية و أشجار زيتون مساحتها 200 دنم.

كانت مجموعة الغزالين قبل استقرارها الدائم و الثابت في المكان تتخذ من الموقع مكان للإقامة المؤقتة في بيوت الشعر حتى عام 1988 تاريخ بناء أول مسكن ثابت من الإسمنت مسطحه (2م2) يتكون المسكن من عدة غرف يتقدمه فناء فسيح يحتوي على حظائر مسقوفة تستخدم لإيواء المواشي و حفظ أعلافها، و بالرغم من عدم إيصال خـدمات الماء و الكهرباء إلى الموقع فقد استمرت عملية بناء المساكن الحديثة في المـوقع، في عام 1990 بنى مسكن جديد مسطحه 400 م2 يتكون من (8) غرف متعددة الأغراض و يتقدمه فناء فسيح محاط بالأسوار و يحتوي على عدد من الحظائر والمستودعات المسقوفة يأوي إليها حوالي (500) رأس من المواشي، في عام 1992 بني مسكن ثالث لا يختلف عن المساكن الأولى من حيث التصميم المعماري و الوظائف التي يؤديها المسكن [69].

بلغ عدد سكان التجمع في عام 1995 (100 نسمة) تربطهم جميعا علاقة قرابية حقيقية و يعملون في الزراعة الثابتة و المروية بمياه الآبار الجوفية و في تربية الماشية.

  1. 8. تجمعات الرعاة و مربي الماشية : يوجد في الأراضي التي تقع بين قريتي الزبيدية و حويجة تجمع سكني غير ثابت لمربي الماشية مكون من خمسة بيوت شعر و أخرى من "الخيش" و الصفيح، يقطن في التجمع ثلاث عائلات (عائلتان ممتدتان و عائلة نوويه) و بلغ عدد سكان التجمع ثلاث وعشرون نسمة يرجعون في أصلهم إلى عشيرة التياها من بدو بئر السبع و هؤلاء لديهم تقاليد في نمط الإنتاج الرعوي – الزراعي، و لهذه العائلات مساكن ثابتة مبنية من الإسمنت تقع في سفوح الهضاب القريبة لقرية حويجة و تبعد عن  التجمع  السكني مسافة 1,5 كم و هم بذلك في حركة تنقل شبه يومية بين موقع التجمع مع القطيع و مساكنهم الثابتة في القرية [70].
  2. 9. قرية حويجة [71] : تتميز طبوغرافية أراضي القرية بانتشار الشعاب و مـسايل الماء فيها التي تتخلل الهضاب قليلة الارتفاع المحيطة بالقرية يتخلل هذه الهضاب أرض منخفضة تتجمع فيها مياه المطر المنحدرة من سفوح الهضاب فتنمو بها الأعشاب الرعوية هذه المواضع و تعتبر أماكن جذب للـرعاة و مربي الماشية، ذكرت الروايات المحلية أن عشيرة السعود من بدو بـئر السبع الذين استقروا في المفرق و كانت تتردد مع قطعانها على الموقع للانتجاع في فصل الربيع، في عام 1969 قررت الإقامة بشكل ثابت و دائم في مساكن طينية في بادئ الأمر ثم في مساكن إسمنتية، تتميز قرية حويجة بحداثة النشأة فجميع سكانها تربطهم قرابة حقيقية يعملون في زراعة الحبوب البعل و الزراعة المروية بمياه الآبار الجوفية و تربية الماشية و بعضهم يملك معدات آلية سيارات نقل و محاريث تعمل بالأجرة.

جدول بعد سكان بلدات و قرى منطقة المسح "التعداد العام للسكان و المساكن 1994"

التجمع السكاني

عدد الذكور

عدد الإناث

المجموع

جابر

632

535

1167

منشية كعيبر

159

158

317

سما السرحان

1592

1498

3090

زملة الطرفي

212

182

394

سمية

145

128

273

رباع

333

332

665

حويجة

185

197

382

الزبيدية

405

350

755

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  1. أنماط المساكن : يوجد في المراكز الاستيطانية لمنطقة المسح عدة أنماط من المساكن و كل نمط ساد في فترة تاريخية محددة و مرت المساكن في تطورها بعدة مراحل و لكن مرحلة مادة بناء مختلفة و نظام خاص بالمسكن و يمكن تاريخ مراحل الاستيطان من خلال دراسة و تحليل المساكن و تصنيف موادها و عناصرها المعمارية و وظائف السكن.

تعتبر العمارة  من أهم عناصر الثقافة المادية للسكان، و أن نمط السكن وسعته ومادته تعتمد على شكل الملكية العقارية و غنى و حجم العائلة القاطنة فيه و نمط معيشتها (زراعي، رعوي، وظيفي) و حجم ما تملكه من المواشي و نشقها العائلي (عائلة ممتدة و عائلة نورية).

تبين أثناء المسح أن الذين امتلكوا المساكن الأولى في القرى كانت لديهم الإمكانيات، المادية و الاجتماعية، و أظهرت الاستطلاعات الميدانية بأن المساكن التقليدية الأولى في سما السرحان و جابر شيدت من قبل العائلات المتنفذة في العشيرة،  و سكنتها عائلات ممتدة بحيث كان المسكن يضم أكثر من أسرة.

تتميز المساكن الأولى في القرى سواء من حيث مادة البناء أو الهيئة والمخطط وتوزيع العناصر المعمارية بأنها صممت بأسلوب ملائم للبيئة المحلية وطبيعة المناخ ونمط حياة السكان، و قد وفرت البيئة مادة البناء الرئيسة من حجارة بازلتية قاسية و طين، حيث استفاد السكان من مخلفات حجارة الأبنية الأثرية و أعادوا استخدامها من جديد كما حصل في سما السرحان و جابر، وتوفرت مواد أخرى مثل أغصان الأشجار و الحطب و أعمدة السكك الحديدية. من ناحية أسلوب تنفيذ المسكن نجد بأنه نفذ بأسلوب ملائم لطبيعة مناخ المناطق الجافة فقد نفذت الأبواب و الفتحات و وزعت بشكل مناسب لمنع تسرب البرودة لداخل المسكن في فصل الشتاء و سمحت بتهوية المساكن في فصل الصيف.

و جاء المسكن ملائما لنمط حياة السكان حيث نفذ بشكل يؤدي جميع الوظائف الأساسية التي تحتاجها العائلة القاطنة فيه من مأوى ملائم للعائلة نفسها و مواشيها و حفظ الأعلاف و خزن منتوجاتها و حفظ معدات العمل الزراعي و الرعوي.

إن أقدم المساكن الثابتة في منطقة المسح تلك التي بنيت في مطلع الثلاثينات والمبنية من الحجارة البازلتية شبه المشذبة، أغلب المساكن التي تعود لتلك الحقبة تتكون من عدة غرف (من 2-4 غرف) تنفذ على شكل صفوف تفتح على باحة سماوية فسيحة محاطة بسور يفتح على الخارج بمدخل واسع لتسهيل حركة نقل القطيع و المواد التي تحتاجها العائلة و مواشيها.

  1. تنوع الأنماط : يوجد نمط آخر من المساكن مبنية من الطين و هي أحدث عهدا من المساكن الأولى المبنية من حجر البازلت، بدأ بناء المساكن الطينية ابتداء من الخمسينات و استمرت حتى مطلع السبعينات، و تعتبر أقل كلفة و جهدا من تلك المساكن الأولى فهي مبنية من قوالب الطين (الطوب الليِّن المجفف بأشعة الشمس المتوفر في هذا النمط من المساكن)، يستند سقف البناء على الجدران فوق صفوف من أعمدة الخشب إضافة إلى أعواد من القصب و طبقة من الطين و نظام المسكن مكون من غرفتين (أو أكثر) متجاورتين يفصلهما جدار، و لكل غرفة مدخل مستقل أحد هذه الغرف مخصصة للسكني و الاستقبال و الأخرى تجري فيها نشاطات الأسرة اليومية و الكتلة المعمارية تكون مستطيلة الشكل، تفتح الغرف على الفضاء الخارجي المحاط بسور يتخلله باب رئيسي و يتوزع في الفناء عدد من الحجرات الهابطة تستخدم كمأوى للماشية و مخازن للأعلاف تسمى محليا "خانات".

أظهرت الاستطلاعات الميدانية بأن المساكن القديمة بعضها ما زال مستخدما للسكن و تلقي العناية و الصيانة من قبل القاطنين فيها، و أخرى ما زالت في حالة جيدة تستخدم كمأوى للمواشي و التخزين، لكن معظم المساكن القديمة مهجورة وآيلة للسقوط و هي أماكن معزولة [72].

ابتداء من مطلع السبعينات بدأت ملامح نمط معماري جديد بالظهور [73] وتم التخلي نهائيا عن بناء المساكن وفق النظام التقليدي القديم سواء المساكن الحجرية أو الترابية و ظهر نمط المسكن الحديث المبني من مادة الإسمنت المصنعة و الحديد والرمل وفق مخطط جديد حيث يتكون البناء من عدة غرف تفتح داخليا على موزع يتخلل البناء و لكل غرفة وظيفة محددة كالاستقبال و النوم و المطبخ و المرافق الصحية، و للغرف عدد كاف من النوافذ، بذلك أصبحت المساكن أكثر إنارة وتهوية، و صحية أكـثر، و جعل للمسكن درج يؤدي للسطح الذي يستفاد منه في إنجاز بعض الخدمات، وتحيط بالمسكن الباحات المسورة و المزروعة بأنواع متعددة من الأشجار وخاصة الزيتون و بعض الخضراوات الموسمية مخصصة للاستهلاك المنزلي وقد زود المسكن بالمرافق الصحية و خدمات الماء و الكهرباء و لم تعد الحاجة لجلب الماء من الآبـار و البـرك و الأودية و لكن استمر التقليد المعماري بتزويد المسكن بالمستودعات و الحجرات التي تستخدم كحظائر للمواشي و الدواجن و التخزين واستمراريتها كتقليد في المسكن الحديث كونه من متطلبات نمط الإنتاج السائد في المنطقة الزراعي – الرعوي.

منذ مطلع التسعينات بدأت تنتشر المساكن الحديثة العصرية المبنية من مادة الحجر الأبيض المنمق، من حيث المخطط و صممت وفق نظام المسكن الحديث المبني من الإسمنت و تعتبر هذه المساكن غالية التكاليف و يقتصر اقتناؤها على المقتدرين ماديا.

 

جدول بتعداد الأسر و المساكن "التعداد العام للسكان و المساكن 1994"

التجمع السكاني

عدد الأسر

عدد المساكن العائلية

جابر

195

165

منشية كعيبر

33

33

سما السرحان

422

488

زملة الطرفي

56

65

سمية

31

44

رباع

102

134

حويجة

42

53

الزبيدية

120

124


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خلاصة

من خلال هذا العرض يمكن أن نستخلص فكرة عن مراحل الاستقرار البشري في منطقة البادية الشمالية من خلال أنماط المساكن.

الاستقرار القديم : منذ العصور الحجرية القديمة (منذ عشرات آلاف السنين حتى عشرينيات هذا القرن).

يتمثل في :

بقايا الآثار الدراسة (الدائرية الشكل) على سطح الأرض و هي نوع من المستقرات البشرية انتشرت في منطقة البادية الشمالية.

بقايا العمائر الأثرية في أم الجمال، أم السرب، سما الشرحان، جابر.

السكن في الكهوف و الخيام.

الاستقرار في مساكن مبنية من الحجر البازلتي و الطين المبنية من حجارة العمائر الأثرية.

أنشئت في أوائل هذا القرن و استمرت حتى منتصف الخمسينيات  نشوء القرى الحديثة.

الاستقرار في مساكن مبنية من قوالب الطين المجفف بأشعة الشمس ابتدأ من مطلع الأربعينيات حتى بداية الستينيات.

الاستقرار في مساكن حديثة مبنية من المواد المصنعة من (الإسمنت و الرمل و حديد).

الإقامة في المسكن العصري المبني من الحجر الأبيض المنمق ظهرت ابتداء من مطلع التسعينات.

و قد استمر السكن في الخيام و بيوت الشعر إلى الوقت من قبل المزارعين ومربي الماشية.

 

** الدكتور بالجامعة آل البيت

 

هوامش

[1]. تقدر مساحة البادية الشمالية بحوالي 18.000كم2.

[2]. بهذه المناسبة لا بد من الإشارة إلى دور جامعة آل البيت في أحياء حضارة البادية والجامعة بذاتها في هذه البيئة تجربة عملية ناجحة في أعمار البادية و الإشارة إلى أهمية و دور برنامج بحث و تطوير البادية الأردنية، الذي تأسس في شهر آب 1992 في دراسة البادية الأردنية من النواحي الطبيعية و البشرية بأسلوب علمي ومنهجي ميداني – تطبيقي، و كذلك إلى دور جمعية تنمية البادية الأردنية و مكافحة  التصحر لدورها الرائد في هذا المجال.

[3]. خليل، اسماعيل محمد.- أنماط الاستيطان الريفي في العراق.- بغداد، م. الحوادث،  1982.-  ص.04.

[4]. البدوي، احمد ؛ الشريعي، محمد.- جغرافية العمران الريفي، بحوث تطبيفية.- القاهرة، دار الفكر العربي، 1996.- ص.08.

[5].  ابن خلدون، عبد الرحمن المغربي (علامة).- مقدمة ابن خلدون، بيروت لبنان،  دار القلم، (ب ث) سوف نشير له لاحقا بمقدمة ابن خلدون.

[6]. مقدمة ابن خلدون.- ص.95.

[7]. مقدمة ابن خلدون.- ص.96.

[8] مقدمة ابن خلدون.- ص.96.

[9]. مقدمة ابن خلدون.- ص.322.

[10]. مقدمة ابن خلدون.- ص.285.

[11]. مقدمة ابن خلدون.- ص.277.

[12]. مقدمة ابن خلدون.- ص.322.

[13]. مقدمة ابن خلدون.- ص.322.

[14]. مقدمة ابن خلدون.- ص.323.

[15]. مقدمة ابن خلدون.- ص.286.

[16]. مقدمة ابن خلدون.- ص.323.

[17]. مقدمة ابن خلدون.- ص.323.

[18]. مقدمة ابن خلدون.- ص.324.

[19]. مقدمة ابن خلدون.- ص.136.

[20]. مقدمة ابن خلدون.- ص.136.

[21]. مقدمة ابن خلدون.- ص.141.

[22]. مقدمة ابن خلدون.- ص.126.

[23]. مقدمة ابن خلدون.- ص.212.

[24]. مقدمة ابن خلدون.- ص.212.

[25]. مقدمة ابن خلدون.- ص.212.

[26]. مقدمة ابن خلدون.- ص.212.

[27]. مقدمة ابن خلدون.- ص.275.

[28]. مقدمة ابن خلدون.- ص.274.

[29].  د. عبد العزيز، محمود.- المسح الأنثروبولوجي الميداني في البادية الشمالية (المرحلة الأولى).- منشورات جامعة آل البيت، 1997.-ص.ص. 1-6.

[30]. الخلف، محمد أحمد.- التصحر في محافظة المفرق – دراسة الاختلال في التوازن البيني (رسالة ماجستير، قسم الجغرافيا – الجامعة الأردنية، 1987.- ص.ص.21-22.

[31]. أ.د. سلامة، إلياس ؛ أ.د. الأنصاري،  نظير ؛ د. الناقة، علي.- الدليل العلمي لمحافظة المفرق.- منشورات جامعة آل البيت، 1997.- ص.14.

[32]. المصدر نفسه.- ص.20.

[33]. المصدر نفسه.- ص.ص. 25-29.

[34]. المصدر نفسه.- ص.ص. 14-15-16.

[35]. المصدر نفسه.- ص.ص. 15-16.

[36]. د. عبد العزيز، محمود.- السمح الأنثروبولوجي الميداني في البادية الشمالية (المرحلة الأولى).- منشورات جامعة آل البيت، 1997.- ص. ص. 1-6.

[37]. BETTES, Alison.- Black desert survey, Jordan : Third Preliminiary Report in LEVANT (J.B.S.A.J) Vol. XVII, London 1985.- p.p. 29-31.

[38] MERRILL, S..- East of Jordan a  Record of  Travel and Observation in the Countries of Moab Gilad and Bashan, (R.B.S. New Burli – Stree).- London, 1881.

[39] SCHUMACHER, G..- Across the Jordan, An Expedition and Survey of part of Hauran and Jaulan.- London, 1886.

[40] DOUGHTY, Ch..- Travels in Arabia Deserta, en II Vol. Jonathan. (Ltd. Medici. Socilim).- Londonm 1928.

41 BRUENNEW, Reisebericht.- IV Dscholan und Hauran, Mitlh, und  Naegr, des Deutschen Pal’stina-Vereins. (1895-96).

  .[42] تم إعداد عرض مشاريع المسوحات و التتنقيبات الأثرية في البادية الأردنية بالاعتماد على تحضيرات الباحثين المشاركين من جامعة آل البيت في مسوحات البادية الأردنية / المرحلة الأولى 1996-1997

[43]. BUTLER, H.C..- Syria, Publications of the Princeton University Archaeological Expeditions to Syria in 1904-5 and 1909, Division I, Geography and Tinerary, (Late, Er, Brill, Ltd).- Leyden, 1930.

[44]. GLUECK, N..- The other side of Jordan (ASOR) New Haven, Connection, 1951.

[45] KENNEDY, D.L..- Preliminary Report of a Survey of Roman Military Instalations in North-Eastern Jordan, (ADAJ) 25, 1981.- p.p. 21-24.

[46]. بوزو The Bauzou، طرق الموصلات في حوران في العصر الروماني – ترحمة عن الفرنسية أحمد عبد الكريم و آخرين : سورية الجنوبية (حوران) بحوث أثرية في العهدين التيني و الروماني، باشراف ج.م. ذنتزر، الأهالي، دمشق، 1988.- ص. ص. 207-237.

[47]. BETTES, A..- Black desert survey, Jordan :

First Preliminiary Report, LEVANT 16 : 25-24, 1984.

Third Preliminiary Report, LEVANT 17 : 2952, 1985.

[48]. DE-VERIES, Bert.- Umm El-Jimal, (D.A.).- Amman Jordan, 1982.

[49]. استطاعت بعثة جامعة آل البيت للمسوحات الميدانية في البادية الشمالية من توثيق ووصف و تصوير  جميع المظاهر  الحضارية  (في الآثار  و النقوش  و الأنثروبولوجيا) المنتشرة في الأجزاء الغربية من البادية الشمالية، بعض النتائج صدرت في كتاب المسح الأنثروبولوجي و أخرى في طريقها للنشر.

[50]. ورد في المعجم الوسيط (المطبوع في القاهرة 1972)، الصير و الصيارة  أي حظيرة الدواب (ص 531/ج1)، و الرسم يعني الأثر  الباقي في الدار بعد أن عفت (ص 244 / ج1).

[51]. يستدل على قدم  الصير من طبيعية الحجارة و التغير الذي طرأ على خواصها وألوانها نتيجة تحجر طبقة (الفطر / الصدأ) على الحجارة البازلتية السوداء و تغير لونها إلى اللون الأبيض.

[52]. حول أنظمة و تقنيات جمع تحفظ الماء في البادية الشمالية أنظر : د. عبد العزيز محمود، المسح الأنثروبولوجي… ذكر سابقا ص. 25-36، أيضا : عاطف محمد يوسف خويرة : نظام الري في ام الجمال، رسالة ماجستير في الآثار  مقدمة لمعهد الآثارو الأنثروبولوجيا، جامعة اليرموك 1990

[53]. دانتر، جان ماري  (إشراف).- سورية الجنوبية (حوران) بحوث أثرية في العهدين الهليثي و الروماني، ترجمة أحمد عبد الكريم (و آخرين).- دمشق، الأهالي، 1988.

[54]. طبيعية المنطقة المنبسطة و المكشوفة و المتصلة مع باقي المناطق الأخرى (جنوب حوران، الهضاب الغربية، شرق البادية)، ساعدت على حرية حركة الجماعات الرعوية و تنقلهم مع قطعانهم و الوصول إلى أي مكان ملائم للانتجاع و الاستقرار.

[55]. GLUBB, J.B..- The Story of the Arab Legion, Hodder and Stoughton.- London, 1948.

[56]. د. أبو دية، سعد.-  الجيش العربي و دبلوماسية الصحراء (ب د).- 1987.- ص. 111.

[57]. يعود أصل تسمية إلى كثرة تجمع المياه في المنطقة و انعكاس اللون الأزرق في اللأفق الذي يوحي بلون السماء كما ذكرت الروايات المحلية.

[58]. للاطلاع على تاريخ الاستيطان و نشوء العمران في سما السرحان يراجع:

SCHUMACHER G..- Das kad u ez-zedi des Hauran in Zeitsxhrift… Bond xx, pp. 143-144, leipziq 1897.

BUTLER H.C.- Ancient Architecture in Syria….- leyden, 1910.

[59]. في اللهجة المحلية المحكية تقلب القاف إلى جيم.

لقد ذكر فردين بيك في كتابه (تاريخ شرق الأردن…، ص.234) عن السرحان :

بأنهم من قبائل حوران هاجروا في البدء إلى منطقة الجوف في عام 1700م ثم عادوا من جديد إلى منطقة حوران و على أثر تشجيع الإدارة العثمانية للعشائر البدوية على الاستقرار و ممارسة الزراعة، استقر السرحان بالقرب من الخط الحديدي الحديدي الحجازي بين درعا و المفرق.

[60]. لقد هجر المسكن في عام 1965 و خصص كمأوى ملائم لحشر المواشي، على أثر بناء مسكن حديث من الأسمنت و في عام 1994 بنى إلى جواره مسكن عصري من الحجر المنمق.

من مظاهر النشاط البشري استغلال المكان بالرعي و حرث الأرض و زراعتها بالحبوب البعلية.

[61]. يفضل مربي الماشية الإقامة في أطراف العمران للاستفادة من خدمات القرى.

[62]. من أسباب اتخاذ جابر مكان اقامة لفلاحي جنوب حوران قربها من قرى حوران، وجود الخربة الأثرية، صلاحية أراضيها الزراعية.

للاطلاع على تاريخ الاستيطان و نشؤ العمران في جابر انظر :

SCHUMACHER ٌٌٌُ G., (Das kad u ez-zedi des Hauran in Zeitsxhrift… Bond xx, pp. 143-144, leipziq 1897).

LITTMANN, Enno, (Greek and latin inscription in syria, sec – A part II, P 50 S.Hauran, Leyden 1910).

[63]. نتيجة للجوار و الاستغلال المشترك للمكان نشأت علاقات مصاهرة بين البدو و الفلاحين بين الشرعات (البدو المستقرين) و المسالمة و المحاميد (الفلاحين الحوارنه نسبة إلى سهل حوران الجنوبي).

[64]. معطيات المشهدات الميدانية أثناء المسوحات الأنثروبولوجية و الأثرية في الموقع.

[65]. التسمية رباع مشتقة من الربيع كناية عن الانتجاع و الإقامة بالمكان في فصل الربيع.

[66]. ذكر سكان المنطقة أنه في عام 1945 كان يوجد في المنطقة كسارة حجرية لشركة الطرق الإنجليزية، ساعدت على توفير حجارة صالحة للبناء.

[67]. أول بئر حفرت في منطقة الزبيدية في عام 1980.

[68]. يلاحظ بأن اسم القرية مشتق من اسم العشيرة المؤسسة أو الساكنة للقرية.

[69]. استخدموا الصهاريج لتأمين حاجاتهم من الخدمات مثل نقل الماء بالإضافة إلى عدد من سيارات النقل (بك أب) لخدمة القطيع، استخدموا الكاز و الغاز للتدفئة و الطبخ

[70]. لقد اضطر مربو الماشية إلى الخروج بالقطيع إلى الفضاء الرحب بعد أن ضاقت بهم التجمعات السكنية في القرى من استيعاب الأعداد الكبيرة من رؤوس الماشية.

[71]. تسمية حويجة نسبة إلى قبر امرأة  تدعى حويجة دفنت في المنطقة.

[72]. تعاني المساكن التراثية من الإهمال و بعضها دمرت بواسطة جرافات المجالس المحلية تنفيذا لمخططاتها التنظيمية و فتح الطرقات، و كأن التنظيم لا يتم إلا على حساب الأبنية التراثية !

[73]. المساكن الأولى من هذا النمط كانت في البداية بسيطة في أسلوب تنفيذها و هي مشابه تماما للمساكن التقليدية القديمة لكن ما يميزها عنها اختلاف مادة البناء.