Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

1-الجامعة وتحدي المحيط

في ظل التحولات البنيوية العميقة التي يشهدها المجتمع الجزائري ابتداء بإعادة هيكلة البنية الاقتصادية, ومراجعة أساليب التنظيم والادارة ضمن توجه عام لبناء اقتصاد السوق, وفي ضوء التعددية السياسية التي تطرح اشكالية طبيعة نظام الحكم وممارسة السلطة, نجد الجامعة كإحدى ﺃهم المؤسسات الاجتماعية في مواجهة تحديات قوية تفرض عليها المراجعة الجدرية لهيكلها وتنظيميها في اطار سيرورة عامة لا عادة تحديد دورها وعلاقتها بالمحيط. ويندرج ذلك ضمن تيار عام يطرح ضرورة تحرير المؤسسات الاجتماعية, والجامعة بالخصوص من سيطرة وهيمنة الاحاديات بكل اشكالها, سياسية, ايديولوجية وثقافية ...الخ.

وتبدو العلاقة بين الجامعة والمحيط في ضوء التحولات العميقة الراهنة في منظور جديد بحيث ﺃنها لم تعد مسبقا من السلطة السياسية مثلما كان عليه الامر خلال الفترة السابقة, بل تخضع لسيرورة تفاوض يسعى من خلالها الطرفان ( الجامعة والمحيط) كل فيما يخصه تثمين دوره وموارده. ويبدو ميزان القوة في الاوضاع الحالية في غير صالح الجامعة, ذلك ان تثمين دورها ومنتوجها " المعرفة والكفاءات التي يحملها خريجو الجامعات" لا تحظى بالاعتراف الاجتماعي الامن خلال ابراز فعاليتها وقدرتها على تحقيق منفعة عملية محددة تتجسد من قبل القوى التي لها مصلحة وهدف في ذلك         

في ضوء هده المعطيات بتعقيداتها تندرج عملية المراجعة الهيكلية والتنظيمية للجامعة لدورها وعلاقتها بالمحيط. هذه المراجعة التي لا تخضع فقط لمنطق داخلي يجسده السعي المستمر الى تكييف الهياكل, والاجهزة, وطرق العمل مع الضغوط الناجمة عن التطور الهائل المسجل في حجم الطلب المكثف على المقاعد البيداغوجية, ويطرح بالتالي مشكلة قدرتها على استيعاب الاعداد المتزايدة من الطلبة بالغم من نسب النجاح الضعيفة في امتحانات البكالوريا. بل تخضع تلك المراجعة ايضا الى منطق التكيف مع المحيط فيما يخص نوعية المنتوج الدي تقدمه الجامعة بالنظر الى طبيعة الطلب الاجتماعي ( الموجود فعلا او الممكن ). وتبرز الضغوط في هذا الجانب بخاصة في العلاقة بين تكلفة المنتوج من جهة, ونوعيته وتثمينه من قبل المحيط من جهة ثانية. حيث يلاحظ اليوم الارتفاع الهائل في تكلفة المنتوج قياسا بمردوديته وبحاجة سوق العمل. ويكفي بهذا الصدد النظر الى الاعداد المتزايدة من خريجي الجامعات من كل التخصصات الدين يلتحقون سنويا بصفوف العاطلين عن العمل نظرا للاختلال الموجود بين التكوين والطلب الاجتماعي سواء من حيث الحجم او النوعية.

في هدا الاطار تندرج عملية " الاصلاح الجامعي " الاخيرة التي تسعى من خلالها السلطات العمومية الى اعادة التوازن في علاقة الجامعة بالمحيط. و ما يهمنا هو محاولة التعرف على هده العملية ضمن نطاق محدود من الحقل الجامعي يمثله علم الاجتماع. وبالرغم من عدم توفر المعطيات المرضية والدقيقة حول عملية " الاصلاح" هذه الا ﺃننا سنتعرض الى بعض التوجهات العامة سواء الصريحة او الكامنة التي تستند اليها والتي تحدد بطريقة او باخري نوعية التكوين الذي من المنتظر ان يحل عليه طلاب علم الاجتماع, وكذلك الحقول البحثية التي ستحظى باهتمام الباحثين مستقبلا. لكن قبل التطرق الى هذه القضايا ينبغي ان نتوقف قليلا عند مفهوم الطلب الاجتماعي الذي نعتقد انه العامل الحاسم وراء التغيرات التي ستطبع عمليتي التكوين والبحث في علم الاجتماع.     

2- الطلب الاجتماعي

لقد ورد تعبير " الطلب الاجتماعي " بصريح العبارة في خطاب وزارة التعليم العالي حول " الاصلاح الجامعي " الاخير كونه يشكل احد المحاور الرئيسية التي ترتكز عليها ما سمي "باستراتيجية القطيعة مع المخططات القديمة لتنظيم وادارة الجامعة "(1995: M.E.S.R.S.), فهل يعني ذلك ان الطلب الاجتماعي لم يكن موجودا من قبل؟ ام انه لم يكن محددا بطريقة دقيقة مثلما هو الحال اليوم ؟ في الواقع, كان الطلب الاجتماعي دوما موجودا, بيد انه لم يكن يفصح عن طبيعته بوضوح ودقة, ربما تميز في مراحل سابقة بطابع العمومية, بمعنى ان المطلوب من الجامعة هو تكوين اطارات ذوي كفاءات متنوعة وبأعداد متزايدة دون ان يكون هنالك تحديد دقيق لحجم ونوعية هؤلاء الاطارات.

ﺃكثر من ذلك, يمكن القول انه خلال فترات معينة كانت الفروع والتخصصات تفتح تحت ضغط اوضاع طارئة وتحت تأثير عوامل خاصة تتعلق بميول واتجاهات الأساتذة ومسيري المعاهد والجامعات,

وتندرج ضمن استراتيجيات الضاغطة على المستويات المحلية والعليا من هرم السلطة. وفي هذا السياق ظهر العديد من المعاهد والمراكز الجامعية وحتى الجامعات. اما على مستوى العلاقة بين المحيط والجامعة فيمكن القول انها تتميز بقطيعة شبه كاملة تتضح من خلال غياب الاتصالات المستمرة والمنتظمة وعدم اتخادها طابعا مؤسسيا. إذ يطغى عليها في حالة وجودها كثير من الارتجال والتردد والحذر, كما تغديها احكام مسبقة, بخاصة عندما يتعلق الامر بعلم الاجتماع. فأفراد النخب السياسية والبيروقراطية الدين يقفون عادة وراء الطلب الاجتماعي ( رجال السلطة, مسيرو المنشآت والمنظمات والاجهزة الحكومية, وﺃصحاب العمل الخواص) في غالبتهم يجهلون كل شيء عن علم الاجتماع, عن مضمون التكوين, والمهارات والكفاءات التي يحملها خريجو معاهد علم الاجتماع. وبالتالي ليست لديهم ادنى فكرة عن الدور والمهمات التي بإمكان هؤلاء القيام بها ولا نوعية المساهمة التي يستطيعون تقديمها للهيئات المستخدمة لهم. بل اكثر من ذلك, هنالك لذى قطاع كبير من تلك النخب تصورات سلبية عن علم الاجتماع والباحثين الاجتماعيين, بحيث يصنفونهم ضمن " المحرضين" وصانعي التوترات " بفعل اهتمام الاخيرين بمسائل تدخل ضمن عالم المحظورات من الممارسات والعلاقات الاجتماعية بما في ذلك موضوعات تتعلق ببناء القوة وطبيعة السلطة في المجتمع, وممارسات مجموعات الضغط التي تريد البقاء في الظل.          

 لكن ينبغي التأكد ان هدا الجهل والتجاهل ليس في اتجاه واحد ذلك ان طلبة علم الاجتماع الذين من المنتظر ان تبرز من بينهم نخبة الباحثين في هذا الحقل, لا يعرفون في غالب الاحيان عن مجتمعهم اكثر مما يعرف رجل الشارع. بالرغم مما يفترض في تكوينهم من اكتساب للأدوات الضرورية لتحليل الواقع الاجتماعي, والتعرف عليه عن كثب, ليس لانهم مدعوون للتعامل معه عند تخرجهم فحسب, بل لا نه يشكل موضوع ومادة دراستهم وتفكيرهم كذلك اثناء تكوينهم وبعده.

ما هو الجديد في العلاقة بين علم الاجتماع والطلب الاجتماعي؟ لعل الجديد هو ان هنالك تحولات عميقة جارية في المجتمع الجزائري مند عشرية من الزمن الان. وبالرغم من الغموض والتناقض اللدين يطغيان على سيرورة التحول هذه فان الخطوط الكبرى والعامة بدأت تتضح تدريجيا. وقد تمثلت التحولات على المستوى الاقتصادي في تدعيم التوجه نحو اقتصاد السوق الذي يعني انهاء تدخل الدولة وكسر الاحتكار وتزايد ﺃهمية ووزن المنشاة الخاصة. فضلا عن التغير في بناء وتنظيم المنشاة العمومية بإخضاعها لأليات السوق ومعيار الفعالية الاقتصادية.

      ﺃما على المستويين الاجتماعي والاقتصادي فهنالك تغيرات عميقة في بينة المجتمع والعلاقات الاجتماعية, وكذلك في نمط النظام السياسي وممارسة السلطة. كل ذلك من شانه المساهمة في تحديد ادق لطبيعة الطلب الاجتماعي وبلورته فيما يتعلق بنوعية التكوين المرتقب في علم الاجتماع, وعدد المتكونين في التخصصات المختلفة من هذا الفرع, اضافة إلى تحديد المجالات الاساسية التي سوف تبرز كحقول بحثية ممكنة مستقبلا

لكن هل هنالك امكانية حقيقية لتحديد الطلب الاجتماعي اليوم اكثر من قبل؟ ليس من السهل الاجابة بنعم على هدا السؤال بالرغم من وجود بوادر عامة ترتسم في الافق. السبب في دلك هو ان الطلب الاجتماعي لم يشكل بعد موضوع تفكير بطريقة جدية ومنهجية, لا من قبل النخب التي تقف وراء الطلب الاجتماعي, ولا من قبل المشتغلين بعلم الاجتماع. وتكفي الاشارة هنا الى غياب شبه تام لبحوث ودراسات في هدا المجال, فضلا عن انعدام حوار منظم بين الجامعة ومحيطها. بيد ان الجامعة تحاول تكييف منتوجها مع متطلبات التغيرات الحادثة في المحيط ويحكم مسعاها في دلك مجموعة توقعات يغلب عليها العمومية, والغموض والتردد, ومصدرها الحدس؟ والانطباع العام الدي احدثته التحولات الجارية وافاق تطورها, اكثر منه الدراسة المنهجية والاستطلاع المنظم لحاجات القطاعات والهيئات المستخدمة لدلك المنتوج. والسؤال الحاسم هنا هو باي طريقة وفي اي اتجاه اثرت تلك التغيرات الحادثة في المحيط على علم الاجتماع سواء على مستوى التكوين  او البحث؟ دلك ما نحاول ابرازه في الجزء المتبقي من هده الورقة.

3-الطلب الاجتماعي والتكوين

لعلنا لا نبالغ ان وصفنا الوضعية الحالية فيما يخص علاقة المحيط بالجامعة على الشكل الخطاطي التالي: من جهة المحيط فان المتعاملين يحددون بدقة اكبر مالا يريدون, اما من جهة الجامعة فهنالك جهل شبه تام بخصوصية الطلب الاجتماعي وطبيعته كما وكيفا. ومع دلك فإننا نشهد قيام السلطات العمومية المسؤولة عن التعليم الجامعي بما تدعوه " اصلاحا شاملا للمنظومة الجامعية"

(1995.M.E.S.R.S). فماهي التغيرات التي يحملها مشروع الاصلاح لعام الاجتماع؟  

على مستوى الشكل لم تحدث تغيرات ذات قيمة على عملية التكوين بحيث ان طريقة الالتحاق بالجامعة بقيت على ما كانت عليه ( البكالوريا + التوجيه).

ويعتبر علم الاجتماع في هذا المجال علم الاجتماع في هذا المجال من اكثر الفروع معاناة بحيث يسمح لحاملي البكالوريا آداب بمعدل اقل من 10 واعلى قليلا للأخرين الالتحاق بهذا الفرع,  اضافة الى توجيه اعداد كبيرة جدا من الطلبة غير الناجحين في دراستهم في فروع اخرى نحو التسجيل في علم الاجتماع. كما جرت المحافظة على انظمة التقويم والانتقال ولم تغير المعايير التي يخضع لها ( نظام الامتحانات, نظام التعويض بواسطة المعدل العام....الخ)

اما على مستوى المضمون فقد احدثت بعض التغيرات التي يمكننا استعراضها بسرعة:

1-اقتراح تخصصات جديدة, منها تخصص المحقق الاجتماعي من خلال تكوين قصير المدى ( سنتان ) وبشهادة وسطية.  

2-اضافة الى ذلك استحداث تخصص اخر يتمثل في الخدمة الاجتماعية, ويمتد التكوين فيه على مدى اربع سنوات, لينال المتخرجون شهادة ليسانس. والهدف من هده التخصصات حسب الوثيقة المقدمة من اللجنة البيداغوجية الوطنية والتي تتضمن مقترحات مختلف معاهد علم الاجتماع, هو تزويد سوق العمل وتلبية الطلب الاجتماعي, بمختصين في مجال اجراء التحقيقات الاجتماعية وكذلك في ميادين خدمة الافراد والجماعات ( في قطاعات الصحة, التعليم, الثقافة, الادارة العمومية.....الخ), (معهد علم الاجتماع, جامعة الجزائر 1995) وتثير هده المقترحات التي تم اعتمادها من قبل اللجنة البيداغوجية الوطنية في انتظار عرضها على الوزارة الوصية عددا من التساؤلات:

-هل تستجيب هده التخصصات لطلب اجتماعي فعلي؟

- على فرض وجود طلب اجتماعي ( فعلي او ممكن ) هل ان التكوين الحالي بتخصصاته لا يستطيع تلبيته؟

- في ضوء الفروق الطفيفة في مضمون التكوين  المقترح لهذه التخصصات الجديدة, الا يعين دلك اضافة اعداد جديدة في خريجي علم الاجتماع الى قائمة العاطلين عن العمل؟

3- الاحتفاظ بالتخصصات القديمة مع اجراء بعض التعديلات الطفيفة على مضمون عملية التكوين, بخاصة في السنتين الثالثة والرابعة. وقد طغت على المراجعة للبرامج نزعة تقنوية, بمعنى اقتراح وحدات بيداغوجية عديدة تطبع عملية التكوين بطابع تقني مؤكد. ففي تخصص علم اجتماع العمل

مثلا جرى استبدال عدد من المقاييس النظرية ( مثل تحليل سوسيولوجي لتاريخ العمل- تحليل لتاريخ الحركة العمالية.....( بمقاييس ذات طابع تطبيقي مثلا, الاتصال في المؤسسة- نظريات التنظيم- تسيير الموارد البشرية, علم الاجتماع, العلاقات المهنية..). الى جانب ذلك نجد مجموعة مقاييس يغلب عليها طابع العمومية والغموض ويصعب اعطاؤها مضمونا محددا عند تدريسها كوحدات بيداغوجية ( مثلا, العمل والمجتمع ..الخ). لعل هذا التناقض يشير الى صعوبة اساسية في اخضاع التكوين لطلب اجتماعي ذون ﺃن بكون هذا الاخير محددا بوضوح وبدقة.

اذا نظرنا الى التخصصات الاخرى المدرسة في معاهد علم الاجتماع التربية مثلا يغلب عليه قبل عملية المراجعة الاخيرة للبرامج تكوينا ﺃقرب الى علوم التربية منه إلى علم الاجتماع. ففي السنة الثالثة من هذا التخصص نجد مقياسين ( مدخل لعلم اجتماع التربية- مؤسسات التنشئة الاجتماعية ) في صميم التخصص بينما تنتمي بقية الوحدات الى علوم التربية وعلم النفس. ﺃما السنة الرابعة فلا تتضمن اية مقاييس في علم اجتماع التربية. وقد رسخت المراجعة الاخيرة هده النزعة بحيث قدمت مقترحات عديدة مثل اضافة مقياس " بيداغوجية "  في السنة الثالثة,  ولغة وتربية" في السنة الرابعة. ﺃما تخصص علم اجتماع الثقافة فقد تحول الى قسم للأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

وتطرح بخصوص هذه المراجعة عدة اسئلة حاسمة:

ﺃولا : إلى ﺃي مدى يمكن اعتبار هده العملية التي تندرج ضمن ميكانيكا الهندسة الاجتماعية( بمعنى استبدال بعض القطع المتأكلة بقطع اخرى جديدة) عملية " اصلاح جدري " تندرج في اطار استراتيجية متكاملة لمعالجة مشكلات التكوين والبحث في علم الاجتماع.

ثانيا: الى اي مدى تستجيب عمليات الترقيع الظرفية هذه الى طلب اجتماعي حقيقي يعبر عنه المحيط؟ ذلك ادا سلمنا جدلا بان هناك تحديدا, ولو عاما لطبيعة ذلك الطلب كما وكيفما. وهو شيئ  نفتقده حتى الان كما اشرنا سابقا.

 

-4الطلب الاجتماعي و البحث

يتميز نشاط البحث في حقل علم الاجتماع لحد الان بضعف كبير, وقد كانت هذه الوضعية وليدة تظافر عوامل عديدة منها على الخصوص : غياب سياسة وطنية للبحث العلمي عموما وفي علم الاجتماع خصوصا: اللاستقرار الكبير الدي طبع الهياكل الوطنية للبحث: ( من الهيئة الوطنية للبحث العلمي الى المركز الوطني للبحث العلمي في السبعينات, الى المجلس الاعلى للبحث العلمي والتقني 1981- ثم المحافظة الوطنية للبحث العلمي والتقني 1984- الى المحافظة السامية للبحث 1986- الى الوكالة الوطنية للبحث 1990). اضافة الى غياب قانون اساسي للأستاذ الباحث في الجامعة, وغياب منظومة تحفيز مادي ومعنوي للباحثين, بقرطة وتصلب هياكل وهيئات تسيير البحث على مستوى الجامعات ( وحدات البحث) او على مستوى المركزي ( دراسة شكلية لمشاريع البحث, ضعف هياكل المتابعة والتقويم وانعدام الانتظار  في عملها, غلبة الطابع الارادي على العملية ككل).

في ضوء هده الوضعية التي عرفها البحث العلمي في الجامعة بخاصة, هل هنالك تغيرات اليوم على مستوى المحيط من شانها فرض ديناميكية جديدة على البحث السوسيولوجي؟

لقد تميز مجال البحث العلمي عموما وفي علم الاجتماع تخصيصا بتبعية واضحة ومؤكدة للتصورات والانشغالات التي عبرت عنها السلطة السياسية, وقد تحققت تلك التبعية من خلال اليات عديدة لعل ﺃهمها التوجيه الايديولوجي والتمويل. ونقصد بالتوجيه الايديولوجي ﺃن معظم الابحاث التي جرت في علم الاجتماع سواء كانت لتلبية طلب اجتماعي مباشر وصريح من قبل مؤسسات رسمية, او اندرجت في اطار الدراسات الجامعية لتحصيل شهادات ودرجات علمية, هذه البحوث خضعت في  معظمها لتصورات الايديولوجيا المسطرة في الفترة التاريخية التي جرى فيها البحث. ويمكننا ملاحظة كيف ﺃن اهتمامات وانشغالات الباحثين قد تزامنت مع بروز وسيطرة موضوعات معينة على مستوى الخطاب والممارسة السياسية للسلطة ( الثورة الزراعية, سياسة التنمية والتصنيع_ التسيير الاشتراكي_ اعادة الهيكلة واستقلاليو المؤسسات_ علاقات العمل في اقتصاد السوق_ منظومة التكوين وعلاقتها بالتشغيل_ الشباب والتهميش ومظاهر الانحراف...الخ)

هده التبعية في مجال البحث السوسيولوجي لا يفسرها الانقياد والخضوع للتوجهات الايديولوجية العامة التي تفرض نفسها من خلال اليات الانتقاء والتصفية القبلية ( فرض محاور بحثية عامة من قبل الهياكل الوطنية للبحث _ لجان دراسة وتقويم مشروعات البحث) وكذلك البعدية ( اعتماد نتائج البحوث, ونشرها وتطبيقها...الخ), بل ان التبعية تفسر ايضا من خلال التمويل المباشر ﺃو غير المباشر لتلك البحوث, بيد ان تأثيرات هدا العامل لم تكن واضحة وبارزة في الفترات التاريخية السابقة. ﺃما مستقبلا فمن المرشح ان تتزايد ﺃهمية التمويل في توجيه البحوث, بينما تتقهقر تأثيرات العامل الايديولوجي, لا ليختفي تماما, بل ليعمل في الخفاء وبطريقة غير مباشرة.

ﺃما بالنسبة للوضع الراهن المتميز بكونه يمثل حالة انتقالية على المستويات السياسية, الاقتصادية والاجتماعية, فإن ما يمكن ملاحظته هو وجود اتجاهات ﺃو ميول كبرى يشوبها الغموض وحتى التناقض, لان الطلب الاجتماعي لم يتبلور بعد, كما ﺃن العلاقة بين الجامعة والمحيط ما تزال موضوع تفاوض مستمر بين الطرفين ضمن السيرورة العامة للانتقال نحو مجتمع مفتوح يقوم على علاقات تأسيسية تستمد طبيعتها من العقلنة الاقتصادية والتبعية السياسية . في ضوء ذلك نجد سؤالا ملحا يفرض نفسه علينا الا وهو, ماهي التطورات المتوقعة في العلاقة بين الطلب الاجتماعي والبحث السوسيولوجي؟

ان العلاقة بين الطلب الاجتماعي والبحث لن تعرف, في اعتقادنا , تغيرات جوهرية في المستقبل المنظور لا نها تتشكل ضمن اطار مؤسسي عام يحدد طبيعتها وتوجهاتها العامة بالرغم من التنوع الذي تتجسد فيه خلال فترات تاريخية محددة. ذلك ان هذه العلاقة تتحدد ضمن اشكالية واسعة ومزدوجة الاطراف, تمثلها العلاقة بين السلطة والجامعة من جهة اخرى. ونعتقد ان موازين القوة سوف تكون في غير صالح استقلالية الجامعة والباحثين وسوف تستمر كذلك لمدة طويلة نسبيا رغم ﺃنها ستخضع لأليات بديلة غير تلك التي عرفتها في مراحل سابقة, لعل ﺃهمها الية التمويل.

ﺃما بخصوص تحديد طبيعة الطلب الاجتماعي, فانه بالرغم من صعوبة تحديده بدقة ورسم خارطة نموه وتطوره بالنظر الى غياب دراسات وﺃبحاث في هذا المجال, فإنه بإمكاننا الاشارة الى بعض الخطوط العامة التي يمكن ان تساعدنا على استشرافه في ضوء التحولات الراهنة للمجتمع الجزائري:

-هيمنة تصور تقنوي على تحديد طبيعة التحولات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع في المرحلة الراهنة, والتالي توسيع ذلك التصور إلى تحديد طبيعة المشكلات المجتمعية الاساسية. يحدث ذلك على حساب اعتماد تصور تكاملي يأخذ فيه التفكير السوسيولوجي النقدي دورا بارزا.    

- سيطرة نزعة اقتصادية قوية عند طرح القضايا الرئيسية للمجتمع في المرحلة الانتقالية الحالية, ويبدو ذلك بوضوح من خلال تضخيم الجوانب الاقتصادية في الازمة التي يمر بها المجتمع,  والتركيز على فشل تجربة التنمية الاقتصادية في المرحلة السابقة, وفي ذات الوقت تقديم العوامل الثقافية¸ الاجتماعية والسياسية, واحيانا يقع تجاهلها تماما.

- غلبة النظرة التجزيئية والذرية لمشكلات المجتمع والاعتقاد في قوة وفعالية اسلوب المعالجة القائم على ميكانيكا الهندسة الاجتماعية التي تفتقد الى نظرة عامة, تكاملية وشاملة وهو ما يفسر فشل هذه المقاربة في تحديد درجة واتجاه تبلور العلاقات الاجتماعية والتعرف على طبيعتها, وكذلك تجاهل التعارض وحتى التناقض المميز لحركية التحولات الاجتماعية الراهنة. كل ذلك يؤدي الى سيطرة نظرة اختزالية ثلاثية الابعاد: تقنوية- اقتصادية- ذرية.

يبدو ﺃن البحث السوسيولوجي سوف يندرج مستقبلا ضمن هذه المقاربة الثلاثية الابعاد للواقع الاجتماعي. وسوف تكون تأثيرات هذه المقاربة قوية في توجيه البحث نحو موضوعات تتعلق بمشكلات: ادارة وتسيير التوترات الاجتماعية التي تميز مرحلة الانتقال الحالية, اضافة الى مشكلات تكيف المؤسسات الاجتماعية مع الضغوط التي يفرضها المحيط الجديد, وكذلك قضايا الاختلالات الهيكلية, وصياغة سياسات قصيرة المدى لمواجهة الضغوط  الملحة داخل المؤسسات ومحيطها. وسوف يتوجه التمويل الذي توفره السلطات العمومية, والمنشئات الاقتصادية ( عمومية وخاصة ) نحو اعطاء دفع قوي للبحوث والدراسات التي تندرج ضمن هذا التصور الثلاثي الابعاد للمشكلات التي يعيشها المجتمع.

هكذا, يمكن القول ان حقل البحث السوسيولوجي سوف يتحدد تدريجيا من خلال تبلور الطلب الاجتماعي في المرحلة الراهنة والذي يتحدد بدوره من خلال الانشغالات الملحة والضغوط التي تواجهها المؤسسات الاجتماعية والسلطات العمومية. ذلك ما يعني الاقصاء تدريجيا لانشغالات واهتمامات لا تندرج ضمن الفضاء الحيوي للجهات الممولة للبحث. بل اكثر من ذلك فان الاقصاء والتهميش لن يقف عند هيمنة موضوعات وانشغالات على حساب اخرى لا نه سوف يتجسد كذلك في سيطرة تصورات نظرية واستراتيجيات منهجية تتحدد هي الاخرى بفعل التأثير الذي تمارسه التصورات المرحلية للمصالح والأهداف والرهانات التي تواجهها الجهات الممولة للبحث.

ذلك ما ينتج عنه اقصاء وتهميش  مدارس وتيارات سوسيولوجية معينة لصالح تيارات اخرى تستجيب اكثر للانشغالات المرحلية. وسوف يتفاعل هذا التحول على مستوى البحث حتما مع منظومة التكوين مما يعني تقوية التوجهات الفكرية المسيطرة على مستوى عملية التكوين و ترسيخها. ليس ذلك فحسب, بل ان عملية التكوين ذاتها ستعمق, من خلال التأثير الارتدادي, تلك التوجهات بعد ﺃن تحرز على اعتراف مؤسسي توفره المعاهد والجامعات باعتبارها مؤسسات انتاج وتداول المعرفة العلمية.

لعل من ﺃهم الاخطار المحدقة بعلم الاجتماع على مستوى التكوين والبحث على حد سواء في ضوء هذا " السيناريو" هو تأكل هامش الاستقلالية الفكرية لعلماء الاجتماع بفعل الانقياد للضغط المتنامي الذي سيفرضه الطلب الاجتماعي مع تبلور الاتجاهات الرئيسية الراهنة وتوجيهها لعملية نمو المجتمع. وسوف يتجسد هذا التقلص في استقلالية الباحثين وتقييد حرية الحركة لديهم من خلا فرض الجهات الممولة للبحث لتصوراتها عن طبيعة " المشكلات " الجديرة بالدراسة وكذلك الاولوية المعطاة لموضوعات محددة دون غيرها, وعند دراستها للأهمية التي توليها الاطر نظرية ومنهجية معينة في بنائها وتشكيلها للواقع الاجتماعي.

ذلك ما يعني بالنسبة لعلم الاجتماع تنامي الفرص السائحة لسيطرة فكر امتثالي ومحافظ وظيفته الاولى والاساسية تبرير الاوضاع القائمة وعقلنتها, في محاولة لتحقيق الاستقرار وللتوازن الاجتماعي من خلال تدخلات ظرفية شبيهة بعمليات جراحية لاستئصال " اورام خبيثة "او لانجاز " عمليات تجميلية" تعطي للعلاقات السائدة في المجتمع نفسا جديدا. كل ذلك على حساب تقهقر الفكر النقدي الذي يكشف الرهانات والمصالح المعلنة والخفية في المؤسسات الاجتماعية وفي علاقتها بالمجموعات الاجتماعية المسيطرة. إضافة الى تسليط الضوء على مكامن الاختلالات ومصادر الاضطراب في المجتمع, وابراز الاليات الكامنة وراءها مقدما للقوى الاجتماعية الخاضعة والمقهورة فرصا حقيقية لا حداث تغيرات عميقة في بناء القوة في اتجاه ترسيخ قيم الانعتاق والحرية والعدالة الاجتماعية.