Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

المقدمة[1]

تعود جذور البنية الطبقية لجزائر اليوم إلى عهد سابق تشكل فترة الاستعمار احدى برهاته الحاسمه، اذ تم خلالها تغلغل و توسع الرأسمالية مؤدية الى احداث تغيرات اقتصادية و اجتماعية جوهرية و قد تجسدت هذه السيرورة خاصة في عمليات المصادرة المتنوعة التي تعرض لها الفلاحون و كذلك تدمير الحرف مما أحدث حرف اختلالا عميقا في البنية الاجتماعية القائمة و نتج عن ذلك اقتلاع الالاف من قراهم و مداشرهم و الرمي بهم في سوق العمل المأجور التي بدأت تتشكل تدريجيا مع ظهور مزارع المعمرين و منشآتهم التجارية.

و لعل أهم ما ميز تلك المرحلة ليس الاستغلال الاقتصادي فحسب، بل الاضطهاد السياسي و الثقافي كذلك و هكذا كان التمايز المبني على العرق و الدين عاملا بارزا في بلورة البنية الاجتماعية عموما و في سيرورة تشكل الطبقة العاملة خصوصا و قد عكست الحركة النقابية منذ نشأتها هذه الخصائص و فشلت الى حد كبير في استيعاب مميزات التشكيلة الاجتماعية الاستعمارية.

و قد شكلت محاولات اخضاع  الطبقة الناشئة ومنظمتها النقابية من خلال السنوات الاولى من الاستقلال اشارة متقدمة تعبر عن ضرورات السيطرة الطبقية التي تضمنتها و افصحت عنها توجهات سياسية و اقتصادية محددة عملت على ترسيخ عدد من الاتجاهات المميزة لسيرورة التكوين الطبقي التي برزت خلال فترة الاستعمار و تمثلت احدى هذه الاتجاهات في نجاح عناصر البرجوازية الصغيرة في السيطرة على الدولة و أجهزتها الموروثة أما الاتجاه الثاني فمثلته التحالفات الظرفية التي جرت داخل اجهزة السلطة بين شريحة بيروقراطية و أخرى تكنوقراطية كلتيهما في طور التكوين و بين هذه من جهة و عناصر من الطبقة العاملة ، بخاصة بعض قيادات الحركة النقابية مما ساعد على اخضاعها، أو على الاقل وفر الشروط لذلك.

بعد سنوات من الاستقلال عرف المجتمع انطلاقة جديدة تمثلت في عمليات التأميم الكبرى التي سبقت حركة تصنيعية واسعة صاحبتها مشاريع الاصلاح الزراعي و توزيع المنظومتين التعليمية و الصحية و قد كانت لسيرورة التغيير الاجتماعي هذه و بخاصة التصنيع آثار عميقة على البنية الاجتماعية غير أن تلك السيرورة لم تكن تستمد ديناميتها من عوامل داخلية فقط، بل كانت خاضعة لتأثيرات العوامل الخارجية كذلك الامر الذي يدعونا الى التساؤل حول التأثير الذي مارسته عملية التصنيع على البنى الاجتماعية و الثقافية للمجتمع‘ الى اي حد أسهمت في إضعاف و ازاحة عناصر الثقافة القديمة مبلورة بذلك عناصر ثقافية حديثة ترتبط بالعقلانية الصناعية ؟ أم ان عناصر الثقافة القديمة ما تزال مسيطرة ؟ أم ان هناك نوعا من التعايش و التمفصل بين عناصر ثقافية تنتمي الى أطر مرجعية مختلفة ؟ و في هذه الحالة التي تبدو أقرب الى تمثيل واقع المجتمع، ما هي الاشكال التي يتجسد فيها الالتقاء بين عناصر الثقافتين.

سوف نتعرض في هذه المداخلة بالتحليل الى مثال عن هذا التلاقي من خلال النظر الى تمثلات عمال الصناعة للتمايز الاجتماعي و نتطرق الى ذلك بالتركيز على محورين، يخصص الاول لتحليل معطيات متعلقة بتمثلات الهوية و الموقع في البنية الاجتماعية و عوامل تحديد الانتماء الى موقع طبقي معين أما المحور الثاني فيركز على تحليل تمثلات العمال لبنية المجتمع و الانقسامات المميزة لها و يستند اختياريا لهذين المحورين على مسلمة أساسية مفادها أن الرؤية التي يكونها العمال عن أنفسهم و عن المجتمع تشكل اطارا أساسيا لتبلور ثقافة محددة داخل المنشأة.

1) تمثلات الهوية

يمكن القول أن عملية تمثل التمايز الاجتماعي الذي يطبع المجتمع تبدأ من نقطة رئيسية هي وعي الذات أو تحديد الهوية من خلال التعرف على الموقع الموضوعي الذي يحتله الفرد أو الجماعة في البنية الاجتماعية. تقوم معالجتنا لهذه النقطة على تحليل معطيات أفرزتها اجابات العمال على أربعة أسئلة تتعلق بتحديد الهوية الطبقية، و توضيح تركيبة طبقة الانتماء‘ ثم تحديد مضمون كلمة "العمال" التي تستخدم بصفة واسعة للتعبير عن الهوية الطبقية، و في الأخير نتعرض لتمثلات العمال حول العوامل المحددة لموقعهم الطبقي و يبين الجدول رقم 1 المعطيات التي حصلنا عليها عند استجواب العمال.

جدول رقم I- تمثلات الهوية الطبقية[2]

محددات الهوية ن=369

معنى "العمال"

ن=370

تركيبة طبقة الانتماء ن=375

تحديد الهوية ن=375

 

المهنة 29.0

الموقع الاقتصادي و الاجتماعي 45.6

الحالة المادية 14.0

مميزات ثقافية 11.4

عمال يدويون 13.0

عمال منتخبون 54.9

أجراء 32.1

عمال منتخبون 55.6

فلاحون صغار 24.3

حرفيون 2.1

موظفون بسطاء 6.5

جماهير فقيرة 3.0

بطالون 6.5

مستضعفون 2.0

طبقة الفقراء33.5

طبقة العمال 41.0

الطبقة الوسطى 16.4

الطبقة الخاضعة 3.8

الطبقة السفلى 5.3

المجموع 100

المجموع 100

المجموع 100

المجموع 100

سوف نقوم بتحليل هذه النتائج بالنظر الى المعطيات التي أفرزتها الاجابة عن كل سؤال على حده، و نحاول ابراز الخصائص و الاتجاهات العامة التي ترتسم من خلال تمثلات العمال لكل موضوع و في هذا الصدد تثير الاجابات عن السؤال الاول الخاص بتحديد الهوية عددا من الملاحظات :أولا : هناك مجموعة كبيرة من العينة عبرت عن هويتها باستخدام تعبير "طبقة العمال" ، و يبدو أن هذه الصيغة في تمثل الهوية ترتبط ببروز و انتشار عناصر ثقافية حديثة ذات صلة قوية بالتطور الصناعي و تزايد أهمية العمل المأجور كصغة أساسية للمجتمع الحديث‘ و بالخصوص العمل الصناعي الذي يستدعي تركيز أعداد كبيرة من اليد العاملة في فضاءات محددة (ورشات و مصانع) واخضاعها لطرق تنظيم و أساليب انضباط و شروط عمل متماثلة باستمرار و لعل تمثل الهوية بهذه الطريقة يشير ولو ضمنيا إلى الدور الحاسم الذي تلعبه العلاقات الاجتماعية للإنتاج في إحداث تمايزات و انقسامات محددة في بنية المجتمع و هذه الظاهرة في حد ذاتها مرتبطة بتطورات فكرية حديثة نسبيا تزامنت مع الثورة الصناعية و تبلور النظام الرأسمالي في اوروبا ثم توسعه فيما بعد.

ثانيا: هناك مجموعة أخرى مهمة أيضا استخدمت تعبير "طبقة الفقراء" لتحديد هويتها و انتمائها. و يبدو هذا التحديد يتسم بنوع من العمومية و الغموض نتيجة لانعدام أو ضعف المعايير المستعملة لتوضيح الحدود الفاصلة بين الغني و الفقير ثم أن مثل هذا التحديد للهوية قد يعبر بصدق عن ترسب عناصر ثقافية غير صناعية إنها ثقافة مسيطرة في مجتمع لم تتبلور  فيه بعد سيرورة التمايز الاجتماعي و تناقض المصالح الى درجة تسمح بادراك الانقسامات المميزة لبنية المجتمع بكونها تعبيرا موضوعيا عن تعارض المصالح و تباين المواقع في منظومة العلاقات الاجتماعية.

ان تحديد الهوية بهذا الشكل يميل الى الارتباط بثقافة تعي التمايز الاجتماعي من خلال مظاهره الخارجية المجسدة مثلا في توزيع الثروة الذي تبرزه الثقافة السائدة باعتباره قدرا محتوما لا مفر منه تمليه مشيئة قوى غيبية متسامية عن الواقع الاجتماعي بكل تناقضاته‘ لذلك ينبغي قبوله و الاذعان له و غالبا ما يكون تحديد الهوية بهذه الصيغة مندرجا ضمن ثقافة تتسم بهيمنة أيديولوجيا تتركب من مزيج معقد من الاساطير و المعتقدات الدينية.

ثالثا: تبرز النتائج تمثلا للهوية يشير الى وجود طبقات متعددة تشكل البنية الاجتماعية و بذلك فهو يرفض الثنائية القائمة في الصيغة السابقة لتحديد الهوية عندما تحدد مجموعة من العينة هويتها و انتماءها الى الطبقة الوسطى فذلك يشير الى أن العمال لا يعتبرون أنفسهم في المرتبة السفلى من الهرم الاجتماعي، إذ أن هذا التمثل يبرز بطريقة غير مباشرة وجود شرائح أو طبقات أ دنى مرتبة منهم و لعل هؤلاء الذين يعبرون عن هذا الموقف يعتبرون أنفسهم محظوظين لأن لديهم منصب عمل و مصدر دخل مستقر و ربما يجسد مثل هذا التمثل مستوى الوعي بدرجة التعقيد المميز لبنية المجتمع‘ كما أنه يعبر عن تأثير قوي لعناصر ثقافية حديثة مرتبطة بسيرورة التباين التي ميزت تطور المجتمعات الصناعية و بخاصة مع تعاظم دور قطاع الخدمات و المهن الحرة.

رابعا: تبين أن تحديد الهوية بالشكل الذي أبرزته النتائج رغم أن تعدد نماذج التمثل لم يتأثر بدرجة قوية بمجموعة العوامل التي يعتبرها الباحثون ذات أهمية في بلورة تمثلات العمال و من بين هذه العوامل حجم المنشأة و درجة تعقيدها تكنولوجيا و تنظيميا، و كذلك تفاوت مستويات التعليم و المهارة بين العمال و اختلاف الاصول الاجتماعية و المهنية و الاقدمية في العمل الصناعي و العضوية في النقابة.

و على هذا الاساس يبدو أن وجود نماذج تمثل مختلفة عند تحديد الهوية لا يخضع لتأثير الصفات الفردية بقدر ما يتحدد بالاتجاهات القيمية و القواعد المعيارية العامة المكونة للثقافة.

إن تحديد الهوية بالشكل الذي رأيناه يبقى ناقصا لأنه لا يفصح عن قضية جوهرية تتعلق بالمعنى الذي يعطيه كل واحد للالفاظ المستخدمة في تحديد الهوية أو بمعنى آخر ماهي تركيبة الطبقة أو الشريحة التي تتخذ كإطار مرجعي في تحديد الهوية.

تبرز النتائج المقدمة ثلاث مجموعات عبرت عن تمثلات مختلفة لتركيببة الطبقة التي تنتمي اليها : المجموعة الاولى التي تمثل الأغلبية (%55.6) ركزت على استخدام معيار الموقع (عمال منتجون)، في نظام الانتاج الاجتماعي الذي تحدده علاقات الانتاج السائدة و بذلك يبدو تمثل هذه المجموعة لتركيبة طبقتها متأثرا بعناصر ثقافية حديثة مرتبطة بسيادة النظام الصناعي و أسلوب الانتاج الرأسمالي، كما تعبر تلك العناصر عن التناقضات المميزة للمجتمع في ظل سيطرة عقلانية صناعية و رأسمالية و هذا ما يبرزه بوضوح تركيز هذه المجموعة على تعبير العمل المنتج كأساس لاقامة تمييز بين الافراد و الجماعات و تحديد مواقعهم داخل بنية المجتمع.

أما المجموعة الثانية، فيبدو أنها تلجأ في تمثلها لتركيبة طبقتها الى عامل اقتصادي هو الدخل الذي يشير بطريقة غير مباشرة الى نمط توزيع الثروة و الملكية في المجتمع و هكذا نجد اشارة هذه المجموعة الى فئات غير متجانسة تضم "صغار الفلاحين"، "الموظفين البسطاء"، "الحرفيين" الذين لا يجمعهم سوى تقارب مستوى الدخل، و لا يخفى أن اعتماد هذا المعيار يرتبط بتوزيع الثروة في المجتمع الذي يشير بدوره الى التأثير القوي الذي تمارسه عناصر الثقافة غير الصناعة في بلورة التمثلات الاجتماعية من بين مميزات هذه الثقافة مقاومتها لكل عملية تهدف الى إزاحتها و استبدالها بمنظومة قيمية حديثة و تستمد هذه المقاومة قوتها من استمرار التأثير الذي تمارسه العلاقات و البنى القديمة التي غالبا ما لا يتم القضاء عليها نهائيا بل يقع ادماجها مع العلاقات و البنى الحديثة و هكذا نجد نمط توزيع الثروة الذي هو نتيجة لآليات خفية (م ن 2ء علاقات الانتاج و علاقات القوة في المجتمع)يؤخذ في اطار الثقافة القديمة باعتباره عاملا مفسرا للتمايز الاجتماعي، بينما هو في الحقيقة لا يعدو أن يكون أحد مظاهر ذلك التمايز.

أما المجموعة الثالثة و هي أقلية )%11.5( فتعبر بتمثل غامض الى حد ما عن تركيبة الطبقة التي تنتمي اليها بحيث أنها تجمع بين ما يدعى "الجماهير الفقيرة "البطالين" و المستضعفين". ويبدو أن هؤلاء الذين عبروا عن هذا التمثل يفتقرون الى أسس محددة و واضحة يتم اعتمادها عند تحديد تركيبة الطبقة التي ينتمون اليها، لذلك نجد مزيجا من عوامل تنتمي الى أطر ثقافية مختلفة "فالجماهير الشعبية " تعبير أساسي في أيديولوجيا شعبوية ينتشر عادة في مراحل التحول السريع المميز مثلا لفترات التصنيع في المجتمعات الزراعية كما نجده مرتبطا بتغيرات في البناء السياسي عند التحول من أنظمة تسلطية الى أنظمة راديكالية تحت قيادة البرجوازية الصغيرة.

الى جانب ذلك نجد ادماج "البطالين" ضمن هذه الطبقة، و يمكننا ادراج هذا التمثل في اطار ثقافي حديث مرتبط بالمجتمع الصناعي عموما و الرأسمالي خصوصا حيث تسود علاقات محددة بين قوة العمل ووسائل الانتاج و تبرز مقولات مهمة مثل زمن العمل و مكان العمل، ووقت العمل و اللاعمل،  و يتم التمييز بين الوضعية التي تكون فيها قوة العمل مستخدمة و الحالة التي تكون فيها معطلة و مهدرة كل هذه المقولات و التمثلات المعبرة عنها ترتبط بإطار ثقافي يختلف تماما عن ذلك الذي يميز المجتمعات غير الصناعية حيث تكون مقولتا الزمن و العمل مرتبطتين بالدورة الفصلية للطبيعة و لا معنى لمقولة "البطال" نظرا للعلاقات التي توجد بين قوة العمل ووسائل الانتاج التي تتميز بانعدام الفصل بين هذه الاطراف كما تبدو التأثيرات القوية لعناصر الثقافة القديمة من خلال تعابير الايديولوجيا الدينية التي تتمثل في التمايز الاجتماعي باعتباره تعارضا بين الاقوياء و المستضعفين.

هكذا، يكون تمثل تركيبة الطبقة التي ينتمي اليها العمال عملية تفصح عن الترابط و التلاحم القائم بين عناصر ثقافية تندرج ضمن أطر رمزية مختلفة و ربما متعارضة.

بعد كل هذا ينبغي التساؤل عن الدلالة المعطاة لتعبير "العمال" الذي يتكرر لدى أغلبية العينة سواء عندما يتعلق الامر بتحديد الهوية أو تركيبة الطبقة التي ينتمون اليها في الحقيقة، تقدم لنا النتائج ثلاث دلالات أو مضامين مختلفة يندرج كل واحد منها في اطار ثقافي معين في الحالة الاولى التي يستعمل فيها لفظ العمال اشارة لاولائك الذين يباشرون نشاطا منتجا يبدو أن الهدف غير المعلن هو التمييز بين المنتج و غير المنتج و على الرغم من أن هذا الربط بين العمل و الانتاج قديم قدم الانسان فإنه لم يحتل مرتبة الصدارة الا مع بروز و تطور ثقافة حديثة تبر عنها بوضوح عقلانية المجتمع الصناعي الرأسمالي حيث تمنح الاولوية للعمل المنتج للثروة‘ أي العمل الذي يضيف قيمة من خلال عمليات التحويل و التصنيع الى جانب ذلك يوضع العمل المنتج في مقدمة  الاهتمام و يحتل مرتبة أساسية في منظومة الايديولوجيا الانتاجوية التي تبتذل الجهد و تحتقره مع أنه السبيل الوحيد لتحقيق مطامح و أهداف أرباب العمل و المسيرين كما أن الاهتمام بالعمل المنتج كمقولة مركزية يصادف بلوغ المجتمع الصناعي أعلى مراتب تطوره و هي مرحلة مجتمع الاستهلاك "الجماهيري".

و في الجزائر، لعبت الايديولوجية الانتاجوية دورا حاسما في تركيز الاهتمام على مقولة العمل المنتج باعتباره وسيلة للتخلص من وضعية التخلف و التبعية و تحديث المجتمع و قد ساهمت الشريحة التكنوبيروقراطية المسيطرة على نشر هذا التصور محققة بذلك هيمنة النظرة التقنوية لقضايا المجتمع و آفاق خلاصه و ليس صدفة أن تجد هذه التصورات صدى في تمثلات العمال و هم المعرضون باستمرار الى حملة مكثفة هدفها نشر هذه التصورات.

لكن يمكننا استشفاف معنى مغاير للأهمية الممنوحة للعمل المنتج عند تحديد مضمون لفظ "العمال" اذ أنه يبرز أحد المعايير الجوهرية التي يِسس عليها التمايز الاجتماعي من وجهة نظر العمال فالأمر في هذه الحالة لا يتعلق بمجرد تقسيم تقني للعمل رغم أهميته، لكن بالآثار الاجتماعية و الاقتصادية المرتبطة به و المترتبة عنه سواء في مكان العمل (احتلال مواقع متباينة في سيرورة العمل و التنظيم الهرمي) أو على مستوى المجتمع ككل (توزيع الثروة الاجتماعية و القوة و الحظوة).

أما المعنى الثاني الذي استعمل فيه لفظ "العمال" إشارة الى جميع الاجراء فيرتبط هو الاخر باطار الثقافة الحديثة لأن العمل المأجور ظاهرة حديثة نسبيا و لم تصبح خاصيته بارزة إلا بانتشارها في ظل تطور و توسيع نمط الانتاج الرأسمالي خلال القرنين الأخيرين ليصبح نظاما عالميا أما في الجزائر، فإن العمل المأجور لم يشكل ظاهرة مجتمعية الا بعد الاستقلال و نتيجة لعملية التصنيع الواسعة و السريعة لذلك فإن الربط بين لفظ "العمال" و العمل المأجور أصبح ظاهرة مميزة بفعل  أن الاغلبية من القوة العاملة تدخل ضمن هذه الفئة التي تعتمد على الاجر كمصدر أساسي، ان لم يكن وحيدا للدخل مهما تنوعت قطاعات النشاط  ما يؤكد هذا المنحى في تفسيرنا هو أن النتائج توضح انتشار لفظ العمال بهذا المعنى خاصة بين أولئك الذين يعيشون في مناطق حضرية متميزة باتساع و شمولية هذه الظاهرة (العمل المأجور). بينما يقل ذلك بوضوح عند العمال الذين يعيشون في مناطق ذات طابع ريفي، أو أولائك الذين يحتفظون بروابط قوية هنالك. و يمكن تفسير ذلك بعدة عوامل منها: وجود مصادر دخل غير الأجر، و كذلك قوة شبكة العلاقات الاجتماعية غير التعاقدية القائمة على أسس قرابية و زبونية و هكذا يتضح أن المحيط العمراني المرتبط باطار اجتماعي ثقافي معين يؤثر بشكل أو بآخر في صقل و بلورة التمثلات الاجتماعية.

الى جانب هذه الدلالات نجد مضمونا آخر للفظ "العمال" و إن لم يكن شائعا بين أفراد العينة و هو الذي يشير الى كل من يمارس عملا يدويا و لعل هذا المعنى يتحدد في اطار ثقافي قديم حيث يتميز نشاط العمل بالتدخل المباشر للإنسان و كذلك بوجود علاقة مباشرة بينه و بين الطبيعة التي تشكل موضوع العمل ووسيلته وعلى الرغم من تعدد و تنوع المضامين فان هناك اتجاها قويا لإعطاء لفظ "العمال" معنى يكشف عن قوة تأثير عناصر الثقافة الحديثة المرتبطة بظهور الصناعة و توسع النظام الرأسمالي المتميز بالفصل بين المنتجين ووسائل الانتاج و الترميز على الوظيفة الانتاجية كسمة جوهرية في النظام لكن، هذا لا يعني زوال تأثير العناصر الثقافية المنتمية لاطار مغاير، بل هناك استمرارية تؤدي الى أشكال معقدة من التلاقي بين هذه الأطر الثقافية. هذا ما تبرزه النتائج المتعلقة بمؤشر آخر هو تمثل العوامل المحددة للهوية الطبقية للعمال، حيث نجد ميلا واضحا نحو اعتبار الموقع الاقتصادي و الاجتماعي عاملا حاسما في تحديد هوية متميزة للعمال لكن، الى جانب ذلك نجد تأثير عوامل أخرى تندرج ضمن اطار ثقافي قديم و من بينها المهنة و المستوى المادي و بعض المواصفات الثقافية التي من شأنها تمييز العمال مثل انخفاض مستوى التعليم و نمط الحياة الخ.

هذه العوامل الاخيرة تبدو ذات تأثير ضعيف اذا أخذت منفردة غير أن تأثيرها يتعاظم عندما تكون مجتمعة باعتبارها ترتبط بنمط ثقافي قديم غير صناعي و بهذا الصدد أيضا نجد أنفسنا أمام نوع من التلاقي بين تمثلات مختلفة للعوامل المحددة لهوية و موقع العمال في البنية الاجتماعية و ينتمي كل من تلك التمثلات إلى نموذج ثقافي متميز.

2) تمثلات البنية الاجتماعية

ترتبط تمثلات الهوية و الموقع الطبقي بتمثلات أعم و أوسع يكون موضوعها ادراك طبيعة البنية الاجتماعية و خصائصها المتميزة.من هذا المنطلق عمدنا الى تخصيص الجزء الثاني من هذه المداخلة لتوضيح التمثلات السائدة لدى العمال فيما يخص البنية الطبقية للمجتمع الجزائري و عن طبيعة الطبقة كمقولة تعكس التمايز الاجتماعي، و كذلك تمثلاتهم عن العوامل المحددة للموقع الذي تحتله أية طبقة و طبيعة الجماعات التي يعتبرونها معادية.

و يقدم الجدول رقم  II : النتائج الخاصة بهذه الجوانب.

جدول رقم :  IIتمثلات البنية الطبقية

[3] البنية الطبقية

ن=375

طبيعة الطبقة ن=372

محددات الموقع

ن=363

الجماعات المعادية

ن=348

الأغنياء 24.5

الفقراء 24.9

العمال 10.7

البرجوازية 7.9

الطبقة الخاضعة 9.5

الطبقة المتوسطة 11.3

المثقفون 2.0

شاملة 49.5

غير شاملة 50.5

المهنة 14.9

الموقع الاقتصادي و الاجتماعي 73.0

خصائص ثقافية 12.1

الاغنياء 35.3

الملاك الكبار 255.3

الإطارات العليا 24.7

العمال في مهن أخرى 2.6

العمال المهرة 8.0

الأفضل حالا 2.6

لا أحد 1.5

المجموع 100

المجموع 100

المجموع 100

المجموع 100

 

 

 

تبرز النتائج وجود ثلاثة نماذج رئيسية يفصح العمال من خلالها عن تمثلاتهم للبنية الطبقية في المجتمع يستند النموذج الاول الى عامل الثروة (الأغنياء و الفقراء) و الثاني الى علاقات الانتاج (العمال و البرجوازية)، بينما يقوم النموذج الثالث على علاقات القوة و السلطة (المسيطر و الخاضع).

يبدو أن النموذج الاول، و هو الأكثر انتشارا، مرتبط بعناصر ثقافية قديمة تعبر عن خصائص و مميزات العلاقات الاجتماعية التي تحكم وضعا و عالما قبل صناعي ففي تلك الاوضاع يصبح هذا النموذج القائم على توزيع الثروة بطريقة مثلى لتمثيل التمايزات الاجتماعية التي تطبع المجتمع لكن هذا التمثل لا يرقى الى مستوى الوعي الطبقي الذي يعتبر ظاهرة جديدة نسبيا لا يتحدد مضمونها و دلالتها إلا في اطار الثقافة الحديثة المرتبطة بالتشكيلة الرأسمالية المتقدمة صناعيا و مع ذلك ينبغي الاحتراس من الفكرة الخاطئة التي مفادها أن التمثلات التي تقوم على نموذج توزيع الثروة منتشرة فقط بين عمال المجتمعات النامية، لأنها موجودة كذلك لدى عمال المجتمعات الصناعية المتقدمة[4]. ذلك أن انتشار هذا النموذج من التمثلات المعبرة عن التمايز الاجتماعي لا يعود فقط الى ارتباطه باستمرار تأثير عناصر الثقافة القديمة و انما الى بساته في تفسير تلك التمايزات فالتوزيع غير المتكافئ للثروة يبدو من أكر خصائص المجتمع سهولة للإدراك نظرا لارتباطه الوثيق بمؤشرات خارجية و حسية. كما أنه من أكثر الموضوعات تداولا في الايديولوجيات الشعبية و الرسمية على حد سواء.

في مقابل ذلك نجد بنى مضمرة و غير حسية يقوم عليها التمايز الاجتماعي مثل الموقع ضمن علاقات الانتاج و علاقات السلطة، و هذه تشير الى آليات كامنة معرضة للتعتيم بصورة مستمرة و منتظمة من قبل الخطابات الايديولوجية المسيطرة سواء كانت علمانية أو دينية و على الرغم من ذلك فإنه ينبغي ملاحظة التعايش بين تمثلات قائمة على نماذج ترتبط بأطر ثقافية متباينة بعضها قديم و الآخر حديث و يبدو ذلك بوضوح من خلال الأهمية النسبية لأولئك الذين عبّرو عن تمثلات تشير الى علاقات الانتاج و كذلك علاقات السلطة.

و يمكن في نظرنا اعتبار هذه النماذج المختلفة بدائل استراتيجية يقوم العمال من خلالها ببناء عالمهم الاجتماعي و الرمزي و تأويل أحداثه و تكون هذه البدائل و النماذج التي تعبر عنها محددة بواسطة عملية تفاعل معقدة بين عدة عوامل من أهمها إدراك الموقع و المصالح المرتبطة به سواء كانت آنية أو بعيدة المدى كما تعبر هذه النتائج عن تلاقي بين عناصر تنتمي الى أطر ثقافية و رمزية متباينة ذات تأثير على بلورة تمثلات العمال و توجيه ممارساتهم باعتبارهم فاعلين اجتماعيين كما أبرزت نفس النتائج وجود درجة معينة من الارتباط بين انتشار هذه النماذج وبعض الخصائص المميزة لطبيعة النشاط الصناعي مثل حجم المنشأة و مستوى تطور التكنولوجيا أو لليد العاملة مثل السن و مستوى التعليم.

إن التلاقي بين عناصر ثقافتين يظهر أيضا في تمثلات العمال لطبيعة العلاقات الطبيعية و مدى شموليتها كظاهرة موضوعية يتجسد فيها التمايز الاجتماعي كإطار مرجعي تتبلور ضمنه الممارسة الاجتماعية. بهذا الصدد، نجد موقفين لدى العمال، بينما ترى المجموعة الاولى أن الطبقة تشكل نموذجا شاملا يعبر عن الانقسامات المميزة للمجتمع، بحيث أن كل فرد أو جماعة يتموقع ضمن إحدى الطبقات المشكلة للبنية الاجتماعية في أية لحظة من تطورها التاريخي، ترى المجموعة الثانية أن الطبقة ليست ظاهرة شاملة أو جامعة، بل لا تعدو أن تكون  أحد الاشكال التي تتبلور فيها العلاقات الاجتماعية و من أهم تلك الاشكال العائلة و الزمرة و الطائفة و جماعات الانتماء الجهوي او العرقي.، الخ. ويبدو أن الفرق بين هذه الاشكال الاجتماعية و الطبقة لا يكمن في الآليات التي تحكم العلاقات السائدة بين الجماعات المختلفة فحسب، و لكن في طبيعة تلك العلاقات ذاتها هذه الاخيرة ترتبط بالاطار الاجتماعي العام الذي تبرز فيه تلك الاشكال لتبلور تمايز البنية الاجتماعية و لا يخفى أن ذلك الاطار العام يتحدد بجملة من العوامل منها قيم و معايير الثقافة السائدة. لذلك فإن الموقف الذي يتثمل الطبقة باعتبارها ظاهرة شاملة و جامعة يشير الى سيادة علاقات غير شخصية و هيمنة اطار ثقافي تلعب فيه الدور الحاسم قيم و معايير "مموضعة" valeurs et normes objectivées »   ».    

أما الموقف الثاني الذي ينفي عن الطبقة شموليتها فيبرز أولوية و مركزية علاقات التبعية الشخصية و الولاء المباشر و هيمنة الروح الجمعية و غياب الفردانية كعامل حاسم في صياغة العلاقات السائدة.

عندما يتعلق الامر بكشف العوامل المحددة للموقع الطبقي في البنية الاجتماعية نجد أن أكثرها توترا في تمثلات العمال تلك المتصلة بالموقع الاقتصادي و الاجتماعي و يقصد بذلك المكانة التي يحتلها الفرد أو الجماعة ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية المميزة لنظام الانتاج الاجتماعي. هذا الموقع يتحدد بفضل تمفصل عدة عوامل مثل علاقات الملكية و حق التصرف و الرقابة على وسائل الانتاج و العملية الإنتاجية، و طريقة توزيع الثروة الاجتماعية و كل هذه الخصائص ترتبط بعناصر الثقافة الحديثة التي تبلورت مع توسيع النظام الرأسمالي و تأسيسه كنظام اجتماعي مسيطرة على المستوى العالمي، كذلك بانتشار نظرية الاشتراكية العلمية و الممارسات المستندة اليها منذ منتصف القرن الماضي.

غير أن الأهمية التي اكتسبتها هذه العوامل المرتبطة بعناصر ثقافية حديثة لا تنفي دور العوامل الاخرى مثل المهنة و الخصائص الثقافية التي ترتبط بقوة في أذهان الناس بعملية التمايز الاجتماعي و يمكن اعتبار المهنة من بين أقدم العوامل المعتمدة في التصنيف و الترتيب الى فئات و شرائح معينة تحتل كل منها مكانة محددة في بنية المجتمع فقد كانت المهنة قاعدة أساسية في بلورة تراتب اجتماعي صارم في الحضارات القديمة و لا تزال ذات تأثير حتى اليوم في المجتمعات الزراعية و على الرغم من أهميتها في المجتمعات الصناعية فإنها لا تلعب دورا حاسما إلا من خلال تمفصلها مع عوامل أخرى موضوعية و ذاتية لذلك فإنه من الممكن ربط التمثلات الاجتماعية التي تعتبر المهنة عاملا محددا للموقع الطبقي بتأثير عناصر ثقافية تعود الى اطار مرجعي قديم.

أما الخصائص الثقافية مثل مستوى التعليم و نمط الحياة، فإنها على الرغم من انتشارها في الادبيات السوسيولوجية الحديثة و بخاصة الامريكية لا تقل قدما على عامل المهنة. لقد قامت نظم التراتب الاجتماعي في كل الحضارات القديمة و حتى بداية ظهور الرأسمالية الصناعية و لو جزئيا، مثل هذه العوامل أهمية خاصة باعتبارها أسسا للفرز و التمايز بين مختلف الشرائح و الجماعات[5].

و هكذا، فإن التلاقي بين عناصر ثقافية قديمة و أخرى حديثة عندما يتعلق الامر بتمثلات التمايز الاجتماعي و العوامل التي يقوم عليها لا يأخذ بالضرورة شكل التصارع و التصادم بين أطر مرجعية قيمية متباينة ترفض الواحدة منها الاخرى بل على العكس، فإن هذا التلاقي من خلال عملية تشكل ثقافة المنشأة يأخذ طابع التمفصل و حتى الاندماج بين أطر متعددة و متنوعة لكن تهدف جميعا الى تقديم عناصر تجعل الواقع مدركا و ذا دلالة بالنسبة للفاعل الاجتماعي و أحيانا لا يتردد هذا الاخير في اللجوء الى عملية توليف تقوم على دمج تمثلات متنوعة تستند الى عناصر ثقافية مختلفة بهدف ادراك الواقع الاجتماعي المعقد بأبعاده المتعددة و لعل هذا التداخل و التمفصل من الخصائص الجوهرية للثقافة باعتبارها نتاج لممارسة اجتماعية هادفة.

في الاخير، نتطرق الى بعد آخر مهم في تشكل ثقافة المنشأة لدى العمال، و يتعلق الامر بتمثل هوية الجماعات المعادية التي لها مصالح معارضة و مناقضة لمصالح العمال و يبدو أن هذا البعد له دلالة خاصة، لا يمكن إغفالها لأن تشكل صورة متكاملة عن الذات و عن بنية المجتمع لا تكتمل دون تمثل هوية الطرف الآخر، أو الاطراف الأخرى. و بهذا الصدد تؤكد النتائج الأهمية القصوى للنماذج الثلاثة التي برزت كأطر عامة لتمثل البنية الاجتماعية إذ نجد التركيز على ذكر ثلاث جماعات اعتبرت ذات مصالح معادية هي بالترتيب، الأغنياء(نموذج توزيع الثروة) و كبار الملاك (نموذج علاقات الانتاج) ثم الإطارات العليا (نموذج علاقات السلطة).

و تبدو هيمنة النموذج القائم على توزيع الثروة في تمثل الجماعات المعادية واضحة و يمكننا أن نستشف من ذلك استمرارية سيطرة قيم و معايير ثقافية قديمة و مدى فعاليتها في تقديم أطر ادراكية يتم من خلالها تمثل العلاقات الاجتماعية السائدة و قد وضحنا عند معالجتنا قضية الهوية في المحور الاول الأسباب التي جعلتنا نربط هذا النموذج بعناصر الثقافة القديمة لكن سيطرة هذه  الأخيرة ليست كاملة و بدون منافس، اذ نلاحظ تزايد أهمية التمثلات المرتبطة بعناصر الثقافة الحديثة التي تؤكد الدور الفعال لعلاقات الانتاج و علاقات السلطة في تحديد هوية الجماعات المتعددة المشكلة لبنية المجتمع و كذلك طبيعة و نوعية العلاقات بينها (علاقات تعاون أو تصادم أو تصارع).

و تبرز النتائج بصدد هذه النقطة أهمية بعض الخصائص المميزة للعمال و تأثيرها على بلورة تمثلات محددة و نجد من ضمنها مستوى التعليم و الانخراط في النقابة إذ بينهما يعبر العمال ذوي المستوى التعليمي العالي نسبيا (متوسط و ثانوي) وكذلك الذين ينتمون الى النقابة عن تمثلات تندرج عموما في اطار مرجعي يتشكل من عناصر الثقافة الحديثة التي تؤكد أهمية  علاقات الانتاج و علاقات السلطة، يفصح العمال الذين لهم خصائص معاكسة (ضعف مستوى التعليم و عدم الانتماء الى النقابة)، عن التمثلات للجماعات المعادية يمكن ادراجها في اطار تأثير النمط الثقافي القديم الذي يعتمد أكثر على نموذج توزيع الثروة كإطار لتمثل بنية المجتمع و التمايزات القائمة فيه.

و يمكن تفسير التأثير الممارس من قبل هذين العاملين (مستوى التعليم و عضوية النقابة )باعتباره يعكس ديناميكية عملية التنشئة الاجتماعية التي تقوم بها مؤسسات المجتمع المختصة (مثل المدرسة و النقابة) و على الرغم من محاولة هذه المؤسسات القيام بنشر و تلقين عناصر ثقافية حديثة مرتبطة بالعقلانية الصناعية

و منظومتها المعيارية، فإن تأثيراتها لا تخلو من نتائج غير متوقعة تحت ضغط الوسط الاجتماعي الذي تنشط فيه و المتميز باستمرار وزن و أهمية البنى الاجتماعية القديمة و الاطر القيمية المرتبطة بها التي تلعب دورا حاسما في صياغة التمثلات الاجتماعية.

خلاصة

من أهم الاتجاهات التي كشفت عنها النتائج أن التمثلات المرتبطة بعناصر ثقافية حديثة أكثر انتشارا بين عمال الصناعات المتطورة تقنيا كما أنها أكثر ذيوعا بين الشباب و ذوي المستويات التعليمية و المهارية العالية نسبيا.

و نظرا للتغيير التدريجي في تركيبة الطبقة العاملة حيث تتزايد أهمية العوامل ، فإنه من المتوقع أن يكتسب هذا الاتجاه قوة أكبر لكن، لا ينبغي أن نتجاهل التأثيرات العكسية التي ترتبط هي الاخرى بمستوى التطور التكنولوجي و نماذج التنظيم التقني و الإجتماعي للعمل.

هذه العوامل و كذلك العقلانية المحركة لها و التي تعتبر دخيلة على المجتمع ترتب عن ادماجها تغييرات عنيفة في البنية الاجتماعية و الاطار الثقافي للمجتمع و لعل أهم التناقضات التي أفرزتها هذه العملية تلك التي وقعت بين الشروط الضرورية لقيام قاعدة صناعية معتمدة على عقلانية صورية و نفعية و بنى اجتماعية لا تزال تعتمد في حركيتها على قيم و معايير ذات جذور راسخة في منظومة ثقافية قديمة. هذه الثنائية التي تميز التشكيلة الاجتماعية ككل نجدها حاضرة بقوة داخل عالم الشغل، أي في المنشأة حيث تتمفصل نماذج التمثلات   و الفعل المعتمدة على العقلانية الصناعية مع تلك التي تنتمي الى اطار ثقافي قديم تجسده سيادة علاقات قرابية و زبونية تعبر عن بنية اجتماعية قبل صناعية (ريفية و فلاحية ). و يمكن تفسير هذا التمفصل في ضوء عوامل متشابكة :

أولا : أن التكنولوجيا و شروط توطينها مثل الاشكال المحددة من تنظيم العمل و أساليب التسيير و الرقابة و الانضباط كانت كلها عناصر غريبة و مفروضة على بنى و ذهنيات صقلتها أطر مرجعية رمزية مغايرة و تحركها آليات متميزة.

ثانيا : تميزت عملية توطين الصناعة و ما يرتبط بها من نماذج معيارية و سلوكية بالتسرع و التعسف، اذ تم فرضها بطرق ادارية محضة دون النظر الى مدى ملاءمتها و مطابقتها للوسط الذي فرضت عليه.

ثالثا : اعتماد العمل الصناعي على مبادئ التنظيم و التسيير الفوردية والتايلورية التي مورست بطريقة مشوهة اضافة الى نقائصها الاصلية، و قد ساعد ذلك على اقصاء و محاصرة أية جدية تهدف الى تحسين التوافق و ادماج التجديدات التقنية و الخبرات الفنية المكتسبة في المنظومة الثقافية السائدة و بالتالي على تمثلات الفاعلين الاجتماعيين.

هكذا كانت احدى النتائج الاساسية هي احباط و اخفاق المحاولات الرامية الى خلق التوازن بين متطلبات الصناعة و خصوصيات الوسط الاجتماعي و الثقافي نظرا لسيطرة نظم عمل تتسم بتعميق ظاهرة الاغتراب و كذلك بسبب غياب شريحة من المسيرين الذين استوعبوا جيدا آليات العقلانية الصناعية و في نفس الوقت يتمتعون بحس مرهف تجاه البنى الاجتماعية و الانماط الثقافية السائدة في المجتمع مما يسمح بتحقيق التوازن المطلوب و يعود هذا الفشل الى نموذج التسيير الاداري المركزي الذي طبق لحد الآن في الصناعة كما في غيرها من مجالات الحياة و يتحمل المسيرون أنفسهم جزءا من المسؤولية نظرا لتميز مواقفهم بنوع من التصلب و الرفض المتعصب للآخر الذي وصل حد الاحتقار للعمل على مستوى الورشات و لعل أحسن دليل على ذلك المواقف المثقلة بالاحكام المسبقة السلبية عن العمال و قدراتهم في التوافق مع شروط العمل الصناعي و تطويع أساليبه و طرقه و قد أعطت مثل هذه المواقف دفعا آخر لأشكال مختلفة من المقاومة في أوساط العمال الذين يلجؤون الى ابتداع طرق عديدة مستوحاة من الاطار الثقافي القديم لمواجهة الوسط الجديد و عدوانيته سواء في الجانب المادي أو الاجتماعي.  

في النهاية، يمكننا القول أن هذه النتائج عكست الى حد ما الطبيعة المعقدة و المتناقضة للواقع الاجتماعي كما تجسده تشكيلة اجتماعية في طور التكوين تتصف بتمفصل أشكال متنوعة في العلاقات و المؤسسات الاجتماعية ذات أطر قيمية و معيارية متباينة و لأن المنشأة فضاء اجتماعي يلعب دورا اساسيا في انتاج و اعادة انتاج تلك العلاقات و الاطر المرجعية المميزة للمجتمع، فإنها تبدو بمثابة الاطار المفضل و الحقل المنتخب لبروز أشكال و نماذج متعددة من التلاقي بين عناصر ثقافية متباينة لكنها تشترك في توجيه مسار المجتمع.          

 الهوامش:

[1] المعطيات الواردة في هذه المداخلة مستمدة من بحث ميداني أجري في أربع و وحدات صناعية في شرق البلاد سنة 1986، بغرض تحضير رسالة دكتوراه في علم الاجتماع .

.

[2] الأسئلة الثلاثة الأولى كانت مفتوحة عبر من خلالها العمال بحرية عن تمثلاته ، أما السؤال الأخير فكان مغلقا و الاجابة محددة بالبدائل الاربع المقدمة.

 

 [3] تجدر الاشارة الى أن الأسئلة : الأولى والثاني و الرابع كانت مفتوحة أما الثالث فكان مغلقا

 [4]  بهذا الصدد :

  1. Goldthorpe et al. : The influent Worrker in the Class Structure, Cambridge University Press, London 1969.

 

 [5] أنظر بهذا الشأن فكرة التمايز الاجتماعي على أساس "المكانة الاجتماعية" عند ماكس فيبر :

  1. Weber : The Theory of Social and Economic Organization.

                                               The Free Press, London, 1964. pp.424-29.