Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

أصبحت المرأة الجزائرية منذ إسترجاع حرية البلاد عنصرا هاما و قوة فاعلة في جميع ميادين الحياة الاجتماعية، الاقتصادية، و السياسية بدخولها مجالات جديدة أثبتت فيها كفاءتها، و قد جاء التعليم ليمنحها وسيلة المواجهة الملموسة و السليمة للحياة الاجتماعية و يفتح لها آفاقا جديدة تساعدها على تخطي المعيش اليومي داخل البيت بربط علاقة مع واقعها و الخروج من عزلتها الاجتماعية بممارسة وظائف عديدة.

لكن خلف هذه الواجهة الرسمية ما يزال في جزائر التسعينات الجهل و الأمية متفشين. و هما ليسا وقفا على النساء فحسب، بل يشاركها فيهما الرجال أيضا و لكن دائما بنسبة أقل. فقد تم مؤخرا إحصاء أكثر من 50 % من النساء الأميات من مجموع 7 ملايين و نصف أمي في الجزائر في تعداد سكاني يقدر بـ 26 مليون نسمة[1].

وبذلك وجدت الأمية صداها على العديد من الظواهر الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية و الثقافية و بالتالي على وسائل الاعلام الجماهرية و خاصة منها الصحافة المكتوبة.

فالقراءة تكاد تكون الشرط المطلق للدخول إلى الصحافة المكتوبة، غير أنه في الواقع نجد أن القراءة مرهونة بالتعليم. إن القراءة إذا كانت نشاطا فرديا فهي أكثر غنى بالنسبة للكتب و المجلات و الصحف في المعلومات عن الوسائل المسموعة و المرئية. بحيث تمدنا بالكثير من المحتوى عن تفاعلاتنا اليومية.
غير أنها في مجتمعنا تمارس في نطاق ضيق لصيق بالضرورة الوظيفية بدليل تحول أغلب المكتبات إلى محلات تجارية غير فكرية. ثم أن القراءة في حد
ذاتها كما هي بالنسبة للصحيفة تتم بأساليب مختلفة تبعا للدوافع من وراء إقتناء صحيفة ما. كان تكون بغرض الحاجة إلى الهروب من المشاكل اليومية نحو الخيال أو إلى المعرفة قصد التثقيف و التعليم أو بغرض حاجات أخرى خاصة بكل قارئ.

ورغم جهود تعميم التعليم و إنشاء المدارس، لم يشجع التعليم فئات عديدة من مجتمعنا على المطالعة المنتظمة للصحف. بحيث نجد أن من يطالعون الصحافة يوميا على مستوى الوطني لا يمثلون سوى نسبة %9,2 [2]. و لعل خلف هذه النسبة تختفي أسباب موضوعية و أخرى ذاتية.

تعد الجزائر العاصمة، العاصمة السياسية و الإقتصادية و الثقافية للبلاد. حيث تنفرد ببنى تحتية عديدة و تتمركز فيها كل المؤسسات السياسية و  الإقتصادية و الثقافية. الشيء الذي جعلها منذ الإستقلال مركز إستقطاب العديد من فئات الشعب من باقي جهات الوطن.

تتمركز في الجزائر العاصمة كذلك وسائل الإعلام الضخمة مثل محطات البث المركزي للإذاعة و التلفزة رغم الإتجاه في السنوات الأخيرة إلى إنشاء محطات جهوية في المناطق الداخلية بالإضافة إلى محطتي قسنطينة و وهران. و فيها أيضا تصدر العديد من العانوين الصحفية العمومية و المستقلة (الخاصة). حيث توزع الصحافة بشكل دائم دون تذبذب عكس المناطق الأخرى – الجنوب خاصة – و التي ما تزال إلى اليوم تعاني من سوء توزيع الصحف.

الإنتعاش الإعلامي – في الك خاصة – عرفته البلاد ورافق التغيرات السريعة بعد أحداث 5 اكتوبر 1988، حيث سمح القانون الصادر بتاريخ 3 أفريل 1990 بظهور العديد من العناوين الصحفية اليومية و الأسبوعية المستقلة و الحزبية. فقد ظهرت في الثلاثي الأول من سنة 1990 حوالي مائة و أربعون (140) صحيفة مستقلة و حزبية.

في هذا الكم الإعلامي للصحافة المكتوبة وجدت العديد من العناوين الجديدة طريقها إلى الأكشاك في إطار المنافسة شأنها شأن أي سلعة. و تنافس المعلنون على شراء أكبر نسبة من مساحة الصحف التي تسحب أكثر و توزع أحسن حتى تجاوزت نسبة الإعلانات في الصحيفة الواحدة نسبة المادة الإعلامية. الشيء الذي خلق أزمات مادية خائفة لبعض العناوين التي حجبت بسبب قلة مداخيلها من الإعلانات و نقلص مبيعاتها و بالتالي عجزت عن تسديد ديونها إلى المطابع.

و على الرغم من الاعتراف بحرية التعبير في الصحافة ما تزال هناك عراقيل تحد من أداء وظيفتها الاعلامية مثل الرقابة و صعوبة الوصول إلى مصادر الخبر.

في مجال معرفة جمهور الصحافة المكتوبة ما تزال العناوين الصحفية موجهة إلى جمهور عام، محاولة التمييز بينها من خلال المضامين رغم التشابه في الشكل و حتى في طرق بعض المواضيع، باعتماد أسلوب الإثارة كما هو بالنسبة لصحافة المنوعات التي تتشابه في طرق مواضيع ما يسمى بالمثلث المحرم (المرأة – الدين و السياسة) كصحيفة "الشروق العربي" التي حققت أعلى نسبة من السحب و المبيعات و انفردت باستقطاب اهتمام فئة الشباب و المراهقين خاصة منهم الفتيات تماشيا مع قاعدة "إعط الجمهور ما يريد".  فيما تتنافس صحف أخرى على السبق ينشر أخبار غير مؤكدة أو تتناقل فيما بينها أخبار ساخنة دون ذكر مصادرها. و بذلك خرجت العديد من العناوين الصحفية عن قاعدة الاحتراف.

يتم هذا في غياب مطلق لعملية سبر موضوعي للأراء. واعتقد العديد من الناشرين معرفتهم لجمهورهم معرفة غيبية غير علمية بإسقاط ذاتيتهم على ما يختارونه من مادة إعلامية.

"في الغالب الذي لا يهتمون بجمهورهم أو يزعمون عدم حاجتهم لمعرفة جمهورهم لا يملكون إلا جزء من الصدق، لأنهم أكثر تأثرا بمفاهيم ذاتية أو حدس يكون أحيانا بعيدا عن الواقع"[3].

لقد أثبتت بعض الدراسات الاحصائية في الجزائر حول جمهور الصحافة المكتوبة أن هناك تفاوتا بين الرجال و النساء في إستهلاك الصحافة و ممارسة المطالعة. حيث قام في جوان 1991 الديوان الوطني للإحصاء لأول مرة بتحقيق حول وسائل الإعلام المكتوبة و المسموعة و المرئية من خلال الأشخاص من سن 18 سنة فما فوق.

التحقيق يعد مصدرا حول بعض الدلائل الاجتماعية و الاقتصادية للشرائح الاجتماعية الممثلة لمجتمع البحث و ذلك قصد معرفة تأثير الاعلام على الأشخاص على المستوى الوطني. و مع ذلك فقد جاءت النتائج إحصائية حول الجمهور. توصل التحليل حسب الجنس إلى أن 37,37 % من الرجال يقرأون الصحف بينما تطالع بنسبة 16,64 % فقط بمعنى أن 82,54 % من النساء لا يطالعن الصحف. وبذلك نلاحظ أن نسبة النساء أقل بكثير من حيث المطالعة من نسبة الرجال الذين يمثلون أكثر من النصف.

تؤثر في هذه النسبة عدة عوامل كالسن و مستوى التعليم و كذا الحالة العائلية و المهنية. و قد تخفي هذه المتغيرات الفردية عوامل اجتماعية و حتى حضارية مرتبطة بموقع المرأة في المجتمع، و نظرة المجتمع لتعليم المرأة. فما زالت النظرة مشوبة بالحذر مثلما هو الشأن لعملها و لعل نوفق المرأة عن التعليم و حتى حرمانها منه نوفق وراءه معتقدات للأسف ما تزال حجر عثرة امام نعلم المرأة في بعض الأوساط.

"إذا كان الإعتدال يتطلب من المرأة أن لا تبقى أمية مثل النساء التقليديات فإنه بنصحها بأن لا تذهب بعيدا في الدراسة لأنها قد تحرم من العثور على زوج لها"[4].

و لأن مصير المرأة كما هو شائع في أوساطنا هو الزواج، فيفضل أن تحرم من التعليم على أن تحرم من الزواج.

و لعل هذا الانفلاق فكرا و ممارسة جعل بعض الأوساط عندنا – وحتى في المدن الكبرى – لا تتسامح مع المرأة إن وجدت متلبسة بمطالعة الجريدة، لأنها بذلك السلوك تتشبه بالرجال أو كما توصف بالعاملة (تقرا الجزنان كي الراجل) و لأجل تفادي مثل هذه الشتيمة تتنازل العديد من النساء عن مطالعة الصحف.

و قد نجد أحيانا خلف عدم اهتمام المرأة بمطالعة الصحف تفضيلها لوسائل إعلامية أخرى كالإذاعة و التلفزة حيث تعتبر هاتين الوسيلتين أكثر جماهيرية خاصة التلفزة. فقد احتل الاستماع إلى الإذاعة عند النساء 62,03 % بالنسبة للقنوات الوطنية الثلاث. أما مشاهدة التلفزة فقد بلغت نسبة النساء الأني يشاهدن برامج التلفزة الوطنية نسبة %75,26 [5]. رغم إنتشار الهوائي (البارباول) الذي سمح بالتقاط قنوات التلفزة الفرنسية خاصة.

قد نجد أيضا وراء عدم الاهتمام بقراءة الصحف إقتران في أذهان بعض الأوساط النسائية الصحافة بالسياسة. و لأن السياسة تتطلب ثقافة سياسية تتنازل بعض النساء عن هذا المجال للرجال.

و لذلك تسعى إلى البحث عن صحافة أقرب إليها و إلى إهتماماتها من خلال الصحافة المتخصصة النسائية. غير أن مثل هذه الصحافة في بلادنا تجربة محتشمة لم يكتب لها النجاح بدليل إختفاء العديد منها : أنيسة – حواء – أنوثة. و قد يقف وراء هذا الفشل حداثة تجربة الصحافة النسائية المتخصصة المستقلة و سقوطها في مشاكل مادية أعاقت استمرارها، ثم بقاءها دون مستوى الصحافة النسائية الأجنبية خاصة العربية و الفرنسية التي إستقطبت جمهورا نسائيا واسعا  لسنوات قبل صدور قرار توقيف استيراد الصحافة الأجنبية. كما بقيت مجلة الجزائرية[6]. – مجلة الإتحاد العام للنساء الجزائريات و تمول من طرف حزب جبهة التحير الوطني – بعيدة عن أستقطاب إهتمام العديد من القارئات.

ثم أن الصحافة النسائية في الجزائر – التي اخذت شكل المجلات ثم تحولت غلى شكل (تابلويد) TABLOID – إنقسمت من حيث المضمون في تناول حقوق المرأة الاجتماعية و السياسية أو طرق باب المرأة من خلال باب البيث و المطبخ و الأزياء، بمستوى خاص بنساء المدن، و بذلك اخفقت في التعبير عن إهتمامات كل نساء و ظلت موجهة لفئة معينة من الفتيات المراهقات من ذاوي المستوى التعليمي المحدود، و مع ذلك لم تلتزم هذه المجلات بهذا المستوى في مخاطبة القارئات العاديات.

خارج الصحافة المتخصصة، لا نجد هناك إختيارا لصحيفة عامة بعينها إذ في أغلب الأحيان تطالع المرأة الصحيفة المتوفرة أمامها سواء داخل البيت أو في مكان العمل إن كانت موظفة على وجه الخصوص، و في هذه الحالة يسقط عنصر الإختيار.

إن كل العناصر السابقة الذكر قد تكون وراء ظاهرة عدم المطالعة الجديدة السليمة مع الفهم و المنظمة للصحافة من طرف العديد من النساء، فالظاهرة بادية للعيان إذ يكفي فقط مراقبة أحد الأكشاك لملاحظة قلة النساء اللأني يشترين الصحف.

لذلك فالسمات العامة لجمهور القراء من النساء غير كافية لتفسير سلوك التلقي و الاتجاهات، لأن السمات الاجتماعية و الفردية في تصنيف الجمهور من خلال السن، مستوى التعليم و الحالة الاقتصادية، أصبحت قاعدة أساسية في تفسير العلاقة بين الجمهور و عناصر العملية الاعلامية.

لقد فلتت ظاهرة عدم إستخدام الصحافة من طرف جمهور النساء عندنا من دائرة إهتمام الباحثين و القائمين على الإعلام، بسبب الهوة التي ما تزال شاسعة بين البحث و الواقع. وظلت نتائج البحوث بعيدة عن اهتمام الممارسين الاعلاميين لمعرفة إتجاهات جمهورهم، أو التحكم في مضامين رسائلهم. ثم أن البحوث الخاصة بجمهور وسائل الاعلام قليلة و مست أغلبها ميدان الصحافة المكتوبة أكثر من الوسائل الاعلامية الأخرى بنسبة 60,08 % [7]. و حتى الجمهور يعد الحلقة الأضعف حيث تضمنه أربعة و عشرون بحثا فقط خص نصفها جمهور الطلاب و انفراد بحثان بدراسة جمهور النساء.

إنه من المعروف أن الإعلام عامة – التلفزة الإذاعة و الصحيفة – مجبرة على موافقة أذواق جماهيرها خاصة عندما يكون هناك إختيار للفيلم أو البرامج أو المقال. لذلك من الضروري معرفة وظائف الصحافة عندنا و ما الذي يجعل جمهور النساء يقبل عليها أو يتفادها. و هنا تطرح المسألة مصداقية الوسيلة الاعلامية في حد ذاتها و التي غالبا ما تهمل لأن تأثير الصحافة يرتبط أيضا برأي القراء حولها، ماذا يفعلون بها – بمعنى الوظيفة – و ما ينتظرون منها ؟[8].

ثم أنه إذا كانت مسألة جمهور القراء عامة تطرح بالنسبة للناشر و المعلن كزبون، فإن هذا الزبون هو قارئ يحتاج إلى العناية، باهتماماته و أذواقه و طموحاته و حقه في اعلام لا يسقطه من معادلة الاتصال، و المرأة من خلال جمهور النساء تحتاج إلى غاية مضاعفة ليساعد الاعلام و يساهم في تغيير محيطها بتغيير النظرة المقصرة في حقها، سواء قرأت أو لم تقرأ خاصة و أنها معينة أكثر من الرجال بظاهرة الأمية بدليل أن أكثر من نصف المجتمع ما يزال لا يعرف القراءة و لا الكتابة.

الهوامش

[1]  الأرقام تقدمت بها "إقرأ" لمحاربة الأمية في بوم إعلامي حول الأمية – أوت 1994.

[2]  تحقيق الديوان الوطني للإحصاء حول جمهور وسائل الإعلام، جوان-ديسمبر 1991 (لم ينشر بعد).

[3] Francis Balle, Encyclopédie de la Sociologie, Larousse 1975.

[4] Souad Khodja, Les Algériennes du quotidien, ENAL, Alger, 1985.

[5]  نفس تحقيق الديوان الوطني للإحصاء.

[6]  صدر أول عدد من مجلة "الجزائرية" في 01 جانفي 1970.

[7]  نصر الدين العياضي – مؤشرات تقييم تجربة معهد علوم الإعلام و الاتصال فيمجال البحث العلمي الإعلامي -  الندوة العربية لعلوم الاعلام و الاتصال -  الجوائر – جويلية – 1990.

[8] Francis Balle, « Sociologie des lecteurs », Les Cahiers Français, n° 17, Octobre-Décembre 1976.