Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

 

تهدف هذه الدراسة إلى عرض وتحليل محتوى كتابي التاريخ المدرسيين للسنة النهائية (البكالوريا) في الجمهورية الجزائرية والجمهورية التونسية، وإظهار أوجه الّتشابه والاختلاف بين الكتابين.

بداية سيتمّ التعريف بالكتابين من حيث المحاور وعدد الدروس والطبع والإخراج الفني ووسائل الإيضاح. وسنتناول بالتحليل طريقة العرض التاريخية وطبيعة المعلومات التاريخية الموجودة في الكتابين، ونختم هذه الدراسة بمجموعة من الإستخلاصات والنتائج.

وتهدف هذه الدراسة أيضا، إلى التنويه بأهمية دراسة محتوى الكتب المدرسية لمادّة التاريخ بشكل عام، ولوظائف هذا الكتاب، التي يجب أن يكون من أهمها، إرساء وعي تاريخي، وخلق أسس لثقافة تاريخية علمية، بشكل يتماشى مع مستوى التلميذ ومع ضرورات التربوية، بشكل عام، نظرا لأن الكتاب المدرسي يعكس قيم ومبادئ المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية، للمجتمع الذي صدر فيه.

التعريف بالكتابين

أ- الكتاب الصادر في الجزائر وهو من تأليف: أبو الطمين، الأخضر وآخرون: "التاريخ المعاصر للسنة النهائية"، سلسلة التاريخ المدرسين، الجزائر: المعهد التربوي الوطني، 1983.

صدر هذا الكتاب ضمن سلسلة التاريخ المدرسي، التي أعدّها وأشرف عليها المفتّش العام- السيد جموعي مشري- والنسخة التي بين أيدينا، تحتوي على 415 صفحة من الحجم المتوسط (17x24) صدرت عام 1983. وهي تتطابق تماما وحرفيا مع النسخة التي صدرت في عام 1976 وعام 1991، ممّا يدلّ على أن محتوى هذه النسخة لم يطرأ عليها أي تغيير، حتى أن لون الكتاب الخارجي لم يتغيّر!

ويحتوي الكتاب على مقدّمة بقلم المفتّش العام وفهرس للموضوعات، وعلى سبع وثلاثين درسا غير مقسّمة إلى محاور متعدّدة من حيث المكان والزمان.

ب- الكتاب الصادر في تونس  ومن تأليف: التومي، رشيد وآخرون: "كتاب التاريخ للسنة السادسة ثانوي: شعبة الآداب"، تونس: مطبعة أومغا للنشر، 1988.

صدر هذا الكتاب عن المركز القومي البداغوجي، التابع لوزارة التربية القومية في الجمهورية التونسية. يحتوي الكتاب على 382 صفحة من الحجم الكبير (21X27سم)، وعلى أربع وعشرين درسا، مقسّمة إلى ثلاث محاور رئيسية. ولا يحتوي الكتاب على مقدّمة أو فهرس للموضوعات والدروس التي يحتويها الكتاب.

الإخراج الفني للكتابين

المقصود هنا بالإخراج الفني هو طريقة كتابة الكلمات والحروف وطباعة الكتاب. إن الإخراج الفني للكتاب يلعب دورا تربويا هاما لدى التلميذ من الناحية الإيجابية والسلبية سواء بسواء.

فالكتاب المطبوع بطريقة متقنة وجيّدة وعلى ورق ممتاز، يكون عليه تأثير نفسي هامّ على إقبال التلميذ على هذا الكتاب والإهتمام به والمحافظة عليه. أمّا الكتاب المطبوع بطريقة رديئة وغير متقنة، فإنه لا يثير مثل هذا الإهتمام والإقبال لدى التلميذ. وحسن طباعة الكتاب هي فضلا، عن ذلك، أيضا، مؤشر هامّ على المستوى العلمي والفكري والذوقي، الذي وصل إليه المجتمع الذي صدر فيه الكتاب.

وتلعب كتابة الكلمات بحروف كبيرة مميّزة وبألوان مختلفة، أيضا، دورا تربويا هاما لدى التلميذ: فهي تشدّ التلميذ وتدفعه للإنتباه وتساعده على ترسيخ المعلومة في ذهنه، وتقوّي لديه ملكة الانتباه، التي تجعله مشدودا باستمرار للفقرات المتالية في الكتاب. أما الرتابة وعدم التمييز في الخط، فإنهما يثيران لدى التلميذ عدم الإهتمام والإنتباه والرتابة في نفسه، وهذه كلّها مقدّمات لإهمال التلميذ للكتاب وللدروس معا.

عندما نطبّق ما ذكرناه، فإننا نجد أن:

 الكتاب المطبوع في تونس

مطبوع على ورق من الحجم الكبير 21x 27) سم (، وبطريقة جيّدة وممتازة، وكلماته مطبوعة بحروف كبيرة، واضحة تشدّ انتباه التلميذ فعلا، ونجد، أيضا، أنه قد تمّ التمييز بين عناوين المحاور والعناصر الكبرى بالألوان المختلفة. فعلى سبيل المثال، نجد عنوان الدرس مطبوعا باللّون الأسود والمحاور باللّون الأزرق، والعناصر باللّون الأحمر. جدير ذكره هنا، أن التصور في هذا الكتاب كبيرة الحجم ملوّنة بألوان مختلفة تشدّ انتباه التلميذ، والخط جميل وواضح. وما قيل عن الصور، يمكن أن يقال عن الخرائط، التي كانت كبيرة الحجم واضحة وملوّنة أيضا ومصمّمة بطريقة علمية وتاريخية جيّدة. كل ذلك يجعلنا نخلص إلى أن الكتاب أخرج بطريقة فنية جيّدة جدا وواضحة، تثير الإهتمام عند التلميذ وتقوي ملكة الإنتباه والتركيز لديه.

الكتاب المطبوع في الجزائر

 مطبوع على ورق من الحجم المتوسط ( 17x 24سم)، وهذا، يحدّ من إمكانية الطباعة للكلمات بحروف كبيرة، ولهذا السبب، فإن طباعة الكلمات جاءت بنفس الحجم والشكل في أغلب الأحيان، ما عدا عناوين الدروس والعناصر التي احتوتها، فإنها كتبت بحروف كبيرة. أما ما يتعلّق بطباعة الكتاب، فهي جيّدة، ولكنها جاءت على درجة كبيرة من الرتابة، ممّا لا يساهم في شدّ انتباه التلميذ. علاوة على ذلك التمييز بين الكلمات بالألوان، فالألوان غير مستعملة إطلاقا في الكتاب. جدير ذكره، أيضا، أن الصور والخرائط المطبوعة في الكتاب، هي صورة صغيرة الحجم وغير ملونة، ممّا يؤثر سلبا على التلميذ ولا يثير لديه الإهتمام، ليس في الكتاب فحسب، بل بالدرس والأستاذ معا!

 محتوى الكتابين وإطارهما الزمني والمكاني

لكل كتاب، كما هو معروف، إطار مكاني وزماني، سواء كان هذا الكتاب مدرسي أم غير مدرسي. وفي الكتابين، الذين نحن بصدد تحليل محتواهما، ثم تحديد الإطار الزماني والمكاني لهما، ولكن بإختلاف من حيث الزمان والمكان.

ففي ما يتعلّق بالكتاب الصادر في تونس، نجد أن المؤلفين قسموه إلى ثلاث محاور هي:

أ) المحور الأول : الثورة الصناعية ونمو الدول الغربية. وينقسم هذا المحور الى تسع دروس، تغطي ما مجموعة 143 صفحة من صفحات الكتاب.

ب) المحور الثاني: الدول الإسلامية أمام التحدّي الأوروبي. وينقسم هذا المحور إلى ثمان دروس، تغطي ما مجموعة 116 صفحة من صفحات الكتاب.

ج) المحور الثالث: الإمبريالية الاستعمارية والأزمة الأوروبية. ينقسم إلى سبع دروس، تغطي 118 صفحة من صفحات الكتاب.

عالج المحور الأول موضوعات مهمّة من تاريخ أوروبا الحديث والمعاصر. وكانت الموضوعات كما يلي : التقدّم العلمي والثورة الصناعية- الاقتصاد الرأسمالي والمجتمع الغربي- الحركة العمالية والمذاهب الإشتراكية- فرنسا من 1852إلى 1914- أنجلترا من 1837إلى 1914- الوحدة الإيطالية- الوحدة الألمانية- روسيا من 1855إلى 1914- الولايات المتّحدة الأمريكية 1861إلى 1914. وقد نالت هذه الموضوعات حصّة الأسد من عدد صفحات الكتاب، أي 37.93% من مجموع صفحات الكتاب.

اما مواضيع المحور الثاني فكانت: الإمبراطورية العثمانية وحركات الإصلاح- الحركة الوهّابية- مصر في عهد محمد علي باشا (1805-1849) – الدولة الحسنية في القرن التاسع عشر- الوضع الداخلي والعلاقات الخارجية – محاولات الإصلاح العسكرية السياسية- الأزمة المالية وثورة 1864 – تفاقم الأزمة المالية والتدّخل الأجنبي – خير الدين وإصلاحاته. وقد نالت هذه الموضوعات، التي تركّزت حول تاريخ تونس في القرن التاسع عشر، ما مجموعة 30.76% من صفحات الكتاب.

وعالج المحور الثالث والأخير، أيضا، عدّة موضوعات هامّة كانت كالتالي: الإمبريالية: الأسباب والوسائل وتقسيم العالم – إحتلال الجزائر- إحتلال تونس وانتصاب الحماية –احتلال المغرب و ليبيا – نهضة اليابان – حركة الشباب التونسي - الحرب العالمية الأولى. وكانت حصة هذه المواضيع من مجموع صفحات الكتاب تساوي 31.29%.

من خلال ما سبق ذكره، نستنتج أن الإطار الزماني لموضوعات الكتاب، كان تاريخ أوروبا وتونس في القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى 1918. والإطار المكاني تمّ التركيز فيه على تاريخ أوروبا في القرن التاسع عشر، وفي الدرجة الثانية تاريخ تونس، وأخيرا تاريخ الدول المحيطة بتونس، مصر وليبيا والجزائر والمغرب.

ويمكن توضيح ذلك أكثر من خلال تقسيم مجموع دروس الكتاب، الموجودة في الكتاب، والبالغ عددها 24 درسا، على الموضوعات التي ذكرناها آنفا، فنصل إلى:

أ) أوروبا حازت مع اليابان والولايات المتّحدة الأمريكية على نصف دروس الكتاب، إثني عشر درسا من مجموع 24 درسا، أي 50% من مجموع الدروس.

ب) حازت تونس على سبع دروس من 24، أي ما مجموعه 29.16% من المجموع.

ج) حازت الدول المغاربية المحيطة بتونس ومصر والدول العثمانية على خمس دروس من 24، 20.83% من مجموع الدروس.

نلاحظ من النسب المذكورة آنفا، أن تاريخ أوروبا وتونس حاز على أكثر من %80 من مجموع دروس الكتاب ونلاحظ أيضا عدم تخصيص دروس لبلدان المشرق العربي ولا للجزيرة العربية ولا لتدريس القضية الفلسطنية.

وهذا يعكس نظرة سياسية إيديولوجية للتدريس وللتاريخ، ويظهر مدى تأثر مؤلفي الكتاب بالمركزية الأوروبية ونظرتها للتاريخ. إن نظرة فاحصة لتقسيم الدروس والصفحات توحي للتلميذ بأن انتماء تونس السياسي و الحضاري، ليس للحضارة العربية الإسلامية، و إنما انتماء إلى محيط سياسي آخر، لم يتم التصريح به علناً في الكتاب، وإنما يوحي به، ألا وهو الإنتماء إلى حضارة البحر الأبيض المتوسط، كما دعا لها طه حسين في مصر.

إن خطورة هذا الطرح الغير موضوعي لتاريخ تونس، على تلاميذ السنة النهائية، ومحاولة عدم ربطه بمحيطه العربي الإسلامي والإفريقي، تتجلّى من خلال اطلاعنا على كتاب التاريخ المدرسي للصّف الخامس الثانوي- آداب لمجموعة من المؤلفين والصادر عن وزارة التربية القومية التونسي، عام 1988- حيث نجد أنه تمّ التركيز على تدريس تاريخ فرنسا وأوروبا، حيث حظيتا بحصة الأسد من مجموع الدروس، فقد حازت على أحد عشر من مجموع 21 درسا، أي أكثر من نصف الدروس. ولم يتم التطرّق في ذلك الكتاب، أيضا، إلى تاريخ ليبيا ومصر والجزيرة العربية أو بلدان المشرق العربي وبلاد الشام. إن هذه الكتابة التاريخية تظهر هي ضارّة النظر إلى التاريخ، من منظور قطري. إن هذه النظرة تعكس إيديولوجية ايديولوجية دولة و ليس أفراد، كما يشير إلى الدكتور جورج طرابيشي، الذي يصل إلى نتيجة، تشبه إلى حدّ بعيد، ما توصّلنا له نحن الآن، فكتب أن كتب التاريخ في تونس:

" لا تدرس في ثلثيها سوى تاريخ تونس حصرا، بينما تدرس في ثلثها الباقي تاريخ العالم. أما التاريخ العربي فلا يدرس في كتابة التاريخ لتلاميذ السنة السادسة من التعليم الابتدائي إلاّ في صفحة يتيمة". (1)

أما السنة الخامسة فلا يخصّص في كتابها، للعرب وللإسلام سوى أربعة صفحات من أصل مئة صفحة. والعرب في الكتاب يعرفون بأنهم فقط " سكان الجزيرة العربية". فالتلميذ ينهي المرحلة الإبتدائية دون أن يعلم بشئ إسمه الخلافة الأموية أو العباسية أو أن يطّلع على شيء من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في المشرق أو حتى في مصر.

يقول الأستاذ طرابيشي، أن: " عملية تقطير التاريخ أي تأريخه من منظور قطري متقومن، لا تتّخذ شكل تغييب للتاريخ القومي المشترك فحسب، بل كذلك شكل تبغيض بع وتحريض عليه. فالغاية من الحديث عن التاريخ المشترك وهذا في الصفحات القليلة الناذرة التي يدور فيها الحديث عنه ليست إبراز هذا التاريخ بوصفه عامل تضامن وتلاحم ووحدة وهوية بل على العكس توظيفه كعامل تمييز ومغايرة وإنفصال." (2)

هناك خطورة أخرى تنجرّ عن هذه النظرة للتاريخ، خاصة عدم التطرّق للقضايا والموضوعات التاريخية، التي وقعت بعد الحرب العالمية الأولى على سبيل المثال: الإستعمار الأوروبي المباشر، النضال ضد الإستعمار والحصول على الإستقلال السياسي، تأسيس منظمات دولية وإقليمية تنتمي لها تونس، إلخ... وتكمن هذه الخطورة أيضا، في كون الآلاف من التلاميذ يتسرّبون من المدرسة، ولا يدخلون للجامعة، فهؤلاء لا يعرفون الكثير عن تاريخ تونس والبلاد العربية بعد الحرب العالمية الأولى.

أما بالنسبة للكتاب الصادر في الجزائر، فإنه على الرغم من عدم احتوائه على محاور مقسّمة تقسيما زمانيا، فإنه بإمكاننا استنباط هذا التقسيم كما يلي:

1- محور القضايا الدولية: نال هذا المحور حصة الأسد من مجموع الدروس، التي يحتويها الكتاب، والبالغة 37 درسا. وبلغ مجموع دروس هذا المحور ستة عشر درسا، أي ما يعادل 43% من مجموع الدروس.

2- محور تاريخ الجزائر: يحتوي على سبع دروس من 37 درسا، أي 18.91% من مجموع الدروس.

3- محور حركات التحرر الوطني:  ويحتوي على خمس دروس من 37 درسا، أي 13.51 % من مجموع الدروس.

4- محور حضارات العالم: ويحتوي على خمس دروس، أيضا، من 37 درسا، أي 13.51% من مجموع الدروس.

5- محور ثورات العالم: ويحتوي على أربع دروس من 37 درسا، أي 10.81% من مجموع الدروس.

جدير بنا الآن، ذكر المواضيع التي احتوتها المحاور السابقة، لنتعرّف على الأهمية التي أولاها هذا المنهاج لها. فنجد أن:

 محور القضايا الدولية قد عالج المواضيع التالية

أوضاع العالم بعد الحربين واسباب الحرب العالمية الثانية- تطوّر الحرب العالمية الثانية- نتائج الحرب العالمية الثانية والأوضاع الدولية بعدها – تطور اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية- تطور أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية- التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في إفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية- تطور العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية- العالم الشيوعي وحضارته- الصراع العالمي والتوازن الدولي- نمو الدول الإشتراكية- الحرب الباردة والتعايش السلمي- بعض المشاكل الدولية الراهنة: 1- مشكلة فلسطين، 2- المشكلة الألمانية، مشكلة الفيتنام- جامعة الدول العربية- السوق الأوروبية المشتركة- هيئة الأمم المتحدة.

 محور تاريخ الجزائر:

أوضاع الجزائر أثناء الحرب العالمية الثانية- دستور الجزائر سنة 1947 وأثره- جبهة التحرير الوطني والثورة الجزائرية- مفاوضات إيفيان وتحليل الثقافيات- الجمهورية الجزائرية- دور الجزائر في الوحدة العربية والمغربية والإفريقية- المقارنة بين الثورات الروسية- الصينية- الجزائرية.

محور حركات التحرر الوطني

حركات التحرّر في الوطن العربي- حركات التحرير في الوطن العربي- (مرتين)- الحركة التحررية في إفريقيا- الحركات التحررية في آسيا- الحركات التحررية في أمريكا اللاتينية.

 محور حضارات العالم

الحضارة العربية الإسلامية- حضارة إفريقيا السوداء- حضارة المحيط الهادي والهندي (الصين- اليابان – الهند )- الحضارة الأوروبية- حضارة أمريكا في القرن العشرين.

 محور ثورات العالم

الثورة الصينية- الثورة الكوبية - الثورة المصرية 1952 ودورها في حركة التحرر العربي- المقارنة بين الثورات المعاصرة وأثرها في العالم.

أول ما يمكن ملاحظته من هذا التقسيم، هو، وجود نوع من التوازن في توزيع المحاور والدروس، حيث حظيت القضايا الدولية، التي كانت لها تأثيرات عميقة على تاريخ الجزائر والعالم، والتي ما زالت مستمرة حتى الآن وتثير ردود فعل ولها تاثير في العالم، حظيت باهتمام كبير، مما لا يشكّل خللا كبيرا في التوازن، كالذي لاحظناه في الكتاب الصادر في تونس.

ففي الكتاب المدرسي الصادر في الجزائر تغطي القضايا العالمية من كافة القارات وليس قضايا فرنسية أوروبية، مثلما هو حال الكتاب الصادر في تونس، تعطي أهمية متساوية.

ويمكن ملاحظة وجود كتابة تاريخية من منظور وطني (قطري) وقومي وعالمي، وليس من منظور قطري، كما هو حال الكتاب الصادر في تونس. فتمّ التركيز على تاريخ الجزائر، وأيضا، على تاريخ العرب الحديث والمعاصر، من خلال تخصيص دروس عالجت مواضيع حركات التحرير في الوطن العربي والحضارة الإسلامية وجامعة الدول العربية والقضية الفلسطنية.

إن المحاور والمواضيع التي عالجها الكتاب، تعكس بوضوح نظرة الدولة الجزائرية للتاريخ، خاصة وأن الثورة الجزائرية حازت على إهتمام عالمي وكان لها دورا كبيرا في هزيمة الاستعمار الفرنسي وتسهيل مهمات حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا. وقد مارست الدولة الجزائرية بعد حصولها على الإستقلال السياسي، سياسة معادية للإستعمار ومؤيدة لحركات التحرر الوطني وطالبت بتطبيق نظام إقتصادي عالمي جديد وهنا، نلاحظ الإنسجام بين سياسة الدولة المعلنة ومحاور الكتاب.

أما الإطار الزماني للكتاب، فإننا نلاحظ أنه يبدأ في الفترة التي ينتهي فيها الكتاب الصادر في تونس، أي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس المنظمات الإقليمية، كجامعة الدول العربية والسوق الأوروبية المشتركة، والمنظمات الدولية مثل هيئة الأمم المتّحدة.

وسائل الإيضاح في الكتابين

وسائل الإيضاح، هي وسائط تساعد على تبيين الغامض من مشكلات الدروس وتوضيحها، وهي أيضا، وسيلة للعمل على حصر أفكار التلاميذ وضبطها وتمكّنهم من تصوّر كثير من الأشياء، التي يستحيل عليهم تصّورها وفهمها تماما بدون استعمالها، مهما بذل المدرس من مجهود في الشرح والتوضيح (3) ولاستخدام وساءل الإيضاح فوائد جمة، نجملها فيما يلي:

1- إنها تجعل المعلومات الموجودة في الكتاب المدرسي حيّة ذات قيمة، يستطيع التلميذ أن يطبّقها ويستفيد منها في دروسه وفي حياته الشخصية العامة.

2- إنها تثبت الدروس في الذاكرة وتسهّل إستحضارها وقت الحاجة.

3- إنها تعوّد التلميذ على الدقّة في التأمّل والسرعة في العمل والإنتباه الدقيق.

4- إنها تستشير الرغبة في التلميذ للإستطلاع وتخلق لديه الحافز الشديد للدرس لكثير من الأمور والأشياء التي لم يكن يوّجه لها انتباهه سابقا.

5-إنها تساعد التلميذ على الرؤية والتأمّل وتعوّده على الصبر والتدقيق عند فحص الموضوعات المختلفة (4).

استخدم مؤلفوا الكتابين وسائل متعدّدة ومختلفة للإيضاح، أهمّها الوثائق والنصوص التاريخية، الجداول الإحصائية، الرسوم والخرائط الجغرافية والتاريخية، صور لشخصيات تاريخية سياسية وفكرية وعلمية، وأخيرا صور ونماذج لبعض الألات والمدن والأماكن الأثرية والثورات الاجتماعية والإضرابات العمالية والصور التي تظهر بؤس حياة العمال الاجتماعية.

وفيما يلي نقوم بتحليل الكيفية التي استخدم فيها مؤلفوا الكتابين لوسائل الإيضاح المختلفة ونحاول الإجابة عن السؤال التالي: هل استخدم الكتابان هذه الوسائل بنفس الكيفية ؟ ما هي أوجه التشابه والاختلاف في الكتابين ؟

نبدأ أولا في تحليل الوسائل التي استخدمها الكتاب الصادر في تونس.  قام المؤلفون لهذا الكتاب باستخدام الوسائل التالية:

1- الوسائل والنصوص التاريخية:

تمّ استخدام هذه الوسيلة بكثرة وبطريقة منتظمة، حيث حرص المؤلفون على جعل هذه الوثائق معاصرة للأحداث ومطابقة لمحتوى الفقرة ومتنوّعة المصادر، وفي بعض الحالات قاموا بتعريف موجز بصاحب الوثيقة أو النص وشرح ما يمكن أن يستعصى على التلميذ من مفرداتها، حتى يسهل عليه فهمها وتحليلها. وقد بلغ مجموع الوثائق والنصوص التاريخية التي نشرها المؤلفون في الكتاب مئة وتسع عشر وثيقة ونص تاريخي (119)

ويمكننا تسجيل الملاحظات التالية حول هذه الوثائق والنصوص التاريخية:

أ)- إنها مهمة جدّا للدروس ومرتبطة ارتباطا وثيقا بالموضوع.

ب)- متفاوتة في طولها أو قصرها، فبعض هذه الوثائق يتكون من خمسة أسطر، وبعضها- هو الغالب- يتكون من نصف صفحة، والبعض الآخر يتكوّن من أكثر من صفحة من الجمع الكبير.

ج)- إنها أخذت من مصادر متعدّدة ومتنوّعة، ولكن التهميش الخاص بالصفحات غير موجود.

د)- إن بعض الوثائق المنثورة تكتسي أهمية خاصة بالنسبة للتلميذ وترسّخ لديه المعلومات التي حصل عليها. أهم هذه الوثائق كانت- على سبيل المثال- لا الحصر:

- عهد الأمان بتاريخ 9-9- 1857 (صفحة 216).

- رسالة من الأمير عبد القادر إلى السلطات عبد المجيد 10-12-1841 (صفحة 294)

- معاهدة باردو 12-5-1881 (صفحة 310-311).

- إتفاقية المرسى 8-6- 1883 (ص 313).

-مقتطفات من إفتتاحية العدد الأول من جريدة "التونسي" بقلم: علي باشا حامبة 7-2-1907 (ص 356-357).

2- الخرائط التاريخية والجغرافية:

تمّ استخدام الخريطة الجغرافية والتاريخية في الكتاب بكثرة. وقد بلغ مجموع هذه الخرائط واحد وعشرون خريطة. وهي متفاوتة من حيث الحجم، ولكن أغلبيتها كانت خرائط كبيرة تشغل حيز صفحة كاملة من الكتاب، وذلك للزيادة في التوضيح. وقد استخدم المؤلفون الألوان في كل الخرائط الجغرافية والتاريخية، مما جعلها تعطي رونقا جميلا للكتاب، وتساهم بالضرورة بتوضيح الكثير من المعلومات للطالب وتشد إنتباهه.

3- صور الشخصيات التاريخية والعلمية والسياسية والفكرية:

تعتبر الصورة – مهما كان نوعها- جزء من النصّ، وتساعد على فهم الدرس الموجود في الكتاب، ولها تاثير كبير على نفسية التلميذ وتكوين شخصيته، وتترك لديه إنطباعات عن هذه الشخصيات لا تمحي بسهولة وبسرعة. وقد تم إستخدام أربعين صورة (40) لشخصيات سياسية أو علمية فكرية، كانت أغلبيتها للساسة الأوروبيين، فبلغ مجموع صور الشخصيات التونسية أحد عشر صورة، أي 27% من مجموع هذه الصور.

أما الصور التي خصّصت للشخصيات العثمانية، والتي كان لها تأثير على تاريخ تونس فكانت ثلاثة، للسلطان عبد المجيد (1839-1861)، وللسلطان عبد الحميد (1876-1909)، ولمحمد علي باشا مصر (1805-1849). أما الصور الباقية فكانت لـ: محمد المقراني والأمير عبد القادر الجزائري. ونلاحظ هنا غياب أي صورة لشخصيات عربية وإسلامية أخرى، خاصة من الجزيرة العربية أو العراق أو من بلاد الشام.

4- صور لأماكن أثرية ولآلات ولبعض التحركات والظواهر الاجتماعية:

تلعب الصور دورا بارزا في توضيح المعلومات التاريخية وترسيخها في ذهن التلميذ، وهي في حقيقة الأمر جزء من الدرس. وقد استخدم المؤلفون عددا معقولا من الصور، بلغ مجموعها سبع وثلاثين صورة كبيرة، كانت الغالبية فيها ملوّنة. إختلفت موضوعات هذه الصور فترواحت بين الآلات المستعملة للنقل، مثل البواخر والقاطرات والطائرات، وصور المدن والمصانع والمواقع الأثرية والإضرابات العمالية والتجمّعات الحاشدة ذات الطابع السياسي، بالإضافة إلى الصور التي تصور بؤس حياة العمال ومشاكلهم الاجتماعية.

5- الرسومات والجداول الإحصائية:

من أجل توضيح بعض الدروس إستخدم المؤلفون عدة رسومات وجداول إحصائية، بلغ مجموعها ستة عشر جدولا، وهي تتعلق بالموضوعات التي لا بد من إيضاحها للتلاميذ، وتمّ استخدام الألوان في بعض هذه الجداول. وقد تباينت مواضيع هذه الجداول التي وضّحت نسب وكمية تصدير القمح إلى أوروبا في سنوات مختلفة.

مما سبق يمكننا أن نستنتج أن مؤلفي الكتاب إستخدموا وسائل إيضاح ممتازة، أعطت رونقا جميلا لكتاب، وساهمت بلا شكّ في تقريب المعلومات التاريخية وإيصالها للتلميذ وأثارت إهتمامه بها.

أما فيما يتعلق بالكتاب الصادر في الجزائر، فإنه استخدم الوسائل الإيضاحية التالية:

1- الوثائق والنصوص التاريخية:

إستخدم مؤلفو الكتاب النصوص والوثائق التاريخية، لتوضيح نصوص بعض الدروس، ولكنهم- حسب وجهة نظري- لم يوافقوا في ذلك تماما. والسبب في ذلك يعود إلى :

أ)- أن عدد النصوص والوثائق كان قليلا جدا، فبلغ مجموع هذه النصوص ثمانية نصوص ووثائق، وبعضها لم يكن سوى بضعة أسطر فقط.

ب)- لم يتم تهميش هذه النصوص والوثائق بطريقة علمية ومنهجية صحيحة، فلم يذكر رقم الصفحات التي تمّ الإقتباس منها، أو مكان الطبع أو المصدر أو حتى تاريخ نشر الكتاب وهذا إن دلّ على شئ، فإنما يدّل على أن المؤلفين لم يبذلوا جهدا كافيا في إختيار الوثائق والنصوص والتهميش، مما يؤثّر بالتأكيد سلبا على التلاميذ لاحقا، ولا يغرس بينهم بذل الجهد في التهميش والطرق المنهجية التاريخية ولو بأبسط صورها.

ج)-وجود خلفية إيديولوجية في إختيار هذه النصوص والوثائق، التي كانت وموضوعاتها تتعلّق بالتدليس والتزوير للإنتخابات 1947 في الجزائر (ص 196)، بيان أول نوفمبر (تشرين الثاني) (ص 210-215)، نصّ من كتاب زيغريد هونكه:" شمس العرب تسطع على الغرب"(ص 259)، بالإضافة إلى أربعة نصوص صغيرة أخرى حول مواضيع الإسلام والإستعمار وإفريقيا (ص 278-280)، ألخ...

2- الجزائر الجغرافية و التاريخية

ليس بإمكان أحد إنكار أهمية الخرائط التاريخية و الجغرافية لتوضيح محتوى بعض الدروس، وبلغ مجموع هذه الخرائط أربع و عشرون خريطة، كانت غالبتها ضغيرة الحجم، و جميعها غير ملوّنو مما يثير عدم الاكتراث و الرتابة و اللامبالاة لدى التلميذ. و كان يستحسن أن تكون الخرائط كبيرة الحجم لتفي بالغرض منها على اكمل وجه.

3-صور الشخصيات التاريخية والعلمية والسياسية والفكرية:

يحتوي الكتاب على عدّة صور لشخصيات سياسية مهمّة لعبت دورا هاما في حركات التحرر الوطني وفي تاريخ البلدان "العالم الثالث". بلغ مجموع هذه الصور ستة عشر صورة، منها عشر صور لزعماء وحركات التحرر الوطني في آسيا وأمريكا اللاتينية وقادة الفكر الماركسي وزعيم يوغسلافيا وحركة عدم الإنحياز " جوزيف بروز تيتو". ومنها، أيضا، خمس صور لشخصيات إفريقية غير عربية من قادة حركة التحرر الوطني، وصور للقائد " جمال عبد الناصر".

إن إختيار الصور هنا، يعكس توجّها ايديولوجيا واضحا، وكما رأينا في الكتاب الصادر في تونس، والذي كان فيه غالبية الصور لشخصيات غربية أوروبية.

وإختيار الصور في كلتا الحالتين يعكس تصورا إيديولوجيا وسياسيا، ولو بشكل غير مباشر. جدير ذكره أيضا، أن هذه الصور كانت غير ملوّنة وصغيرة الحجم.

4- صور لأماكن أثرية وللآلات لبعض التحركات والظواهر الاجتماعية:

تمّ في هذا الكتاب إستخدام الصور بكثافة أكثر من الكتاب الصادر في تونس. وبلغ مجموع هذه الصور تسع وأربعون صورة (49) غير ملوّنة ومتفاوتة الحجم. وموضوع هذه الصور يختلف، أيضا، عن الكتاب الصادر في تونس، بحيث أن هذه الصور تتناغم مع المضمون الإيديولوجي للدروس. أظهرت هذه الصور جوانب مهمّة ومختلفة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية في المجتمعات المختلفة مثل: خروج المرأة للعمل- إحتفالات العمال في العالم بأول شهر ماي من كل عام- صور لجامعة موسكو ولجامعة أمريكية حديثة- صور تظهر التقدم التكنولوجي في أوروبا- صور بعض المساجد والمصلين المسلمين بالهند- هبوط الإنسان على القمر- صورة لصيدلية عربية قديمة- صورة لأطباء عرب وهم يجرون عملية جراحية قيصرية- صورة لبعض المقاتلين الفلسطنيين.

نلاحظ من خلال هذه الصور نظرة متفائلة للحياة، تحثّ على طلب العلم والتقدّم والتحرّر من الاستعمار والنضال من أجل الحرية، وهي قيم إنسانية يشترك فيها العديد من البشر.

5- الرسومات والجداول الإحصائية:

 يحتوي الكتاب على ثلاثة رسومات توضيحية غير ملوّنة، تظهر فيها المؤسسات والهياكل التابعة لجامعة الدول العربية والأمم المتحدة. فنلاحظ أن المؤلفين هنا لم يعتمدوا كثيرا على الجداول والرسومات، على الرغم من أهميتها القصوى للتلاميذ، مما يظهر أن الجهد المبذول في تأليف الكتاب ينبغي مضاعفته لدى طباعة الكتاب من جديد، سواء في زيادة هذه الرسومات والجداول أو من حيث التنقيح والتصحيح للمعلومات التاريخية وتجديدها.

بعد تعريفنا للكتابين ومناقشة محتوى محاورهما، وتحليل الوسائل الإيضاحية التي إستخدمها مؤلفوا الكتابين، نسجّل بعض الملاحظات المتعلّقة بطريقة عرض المعلومات التاريخية وطبيعة هذه المعلومات:

1- إن طريقة عرض المعلومات التاريخية جيدة وبنية الدرس وتبويبه، أيضا، لاغبار عليها. ولكن نلاحظ عدم مناقشة بعض القضايا التاريخية الهامة بعمق، مما سيكون له نتائج خطيرة وبعيدة المدى، خاصة إذا عرفنا أن عددا كبيرا من التلاميذ يتركون المدرسة مبكرا، مما يؤدي إلى محدودية ثقافتهم ومعلوماتهم التاريخية.

2- يقدّم الكتابان المعلومات التاريخية الأساسية مع عدم التركيز على التفاصيل، التي تجعل من الصعب فهم المعلومات الأساسية واستيعابها جيدا.

3- وجود بعض الأخطاء اللغوية التي تحتاج إلى تصحيح وتصويب في الطبعات المنقّحة من الكتابين.

4- استخدام بعض الصياغات الشعرية والأدبية الغامضة، والتي يصعب على التلاميذ فهمها بسهولة. ونلاحظ وجود مصطلحات لا يوجد لها شرح، مثل- الكولاك- ص15- في الكتاب الصادر في الجزائر.

وأخيرا يمكننا تسجيل بعض الإستخلاصات والنتائج التي توصلنا إليها بعد هذه الدراسة، وهي:

أ)- أن بنية الدروس في الكتابين جيّدة، من حيث تقسيم الدرس إلى عناصر رئيسية وخاتمة وأسئلة ووثائق ونصوص التاريخية والوسائل التوضيحية الأخرى.

ب)- أن المعلومات التاريخية في الكتابين تحتاج باستمرار إلى تجديد وتنقيح وإضافات في الطبعات الجديدة. وخاصة وأن الكتابين لا توجد فيهما معلومات تؤخذ بعين الإعتبار، التغيرات الهائلة والمستجدات الحاصلة سواء على الصعيد القطري، أم على الصعيد المغاربي والعربي والعالمي. فتأسيس إتحاد المغرب العربي وإنهيار الإتحاد السوفياتي وإنهاء الحرب الباردة وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، لم يتم التعرّض لها إطلاقا. وهنا نشير إلى أن الكتاب الصادر في الجزائر لم يتم تنقيحه وتحديد طباعته منذ عام 1976 وحتى الآن، حتى لون الكتاب الخارجي، أيضا، لم يتغّير!...

ج)-ضرورة الإعتماد على المصادر التاريخية العربية المحلية واستخدام أفضل لوسائل الإيضاح، خاصة ضرورة زيادة عدد الوثائق والنصوص التاريخية في الكتاب الصادر في الجزائر. وضرورة عرض الطبعات المنقحة على لجنة من الأساتذة المختصين في علم التاريخ، لتصحيح المعلومات التاريخية وإبداء وجهة نظرها في الكتاب بشكل عام.

د)-الأسئلة في دروس الكتاب كثيرة ومباشرة وغير تحليلية. وهذا يشكل خللا يجب معالجته لاحقا، وذلك عن طريق طرح الأسئلة التحليلية لتعويد التلميذ على التفكير بعمق والتحليل بمنهجية صحيحة. ولذا لا بد من إعادة النظر في صياغة هذه الأسئلة وتغييرها.

ه)-وجود إختلال كبير في الحقبة الزمنية التي يعالجها الكتابان فالكتاب الصادر في تونس يتوقّف عند نهاية الحرب العالمية الأولى، في حين يبدأ الكتاب الصادر بالجزائر إنطلاقا من نهاية هذه الحرب! ولذا يستحسن تدارك هذا الخلل في الطبعات الجديدة القادمة، وهذا يتمّ عن طريق تشكيل لجان مشتركة على المستوى المغاربي، لدراسة وتقويم مناهج المدارس في هذه الدول، من قبل أساتذة مختصين في علم التاريخ. ومهما كانت الصعوبة الآنية في تحقيق ذلك ميدانيا، فإنه لا مفرّ من ذلك.

و)- وجود تأثير كبير للمركزية الأوروبية على مؤلفي الكتاب الصادر في تونس، سواء من حيث محاور دروس الكتاب أو من حيث الصور والوسائل التوضيحية الأخرى، ممّا يستدعي الإبتعاد قدر الإمكان عن الخطاب السياسي والإيديولوجي في الكتاب المدرسي بشكل عام.

ز)- وجود خلل في التوازن بين محاور الكتاب الصادر في تونس، لذا يستحسن إحداث توازن وتصويب لهذا الخلل، وذلك عن طريق مراعاة البعد القطري! (الوطني) –المغاربي- الإسلامي- الإفريقي- العالمي، لدى كتابة تاريخ علمي، سواء في تونس أو الجزائر. وهذا الترتيب مفيد للتلميذ ويساعده في إنتمائه السياسي والحضاري والجغرافي. ولا يفهم من ذلك ضرورة التركيز، مثلا، على التاريخ القومي، على حساب التاريخ القطري! بل على العكس، فإن التركيز على التاريخ القطري هو مساهمة مباشرة في كتابة التاريخ، القومي، ولا يتعارض معه.

ولكن تضخيم التاريخ القطري على حساب التاريخ القومي، يجعل من التاريخ المشترك ليس عامل توحيد الأمة العربية ومهمّ لها في إستعادة وحدتها وإنما شاهد زور يدعم النزعات القطرية والطائفية والعشائرية السائدة (5)- وهذا لا يعني بالضرورة السقوط في فخ الشوفينية القطرية أو القومية، وإنما إبقاء التاريخ –تاريخ- كما هو في الواقع، وذلك لأن النزعة الإيديولوجية في كتابة التاريخ- المدرسي أو غير- لا تتيح فهما علميا وموضوعيا للتاريخ.

وتوظيف التاريخ ومشروع سياسي لحزب ما أو طائفة ما، يسئ للتاريخ وللمشروع السياسي معا، ويجعل موضوع الدراسة التاريخية سلاحا إيديولوجيا من البعض الآخر ضد البعض الآخر.

الهوامش:

  1. عطية، نور الدين مصطفى: " نحو رؤية قومية لكتابة التاريخ العربي"، في: مجلة " حوار"، العدد 7، (أكتوبر/ نوفمبر 1987)، ص 35-46.

الإقتباس هذا ص: 42.

2. نفس المرجع، نفس الصفحة.

  1. عبد العزيز، صالح وعبد المجيد عبد العزيز: التربية وطرق التدريس، الجزء الأول، الطبعة الخامسة عشرة، القاهرة: دار المعارف، 1982، ص 282.
  2. نفس المرجع، ص 283.
  3. "البيان الختامي" لندوة "نحو رؤية قومية لكتابة التاريخ العربي"، في: "المؤرخ العربي"، العدد 39، السنة الخامسة عشرة، 1409/1988م. ص 366.