Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

إن الكتاب المدرسي وسيلة و آداه تدخل في طلب العملية التربوية، يحتل المرتبة الأولى في سلم الاهتمامات النظرية و التربوية.

و هو المدخل لدراسة النظام التربوي و تحليل مقوماته الأساسية فهو يعكس فلسفته الاجتماعية و غايته و أهدافه بما ينقل من معارف و علوم و ثقافة و بما يتضمّنه من مشروع و رؤية إجتماعية ثقافية.

نتوقع أن يكشف لنا الكتاب المدرسي علاقة مضامينية بالحقل المعرفي و الحقل الثقافي و عن القيم الفلسفية و الإجتماعية السائدة.

هل الكتاب الحالي يؤدي الدور المناط به في تحقيق الأهداف التربوية و العلمية المرسومة؟ ما هي الأسباب التي تحول دون ذلك؟

هل يرسي ثقافة حقيقية، أي تكوين يتّسم بالعمق و الشمولية يؤهل التلميذ إلى تنمية جميع قابلياته و بناء شخصيته؟

بمعنى آخر هل الكتاب وسيلة لإعداد البحوث و الأهمال الشخصية أي به مادة خصبة و مناهج محكمة؟

هل الكتاب يساعد على "تفريد التعليم" (individualisation) أي يخلق فرص النشاط للتلاميذ ذوي المستويات المرتفعة؟

هذه الأسئلة – كلها- سنحاول الإجابة عنها بالإستناد إلى منهج تحليل المضمون (Analyse du contenu). و نستخدم هذا المنهج لإستقصاء الخطاب الإيديولوجي العام في الكتاب و لإستجلاء علاقته بالحقل المعرفي بشكل خاص و بالثقافة التاريخية بشكل عام.

كتاب السنة الثانية ثانوي

صدر هذا الكتاب عن المعهد التربوي الوطني بالجزائر تحت عنوان: "تاريخ العرب الحديث".

  • سنة صدوره غير مذكورة.
  • و هو من تأليف أربعة "أشخاص" مهنتهم و درجتهم العلمية غير مذكورتين.
  • تأليفه كان تحت إشراف المفتش العام "جموعي مشري" الذي أعدّ سلسلة "التاريخ المدرسي".

محتوياته: يحتوي الكتاب على:

  • مقدمة من صفحة واحدة بقلم المفتش العام.
  • و توطئة نظرية في شكل "دروس ثلاثة" تتعرّض في قسمها الأول إلى "وحدة العالم العربي الطبيعية و التاريخية"، و في القسم الثاني إلى "التكوين التاريخي للشخصية العربية"، هذه التوطئة النظرية ذانت محتوى إيديولوجي صريح إذ تكرّس رؤية تقديسية لمفهوم "الأمة العربية".
  • 35 درسا تعالج في غالبيتها موضوعات سياسية تتعلق بتاريخ الأقطار العربية من مطلع القرن السادس عشر (16) إلى الستينات من القرن العشرين.
  • و يقع الكتاب في 268 صفحة.

و يحتوي كل درس على عناصر الدرس – ثمّ الدرس – ثم أسئلة تطبيقية

أجوبتها تكمن في نصّ الدرس.

  • قليلة هي الدروس المدعّمة بنصوص تاريخية.
  • قليلة هي وسائل الإيضاح كالخرائط و الصور.
  • الإحصاءات، الرسوم البيانية، النصوص المتناقضة و الملفات التي (تعوّد) الطالب على استخدام ملكة النقد و التحليل فهي غائبة غيابا كليا.

شكل الكتاب و الألوان المتسعملة (الصور-الخرائط) لا يشجّع التلميذ على استعماله و لا يساهم في إقبال التلميذ على مادة التاريخ.

الكتاب و الخطاب الإيديولوجي

تتجلّى صورة "الوطن العربي" بما تحمله من عناصر و مضمون عبر المقدّمة و الدروس على السواء.

الوطن العربي كما يراه الكتاب

  • إن تدريس تاريخ العالم العربي الحديث و المعاصر لا يخضع لأغراض علمية و تربوية بقدر ما يخضع إلى هدف مقدّس يتمثّل في "إعطء الشخصية الجزائرة وجهها العربي العبقري الأصيل و التي نسترخص في سبيلها كل غال" (المقدمة).
  • العالم العربي: رقعة جغرافية واحدة

  • حدوده: من الخليج شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا و من البحر المتوسط شمالا إلى أواسط إفريقيا جنوبا.
  • هو منذ القديم ملتقى الطرق التاريخية الرابطة بين الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب.
  • و هو ذو وحدة طبيعية اذ "أراضيه تكاد تكون كتلة واحدة لا يفصل

بينها فاصل طبيعي كالجبال و البحار ... و قد ساعدت على توثيق الصلة بينه سكانه منذ فجر التاريخ و ساعدت أيضا على إيجاد تشابه في التركيب الإجتماعي و العادات و التقاليد.." (ص6)

و هو ذو وحدة تاريخية اذ هو "أقدم موطن للحضارة الإنسانية"... و هو "مهبط وحي الأنبياء الذين دعوا إلى التوحيد و نقلوا كتب الله و شرائعه المقدسة" (ص5).

فالحضارات القديمة يعتبرها الكتاب "حضارة عربية" لأنها قامت على أرض الوطن العربي (وادي النيل، حضارة الرافدين، و حضارة المغرب القديم).

و الوطن العربي يشتمل على ثروات هائلة منها البترول الذي "بدونه تكون المصانع الهائلة الكبيرة لكافة أنواع الإنتاج و وسائل المواصلات في البر و البحر و الجو و أسلحة الحرب سواء في ذلك الطائرات أو الغواصات... تحال كلها إلى قطع من حديد يعلوها الصدأ و لا تنبعث منها حركة او حياة" (ص5).

أقل ما يقال عن هذا التصريح أنه بعيد عن الواقع المعاش!...

  • الوطن العربي: مصير مشترك

فالوطن العربي: إنتماء قومي يضرب جذوره في التاريخ القديم "منذ قيام الحضارة القديمة و مصير هذه الرقعة من الأرض واحد، يلاقيه أي جزء منها ما يلاقيه أجزاؤها المختلفة على الرّغم من دويلات كانت تنشأ هنا و هناك في اقطار الوطن العربي و لا سيما في أدوار الضعف و الإنحلال، و لكن مع ذلك فقد كان المصير واحدا دائما"(ص7).

و تعرض الوطن العربي إلى تحدّيات و أخطار مشتركة: "فتحالفت عليه قوى الشرّ و العدوان، فطمع فيه المغول من الشرق و الصليبيون من الغرب... و وقعت الأقطار العربية تحت السلطة العثمانية... و حين إنحصر سلطانها عن البلاد العربية لاقت جميعا مصيرا مشتركا فوقعت تحت نير الإستعمار الأوربي... وقد أدّت التضحيات إلى التخلص من السيطرة الأجنبية في كل البلاد العربية ما عدا... فلسطين التي وقعت فريسة الصهيونية العالمية"(ص8).

  • الوطن العربي: مجال الشخصية العربية

  • تأخذ حركة التعريب "أي العروبة" طابعا أسطوريا لا تؤكده الحقائق التاريخية.

يقول : "منذ عصر النيوليتي، شرعت جماعات من سكان شبه الجزيرة العربية تندفع نحو الشمال كلما حلّ بأرضها قحط شديد و كانت هذه الجماعات المهاجرة تستمر في ترحالها متى تجد أرضا خصبة ذات مرعى وفير أو زراعة مربحة، فتستقر تارة بالعراق و طورا في الشام، فإذا إكتضّت هذه البلاد بالنزلاء، قصد المهاجرون الجدد مصر، ثم جعلت قبائلهم تنزح إلى الشمال الإفريقي زوبعضها يتسلّل إلى السودان حيث يلتقي بعرب آخرين جاؤوا إلى ذلك القطر عبر البحر الأحمر (ص8).

ثم يخلص إلى أن "شبه الجزيرة ظلت طوال آلاف السنين خزانا بشريا تتدفق من أمواج بشؤية متتابعة"(ص9)

فالشخصية العربية تقوم في نظر الكتاب على عامل "الجنس" أولا ثم عامل "اللغة" فالعامل الأول كرّس في الأقطار العربية تركيبا إجتماعيا مشتركا و نمطا حياتيا واحدا (اي البداوة)، و الثاني – إي اللغة العربية- "قضى على اللهجات المحلية المتعددة و حافظ على وحدة التفكير و التعبير بين أفراد الأمة العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي"(ص11).

أما دور الإسلام فيعتبره الكتاب ثانويا لأن "إقبال السكان على الإسلام يعود إلى عامل الدم و القرابة"(ص11).

ملاحظات نقدية

نذكر بعض الملاحظات النقدية – و ليست كلها– على هذه الصورة.

  • حركة التعريب:

تحتل حركة التعريب مكانا مركزيا في الفكر القومي العربي، غير أن
الدراسات التي توصّل إليها الباحثون في الستينات و السبعينات على الخصوص لا تؤكدوها.

*فالتعريب عن طريق "الهجرتت المتتالية" هو في الواقع اسطورة صنعها بعض المفكرين. لقد وقعت هجرات القبائل العربية قبل الاسلام و بعده لكنها لا تثبت صورة "الجزيرة العربية كخزان بشري" كان وراء حركة التعمير أقطار المشرق و المغرب التي تعرف حاليا بإسم الأقطار العربية.

هذه الصورة توحي بأن هذه الأقطار كانت خالية من السكان أو تقريبا.

  • و التعريب عن طريق "شيوع نمط العيش العربي (البداوة) يحتاج طذلك غلى أدلّة لإثباته. صحيح أن حركة هجرة القبائل العربية إلى مناطق شاسعة قد إزدادت أهميته في العصور الإسلامية. لكن القبائل العربية التي إنتقلت إلى مصر و الشام و العراق و المغرب و غيرها من الأقطار العربية لم تزاول كلها تربية الماشية و لم تبق كلها على بداوتها. إن قسما منها إستقر في مناطق حضرية (المدن و أراض زراعية) و إنتقل إلى الزراعة و غيرها بفضل الإحتكاك بالشعوب الأصلية. وقد تأثرت هذه القبائل بعادات و تقاليد هذه الشعوب التي عاشت في وسطها.
  • و التعريب عن طريق التأثير الثقافي العربي يحتاج كذلك إلى أدلّة واضحة تدّعمه.
  • فالثقافة العربية الإسلامية "هي في الآساس" ثقافة نخبوية (culture de l’élite) أي أشعت في وسط ضيق (في المدن و القرى) و لم تشتمل الملايين من السكان الذين كانوا يعيشون في ظل الدولة العربية الإسلامية. ة بقي قسم هامّ من الشعوب في الدولة العربية الإسلامية على لغاتهم و تقاليدهم و غيرها.
  • تاريخ العرب الحديث

يضفي الفكر القومي العربي على تاريخ العرب "طابعا مقدسا". فالمؤرخون القوميون يتّجهون إلى الإنتقاء بالتركيز على "مفاخر العرب" و يعتبرون – عموما – الشعوب الأخرى – كالفرس – المغول، الأتراك ثم الأوروبيين – مسؤولين عن إنحطاطهم و تدهورهم.

  • إنهم يعتبرون الحضارات القديمة (مصر، الرافدين، المغرب) جزءا من الحضارة العربية. وحتى الدين الإسلامي، ينظرون عليه على أنه مفخرة قومية عربية أكثر ممّا هو رسالة موجّهة إلى البشرية كاملة.
  • إنهم يدعون العرب إلى أداء الرسالة المقدّسة – أي الوحدة – ودونها لا يمكن تحقيق سعادتهم و نهضتهم. فالأجانب هم الذين يقفون ضد وحدة العرب. فالإمبريالية ينظر إليها على أنها "شيطان" يدبّر المؤامرات ضد تحقيق أماني العرب.
  • عوامل التمايز و الإختلاف

  • يتّجه القوميون إلى تغييب عوامل التمايز و الإختلاف القائمة بين الشعوب العربية. فالإنتماء القطري – في نظرهم خيانة، أما الخصائص الثقافية و اللغوية لكل شعب فهي بدعة يجب محاربتها.

تعامل الكتاب مع التاريخ الوطني

تهميش تاريخ الجزائر

يحتل تاريخ الجزائلر الحديث و المعاصر مكانة غير هامة في الكتاب:

  • عدد الصفحات المخصّصة له قليل جدا: 22 صفحة من مجموع 268 صفحة يشتمل عليها الكتاب.
  • عدد الدروس الخاصة بالجزائر قليل جدا: 4 دروس مخصّصة لتاريخ الجزائر. و هي لا تكفي لتكريس الوعي بالتاريخ الوطني لدى التلميذ.
  • تقييم مبالغ فيه لبعض الأحداث التاريخية كحركة الإصلاح لإتصالها بالإصلاح الديني و النهضة الفكرية في العالم العربي.
  • وتشويه لأحداث أخرى: قراءة عروبية لثورة التحرير 1954.
  • تقزيم لموضوعات كالمقاومة المناهضة للإحتلال و المقاومة السياسية
    (تجربة الأمير عبد القادر يمر عليها مر الكرام خلافا لتجربة محمد علي).
  • تعتيم لموضوعات من التاريخ الإجتماعي و الإقتصادي و الثقافي (مثلا: الجزائر من 16 إلى 1830: درس واحد يتمثل في عموميات سياسية).

تقزيم تاريخ المغرب

  • مركز التحوّلات التاريخية الكبرى التي شهدها العالم العربي هو بلا جدال "المشرق لاغير.
  • فالكتاب يكرّس نظرة مشرقية محورية (orientalo-centriste) تهدف إلى تعتيم دور المغرب التاريخي.

الحقل المعرفي في الكتاب

ذكرنا من قبل أن الكتاب لا يتوفر على وسائل تربوية و علمية تكرس ثقافة تاريخية حقيقية، أي تكوين يتّسم بالعمق و الشمولية و المسؤولية.

إن غياب هذه الوسائل العلمية و التربوية لا يعود إلى إهمال بل يصدر عن رؤية نظرية و تربوية ترمي إلى إرساء ثقافة تعتمد على تمرير معلومات تاريخية في عقول التلاميذ و إلى ترويضهم على أنماط فكرية معيّنة كالتلقين و الحفظ و الاستظهار.

فالتلميذ في هذه الحالة مجرّد "خزّان" يستهلك معلومات في اتجاه لبي تقبلي بحيث ينشأ و هو خاضع خضوعا تاما لسلطة الكتاب.

  • إن النظرية القوميةالضيّقة التي لصقت بالكتاب حالت دون تحويله إلى وسيلة معرفية بها مادّة حيّة و مناهج محكمة تساعد التلميذ على تنمية قدراته العلمية و بناء شخصيته.
  • فكتاب التاريخ يجب أن يكون وسيلة لإعداد البحوث و الأعمال الشخصية منه ينهل التلميذ و المعلم على السواء.
  • يجب أن يتوفر على مادّة و مناهج تأخذ بعين الإعتبار مكاسب البحث التاريخي. فلا يجوز أن تكون مادة الكتاب سجينة البحوث التي قدّمت في الثلاثينات و الأربعينات.
  • لا يجوز أن تكون الفلسفة الإجتماعية التي يتضمّنها كتاب التاريخ عائقا في وجه استعمال ذكي للمكاسب العلمية الجديدة.

المراجع:

  • تاريخ العرب الحديث، المعهد التربوي الوطني، الجزائر.
  • ع. ح. الخربوطلي: التاريخ الموحّد للأمة العربية، القاهرة، 1970
  • RODINSON, les Arabes. Paris, 1979.
  • CERES, Université de Tunis : Actes du colloque : Le manuel scolaire, Tunis 1986.
  • BERQUE, Les Arabes d’hier à demain, Paris 1961.