Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

مقدمة

بداية أوضح أنني لا أملك إمكانيات البحث العلمي، وخاصة المنهجية التي تسمح لي بالتعمق في دراسة إشكالية مثل التي هي موضوع هذا الملتقى:" تعليم التاريخ في المنظومة التربوية".

غير أنني سأحاول أن أتقدم أمامكم بتصور ميداني، انطلاقا من تجربتي:

أولا: كمواطن جزائري أنتجته هذه المنظومة التربوية "العاجزة" في مجملها.

ثانيا: كطالب متخرج من جامعة جزائرية، همها الأول هو تخريج الدفعات وتقديم الأرقام "الإيجابية" للسلطات دون الاهتمام بطبيعة التكوين المقدم للطلبة ونوعيته.

ثالثا: كأستاذ يعيش يوميا وسط الرداءة منذ تنصيبه في سنة 1978م وإلى الآن، ويحاول المقاومة بإمكانيته البسيطة رغم الترغيب والترهيب الإداري الذي يتعرض له باستمرار.

قد يظهر هذا، تشاؤم وقلق في غير محله، لكنه في الحقيقة تعبير عن واقع متأزم، وطبيعي أن يكون هكذا، لأن المجتمع بأكمله يعيش أزمة خانقة، هذه الأزمة في نظري بالمنظومة التربوية في جوهرها، لأن هذه الأخيرة قد برمجت (بضم الباء وكسر الميم) من خارج المشروع الاجتماعي للثورة التحريرية الجزائرية من طرف قوى انتهزت افتقار الجزائر المستقلة للإطارات فتسلّقت إلى قمّة هرم هذه المنظومة واستثمرتها لإعادة "النموذج" الذي "استنسخت" طبق أصله (أثناء تواجدها خارج الحدود) فاخترعت "أزمة الهوية" وأوهمتها بالصراع الحضاري بين المعرّب والمفرنس (لغويا) وبين العربي والأمازيغي (قوميا) والمسلم وغير المسلم (دينيا) وقد صاغت هذا الخطاب في قالب القيم والثوابت مصبوغا بالقدسية حتى تعقدنا وتبطل مفعول مقاومتنا لمشروعها التغريبي.

إن التاريخ كان ولا يزال بخير في الذاكرة الشعبية، لكن الأزمة، أزمة التاريخ والهوية ظلت "تصاغ" داخل هذا المخبر الاجتماعي المسمى بالمنظومة التربوية من خلال البرامج والكتب والتوجيهات.

فكل مرة تلقي هذه المنظومة بحثالتها في الشارع لتنفجر في شكل حركات غريبة تماما عن طموحات المجتمع الجزائري، فهذه حركة التعريب تواجه المد التقدمي في الجامعة، ثم تخلفها الحركة الثقافة البربرية لتهميش النقاش حول الموضوع الثقافي الوطني وفي النهاية يسقط الكل في فخ "الإسلاموية" وكأن الجزائر لا يمكنها إلا أن تركع أمام الأحادية وهي تملك ديمومتها التاريخية من خلال تعدديتها الثقافية والحضارية عبر التاريخ.

إن هذه القوى الطفيلية قد مكنت من إفشال المشروع الاجتماعي التقدمي للثورة التحريرية الجزائرية من خلال "تلغيمها" لبرنامج تكوين الإنسان الجزائري المعاصر...

لقد أخفقنا في تحرير هذا الإنسان ولكن الأخطر من كل ما سبق التطرق إليه، أننا لازلنا، من خلال المعاهد التكنولوجية للتربية، نكرس هذا الإخفاق بوضع مستقبلنا (أطفالنا) بين يدي هذا الإنسان الفاشل الذي أنتجته نظام تربوي متخلف، ونعتبر هذه المداخلة المتواضعة صرخة من أجل الخروج من الحلقة المفرغة، ونعتبر هذه المداخلة المتواضعة صرخة من أجل الخروج من الحلقة المفرغة لإنتاج الرداءة في بلادنا من خلال عملية التكوين بالمعاهد التكنولوجية للتربية التي أدرجت مادة التاريخ ضمن برنامجها ولكنها همشته من خلال التطبيق.

المعاهد التكنولوجية للتربية

تقرر إنشاء المعاهد التكنولوجية للتربية عن طريق المرسوم رقم 70-155 المؤرخ في 1 أوت 1970 (مرجع1) على منوال المعاهد الجامعية للتكنولوجيا بفرنسا والمقصود من هذه العملية حسب آراء المشرفين على التكوين آنذاك " إقامة نسق تكوين كفيل بأن يستجيب فورا وبنجاعة لاحتياجنا الضخم معلمين من الابتدائية والمرحلة المتوسطة" ( مرجع 2).

وتنص المادة السادسة من المنشور المشار إليه أعلاه إلى أن التكوين يجب أن يتم في سنة واحدة فقط؛ ما عدا الحالات الاستثنائية التي تتطلب سنة تحضيرية.

وانطلاقا من هذا التصور المبني على تغطية الحاجيات في أسرع وقت، سمح للمترشحين باستظهار مستوياتهم فقط دون طلب أي شهادة ويظهر هذا بوضوح في المادة الخامسة من المرسوم رقم 70-177 المؤرخ في 23 نوفمبر 1970 والمتضمن القانون الأساسي لتلاميذ المعاهد التكنولوجية للتربية (مرجع 3).

كما أعطيت الأفضلية للجانب الثقافي الذي اعتبره المسؤولون من صلاحيات التعليم العالي ( مرجع 1).

و مما يلفت الانتباه أن هذا "الاختراع" المنسوخ عن المعاهد الجامعية للتكنولوجيا الفرنسية، لم يحترم حتى التحفطات التي أبداها أصحاب المشروع الأصلي (الفرنسيون) والذين يقرون بعد بحث معمق أن :" إعداد المعلمين الذي يتم لسنة واحدة بعد البكالوريا هو إعداد غير كاف وتافه، يجب إعادة النظر فيه كليا، وهذا يحتاج إلى دراسة عميقة وإلى تطور جار الآن في مواقف اتحادات المعلمين ونقاباتهم و الرأي العام" (4)

 إن المشرفين على إنشاء معاهدنا، يسجدون منذ البداية، ضد تيار النوعية والعصرنة والتجديد، حيث يتجاهلون النتائج المتوصل إليها في البلد الذي استقروا منه الفكرة ويقررون نهائيا التكوين في سنة واحدة ولا يلجأون حتى إلى السنة التحضيرية التي يسمح بها القانون. إنهم مقتنعون بأنه بالإمكان تكوين معلم أو أستاذ مثلما في التبريد أو التلحيم.

التلميذ-المتكون

فتحت المعاهد التكنولوجية للتربية أبوابها أمام التلاميذ المرفوظين من المنظومة التربوية في أغلب الحالات وذلك لعدم اشترطها أي شهادة واكتفائها بالمستوى مثل ما أسفلنا.

وعندما نلقي نظرة بسيطة على "توعية" هؤلاء التلاميذ الذين سيصبحون ابتداء من السنة الدراسية 1971-1972م أساتذة- معلمين أو مساعدين يمتلكنا الذعر والغيثان من هول الكارثة التي أصيبت بها المدرسة الجزائرية. وقد عرفت هذه النوعية عدة مراحل من الانتقاء:

المرحلة الأولى

التلاميذ-الأساتذة: مستوى السنة النهائية من التعليم الثانوي.

التلاميذ-المعلمون: مستوى السنة الثانية من التعليم الثانوي.

التلاميذ-المساعدون: مستوى السنة الرابعة من التعليم المتوسط.

هؤلاء يخضعون لاختبار انتقائي بسيط وشكلي.

أما الحاصلون على البكالوريا، شهادة الكفاءة أو شهادة التعليم المتوسط فيقبلون مباشرة وبدون أي امتحان.

المرحلة الثانية

ألغيت شعبة المساعدين في أغلب المعاهد وأصبح الدخول يتم كما يلي:

التلاميذ-الأساتذة: الحصول على البكالوريا بالإضافة إلى امتحان شفاهي.

التلاميذ- الأساتذة: مستوى السنة الثالثة ثانوي. مع الخضوع لامتحان دخول كتابي وشفاهي.

أما المتحصلون على البكالوريا والذين يرغبون في هذا فيخضعون لاختبار شفاهي شكلي.

ورغم هذا التقدم البسيط، فإن ظاهرة تشخيص المناصب لعبت دور، لأن المديرية الموظفة تتذرع بنقص التأطير في الأماكن النائية وتجبر الجنة على قبول تلاميذ دون المستوى بحجة أنهم يقيمون بالمنطقة التي تنقصها الإطارات.

المرحلة الثالثة

بدأ العمل، في بعض المعاهد، بطرق جديدة تتمثل في:

-اشترط شهادة البكالوريا مع امتحان كتابي وشفاهي لجميع المترشحين بالإضافة إلى دراسة مسارهم التربوي عن طريق كشف نقاط البكالوريا والنتائج المحصل عليها في السنة النهائية من التعليم الثانوي.

سمحت لنا هذه العملية بالتحكم في نوعية المترشحين نسبيا وضمان مستوى محترم ومتجانس لقسم الأساتذة وتوجيه الذين لم ييتمكنوا من الحصول على مناصب في شعب الأساتذة على قسم المعلمين حسب معدلاتهم وتفوقهم في اللغة العربية والرياضيات وحسب ترتيب دقيق.

المرحلة الرابعة

فاجأتنا وزارة التربية منذ 1989م باتفاق بينها وبين وزارة الجامعات بالعودة إلى نظام التوجيه المباشر من طرف المصالح الجامعية أما حسب رغبة الطالب الحاصل على البكالوريا أو حسب معدلاته وهكذا عدنا إلى مرحلة السبعينات وأمام طلبة تحصل أغلبهم على البكالوريا عن طريق الإنقاذ.

خلاصة: حاولت في هذه العجالة تقديم ملمح بسيط للتلميذ الذي يجده الأستاذ أمامه والذي سيضع المجتمع مستقيله* (أطفاله) بين يديه.

إن هذا الملمح يبيّن عدم التجانس فكريا ومعرفيا وحتى نفسيا، ولكن هذا لا يعني انعدام وجود فرديات إيجابية ممتازة* في بعض الأحيان ولكنها استثناءات في محيط من الرداءة، لا يقاس عليها.

إن تركيزي سينصّب على التلاميذ- المعلمين الذين يشكلون أغلبية المتكوينين في المعهد الذي أعمل به والذين سيتكفلون بأطفالنا ويقدمون لهم دروسهم الأولى في التاريخ في السنتين الخامسة والسادسة من التعليم الأساسي.

-إن أغلب هؤلاء التلاميذ- المعلمين اعتادوا عدم حضور حصص الاجتماعيات في التعليم الثانوي وهذا بشهادتهم.

-إن بعضهم لا يحسن الكتابة وحتى النطق السليم باللغة العربية في أبسط مستواها (إن وصولهم إلى السنة النهائية جاء ضمن النسبة المئوية للانتقال وليس نتيجة عملهم ومجهوداتهم أثناء الدراسة).

-إن الكتب التي وضعت بين أيديهم في مختلف مراحل دراستهم لم تجلبهم مواضيعها ولا أشكالها ولم تشجعهم على محاولة معرفة مضامينها. وهي في أغلبها تتناول قضايا بعيدة عن وطنهم وعن التحولات التي شهدها عبر التاريخ وتركز على أمور إيديولوجية أكثر منها معرفية.

-إنهم تعودوا على الحفظ والتسجيل في المتوسط والثانوي، حيث درس أكثرهم مادة التاريخ عن طريق السماع ولم يهتم الأساتذة بقدراتهم ومهاراتهم.

-إن أغلبيتهم لم يدربوا طيلة حياتهم الدراسية على الحوار المعرفي الجاد والاستنتاج والتقرب من الحقائق واتخاذ المواقف ولم يسمح لهم باستعمال نشاطاتهم الذهنية وقدراتهم فأصبحوا يعتقدون أن التاريخ هو الحقيقة المقدمة لهم من طرف الأستاذ وأصبح المطبوع والمكتوب على السبورة مقدسات مسلم بها يجب إعادة حفطها ونقلها كما هي أثناء الاختبار.

الأستاذ-المكون

إن وضع الأستاذ المكون (بضم الميم وكسر الواو) ليس بعيدا عم الوضع المتكون، إذ* أنه في أحيان كثيرة ينتمي إلى أحد الأصناف التالية:

أ- طالب مخضرم تحصل على شهادة الجامعية في نهاية الستينات بعد أن أمضى أكثر من نصف تعليمه في المدرسة الفرنسية.

ب- تلميذ فتح عينيه على المدرسة الجزائرية في بداية الاستقلال واستفاد من الإرث المعرفي قبل أن تشهد المنظومةالتربوية "زلزال الإصلاحات" المدمر، ثم التحق بالجامعة أو بالمدرسة العليا للأساتذة.

ج- تلميذ استفاد من " إصلاحات" السبعينات فوصل إلى الجامعة في أوج التحولات الديمقراطية مهما كان مستواه وبطرق مختلفة: سنة تحضيرية، انتداب إداري، الخ....

تلقى هذا الطالب تكوينا جامعيا يتراوح بين 6 و 8 سداسيات حسب فترة التحاقه بالجامعة.

والخاصية المشتركة لطلبة التاريخ الذين أصبحوا أساتذة مكونين يمكن تلخيصها في رأي الأستاذ عبد القادر جغلول:" المتخرجون الجامعيون في العلوم الإنسانية مثلا، لا يستطعون رؤية أنفسهم بطريقة عامة في التاريخ الجزائري. يمكن أن نسأل أغلب المجازين في التاريخ عن مؤرخي النهضة التاريخية الجزائرية، أي مؤرخ نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين، سنكشف أنهم لا يعرفون أي مؤرخ لحسن أو لسوء الحظ" (مرجع 5).

ويمكن سحب المثال على أغلب المراحل التاريخية الإنسانية دون إجحاف منا، إذ ليس غريبا أن يكون هذا هو حال المتخرجين من الجامعة الجزائرية، لأننا عندما نتبع مسار مكوينهم نجدهم (في أغلبهم أيضا) لا يحملون من "الجامعة" إلا "اللقب" فهم:

  1. موظفون بسطاء وصلوا إلى هذه المناصب في بداية الاستقلال باسم التعريب وتغطية الحاجيات وعن طريق السنوات التحضيرية وارتقوا بسرعة جنونية من إطار "الممرن الأمـّي" إلى الأستاذ الثانوي ثم الجامعي.
  1. متعاونون فرض عليهم تدريس بعض المواد التاريخية التي لا يتحكمون فيها ( وقد درسنا على أستاذ متخصص في" تاريخ الشرق الأقصى القديم" لا يعرف هذا الموضوع إلا ما يمليه من الكتاب في المدرج).
  2. أساتذة معينون في دائرة التاريخ ولكنهم مهتمون بتحضير شهادات أخرى تضمن لهم الهروب من معهد العلوم الاجتماعية ولا يهتمون بالمادة ولا بتكوين الطلبة فهم "مرابطون" في دائرة الحقوق ومدرجاتها بحثا عن أساتذة "يتكرمون" عليهم بعض النقاط.
  3. أساتذة مرتبطون بأجهزة النظام يشتغلون في الهياكل الحزبية أو الهيئات المنتخبة ويستعملونها مبررا للتنصل من مسؤولياتهم التربوية والتغييب عن العمل.
  4. أساتذة يملكون تكوينا جيدا لكن ظروف العمل سيئة أمقصت من إرادتهم وحولتهم إلى كسالى لا يقدمون للطلبة إلا القليل.

غير أن لا يفوتنا أن نشير إلى مجموعة استثنائية من الأساتذة الشباب والذين لا يشكلون أكثر من 10% من النسبة الإجمالية لطاقم التكوين الذين يستثمرون كل طاقاتهم وجهودهم في التكوين-الذاتي ويحاولون جادين نشر "عدوى" العمل والبحث العلمي بين الطلبة، بعضهم يعتبر هذا نضالا سياسيا من أجل نشر أفكاره التقدمية التي يؤمن بها والبعض الآخر يعتبره واجبا علميا ثقافيا، إلا أن هذه المجموعة رغم كل الجهود المبذولة ظل عملها مهمشا ولم تستطع التغلب على كل الصعوبات.

إن هذه الأسباب مجتمعة جعلت من المتخرجين من دائرة التاريخ والمتوجهين نحو التعليم، مرتبطين بمرجعية تاريخية متخلفة مضمونا، لارتباطها بمدرسة تقليدية، وشكلا لأنها لا تفهم بأن التاريخ حركة، بأن تدريسه يجب أن يشمل المعرفة العلمية ويستخدم مختلف المهارات للوصول بالملتقى إلى اتخاذ مواقف نقدية من الأحداث وصانعيها بل تعلمته رفي شكل ملخصات تحفظ ومطبوعات توزع.

يتخرج الطالب المجاز في التاريخ وهو يحصل زادا تاريخيا محدودا ينحصر في بعض الأعمال التي احتكرت مجال الكتابات التاريخية، ليس دائما، بفعل قدراتها وإمكانياتها المعرفية والإبداعية في ميدان العلوم الإنسانية، ولكن نظرا لتقربها من أجهزة النظام وطواعيتها في تكريس شرعيته بإنتاج خطاب تبريري لوجوده.

هذا باختصار كبير ملمح الأستاذ المكوّن الذي سيستقبل التلاميذ المعلمين والذين سيكونهم ليتحولوا إلى ناقلي الخطاب في المدرسة الابتدائية وهكذا تغلق الدائرة.

كيف تستقبل وزارة التربية هذا الطالب المجاز الذي سيتحول إلى مكون لأجيال من المعلمين والأساتذة؟

إنها تعينة في المنصب أما تلبية لطلبه إن كان متعاقدا معها أو بحكم شغور المنصب، إذ أن مصالحها لا تدرس ملمح هذا الأستاذ:

-من خلال جدول مقاييسه الجامعية والنقاط المحصل عليها.

-من خلال شهادات وملاحظات أساتذته لأنه لا يوجد أي ثمرة لمرتبة الاستحقاق على شهادة الليسانس.

ولا يفوتني في الأخير أن أشير إلى أن أغلبية الزملاء الذين عملت معهم لا يحملون شهادة ليسانس في التاريخ بل في مواد أخرى كالجغرافيا- الآداب- العلوم الإسلامية-علم الاجتماع- القانون (؟)

البرنامج

أ- برنامج التاريخ في المعهد التكنولوجي للتربية منذ (1979م) يمكن اعتباره برنامجا للتاريخ لا وطني، لأنه من ما قبل التاريخ إلى الاستقلال وهكذا يمكننا من الغوص في أعماق المجتمع الجزائري عبر تاريخه الطويل للوصول إلى المنابع الحضارية التي شكلت الهوية الوطنية والتي ساهمت بشكل فعال في صناعة التمدن الإنساني والبناء الحضاري من خلال تطورها المتمأني وتفاعلها الذكي مع محيطها الطبيعي والثقافي (البشري) مع المحافظة على كيانها وقيمها الإنسانية وأصالتها في تعاملها مع جميع الشعوب.

ب-يسمح هذا البرنامج للوحدة التربوية بتحديد الأهداف الخاصة بكب درس والتصرف حسب الإمكانيات والأولويات.

ج- يعطي الحرية الكاملة لهذه الوحدة في ضبط الأعمال التطبيقية وتحديد قائمة المصادر والمراجع والوثائق.

وينقسم البرنامج كالتالـي:

  • المغرب الكبير في عصور ما قبل التاريخ.

2-المغرب في العصر القديم:

-السكان علاقاتهم بإفريقيا وشعوب المتوسط

-قرطاجة وعلاقتها بالسكان

-الممالك المغربية الكبرى

-الاستعمار الثلاثي والمقاومة الشعبية

أوضاع المغرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينينة قبل الفتح.

3- المغرب الإسلامي:

-مراحل الفتح وموقف السكان من الفاتحين

-التطور الحضاري للمغرب

-أصول الحضارة الإسلامية

-المظهر السياسي للدولة المغربية الإسلامية

-المظهر الديني: انتشار الإسلام والصراع المذهبي.

-المظهر الاجتماعي

-المظهر الاقتصادي.

4-علاقات المغرب الإسلامية الحضارية:

بإفريقيا، ب-بالأندلس، ج-بالمشرق الإسلامي، د-بالدول المسيحية.

5-المغرب يتصدّى للهجمة المسيحية:

-الأسباب، - المراحل، -النتائج.

6- الأتراك بالجزائر:

-مكانة الجزائر في العهد العثماني،- الأوضاع الحضارية، - علاقة الجزائر بدول المتوسط والعالم (جوانب القوة والضعف).

7-الاستعمار الفرنسي:

-الأسباب،- مراحل إحتلال الجزائر، - المقاومة العسكرية أشكالها-تطورها-نتائجها).

8-السياسية الفرنسية في الجزائر ونتائجها:

-السياسة الإقتصادية، - السياسة الاجتماعية، -السياسة الثقافية والدينية،- السياسة الإدارية- ردود فعل الشعب الجزائري.

9-الحركة الوطنية ( 1912-1954):

-أصولها ، -إتجاهاتها وبرامج عملها، -ردود فعل فرنسا.

10- ثورة 1954:

-الأسباب، - المراحل، -ردود فعل فرنسا، - الدول العربية والثورة، -الشعوب العربية والثورة،العالم والثورة.

11-الاستقلال ومشكل ما بعد الاستقلال:

-المشاكل السياسية، - المشاكل الاقتصادية، - المشاكل الاجتماعية، -المشاكل الثقافية.

ملاحظة: إن هذا البرنامج لم يأت هبة من "الإدارة" ولكنه ثمرة جهود مجموعة من المكونين، من خلال الملتقيات المتعلقة بالتفكير في البرامج ومضامينها، كما أنه جاء اتفاقا على حد أدنى من "المعرفة العلمية" بين الأساتذة الذين لا زالت تتجاذبهم التيارات السياسية والإيديولوجية المختلفة (وهذا حق مشروع) ولكن الإشكال في أن بعضهم يريدون صب هذه الاختيارات بحذافرها في البرامج التعليمية.

ونعطي مثلا لهذا "الجناح" الذي تمكن بمساندة الإدارة من أدراج "مصطلح" السكان بدل الممالك الوطنية بدل الممالك الأمازيغية وتذويب اسم الجزائر في تعبير المغرب والدولة المغربية.

ولا يفوتنا أن نشير إلى أن هذا البرنامج لم يتغير منذ السنة الدراسية 85-1986 وهو برنامج موجه للمعلمين المعربين والمفرنسين وإلى كل أساتذة التعليم المتوسط بدون استثناء.

التوقيت

رغم إيجابية هذا البرنامج وخدمته للأهداف التربوية والعلمية للمنظومة التربوية، إلا أنه من غير الممكن تطبيقه حسب التوقيت المخصص له والذي يوزع كما يلي:

المعلمون (معربون ومفرنسون): 1 ساعة أسبوعيا من مجمل 36 ساعة أي بمعدل 20 ساعة سنويا من مجمل 700 ساعة دراسية.

التصنيف: يصنف التاريخ بالنسبة للمعلمين المعربين ضمن المواد المعرفية لكنه يأتي من حيث التوقيت بعد التربية الإسلامية (ساعتان) والتربية البدنية (ساعتان) والتي تصنف ضمن المواد المسلكية. أما بالنسبة لكل الشعب فتخصص له ساعة واحدة ويصنف ضمن المواد المسلكية.

ملاحظة: بالنسبة لشعب الأساتذة الذين يكونون في السنتين يمكن تطبيق هذا البرنامج نسبيا في حوالي 45ساعة من مجمل 1300ساعة تقريبا المخصصة للتكوين.

الوسائل التربوية

إذا كان المبرمج في حق البرنامج من حيث عدم تخصيص التوقيت الكافي لتكوين المعلمين الذين سيتولون تدريس هذه المادة لتلاميذهم في السنتين الخامسة والسادسة، فإن الوزارة لم تفكر البتة في إنتاج الوسائل التربوية، وكأنها تجهل تماما احتياجات هذا البرنامج، فما عدا بعض الخرائط الجغرافية العامة المتعلقة بالجزائر والمغرب العربي نلاحظ غياب الخرائط التاريخية والجداول الزمنية واللوحات والرسوم التوضيحية للشخصيات التاريخية، الخ...

هذه الإمكانيات التي يتفق كل المربيين على أهميتها في تدعيم المعارف النظرية الترسيخية في ذهنية المتلقي، لكن القائمين على التكوين لا زالوا
يتجاهلونها وكأنهم لم يستعملوا يوما بالمثل الصيني:" صورة واحدة تساوي ألف كلمة"....

كما أن مديرية التكوين لم تنجز لحد الآن الكتاب الذي يمكن طلبة المعهد من تعميق المعلومات التي يتلقونها في القسم. وحتى إن كان غياب الكتاب في رأيي الخاص غير مهم لأنه يترك الحرية الكاملة للأستاذ في البحث عن أهم المواضيع وأنسبها لمستوى كل شعبة، كما يسمح بتوجيه الطلبة والتعمق فيها من خلال المطالعة. غير أن هذه العمليات تحتاج إلى:

  1. المكتبة العلمية ذات المصادر والمراجع الأساسية للتكوين والبحث.
  2. الوقت الكافي الذي يسمح للطالب القيام بهذه العملية.
  3. الأستاذ- الباحث الذي يكون ملحقا بالجامعة أو بمراكز البحث حتى يتخصص جزءا من توقيته للبحث التربوي.

وفي غياب هذه الشروط فإن المعاهد حاليا تشبه المتوسطات في أحسن الحالات من خلال التوقيت الأسبوعي (36 ساعة) والتنظيم التربوي الذي لا زال يعتبر الطلبة قصرا رغم بلوغ أكثرهم من سن الرشد ويعاملهم كالأطفال الصغار. وبهذا فقد المعهد سبب وجوده الذي ظهر على الساحة التربوية من أجله وهو تمكين الطلبة من التدرب على تقنيات اكتساب المعرفة وتقديمها (المنهجية) التي تسمح للمتلقي باستعمال الثروة المعرفية التي اكتسبها عبر مساره الدراسي ( مهما كانت درجتها) في فهم الطرق التربوية المختلفة لتوصيل هذه المعرفة حسب ظروف ومستويات الأطفال لأن مهمة المعهد هي تخرج معلم "قد تعلم كيف يعلم".

وفي النهاية من هذه المداخلة المتواضعة تركيزي على تكوين المعلم بصفة عامة وعدم حصر الإشكالية في مادة التاريخ لم تستعاد إلا من خلال توضيح هدف التكوين...

فإذا كان هدف المشروع الاجتماعي الجزائري هو تكوين مواطنين غير مستنسخين طبق الأصل لنموذج معين...

وإذا كان الهدف هو إعداد الإنسان المبدع، صاحب التفكير المعرفي... والفكر الناقد والمتفحص لحركة المجتمع الذي ينتمي إليه...

وإذا كان الهدف هو اطلاعه على مختلف القوى المتحركة داخل هذا المجتمع ومختلف العوامل المؤثرة في تطوره أو العاملة على تخلفه...

وإذا كان الهدف هو تكوين الإنسان الحر، والشخصية المتكاملة، المتشبع بقيم مجتمعه (الإيجابية) وبالروح الديمقراطية المبدعة الخلاقة التي تمكنه من فهم هذا العالم الذي يعيش فيه...

وإذا أردنا أن نضع حدا لإنتاج جيل معوق فكريا وحضاريا...، فإنه حان الوقت أن نعطي للتاريخ عامة والوطن خاصة مكانته وإمكانيته لمساعدة المجتمع الجزائري المعاصر على تخطي هذه الأزمة التي بدأت تشل أهم عضو في تركيبه الحضاري: العقل...

المراجع

1- الجريدة الرسمية، رقم 67 ليوم الجمعة 7 أوت 1970م، الصفحتين 749-750

  • المرسوم رقم 70-115 بتاريخ 1 أوت 1970م، المتضمّن إنشاء المعاهد التكنولوجية للتربية

2-همزة الوصل،  العدد 9، السنة 1975-1976م، "تحديد دور المعلمين: المعاهد التكنولوجية للتربية" ص 16.

3-الجريدة الرسمية، رقم 99 ليوم الجمعة 27 نوفمبر 1970م، الصفحات 1223-1124-1121.

4-المعاهد الجامعية للتكنولوجيا، تأليف ميشل ايف برنار، ترجمة أحمد القدري- حسن الحركي، مطبعة دمشق 1976م، الصفحة 124.

5-أنتلجنسيا أم مثقفون في الجزائر، د.عمار بلحسن، دار الحداثة، الطبعة الأولى، 1986م.

6-حوار مع عبد القدر جغلول أجراه الصحفي محمد بلحي  للجزائر أحداث، ع. 846، الأسبوع 7-13جانفي 1982م، ص 59.